الخميس، 10 يونيو، 2010

عون المعبود شرح سنن أبي داود كتاب الأدب

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كتاب الأدب

 

الأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا, وقيل الأخذ بمكارم الأخلاق , وقيل الوقوف مع المستحسنات , وقيل : هو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك , وقيل : إنه مأخوذ من المأدبة , وهي الدعوة إلى الطعام , سمي بذلك لأنه يدعى إليه.

 

‏باب ‏ ‏في الحلم وأخلاق النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مخلد بن خالد الشعيري ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عمر بن يونس ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عكرمة يعني ابن عمار ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏إسحق يعني ابن عبد الله بن أبي طلحة ‏ ‏قال قال ‏ ‏أنس ‏
‏كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من أحسن الناس خلقا فأرسلني يوما لحاجة فقلت والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق فإذا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قابض بقفاي من ورائي فنظرت إليه وهو يضحك فقال يا ‏ ‏أنيس ‏ ‏اذهب حيث أمرتك قلت نعم أنا أذهب يا رسول الله قال ‏ ‏أنس ‏ ‏والله ‏ ‏لقد خدمته سبع سنين ‏ ‏أو تسع سنين ‏ ‏ما علمت قال لشيء صنعت لم فعلت كذا وكذا ولا لشيء تركت هلا فعلت كذا وكذا ‏.

عون المعبود شرح سنن أبي داود

‏( فقلت والله لا أذهب ) ‏
‏: قال في فتح الودود : ظاهره أن أنسا قال له صلى الله عليه وسلم وعليه حمله شراح الحديث ويرد عليه أنه كيف خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وكيف حلف بالله كاذبا , وكيف حمله النبي صلى الله عليه وسلم على الذهاب بعد الحلف , وأجاب في بعض الشروح عن بعض هذه الإيرادات بجواب يصلح جوابا عن الكل فقال إن هذا القول صدر عن أنس في صغره وهو غير مكلف انتهى ‏
‏( فخرجت حتى أمر على صبيان ) ‏
‏: أي فخرجت أذهب إلى أن مررت على صبيان وجاء بصيغة المضارع استحضارا لتلك الحالة ‏
‏( وهم يلعبون في السوق ) ‏
‏: حال من صبيان ‏
‏( فإذا ) ‏
‏: للمفاجأة
‏( قابض ) ‏
‏: أي آخذ ‏
‏( بقفاي ) ‏
‏: بفتح ياء المتكلم , والقفا مؤخر العنق ‏
‏( فنظرت إليه ) ‏
‏: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏
‏( وهو يضحك ) ‏
‏: حال من الضمير المجرور
‏( فقال يا أنيس ) ‏
‏: تصغير أنس ‏
‏( اذهب ) ‏
: وفي رواية مسلم أذهبت ‏
‏( سبع سنين أو تسع سنين ) ‏
‏: شك من الراوي , وفي رواية مسلم تسع سنين بغير الشك ‏
‏( هلا فعلت ) ‏
‏: هلا بتشديد اللام ومعناها إذا دخلت على الماضي التوبيخ أو اللوم على ترك الفعل . والمعنى لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء لم أصنعه وكنت مأمورا به لم لا صنعته . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه مسلم وفيه تسع سنين من غير شك .

 

‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن مسلمة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سليمان يعني ابن المغيرة ‏ ‏عن ‏ ‏ثابت ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏قال ‏
‏خدمت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏عشر سنين ‏ ‏بالمدينة ‏ ‏وأنا غلام ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن أكون عليه ‏ ‏ما قال لي فيها أف قط وما قال لي لم فعلت هذا أو ألا فعلت هذا.

عون المعبود شرح سنن أبي داود

‏( خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ) ‏
: وفي الرواية المتقدمة تسع سنين فمعناه أنها تسع سنين وأشهر فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة عشر سنين وخدمه أنس في أثناء السنة الأولى ففي رواية التسع لم يحسب الكسر وفي رواية العشر حبها سنة كاملة وكلاهما صحيح كذا قال النووي ‏
‏( ليس كل أمري ) ‏
‏: أي ليس كل خدمة من خدماتي التي خدمت بها النبي صلى الله عليه وسلم ‏
‏( كما يشتهي صاحبي ) ‏
‏: أي النبي صلى الله عليه وسلم
‏( أن يكون ) ‏
‏: أي أمري عليه أي على ما يشتهي أي مما يكون موافقا لما يشتهيه صاحبي , يريد به النبي صلى الله عليه وسلم , بل كان منها ما يكون مخالفا لما يشتهيه صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يقل في شيء مما خالف ما يشتهيه في مدة الخدمة وهي عشر سنين كلمة أف قط , وهذا من كمال خلقه الجميل ‏
‏( ما قال لي فيها ) ‏
‏: أي في مدة خدمتي وهي عشر سنين ‏
‏( أف ) ‏
‏: قال الحافظ : الأف كل مستقذر من وسخ كقلامة الظفر وما يجري مجراها , ويقال ذلك لكل مستخف به , ويقال أيضا عند تكره الشيء وعند التضجر من الشيء . وفي أف عدة لغات الحركات الثلاث بغير تنوين وبالتنوين وهذا كله مع ضم الهمزة والتشديد . قال وفيها لغات كثيرة ‏
‏( أم ) ‏
‏: بفتح الهمزة وسكون الميم بمعنى أو
‏( ألا ) ‏
‏: بفتح الهمزة والتشديد بمعنى هلا . والحديث سكت عنه المنذري . ‏

 

‏حدثنا ‏ ‏هارون بن عبد الله ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو عامر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن هلال ‏ ‏أنه سمع ‏ ‏أباه ‏ ‏يحدث قال قال ‏ ‏أبو هريرة ‏ ‏وهو يحدثنا ‏
‏كان النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يجلس معنا في المجلس يحدثنا فإذا قام قمنا قياما حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه فحدثنا يوما فقمنا حين قام فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه ‏ ‏فجبذه ‏ ‏بردائه فحمر رقبته قال ‏ ‏أبو هريرة ‏ ‏وكان رداء خشنا فالتفت فقال له الأعرابي احمل لي على بعيري هذين فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا وأستغفر الله لا وأستغفر الله لا وأستغفر الله لا أحمل لك حتى ‏ ‏تقيدني ‏ ‏من ‏ ‏جبذتك ‏ ‏التي ‏ ‏جبذتني ‏ ‏فكل ذلك يقول له الأعرابي والله لا ‏ ‏أقيدكها ‏ ‏فذكر الحديث قال ثم دعا رجلا فقال له احمل له على بعيريه هذين على بعير شعيرا وعلى الآخر تمرا ثم التفت إلينا فقال انصرفوا على بركة الله تعالى

عون المعبود شرح سنن أبي داود

( فإذا قام قمنا ) ‏
‏: أي لانفضاض المجلس لا للتعظيم لأنهم ما كانوا يقومون له مقبلا فكيف يقومون له مدبرا ‏
‏( قياما ) ‏
‏: أي وقوفا ممتدا
‏( حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه ) ‏
‏: ولعلهم كانوا ينتظرون رجاء أن يظهر له حاجة إلى أحد معهم أو يعرض له رجوع إلى الجلوس معهم , فإذا أيسوا تفرقوا ولم يقعدوا لعدم حلاوة الجلوس بعده صلى الله عليه وسلم ‏
‏( فجبذه)
‏: أي جذبه ‏
‏( بردائه ) ‏
‏: أي ردائه صلى الله عليه وسلم
‏( فحمر ) ‏
‏: من التحمير , وهذا من عادة جفاة العرب وخشونتهم وعدم تهذيب أخلاقهم . وقيل لعله كان من المؤلفة ولهذا قال ما قال
‏( فالتفت )
‏: أي النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأعرابي : ‏
‏( فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ) ‏
‏: أي لا أحمل لك من مالي ‏
‏( وأستغفر الله)
‏: أي إن كان الأمر على خلاف ذلك . ‏
‏قال السيوطي في مرقاة الصعود : وهذا من حسن العبارة لأن حذف الواو يوهم نفي الاستغفار وقال الفخر الرازي : روي عن أبي بكر الصديق أنه دخل السوق فقال لبياع أتبيع هذا الثوب فقال لا عافاك الله قال له أبو بكر لو علمتم قل لا وعافاك الله . ‏
‏وهذا من لطائف النحو لأنه عند حذفها يوهم كونه دعاء عليه وعند ذكر الواو لا يبقى ذلك الاحتمال انتهى ‏
‏( حتى تقيدني ) ‏
‏: من الإقادة ‏
‏( فكل ذلك يقول له الأعرابي والله لا أقيدكها ) ‏
‏: أي الجبذة وكأنه أراد لكمال كرمه صلى الله عليه وسلم أنه يعفو البتة. وفي رواية النسائي بعد قوله ولا من مال أبيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا وأستغفر الله لا أحمل لك حتى تقيدني مما جبذت برقبتي , فقال الأعرابي لا والله لا أقيدك , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات كل ذلك يقول لا والله لا أقيدك " ‏
‏( فذكر الحديث ) ‏.
‏وقد ذكر النسائي ما حذفه المؤلف ففيه " فلما سمعت قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعا فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عزمت على من سمع كلامي أن لا يبرح مقامه حتى آذن له " ‏
‏( ثم دعا ) ‏
‏: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي الحديث بيان كمال خلقه صلى الله عليه وسلم وحلمه وصفحه . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه النسائي , وقال الدارقطني تفرد به محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وسئل الإمام أحمد عن محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة فقال ثقة وقال مرة ليس به بأس قيل أبوه قال لا أعرفه . وسئل أبو حاتم الرازي عن محمد بن هلال قال صالح وأبوه ليس بالمشهور .


تعليقات الحافظ ابن قيم الجوزية

قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس قال " كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية , فأدركه أعرابي , فجبذه بردائه جبذة شديدة , فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم , وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته , ثم قال : يا محمد , مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه , فضحك , ثم أمر له بعطاء". ‏
‏وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ليس الشديد بالصرعة , إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " . ‏
‏وفي الصحيحين عن أبي هريرة " أن رجلا قال للنبي : أوصني قال : لا تغضب , فردد مرارا , قال : لا تغضب " . ‏
‏وفي الصحيحين عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الحياء لا يأتي إلا بخير " . ‏
‏وفيهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الحياء شعبة من الإيمان " . ‏
‏وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها , فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه " .
‏وزاد الترمذي " وإن الله يبغض الفاحش البذيء " . ‏
‏وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم ؟ قال : البر : حسن الخلق , والإثم ما حاك في نفسك , وكرهت أن يطلع عليه الناس " .
‏وروى الترمذي عن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار ؟ فقال : الفم والفرج " وقال : حديث حسن صحيح . ‏
‏وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا , وخياركم خيركم لنسائهم " رواه الترمذي وقال حسن صحيح . ‏
‏وفي الترمذي أيضا عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا , وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون قالوا يا رسول الله , قد علمنا الثرثارون والمتشدقون , فما المتفيهقون , قال المتكبرون " قال الترمذي : حديث حسن . ‏
‏والثرثار هو الكثير الكلام بتكلف , والمتشدق المتطاول على الناس بكلامه الذي يتكلم فيه بملء فيه تفاصحا وتفخما وتعظيما لكلامه , والمتفيهق . أصله من الفهق وهو الامتلاء , وهو الذي يملأ فمه بالكلام , ويتوسع فيه تكثرا وارتفاعا وإظهارا لفضله على غيره , قال الترمذي قال عبد الله بن المبارك " حسن الخلق طلاقة الوجه , وبذل المعروف , وكف الأذى " .
‏وقال غيره " حسن الخلق قسمان أحدهما مع الله عز وجل , وهو أن يعلم أن كل ما يكون منك يوجب عذرا , وكل ما يأتي من الله يوجب شكرا , فلا تزال شاكرا له معتذرا إليه سائرا إليه بين مطالعة وشهود عيب نفسك وأعمالك . ‏
‏والقسم الثاني : حسن الخلق مع الناس . ‏
‏وجماعة أمران : بذل المعروف قولا وفعلا , وكف الأذى قولا وفعلا . ‏
‏وهذا إنما يقوم على أركان خمسة : العلم والجود والصبر وطيب العود وصحة الإسلام أما العلم فلأنه يعرف معاني الأخلاق وسفسافها , فيمكنه أن يتصف بهذا ويتحلى به ويترك هذا ويتخلى عنه . ‏
‏وأما الجود فسماحة نفسه وبذلها وانقيادها لذلك إذا أراده منها . ‏
‏وأما الصبر فلأنه إن لم يصبر على احتمال ذلك والقيام بأعبائها لم يتهيأ له . ‏
‏وأما طيب العود : فأن يكون الله تعالى خلقه على طبيعة منقادة سهلة القياد , وسريعة الاستجابة لداعي الخيرات . ‏
‏والطبائع ثلاثة : طبيعة حجرية صلبة قاسية , لا تلين ولا تنقاد , وطبيعة مائية هوائية سريعة الانقياد مستجيبة لكل داع كالغصن أي نسيم مر يعصفه وهاتان منحرفتان . الأولى : لا تقبل والثانية لا تحفظ , وطبيعة قد جمعت اللين والصلابة والصفاء , فهي تقبل بلينها وتحفظ بصلابتها , وتدرك حقائق الأمور بصفائها , فهذه الطبيعة الكاملة التي ينشأ عنها كل خلق صحيح . ‏
‏وأما صحة الإسلام : فهو جماع ذلك , والمصحح لكل خلق حسن , فإنه بحسب قوة إيمانه وتصديقه بالجزاء . وحسن موعود الله وثوابه يسهل عليه تحمل ذلك . له الاتصاف به , والله الموفق المعين . ‏

 

‏باب ‏ ‏في الوقار

بفتح الواو . في القاموس : الوقار كسحاب الرزانة انتهى , وفي المصباح : الوقار الحلم والرزانة وهو مصدر وقر بالضم مثل جمل جمالا , والوقار العظمة , أيضا ووقر وقرا من باب وعد جلس بوقار انتهى .

‏حدثنا ‏ ‏النفيلي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏زهير ‏ ‏حدثنا ‏ ‏قابوس بن أبي ظبيان ‏ ‏أن ‏ ‏أباه ‏ ‏حدثه حدثنا ‏ ‏عبد الله بن عباس ‏
‏أن نبي الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏إن ‏ ‏الهدي ‏ ‏الصالح ‏ ‏والسمت ‏ ‏الصالح ‏ ‏والاقتصاد ‏ ‏جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( إن الهدي الصالح ) ‏
‏: بفتح الهاء وسكون الدال المهملة أي الطريقة الصالحة ‏
‏( والسمت الصالح ) ‏
‏: بفتح السين المهملة وسكون الميم هو حسن الهيئة والمنظر وأصله الطريق المنقاد . وفي النهاية أي حسن هيئته ومنظره في الدين وليس من الحسن والجمال انتهى ‏
‏( والاقتصاد )
‏: أي سلوك القصد في الأمور القولية والفعلية والدخول فيها برفق على سبيل يمكن الدوام عليه ‏
‏( جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة ) ‏
‏أي إن هذه الخصال منحها الله تعالى أنبياءه فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها وليس معنى الحديث أن النبوة تتجزأ أو لا أن من جمع هذه الخصال كان فيه جزء من النبوة , فإن النبوة غير مكتسبة بالأسباب وإنما هي كرامة من الله تعالى لمن أراد إكرامه بها من عباده , وقد ختمت بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقال العلقمي : وقد يحتمل وجها آخر وهو أن من اجتمعت له هذه الخصال تلقته الناس بالتعظيم والتبجيل والتوقير وألبسه الله عز وجل لباس التقوى الذي تلبسه أنبياؤه , فكأنها جزء من النبوة كذا في السراج المنير للعزيزي . ‏
‏وقال السيوطي : وفي رواية الطبراني جزء من خمسة وأربعين جزءا وفي رواية أخرى له جزء من سبعين جزءا قال الخطابي : هدي الرجل حاله ومذهبه وكذلك سمته , وأصل السمت الطريق المنقاد والاقتصاد سلوك القصد في الأمر والدخول فيه برفق وعلى سبيل يمكن الدوام عليه , يريد أن هذه الخلال من شمائل الأنبياء ومن الخصال المعدودة من خصائلهم وأنها جزء من أجزاء خصائلهم فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها انتهى . ‏
‏قال المنذري : في إسناده قابوس بن أبي ظبيان حصين بن جندب الجنبي كوفي لا يحتج بحديثه , وجنب بطن من مذحج وهو بفتح الجيم وسكون النون وبعدها باء موحدة . ‏
‏وظبيان بفتح الظاء المعجمة وكسرها وبعدها باء بواحدة ساكنة وياء آخر الحروف مفتوحة وبعد الألف نون .

 

‏باب ‏ ‏من كظم غيظا

قال في النهاية : كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏ابن السرح ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ابن وهب ‏ ‏عن ‏ ‏سعيد يعني ابن أبي أيوب ‏ ‏عن ‏ ‏أبي مرحوم ‏ ‏عن ‏ ‏سهل بن معاذ ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏
‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء ‏
‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏اسم ‏ ‏أبي مرحوم ‏ ‏عبد الرحمن بن ميمون ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عقبة بن مكرم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الرحمن يعني ابن مهدي ‏ ‏عن ‏ ‏بشر يعني ابن منصور ‏ ‏عن ‏ ‏محمد بن عجلان ‏ ‏عن ‏ ‏سويد بن وهب ‏ ‏عن ‏ ‏رجل ‏ ‏من أبناء ‏ ‏أصحاب النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏قال ‏ ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏نحوه قال ملأه الله أمنا وإيمانا لم يذكر قصة دعاه الله زاد ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه ‏ ‏قال ‏ ‏بشر ‏ ‏أحسبه قال تواضعا ‏ ‏كساه الله ‏ ‏حلة الكرامة ‏ ‏ومن ‏ ‏زوج لله ‏ ‏تعالى توجه الله تاج الملك ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( من كظم غيظا ) ‏
‏: أي اجترع غضبا كامنا فيه
‏( أن ينفذه ) ‏
‏: من التنفيذ والإنفاذ أي يمضيه ‏
‏( دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق ) ‏
‏: أي شهره بين الناس وأثنى عليه وتباهى به , ويقال في حقه هذا الذي صدرت منه هذه الخصلة العظيمة ‏
‏( حتى يخيره ) ‏
‏أي يجعله مخيرا ‏
‏( من أي الحور العين شاء ) ‏
: أي في أخذ أيهن , وهو كناية عن إدخاله الجنة المنيعة وإيصاله الدرجة الرفيعة .
‏قال الطيبي : وإنما حمد الكظم لأنه قهر للنفس الأمارة بالسوء , ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس } . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وابن ماجه , وقال الترمذي حسن غريب هذا آخر كلامه وسهل بن معاذ بن أنس الجهني ضعيف , والذي روى عنه هذا الحديث أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون الليثي مولاهم المصري ولا يحتج بحديثه . ‏
‏( حدثنا عقبة بن مكرم ) ‏
: بمضمومة وسكون كاف وفتح راء ‏
‏( نحوه ) ‏
‏: أي نحو الحديث المذكور
‏( قال ملأه الله أمنا وإيمانا لم يذكر قصة دعاه الله ) ‏
‏: أي قال ملأه أمنا وإيمانا مكان دعاه الله إلخ ‏
‏( ثوب جمال ) ‏
‏: أي زينة
‏( قال بشر ) ‏
‏: يعني ابن منصور ‏
‏( أحسبه ) ‏
: أي محمد بن عجلان ‏
‏( تواضعا ) ‏
‏: وهو مفعول له لترك أي أحسب وأظن أن محمد بن عجلان قال بعد قوله وهو يقدر عليه لفظ تواضعا ولكن لا أجزمه ‏
( كساه الله حلة الكرامة ) ‏
‏: أي أكرمه الله وألبسه من ثياب الجنة
‏( ومن زوج ) ‏
‏: مفعوله محذوف أي من يحتاج إلى الزواج ‏
( لله ) ‏
‏: أي ابتغاء لمرضاته , وقيل من زوج كريمته لله تعالى , وقيل من أعطى لله اثنين من الأشياء وفي المشكاة " من تزوج لله " بزيادة التاء . قال القاري : في المرقاة أي بأن ينزل عن درجته فيتزوج من هي أدنى مرتبة منه ابتغاء لمرضاة ربه. أو أراد بالتزوج صيانة دينه وحفظ نسله ‏
‏( توجه الله ) ‏
‏: بتشديد الواو أي ألبسه وهو كناية عن إجلاله وتوقيره أو أعطي تاجا ومملكة في الجنة .
‏قال المنذري : فيه رواية مجهول .

 

‏حدثنا ‏ ‏أبو بكر بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو معاوية ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏إبراهيم التيمي ‏ ‏عن ‏ ‏الحارث بن سويد ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ما تعدون الصرعة فيكم قالوا الذي لا يصرعه الرجال قال لا ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( ما تعدون الصرعة ) ‏
‏: بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن همزة ولمزة من يصرع الناس . ‏
‏قال العلقمي : بضم الصاد المهملة وفتح الراء الذي يصرع الناس كثيرا بقوته والهاء للمبالغة في الصفة . والصرعة بضم الصاد وسكون الراء بالعكس وهو من يصرعه غيره كثيرا انتهى ‏
‏( قالوا )
‏: أي الصحابة رضي الله عنهم ‏
‏( ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب(
‏: أي عند ثورانه فيقهر نفسه ويكظم غضبه . قال المنذري : وأخرجه مسلم أتم منه . ‏

 

 

 

‏ ‏باب ‏ ‏ما يقال عند الغضب ‏

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏يوسف بن موسى ‏ ‏حدثنا ‏ ‏جرير بن عبد الحميد ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الملك بن عمير ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن أبي ليلى ‏ ‏عن ‏ ‏معاذ بن جبل ‏ ‏قال ‏
‏استب رجلان عند النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فغضب أحدهما غضبا شديدا حتى خيل إلي أن أنفه يتمزع من شدة غضبه فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجده من الغضب فقال ما هي يا رسول الله قال يقول ‏ ‏اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم قال فجعل ‏ ‏معاذ ‏ ‏يأمره فأبى ‏ ‏ومحك ‏ ‏وجعل يزداد غضبا ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( استب رجلان ) ‏
‏: أي سب أحدهما الآخر
‏( حتى خيل ) ‏
‏: بصيغة المجهول من التخييل ‏
‏( إلي )
‏: بتشديد التحتية ‏
‏( أن أنفه يتمزع ) ‏
‏: أي يتشقق ويتقطع , والمزعة هي القطعة من الشيء قاله الخطابي ‏
‏( فقال ما هي)
‏: أي قال معاذ ما تلك الكلمة ‏
‏( فجعل معاذ يأمره ) ‏
: أي الرجل الغضبان بقول تلك الكلمة ‏
‏( ومحك ) ‏
‏: بالحاء المهملة من باب علم ومنع أي لج في الخصومة . وفي الحديث أنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ فيقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم , وأنه سبب لزوال الغضب . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي هذا حديث مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل مات معاذ في خلافة عمر بن الخطاب , وقتل عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام ابن ست سنين , وما قاله الترمذي ظاهر جدا فإن البخاري ذكر ما يدل على أن مولد عبد الرحمن سنة سبع عشرة , وذكر غير واحد أن معاذ بن جبل توفي في الطاعون سنة ثماني عشرة وقيل سنة سبع عشرة . وقد أخرج النسائي هذا الحديث من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب وهذا متصل .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏أحمد بن حنبل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو معاوية ‏ ‏حدثنا ‏ ‏داود بن أبي هند ‏ ‏عن ‏ ‏أبي حرب بن أبي الأسود ‏ ‏عن ‏ ‏أبي ذر ‏ ‏قال ‏
‏إن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال لنا ‏ ‏إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ‏
‏حدثنا ‏ ‏وهب بن بقية ‏ ‏عن ‏ ‏خالد ‏ ‏عن ‏ ‏داود ‏ ‏عن ‏ ‏بكر ‏ ‏أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بعث ‏ ‏أبا ذر ‏ ‏بهذا الحديث ‏ ‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏وهذا أصح الحديثين ‏

 


‏( فإن ذهب عنه الغضب ) ‏
‏: أي فبها ‏
( وإلا فليضطجع ) ‏
‏: قال الخطابي : القائم متهيئ للحركة والبطش والقاعد دونه في هذا المعنى والمضطجع ممنوع منهما فيشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بالقعود والاضطجاع لئلا يبدر منه في حال قيامه وقعوده بادرة يندم عليها في ما بعد انتهى . والحديث تكلم عليه المنذري وأبو داود بعد الحديث الآتي. ‏
‏( عن داود ) ‏
‏: هو ابن أبي هند ‏
‏( بعث أبا ذر ) ‏
‏: أي لحاجة من حاجاته ثم قال له ‏
‏( بهذا الحديث ) ‏
‏: أي المذكور ‏
( وهذا أصح الحديثين ) ‏
‏: يعني أن حديث وهب بن بقية أصح من حديث أحمد بن حنبل . ‏
‏قال المنذري : يريد أن المرسل أصح , وقال غيره إنما يروي أبو حرب بن أبي الأسود عن عمه عن أبي ذر ولا يحفظ له سماع من أبي ذر انتهى . ‏
‏وقال المزي في الأطراف : إنما يروي أبو حرب عن عمه عن أبي ذر ولا يحفظ له سماع عن أبي ذر , ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه بإسناده , ورواه فيه عن أبي الأسود انتهى .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏بكر بن خلف ‏ ‏والحسن بن علي ‏ ‏المعنى ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏إبراهيم بن خالد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو وائل القاص ‏ ‏قال دخلنا على ‏ ‏عروة بن محمد السعدي ‏ ‏فكلمه رجل فأغضبه فقام فتوضأ ثم رجع وقد توضأ ‏ ‏فقال حدثني ‏ ‏أبي ‏ ‏عن ‏ ‏جدي ‏ ‏عطية ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( فكلمه ) ‏
‏: أي عروة بن محمد ‏
‏( فأغضبه ) ‏
‏: أي أغضب الرجل عروة ‏
‏( فقام ) ‏
‏: أي عروة
‏( إن الغضب من الشيطان ) ‏
‏: أي من أثر وسوسته ‏
‏( وإن الشيطان خلق ) ‏
‏: بصيغة المجهول ‏
‏( من النار ) ‏
‏: قال تعالى { والجان خلقناه من قبل من نار السموم } وقال { خلقتني من نار } وهذا دليل على أنه من الجن لأن الملائكة خلقوا من النور قاله القاري ‏
‏( وإنما تطفأ )
‏: بصيغة المجهول مهموزا أي تدفع ‏
‏( فليتوضأ ) ‏
‏: أي وضوءه للصلاة وإن كان على وضوء . ‏
‏قال المنذري : عطية هذا هو ابن سعد ويقال ابن قيس ويقال ابن عمرو بن عروة سعدي من بني بكر بن هوازن ونزل الشام وكان مولده بالبلقا وله صحبة وكنيته أبو محمد .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في التجاوز في الأمر ‏

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن مسلمة ‏ ‏عن ‏ ‏مالك ‏ ‏عن ‏ ‏ابن شهاب ‏ ‏عن ‏ ‏عروة بن الزبير ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها ‏ ‏أنها قالت ‏
‏ما خير رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله بها ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( ما خير ) ‏
‏: بصيغة المجهول من التخيير
‏( إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ) ‏
‏: فيه استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراما أو مكروها . ‏
‏قال القاضي : ويحتمل أن يكون تخييره صلى الله عليه وسلم هاهنا من الله تعالى فيخيره فيما فيه عقوبتان أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة أو الاقتصاد وكان يختار الأيسر في كل هذا . قال وأما قولها ما لم يكن إثما فيتصور إذا خيره الكفار والمنافقون , فأما إن كان التخيير من الله تعالى أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعا كذا في شرح مسلم للنووي ‏
‏( فإن كان ) ‏
‏: أي أيسر الأمرين ‏
‏( إثما كان ) ‏
‏: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم
‏( منه ) ‏
‏: أي من أيسرهما الذي يكون إثما ‏
‏( إلا أن ينتهك حرمة الله ) ‏
‏: انتهاك حرمة الله تعالى ارتكاب ما حرمه والاستثناء منقطع أي لكن إذا انتهكت حرمة الله انتصر لله تعالى وانتقم ممن ارتكب ذلك .
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

 

‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يزيد بن زريع ‏ ‏حدثنا ‏ ‏معمر ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏عن ‏ ‏عروة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت ‏
‏ما ضرب رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏خادما ولا امرأة قط

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( ما ضرب إلخ ) ‏
‏: فيه أن ضرب الزوجة والخادم والدابة وإن كان مباحا للأدب فتركه أفضل . قال المنذري : وأخرجه مسلم والنسائي .

 

‏حدثنا ‏ ‏يعقوب بن إبراهيم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ‏ ‏عن ‏ ‏هشام بن عروة ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله يعني ابن الزبير ‏
‏في قوله ‏

‏قال ‏ ‏أمر نبي الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أن يأخذ العفو من أخلاق الناس

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( في قوله ) ‏
‏: أي في تفسير قوله تعالى
‏( خذ العفو ) ‏
‏: لما عدد الله تعالى من أحوال المشركين ما عدده وتسفيه رأيهم وضلال سعيهم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ العفو من أخلاقهم , يقال أخذت حقي عفوا أي سهلا , وهذا نوع من التيسير الذي كان يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح أنه كان يقول يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا . ‏
‏والمراد بالعفو هنا ضد الجهد , والعفو التساهل في كل شيء كذا في بعض التفاسير. ‏
‏وفي جامع البيان : خذ العفو من أخلاق الناس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم انتهى . ‏
‏وفي تفسير الخازن : المعنى اقبل الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص عليهم فيستعصوا عليك فتتولد منه العداوة والبغضاء . ‏
‏وقال مجاهد : يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس وذلك مثل قبول الاعتذار منهم وترك البحث عن الأشياء . وأخرج البخاري عن عبد الله بن الزبير قال ما نزلت { خذ العفو وأمر بالعرف } إلا في أخلاق الناس . وفي رواية قال أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أقوال الناس وكذا في جامع الأصول. وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي قال أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أقوال الناس أو كما قال . انتهى كلام الخازن . ‏
‏وفي الدر المنثور : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والنسائي والطبراني والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن الزبير قال ما نزلت هذه الآية إلا في أخلاق الناس { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } وفي لفظ أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس . وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر في قوله تعالى { خذ العفو } قال أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس انتهى . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري والنسائي .

 

‏باب ‏ ‏في حسن العشرة

بكسر العين أي المعاشرة .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عثمان بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الحميد يعني الحماني ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏مسلم ‏ ‏عن ‏ ‏مسروق ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها ‏ ‏قالت ‏
‏كان النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل ما بال فلان يقول ولكن يقول ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( إذا بلغه عن الرجل الشيء ) ‏
‏: أي المكروه
‏( لم يقل ما بال فلان ) ‏
‏: أي ما حاله وشأنه , يعني لم يصرح باسمه ‏
‏( ولكن يقول ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ) ‏
‏: احترازا عن المواجهة بالمكروه مع حصول المقصود بدونه. ‏
‏قال المنذري : وأخرجه النسائي بمعناه . ‏

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبيد الله بن عمر بن ميسرة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد بن زيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سلم العلوي ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏
‏أن رجلا دخل على رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وعليه أثر صفرة ‏ ‏وكان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قلما يواجه رجلا في وجهه بشيء يكرهه فلما خرج قال لو أمرتم هذا أن يغسل ذا عنه ‏
‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏سلم ‏ ‏ليس هو ‏ ‏علويا ‏ ‏كان يبصر في النجوم وشهد عند ‏ ‏عدي بن أرطاة ‏ ‏على رؤية الهلال فلم يجز شهادته

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( أخبرنا سلم ) ‏
‏: بفتح السين وإسكان اللام
‏( وعليه أثر صفرة ) ‏
‏: أي على جسده أو على ثوبه أثر الزعفران
‏( فلما خرج ) ‏
‏: أي الرجل ‏
‏( قال ) ‏
‏: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏
‏( لو أمرتم ) ‏
‏: الخطاب للحاضرين من الصحابة رضي الله عنهم ‏
‏( هذا ) ‏
‏: أي الرجل ‏
‏( أن يغسل ذا ) ‏
‏: أي الأثر ‏
‏( عنه ) ‏
‏: أي عن جسده أو ثوبه
‏( ليس هو علويا ) ‏
‏: أي لم يكن من أولاد علي رضي الله عنه بل كان يبصر في النجوم أي يبصر في العلو , لأن النجوم في العلو فنسب إليه ‏
‏( فلم يجز شهادته ) ‏
‏: بضم التحتية وكسر الجيم أي لم يقبل ابن أرطاة شهادة سلم .
‏قال في الخلاصة : ضعفه ابن معين , وقال شعبة ذاك الذي يرى الهلال قبل الناس بليلتين. ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي والنسائي , وسلم هذا هو ابن قيس بصري لا يحتج بحديثه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏نصر بن علي ‏ ‏قال أخبرني ‏ ‏أبو أحمد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏الحجاج بن فرافصة ‏ ‏عن ‏ ‏رجل ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سلمة ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏ح ‏ ‏و حدثنا ‏ ‏محمد بن المتوكل العسقلاني ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الرزاق ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏بشر بن رافع ‏ ‏عن ‏ ‏يحيى بن أبي كثير ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سلمة ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏
‏رفعاه جميعا قال قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏المؤمن ‏ ‏غر ‏ ‏كريم والفاجر ‏ ‏خب ‏ ‏لئيم ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( الحجاج بن فرافصة ) ‏
‏: بضم الفاء وفتح الراء وكسر الفاء الثانية بعدها صاد مهملة ‏
‏( رفعاه ) ‏
‏: أي نصر بن علي ومحمد بن المتوكل , والضمير المنصوب للحديث يعني روياه مرفوعا ‏
‏( المؤمن غر )
‏: بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء ‏
‏( كريم ) ‏
‏: أي موصوف بالوصفين أي له الاغترار لكرمه ‏
‏( والفاجر ) ‏
‏: أي الفاسق
‏( خب ) ‏
‏: بفتح خاء معجمة وتكسر وتشديد موحدة أي يسعى بين الناس بالفساد , والتخبب إفساد زوجة الغير أو عبده ‏
‏( لئيم ) ‏
‏: أي بخيل لجوج سيئ الخلق وفي , كل منهما الوصف الثاني سبب للأول وهو نتيجة الثاني , فكلاهما من باب التذييل والتكميل قاله القاري . ‏
‏قال الخطابي في المعالم : معنى هذا الكلام أن المؤمن المحمود هو من كان طبعه وشيمته الغرارة وقلة الفطنة للشر وترك البحث عنه , وأن ذلك ليس منه جهلا لكنه كرم وحسن خلق , وأن الفاجر هو من كانت عادته الخب والدهاء والوغول في معرفة الشر وليس ذلك منه عقلا ولكنه خب ولؤوم انتهى .
‏وقال ابن الأثير : المؤمن غر كريم أي ليس بذي مكر فهو ينخدع لانقياده ولينه وهو ضد الخب , يقال فتى غر وفتاة غر انتهى . ‏
‏قال السيوطي : هذا أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح وزعم أنه موضوع وقال الحافظ ابن حجر في رده عليه قد أخرجه الحاكم من طريق عيسى بن يونس عن سفيان الثوري عن حجاج بن فرافصة عن يحيى بن أبي كثير به موصولا . وقال أسنده المتقدمون من أصحاب الثوري . وحجاج قال ابن معين لا بأس به , قال ولم يحتج الشيخان ببشر ولا بحجاج . قال الحافظ بل الحجاج ضعفه الجمهور وبشر بن رافع أضعف منه ومع ذلك لا يتجه الحكم عليه بالوضع لفقد شرط الحاكم في ذلك انتهى . ‏
‏وقال الحافظ صلاح الدين العلائي بشر بن رافع هذا ضعفه أحمد بن حنبل , وقال ابن معين لا بأس به , وقال ابن عدي لم أجد له حديثا منكرا , وأخرجه البيهقي من طريق أبي داود الثانية , فقال عن حجاج بن فرافصة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة به فتعين المبهم أنه يحيى بن أبي كثير , وحجاج هذا قال فيه ابن معين لا بأس به , وذكره ابن حبان في الثقات . ‏
‏وقال أبو حاتم هو شيخ صالح متعبد , وقال أبو زرعة ليس بالقوي , وتوثيق الأولين مقدم على هذا الكلام , وحصلت برواية حجاج هذا المتابعة لبشر بن رافع في الحديث وخرج به عن الغرابة , فالحديث بروايتهما لا ينزل عن درجة الحسن انتهى كلام السيوطي ملخصا . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . هذا آخر كلامه وفي إسناده بشر بن رافع الحارثي اليمامي ولا يحتج بحديثه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏ابن المنكدر ‏ ‏عن ‏ ‏عروة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت ‏
‏استأذن رجل على النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال بئس ابن العشيرة ‏ ‏أو بئس رجل العشيرة ‏ ‏ثم قال ائذنوا له فلما دخل ألان له القول فقالت ‏ ‏عائشة ‏ ‏يا رسول الله ألنت له القول وقد قلت له ما قلت قال ‏ ‏إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من ودعه ‏ ‏أو تركه ‏ ‏الناس لاتقاء ‏ ‏فحشه ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( استأذن رجل ) ‏
‏: أي طلب الإذن ‏
‏( على النبي صلى الله عليه وسلم ) ‏
‏: أي في الدخول عليه ‏
‏( بئس ابن العشيرة أو بئس رجل العشيرة ) ‏
‏: أو للشك من بعض الرواة أي بئس هو من قومه .
‏قال الطيبي : العشيرة القبيلة أي بئس هذا الرجل من هذه العشيرة كما يقال يا أخا العرب لرجل منهم . ‏
‏قال القاضي : هذا الرجل هو عيينة بن حصن ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام , فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف حاله . قال وكان منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ما دل على ضعف إيمانه وارتد مع المرتدين وجيء به أسيرا إلى أبي بكر رضي الله عنه ‏
‏( ثم قال ائذنوا ) ‏
‏: بهمزة ساكنة وصلا أي أعطوا الإذن ‏
‏( ألان له القول ) ‏
‏: أي قال له قولا لينا ‏
‏( من ودعه أو تركه الناس ) ‏
‏: شك من الراوي , ومعنى الفعلين واحد ‏
‏(لاتقاء فحشه ) ‏
‏: أي لأجل قبيح قوله وفعله . وفي رواية للبخاري اتقاء شره .
‏قال القرطبي : في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى . ثم قال والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا وهي مباحة وربما استحبت والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا , والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكاملته ومع ذلك فلم يمدحه بقول فلم يناقض قوله فيه فعله , فإن قوله فيه حق وفعله معه حسن عشرة , فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى كذا في فتح الباري . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي . وهذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري , وقيل هو مخرمة بن نوفل الزهري والد المسور بن مخرمة رضي الله عنه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏موسى بن إسمعيل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد ‏ ‏عن ‏ ‏محمد بن عمرو ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سلمة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها ‏
‏أن رجلا استأذن على النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بئس أخو العشيرة فلما دخل انبسط إليه رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وكلمه فلما خرج قلت يا رسول الله لما استأذن قلت بئس أخو العشيرة فلما دخل انبسطت إليه فقال يا ‏ ‏عائشة ‏ ‏إن الله لا يحب ‏ ‏الفاحش ‏ ‏المتفحش ‏
‏حدثنا ‏ ‏عباس العنبري ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أسود بن عامر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شريك ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏مجاهد ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏في هذه القصة ‏ ‏قالت ‏ ‏فقال تعني النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يا ‏ ‏عائشة ‏ ‏إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( انبسط إليه ) ‏
‏: أي تبسم له وألان القول له , وقيل أي جعله قريبا من نفسه كذا في المرقاة ‏
‏( إن الله لا يحب الفاحش المتفحش ) ‏
‏: قال الخطابي : أصل الفحش زيادة الشيء على مقداره , يقول صلى الله عليه وسلم إن استقبال المرء صاحبه بعيوبه إفحاش والله لا يحب الفحش , ولكن الواجب أن يتأنى به ويرفق به ويكني في القول ويوري ولا يصرح . وقال في النهاية : الفاحش والفحش في كلامه وفعاله , والمتفحش الذي يتكلف ذلك ويتعمده . والحديث سكت عنه المنذري . ‏
‏( الذين يكرمون ) ‏
‏: بصيغة المجهول من الإكرام أي يكرمهم الناس ويوقرونهم ‏
‏( اتقاء ألسنتهم ) ‏
‏: بالنصب مفعول له ليكرمون , أي لأجل اتقاء ألسنتهم. ‏
‏قال المنذري : ذكر يحيى بن سعيد القطان أن مجاهدا لم يسمع من عائشة . وأخرج البخاري ومسلم في صحيحهما حديث مجاهد عن عائشة .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏أحمد بن منيع ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو قطن ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏مبارك ‏ ‏عن ‏ ‏ثابت ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏قال ‏
‏ما رأيت رجلا ‏ ‏التقم ‏ ‏أذن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ‏ ‏ينحي رأسه وما رأيت رجلا أخذ بيده فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( التقم أذن النبي صلى الله عليه وسلم ) ‏
‏: أي وضع فمه على أذنه صلى الله عليه وسلم للتناجي ‏
‏( فينحي رأسه ) ‏
: الضميران للنبي صلى الله عليه وسلم . ‏
‏قال المنذري : في إسناده مبارك بن فضالة أبو فضالة القرشي العدوي مولاهم البصري . قال عفان بن مسلم ثقة , وضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين والنسائي .

 

‏باب ‏ ‏في الحياء

بالمد وهو في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به . وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق . كذا قال الحافظ . ‏

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏القعنبي ‏ ‏عن ‏ ‏مالك ‏ ‏عن ‏ ‏ابن شهاب ‏ ‏عن ‏ ‏سالم بن عبد الله ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عمر ‏
‏أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏مر على رجل من ‏ ‏الأنصار ‏ ‏وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏دعه فإن ‏ ‏الحياء من الإيمان ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( وهو يعظ أخاه في الحياء ) ‏
‏: قال النووي : أي ينهاه عنه ويقبح له فعله ويزجره عن كثرته . وقال الحافظ أي ينصحه أو يخوفه أو يذكره . كذا شرحوه والأولى أن يشرح بما جاء عند البخاري في الأدب ولفظه يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك لتستحي حتى كأنه يقول قد أضربك ‏
‏( دعه ) ‏
‏: أي اتركه على حاله ‏
‏( فإن الحياء من الإيمان ) ‏
‏: أي من شعبه .
‏قالوا . إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏سليمان بن حرب ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد ‏ ‏عن ‏ ‏إسحق بن سويد ‏ ‏عن ‏ ‏أبي قتادة ‏ ‏قال ‏
‏كنا مع ‏ ‏عمران بن حصين ‏ ‏وثم ‏ ‏بشير بن كعب ‏ ‏فحدث ‏ ‏عمران بن حصين ‏ ‏قال ‏ ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏الحياء خير كله ‏ ‏أو قال ‏ ‏الحياء كله خير فقال ‏ ‏بشير بن كعب ‏ ‏إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارا ومنه ضعفا فأعاد ‏ ‏عمران ‏ ‏الحديث وأعاد ‏ ‏بشير ‏ ‏الكلام قال فغضب ‏ ‏عمران ‏ ‏حتى احمرت عيناه وقال ألا ‏ ‏أراني أحدثك عن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وتحدثني عن كتبك قال قلنا يا ‏ ‏أبا نجيد ‏ ‏إيه إيه ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( عن أبي قتادة ) ‏
‏: هو تميم بن نذير العدوي البصري . وقيل في اسمه غير ذلك , والأول أشهر رضي الله عنه . ونذير بضم النون وفتح الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وراء مهملة قاله المنذري ‏
‏( وثم )
‏: بفتح المثلثة وتشديد الميم المفتوحة ظرف مكان , وفي رواية مسلم وفينا بشير بن كعب ‏
‏( بشير ) ‏
‏بالتصغير تابعي جليل ‏
‏( الحياء خير كله أو قال الحياء كله خير ) ‏
‏: أو للشك . ‏
‏قال الحافظ : أشكل حمله على العموم لأنه قد يصد صاحبه عن مواجهة من يرتكب المنكرات ويحمله على الإخلال ببعض الحقوق . ‏
‏والجواب : أن المراد بالحياء في هذه الأحاديث ما يكون شرعيا , والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياء شرعيا بل هو عجز ومهانة وإنما يطلق عليه حياء لمشابهته للحياء الشرعي وهو خلق يبعث على ترك القبيح انتهى ‏
‏( أن منه ) ‏
‏: أي من الحياء , ومن للتبعيض ‏
‏( سكينة ووقارا )
‏: قال القرطبي : معنى كلام بشير أن من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار بأن يوقر غيره ويتوقر هو في نفسه , ومنه ما يحمله على أن يسكن عن كثير مما يتحرك الناس فيه من الأمور التي لا تليق بذي المروءة ‏
‏( ومنه ضعفا ) ‏
: بفتح الضاد وضمها لغتان أي كالحياء الذي يمنع عن طلب العلم ونحوه ‏
‏( فغضب عمران ) ‏
‏: وسبب غضبه وإنكاره على بشير لكونه قال ومنه ضعفا بعد سماعه قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه خير كله وقيل إنما أنكره عليه من حيث إنه ساقه في معرض من يعارض كلام الرسول بكلام غيره ‏
‏( يا أبا نجيد ) ‏
‏: بضم النون وفتح الجيم وآخره دال مهملة وهو كنية عمران بن حصين ‏
‏( إيه إيه )
‏: قال في القاموس : إي بكسر الهمزة وإسكان الهاء زجر بمعنى حسبك , وإيه مبنية على الكسر فإذا وصلت نونت , وأيها بالنصب والفتح أمر بالسكوت . والمعنى والله أعلم يا أبا نجيد حسبك ما صدر منك من الغضب والإنكار على بشير فإنه منا ولا بأس به فاسكت ولا تزدد غضبا وإنكارا . وفي بعض النسخ إنه إنه أي صادق , وفي بعضها إنه إنه , وفي رواية مسلم يا أبا نجيد إنه لا بأس به . ‏
‏قال النووي : معناه ليس هو مما يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به هل الاستقامة انتهى . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه مسلم بمعناه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن مسلمة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏منصور ‏ ‏عن ‏ ‏ربعي بن حراش ‏ ‏عن ‏ ‏أبي مسعود ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى ‏ ‏إذا لم تستح فافعل ما شئت ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( عن ربعي ) ‏
‏: بكسر أوله وسكون الموحدة
‏( بن حراش ) ‏
‏: بكسر المهملة وآخره معجمة ‏
‏( إن مما أدرك الناس ) ‏
‏أي أهل الجاهلية , والناس يجوز فيه الرفع والعائد على ما محذوف ويجوز النصب والعائد ضمير الفاعل وأدرك بمعنى بلغ وإذا لم تستحي اسم إن بتأويل هذا القول ‏
‏( من كلام النبوة الأولى ) ‏
‏: قال العزيزي أي نبوة آدم : وقال القاري : من تبعيضية . والمعنى إن من جملة أخبار أصحاب النبوة السابقة من الأنبياء والمرسلين . ‏
‏قال الخطابي في المعالم : معناه أن الحياء لم يزل أمره ثابتا واستعماله واجبا منذ زمان النبوة الأولى فإنه ما من نبي إلا وقد ندب إلى الحياء وبعث عليه وأنه لم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم وذلك أنه أمر قد علم صوابه وبان فضله واتفقت العقول على حسنه وما كانت هذه صفته لم يجر عليه النسخ والتبديل
‏( إذا لم تستحي ) ‏
‏: بسكون الحاء وكسر الياء وحذف الثانية للجزم
‏( فاصنع ما شئت ) ‏
‏: قال في شرح السنة فيه أقاويل : ‏
‏أحدها : أن معناه الخبر وإن كان لفظه لفظ الأمر كأنه يقول إذا لم يمنعك الحياء فعلت ما شئت مما تدعوك إليه نفسك من القبيح وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيد . ‏
‏وثانيها : أن معناه الوعيد كقوله تعالى { اعملوا ما شئتم } أي اصنع ما شئت فإن الله يجازيك , وإليه ذهب أبو العباس . ‏
‏وثالثها : معناه ينبغي أن تنظر إلى ما تريد أن تفعله فإن كان ذلك مما لا يستحيى منه فافعله , وإن كان مما لا يستحيى منه فدعه , وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري وابن ماجه .

 

‏باب ‏ ‏في حسن الخلق

‏ ‏حدثنا ‏ ‏قتيبة بن سعيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يعقوب يعني الإسكندراني ‏ ‏عن ‏ ‏عمرو ‏ ‏عن ‏ ‏المطلب ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏رحمها الله ‏ ‏قالت ‏
‏سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( بحسن خلقه ) ‏
‏: بضم اللام ويجوز سكونها
‏( درجة الصائم القائم ) ‏
‏: أي قائم الليل في الطاعة وإنما أعطي صاحب الخلق الحسن هذا الفضل العظيم لأن الصائم والمصلي في الليل يجاهدان أنفسهما في مخالفة حظهما , وأما من يحسن خلقه مع الناس مع تباين طبائعهم وأخلاقهم فكأنه يجاهد نفوسا كثيرة فأدرك ما أدركه الصائم القائم فاستويا في الدرجة بل ربما زاد .
‏والحديث سكت عنه المنذري . ‏
‏وقال في كتاب الترغيب : ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما ولفظه " إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار " . ‏
‏ورواه الطبراني في الأوسط وقال صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله ليبلغ العبد بحسن خلقه درجة الصوم والصلاة {

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو الوليد الطيالسي ‏ ‏وحفص بن عمر ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏ح ‏ ‏و حدثنا ‏ ‏ابن كثير ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏القاسم بن أبي بزة ‏ ‏عن ‏ ‏عطاء الكيخاراني ‏ ‏عن ‏ ‏أم الدرداء ‏ ‏عن ‏ ‏أبي الدرداء ‏
‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق ‏
‏قال ‏ ‏أبو الوليد ‏ ‏قال سمعت ‏ ‏عطاء الكيخاراني ‏ ‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏وهو ‏ ‏عطاء بن يعقوب ‏ ‏وهو خال ‏ ‏إبراهيم بن نافع ‏ ‏يقال ‏ ‏كيخاراني ‏ ‏وكوخاراني ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( أنبأنا شعبة ) ‏
‏: قال المزي في الأطراف : حديث أبي الدرداء أخرجه أبو داود في الأدب عن أبي الوليد الطيالسي وحفص بن عمر ومحمد بن كثير ثلاثتهم عن شعبة عن القاسم بن أبي بزة انتهى ‏
‏( عن القاسم بن أبي بزة ) ‏
‏: بفتح الموحدة وتشديد الزاي ‏
‏( الكيخاراني )
‏: بفتح الكاف وسكون التحتانية بعدها خاء معجمة ‏
‏( من حسن الخلق)
‏: أي من ثوابه وصحيفته أو من عينه المجسد ‏
‏( قال أبو الوليد إلخ )
‏: أي ذكر أبو الوليد في روايته لفظ السماع بين القاسم وعطاء بأن قال عن القاسم بن أبي بزة قال سمعت عطاء وأما ابن كثير فذكر لفظ عن كما في إسناده المذكور
‏( قال أبو داود وهو ) ‏
‏: أي عطاء الكيخاراني المذكور . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح .

 

 

 

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏أبو كعب أيوب بن محمد السعدي ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏سليمان بن حبيب المحاربي ‏ ‏عن ‏ ‏أبي أمامة ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أنا ‏ ‏زعيم ‏ ‏ببيت في ‏ ‏ربض الجنة ‏ ‏لمن ترك ‏ ‏المراء ‏ ‏وإن كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( أنا زعيم ) ‏
‏: أي ضامن وكفيل ‏
‏( ببيت )
‏: قال الخطابي : البيت ها هنا القصر يقال هذا بيت فلان أي قصره
‏( في ربض الجنة ) ‏
‏: بفتحتين أي ما حولها خارجا عنها تشبيها بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع , كذا في النهاية ‏
‏( المراء )
‏: أي الجدال كسرا لنفسه كيلا يرفع نفسه على خصمه بظهور فضله . والحديث سكت عنه المنذري

‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو بكر ‏ ‏وعثمان ابن أبي شيبة ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏وكيع ‏ ‏عن ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏معبد بن خالد ‏ ‏عن ‏ ‏حارثة ابن وهب ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا يدخل الجنة ‏ ‏الجواظ ‏ ‏ولا ‏ ‏الجعظري ‏
‏قال ‏ ‏والجواظ الغليظ الفظ ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( لا يدخل الجنة الجواظ ) ‏
‏: بفتح جيم وتشديد واو وظاء معجمة ‏
‏( ولا الجعظري ) ‏
‏: بفتح جيم وسكون عين مهملة وفتح ظاء معجمة فراء فتحتية مشددة ويأتي معناهما في كلام المنذري ‏
‏( قال )
‏: أي قال الراوي ‏
‏( الجواظ الغليظ الفظ ) ‏
‏: بتشديد الظاء أي سيئ الخلق . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه أتم منه وليس في حديثهما الجعظري . وقد قيل الجواظ كثير اللحم المختال في مشيه وقيل الجموع المنوع , وقيل القصير البطيء الجافي القلب , وقيل الفاجر , وقيل الأكول , والجعظري الفظ الغليظ المتكبر , وقيل هو الذي لا يصدع رأسه , وقيل هو الذي يتمدح وينفخ بما ليس عنده وفيه قصر .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في كراهية الرفعة في الأمور

‏ ‏حدثنا ‏ ‏موسى بن إسمعيل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد ‏ ‏عن ‏ ‏ثابت ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏قال ‏
‏كانت ‏ ‏العضباء ‏ ‏لا تسبق فجاء أعرابي على ‏ ‏قعود ‏ ‏له فسابقها فسبقها الأعرابي فكأن ذلك شق على ‏ ‏أصحاب رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال ‏ ‏حق على الله عز وجل أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ‏
‏حدثنا ‏ ‏النفيلي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏زهير ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حميد ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏بهذه القصة عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏إن حقا على الله عز وجل أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( كانت العضباء ) ‏
‏: بفتح المهملة وسكون المعجمة فموحدة ممدودا ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهي القصواء أو غيرها قولان . قال في النهاية : هو علم لها من قولهم ناقة عضباء أي مشقوقة الأذن ولم تكن مشقوقة الأذن . وقال بعضهم إنها كانت مشقوقة الأذن والأول أكثر ‏
‏( لا تسبق )
‏بصيغة المجهول أي لا تسبق عنها إبل قط ‏
‏( على قعود له )
‏بفتح القاف وضم العين . ‏
‏قال في النهاية : القعود من الدواب ما يقتعده الرجل للركوب والحمل ولا يكون إلا ذكرا وقيل القعود ذكر والأنثى قعودة , والقعود من الإبل ما أمكن أن يركب وأدناه أن يكون له سنتان ثم هو قعود إلى السنة السادسة ثم هو جمل ‏
‏( فسبقها الأعرابي ) ‏
‏: أي غلب في السبق ففيه خاصة المغالبة ‏
‏( فكأن ) ‏
‏: بفتح الهمزة والنون المشددة المفتوحة
‏( ذلك ) ‏
‏: أي سبقه إياها ‏
‏( حق على الله ) ‏
: أي جرت عادته غالبا ‏
‏( أن لا يرفع شيئا من الدنيا ) ‏
‏: أي من أمر الدنيا ‏
‏( إلا وضعه ) ‏
‏: أي حطه وطرحه . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري تعليقا . ‏
‏( إن حقا على الله تعالى ) ‏
‏: أي أمرا ثابتا عليه ‏
‏( أن لا يرفع ) ‏
‏: بصيغة المجهول وفي الحديث جواز المسابقة بالخيل والإبل , وفيه التزهيد في الدنيا للإرشاد إلى أن كل شيء منها لا يرتفع إلا اتضع . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري والنسائي . وقال بعضهم فيه بيان مكارم الدنيا [ أي قدرها ومنزلتها ] عند الله من الهوان والضعة , ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم : " إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا إلا وضعه " فنبه بذلك أمته صلى الله عليه وسلم على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا وإن كان ما عند الله في منزلة الضعف فحق على ذي دين وعقل الزهد فيه وترك الترفع بنيله لأن المتاع به قليل والحساب عليه طويل انتهى كلام المنذري .

 

‏باب ‏ ‏في كراهية التمادح

‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو بكر بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏وكيع ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏منصور ‏ ‏عن ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏عن ‏ ‏همام ‏ ‏قال ‏
‏جاء رجل فأثنى على ‏ ‏عثمان ‏ ‏في وجهه فأخذ ‏ ‏المقداد بن الأسود ‏ ‏ترابا ‏ ‏فحثا ‏ ‏في وجهه وقال قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذا لقيتم المداحين ‏ ‏فاحثوا ‏ ‏في وجوههم التراب ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( فحثا في وجهه ) ‏
‏: أي رمى التراب في وجه الرجل المثني ‏
‏( إذا لقيتم المداحين ) ‏
‏: قال الخطابي : المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه , فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه , فليس بمداح ‏
‏( فاحثوا ) ‏
‏: أي القوا وارموا .
‏في القاموس : حثا التراب عليه يحثوه ويحثيه حثوا وحثيا , وقد حمل المقداد الحديث على ظاهره ووافقه طائفة . ‏
‏وقال آخرون : معناه خيبوهم فلا تعطوهم شيئا لمدحهم . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏أحمد بن يونس ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو شهاب ‏ ‏عن ‏ ‏خالد الحذاء ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن أبي بكرة ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏
‏أن ‏ ‏رجلا ‏ ‏أثنى على ‏ ‏رجل ‏ ‏عند النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال له قطعت عنق صاحبك ثلاث مرات ثم قال ‏ ‏إذا مدح أحدكم صاحبه لا محالة فليقل إني أحسبه كما يريد أن يقول ولا ‏ ‏أزكيه على الله ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( قطعت عنق صاحبك ) ‏
‏: أي أهلكته , لأن من يقطع عنقه يهلك . ‏
‏قال النووي : لكن هلاك هذا الممدوح في دينه , وقد يكون من جهة الدنيا لما يشتبه عليه من حاله بالإعجاب ‏
‏( ثلاث مرات ) ‏
‏: أي قال ذلك ثلاث مرات . ‏
‏قال النووي في شرح مسلم : وردت الأحاديث في النهي عن المدح , وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه . ‏
‏قال العلماء ووجه الجمع بينهما أن النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح , وأما من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة , بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير أو الازدياد منه أو الدوام عليه أو الاقتداء به كان مستحبا انتهى ‏
‏( لا محالة ) ‏
‏: بفتح الميم أي لا بد ‏
( فليقل إني أحسبه ) ‏
‏: أي أظنه ‏
‏( كما يريد ) ‏
‏: أي المادح ‏
‏( أن يقول ) ‏
‏: في حق الممدوح . ‏
‏والمعنى أن المدح الذي يريد المادح أن يقول في حق الممدوح فلا يقطع في حقه بل يقول إني أظنه كذا وكذا .
‏ولفظ الشيخين : " إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله " ‏
‏( لا أزكيه على الله تعالى ) ‏
‏: أي لا أقطع على عاقبته ولا على ما في ضميره لأن ذلك مغيب عني , ولكن أحسب وأظن لوجود الظاهر المقتضي لذلك . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏بشر يعني ابن المفضل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو مسلمة سعيد بن يزيد ‏ ‏عن ‏ ‏أبي نضرة ‏ ‏عن ‏ ‏مطرف ‏ ‏قال قال ‏ ‏أبي ‏
‏انطلقت في وفد ‏ ‏بني عامر ‏ ‏إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقلنا أنت سيدنا فقال السيد الله تبارك وتعالى قلنا وأفضلنا فضلا وأعظمنا ‏ ‏طولا ‏ ‏فقال ‏ ‏قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا ‏ ‏يستجرينكم ‏ ‏الشيطان

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( قال قال أبي ) ‏
‏: هو عبد الله بن الشخير
‏( فقال السيد الله ) ‏
‏: أي هو الحقيق بهذا الاسم . ‏
‏قال القاري : أي الذي يملك نواصي الخلق ويتولاهم هو الله سبحانه وهذا لا ينافي سيادته المجازية الإضافية المخصوصة بالأفراد الإنسانية حيث قال : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " أي لا أقول افتخارا بل تحدثا بنعمة الله وإلا فقد روى البخاري عن جابر أن عمر كان يقول " أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا " انتهى وهو بالنسبة إلى بلال تواضع . انتهى كلام القاري ‏
‏( وأفضلنا فضلا ) ‏
‏: أي مزية ومرتبة ونصبه على التمييز ‏
‏( وأعظمنا طولا ) ‏
‏: أي عطاء الأحباء وعلوا على الأعداء ‏
‏( فقال قولوا بقولكم ) ‏
‏: أي مجموع ما قلتم أو هذا القول ونحوه ‏
‏( أو بعض قولكم ) ‏
‏: أي اقتصروا على إحدى الكلمتين من غير حاجة إلى المبالغة بهما . ويمكن أن تكون أو بمعنى بل أي بل قولوا بعض ما قلتم مبالغة في التواضع , وقيل قولوا قولكم الذي جئتم لأجله ودعوا غيركم مما لا يعنيكم ‏
‏( ولا يستجرينكم الشيطان ) ‏
‏: أي لا يتخذنكم جريا بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتية أي كثير الجري في طريقه ومتابعة خطواته . وقيل هو من الجراءة بالهمزة أي لا يجعلنكم ذوي شجاعة على التكلم بما لا يجوز . ‏
‏وفي النهاية أي لا يغلبنكم فيتخذكم جريا أي رسولا ووكيلا , وذلك أنهم كانوا مدحوه فكره لهم المبالغة في المدح فنهاهم عنه . ‏
‏والمعنى تكلموا بما يحضركم من القول , ولا تتكلفوه كأنكم وكلاء الشيطان ورسله تنطقون على لسانه كذا في المرقاة .
‏قال السيوطي قال الخطابي : قوله صلى الله عليه وسلم السيد الله أي السؤدد كله حقيقة لله عز وجل وأن الخلق كلهم عبيد الله وإنما منعهم أن يدعوه سيدا مع قوله أنا سيد ولد آدم لأنهم قوم حديث عهد بالإسلام , وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا . وكان لهم رؤساء يعظمونهم وينقادون لأمرهم وقوله قولوا بقولكم أي قولوا بقول أهل دينكم وملتكم وادعوني نبيا ورسولا كما سماني الله تعالى في كتابه ولا تسموني سيدا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم , ولا تجعلوني مثلهم فإني لست كأحدهم إذ كانوا ليسوا دونكم في أسباب الدنيا وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة فسموني نبيا ورسولا . ‏
‏وقوله أو بعض قولكم فيه حذف واختصار , ومعناه دعوا بعض قولكم واتركوه واقتصدوا فيه بلا إفراط أو دعوا سيدا وقولوا نبيا ورسولا . ‏
‏وقوله : لا يستجرينكم الشيطان معناه لا يتخذنكم جريا والجري الوكيل , ويقال الأجير انتهى كلام السيوطي . ‏
‏وقال السندي : أي لا يستعملنكم الشيطان فيما يريد من التعظيم للمخلوق بمقدار لا يجوز انتهى , وحديث عبد الله بن الشخير إسناده صحيح , وأخرجه أيضا أحمد في مسنده .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في الرفق ‏

بالكسر ضد العنف وهو المداراة مع الرفقاء ولين الجانب واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها .

  

‏ ‏حدثنا ‏ ‏موسى بن إسمعيل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد ‏ ‏عن ‏ ‏يونس ‏ ‏وحميد ‏ ‏عن ‏ ‏الحسن ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن مغفل ‏
‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( إن الله رفيق ) ‏
‏: أي لطيف بعباده يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر , فلا يكلفهم فوق طاقتهم ‏
‏( ويعطي عليه )
‏: أي في الدنيا من الثناء الجميل ونيل المطالب وتسهيل المقاصد , وفي الآخرة من الثواب الجزيل ‏
‏( ما لا يعطي على العنف ) ‏
‏: بالضم وفي القاموس مثلثة العين ضد الرفق . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث عمرة عن عائشة . ومغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء وفتحها ولام .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عثمان ‏ ‏وأبو بكر ابنا أبي شيبة ‏ ‏ومحمد بن الصباح البزاز ‏ ‏قالوا حدثنا ‏ ‏شريك ‏ ‏عن ‏ ‏المقدام بن شريح ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏قال ‏
‏سألت ‏ ‏عائشة ‏ ‏عن البداوة فقالت كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يبدو ‏ ‏إلى هذه ‏ ‏التلاع ‏ ‏وإنه أراد البداوة مرة فأرسل إلي ناقة ‏ ‏محرمة ‏ ‏من إبل الصدقة فقال لي يا ‏ ‏عائشة ‏ ‏ارفقي ‏ ‏فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه ولا نزع من شيء قط إلا شانه ‏ ‏قال ‏ ‏ابن الصباح ‏ ‏في حديثه محرمة ‏ ‏يعني لم تركب ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( عن البداوة ) ‏
‏بفتح الباء وكسرها لغتان أي الخروج إلى البادية والمقام فيها ‏
‏( يبدو ) ‏
‏: أي يخرج ‏
( إلى هذه التلاع ) ‏
‏: بكسر التاء أي مجاري الماء من فوق إلى أسفل واحدتها تلعة ‏
‏( محرمة ) ‏
‏: بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة أي غير مستعملة في الركوب ‏
‏( لم يكن ) ‏
‏: أي لم يوجد ‏
‏( إلا زانه )
‏: أي زينه وكمله ‏
‏( ولا نزع ) ‏
‏بصيغة المجهول أي لم يفقد ولم يعدم ‏
‏( إلا شانه ) ‏
‏: أي عيبه ونقصه ‏
‏( قال ابن الصباح إلخ ) ‏
‏أي ذكر بعد قوله محرمة تفسيره بقوله يعني لم تركب , وأما عثمان وأبو بكر لم يذكرا التفسير . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه مسلم وقد تقدم في كتاب الجهاد .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو بكر بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو معاوية ‏ ‏ووكيع ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏تميم بن سلمة ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن هلال ‏ ‏عن ‏ ‏جرير ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من يحرم الرفق يحرم الخير كله ‏

 

 عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( من يحرم ) ‏
‏: بصيغة المجهول مجزوما وقيل مرفوعا ‏
‏( الرفق ) ‏
‏بالنصب على أنه مفعول ثان أي من يصر محروما منه . ‏
‏وفي الحديث فضل الرفق وأنه سبب كل خير والحديث سكت عنه المنذري .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏الحسن بن محمد بن الصباح ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عفان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الواحد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سليمان الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏مالك بن الحارث ‏ ‏قال ‏ ‏الأعمش ‏ ‏وقد سمعتهم يذكرون ‏ ‏عن ‏ ‏مصعب بن سعد ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏
‏قال ‏ ‏الأعمش ‏ ‏ولا أعلمه إلا عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏التؤدة ‏ ‏في كل شيء إلا في عمل الآخرة ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( قال الأعمش وقد سمعتهم ) ‏
‏أن مالك بن الحارث وغيره من أقرانه ‏
‏( يذكرون ) ‏
‏: كلهم هذا الحديث ‏
‏( عن مصعب بن سعد ) ‏
‏: بن أبي وقاص ‏
‏( عن أبيه ) ‏
‏: سعد بن أبي وقاص . ‏
‏ولم يذكر الأعمش أن مالك بن الحارث وأقرانه عمن يروون هذا الحديث فالواسطة بين مالك ومصعب غير مذكورة ‏
‏( ولا أعلمه ) ‏
‏: أي قال الأعمش لا أعلم الحديث إلا رواية عنه صلى الله عليه وسلم ومرفوعا إليه ‏
( قال التؤدة ) ‏
‏: بضم التاء وفتح الهمزة أي التأني ‏
‏( في كل شيء )
‏: أي من الأعمال أي خير ‏
‏( إلا في عمل الآخرة ) ‏
‏: لأن في تأخير الخيرات آفات . ‏
‏قال المنذري : لم يذكر الأعمش فيه من حدثه ولم يجزم برفعه . وذكر محمد بن طاهر الحافظ هذا الحديث بهذا الإسناد وقال في روايته انقطاع وشك انتهى وقال المناوي في فتح القدير : حديث سعد أخرجه أبو داود في الأدب والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرطهما والبيهقي انتهى .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في شكر المعروف ‏

هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس . ‏

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسلم بن إبراهيم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الربيع بن مسلم ‏ ‏عن ‏ ‏محمد بن زياد ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏
‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏لا يشكر الله من لا يشكر الناس ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) ‏
‏: قال الخطابي : هذا يتأول على وجهين أحدهما أن من كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله تعالى وترك الشكر له . والوجه الآخر : أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر . انتهى . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال صحيح .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏موسى بن إسمعيل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد ‏ ‏عن ‏ ‏ثابت ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏
‏أن ‏ ‏المهاجرين ‏ ‏قالوا يا رسول الله ذهبت ‏ ‏الأنصار ‏ ‏بالأجر كله قال ‏ ‏لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( أن المهاجرين قالوا إلخ ) ‏
‏: قال المنذري : وأخرجه النسائي .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏بشر ‏ ‏حدثني ‏ ‏عمارة بن غزية ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏رجل من قومي ‏ ‏عن ‏ ‏جابر بن عبد الله ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من أعطي عطاء فوجد ‏ ‏فليجز به ‏ ‏فإن لم يجد فليثن به فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره
‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏رواه ‏ ‏يحيى بن أيوب ‏ ‏عن ‏ ‏عمارة بن غزية ‏ ‏عن ‏ ‏شرحبيل ‏ ‏عن ‏ ‏جابر ‏ ‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏وهو ‏ ‏شرحبيل ‏ ‏يعني رجلا من قومي كأنهم كرهوه فلم يسموه ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( حدثني رجل ) ‏
‏: هو شرحبيل كما بينه المؤلف في الرواية الآتية ‏
‏( من أعطي ) ‏
‏: بالبناء للمفعول ‏
‏( فوجد )
‏: أي ما لا يكافئ به ‏
‏( فليجز به ) ‏
‏: مكافأة على الصنيعة ‏
‏( فإن لم يجد ) ‏
‏: أي ما لا يكافئ به ‏
‏( فليثن به ) ‏
‏: أي على المعطي ولا يجوز له كتمان نعمته ‏
‏( فقد كفره )
‏: أي كفر نعمته ‏
‏( قال أبو داود وهو ) ‏
‏أي الرجل المذكور في الإسناد ‏
‏( يعني رجلا من قومي ) ‏
‏: هذا بيان مرجع هو .
‏قال المنذري : وهو شرحبيل بن سعد الأنصاري الخطمي مولاهم المدني كنيته أبو سعد وقد ضعفه غير واحد من الأئمة وغزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها وتاء تأنيث .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن الجراح ‏ ‏حدثنا ‏ ‏جرير ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏جابر ‏
‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏من ‏ ‏أبلي ‏ ‏بلاء ‏ ‏فذكره فقد شكره وإن كتمه فقد كفره ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( من أبلي بلاء ) ‏
‏: بصيغة المجهول أي أعطي عطاء , والبلاء يستعمل في الخير والشر لكن أصله الاختبار والمحنة , وأكثر ما يستعمل في الخير : قال الله تعالى { بلاء حسنا } ‏
‏( فذكره فقد شكره ) ‏
: من آداب النعمة أن يذكر المعطي فإذا ذكره فقد شكره ومع الذكر يشكره ويثني عليه
‏( وإن كتمه فقد كفره ) ‏
‏: أي ستر نعمة العطاء , والكفر في اللغة الغطاء . ‏
‏والحديث سكت عنه المنذري .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في الجلوس في الطرقات

جمع الطرق بضمتين جمع الطريق .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن مسلمة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد العزيز يعني ابن محمد ‏ ‏عن ‏ ‏زيد يعني ابن أسلم ‏ ‏عن ‏ ‏عطاء بن يسار ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سعيد الخدري ‏
‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏إياكم والجلوس بالطرقات ‏ ‏قالوا ‏ ‏يا رسول الله ما بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حق الطريق يا رسول الله قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‏
‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏بشر يعني ابن المفضل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الرحمن بن إسحق ‏ ‏عن ‏ ‏سعيد المقبري ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في هذه القصة قال ‏ ‏وإرشاد السبيل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الحسن بن عيسى النيسابوري ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏ابن المبارك ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏جرير بن حازم ‏ ‏عن ‏ ‏إسحق بن سويد ‏ ‏عن ‏ ‏ابن حجير العدوي ‏ ‏قال سمعت ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في هذه القصة قال ‏ ‏وتغيثوا ‏ ‏الملهوف ‏ ‏وتهدوا الضال ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( إياكم والجلوس بالطرقات ) ‏
‏: يعني احذروا عن الجلوس فيها ‏
‏( ما بد لنا من مجالسنا ) ‏
‏: البد بضم الموحدة وتشديد الدال بمعنى الفرقة أي ما لنا فراق منها . والمعنى أن الضرورة قد تلجئنا إلى ذلك فلا مندوحة لنا عنه ‏
‏( نتحدث فيها ) ‏
‏: أي يحدث بعضنا بعضا
‏( إن أبيتم ) ‏
‏: أي امتنعتم عن ترك الجلوس بالطريق ‏
‏( غض البصر ) ‏
‏: أي كفه عن النظر إلى المحرم ‏
‏( وكف الأذى )
‏: أي الامتناع عما يؤذي المارين . قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم .
‏( في هذه القصة ) ‏
‏: أي المذكورة في الحديث السابق ‏
( قال ) ‏
‏: أي أبو هريرة مرفوعا زيادة على مروي أبي سعيد ‏
‏( وإرشاد السبيل ) ‏
‏: بالرفع عطفا على قوله والنهي عن المنكر . ‏
‏( عن ابن حجير ) ‏
‏: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون التحتية ‏
‏( في هذه القصة قال ) ‏
‏: أي عمر مرفوعا زيادة على الخدري , وهو الظاهر المتبادر أو على أبي هريرة أيضا . قاله القاري ‏
‏( وتغيثوا الملهوف ) ‏
‏: من الإغاثة بالغين المعجمة والثاء المثلثة بمعنى الإعانة . والملهوف المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر وحذف النون بتقدير أن لأنه عطف على المصدر ‏
‏( وتهدوا الضال )
‏: بفتح التاء أي ترشدوه إلى الطريق , وإرشاد السبيل أعم من هداية الضال .
‏قال المنذري : ابن حجير العدوي مجهول . ويقال فيه ابن حجيرة وهو بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وتكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث .
‏وقال البزار : هذا الحديث لا يعلم من أسنده إلا جرير بن حازم عن إسحاق بن سويد ولا رواه عن جرير مسندا إلا ابن المبارك . وروى هذا الحديث حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد مرسلا .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن عيسى بن الطباع ‏ ‏وكثير بن عبيد ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏مروان ‏ ‏قال ‏ ‏ابن عيسى ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏حميد ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏قال ‏
‏جاءت امرأة إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقالت يا رسول الله إن لي إليك حاجة فقال لها يا أم فلان ‏ ‏اجلسي في أي نواحي ‏ ‏السكك ‏ ‏شئت حتى أجلس إليك قال فجلست فجلس النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إليها حتى قضت حاجتها ‏
‏لم ‏ ‏يذكر ‏ ‏ابن عيسى ‏ ‏حتى قضت حاجتها ‏ ‏و قال ‏ ‏كثير ‏ ‏عن ‏ ‏حميد ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عثمان بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يزيد بن هارون ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏حماد بن سلمة ‏ ‏عن ‏ ‏ثابت ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏أن امرأة كان في عقلها شيء بمعناه ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( في أي نواحي السكك ) ‏
‏: بكسر ففتح جمع سكة وهي الزقاق أي في أي جوانبها ‏
‏( وقال كثير عن حميد عن أنس ) ‏
: وأما محمد بن عيسى فقال أخبرنا حميد عن أنس كما في الإسناد المذكور . وفي الحديث غاية تواضعه صلى الله عليه وسلم . قال المنذري : وأخرجه الترمذي . ‏
‏( كان في عقلها شيء ) ‏
‏أي من الفتور والنقصان , بيان للواقع وإشارة إلى سبب شفقته صلى الله عليه وسلم ورعاية جانبها أو إلى علة جرأتها على ذلك القول , كذا في اللمعات ‏
‏( بمعناه ) ‏
‏: أي بمعنى الحديث السابق , قال المنذري : وأخرجه مسلم .

 

 

 

 

 

‏ ‏باب ‏ ‏في سعة المجلس ‏

‏ ‏حدثنا ‏ ‏القعنبي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الرحمن بن أبي الموال ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سعيد الخدري ‏ ‏قال ‏
‏سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏خير المجالس أوسعها ‏
‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏هو ‏ ‏عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرة الأنصاري ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( خير المجالس أوسعها ) ‏
‏: أي بالنسبة لأهلها لأن غيره قد يحصل منه الضرر ‏
‏( قال أبو داود هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرة ) ‏
‏: ففي الإسناد المذكور نسب إلى جده . والحديث سكت عنه المنذري .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في الجلوس بين الظل والشمس

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏ابن السرح ‏ ‏ومخلد بن خالد ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏محمد بن المنكدر ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏من ‏ ‏سمع ‏ ‏أبا هريرة ‏ ‏يقول ‏
‏قال ‏ ‏أبو القاسم ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذا كان أحدكم في الشمس ‏ ‏وقال ‏ ‏مخلد ‏ ‏في الفيء ‏ ‏فقلص ‏ ‏عنه الظل وصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( وقال مخلد في الفيء ) ‏
‏: أي مكان في الشمس
‏( فقلص ) ‏
‏: أي ارتفع ‏
‏( فليقم ) ‏
‏: أي فليتحول منه إلى مكان آخر يكون كله ظلا أو شمسا لأن الإنسان إذا قعد ذلك المقعد فسد مزاجه لاختلاف حال البدن من المؤثرين المتضادين كذا قيل . والأولى أن يعلل بما علله الشارع بأنه مجلس الشيطان . قال المنذري : فيه رواية مجهول .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى ‏ ‏عن ‏ ‏إسمعيل ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏قيس ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏
‏أنه جاء ورسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يخطب فقام في الشمس فأمر به فحول إلى الظل ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( حدثني قيس ) ‏
‏: هو ابن أبي حازم ‏
( عن أبيه ) ‏
‏: وهو عبد عوف بن الحرث وقيل عوف بن عبد الحارث البجلي رضي الله عنهما ‏
‏( أنه ) ‏
‏: أي أبا حازم ‏
‏( ورسول الله صلى الله عليه وسلم ) ‏
‏: الواو للحال . ‏
‏وفي أسد الغابة من رواية أبي داود الطيالسي حدثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فرأى أبي في الشمس فأمره أو فأومأ إليه أن ادن إلى الظل انتهى . قال المنذري : في اسم والد قيس بن أبي حازم خلاف مشهور .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في ‏ ‏التحلق ‏

أي الجلوس حلقة حلقة .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏المسيب بن رافع ‏ ‏عن ‏ ‏تميم بن طرفة ‏ ‏عن ‏ ‏جابر بن سمرة ‏ ‏قال ‏
‏دخل رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏المسجد وهم ‏ ‏حلق ‏ ‏فقال مالي أراكم ‏ ‏عزين ‏
‏حدثنا ‏ ‏واصل بن عبد الأعلى ‏ ‏عن ‏ ‏ابن فضيل ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏بهذا ‏ ‏قال ‏ ‏كأنه يحب الجماعة ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( تميم بن طرفة ) ‏
‏: بفتحات ‏
‏( وهم حلق )
‏: بكسر حاء وفتح لام جمع الحلقة مثل القصعة وهي الجماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب وغيره . قاله في المجمع ‏
‏( فقال ما لي أراكم عزين )
‏: بكسر العين والزاي أي متفرقين قال الخطابي : : يريد فرقا مختلفين لا يجمعكم مجلس واحد . وواحدة العزين عزة , يقال عزة وعزون كما يقال ثبة وثبون , ويقال أيضا ثبات وهي الجماعات المتميزة بعضها من بعض انتهى . ‏
‏وفي النهاية : عزين جمع عزة وهي الحلقة المجتمعة من الناس , وأصلها عزوة فحذفت الواو وجمعت جمع السلامة على غير قياس , كثبين وبرين في جمع ثبة وبرة انتهى . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه مسلم بمعناه وأتم منه انتهى . وقال المزي في الأطراف حديث " خرج علينا فرآنا حلقا " وفي لفظ " دخل وهم حلق فقال ما لي أراكم عزين " أخرجه مسلم في الصلاة وأبو داود في الأدب والنسائي في التفسير , وحديث النسائي لم يذكره أبو القاسم انتهى .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن جعفر الوركاني ‏ ‏وهناد ‏ ‏أن ‏ ‏شريكا ‏ ‏أخبرهم عن ‏ ‏سماك ‏ ‏عن ‏ ‏جابر بن سمرة ‏ ‏قال ‏
‏كنا إذا أتينا النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏جلس أحدنا حيث ‏ ‏ينتهي ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( جلس أحدنا حيث ينتهي ) ‏
‏: أي يصل . قال المنذري : وأخرجه الترمذي والنسائي , وقال الترمذي : حسن غريب هذا آخر كلامه . وفي إسناده شريك بن عبد الله القاضي وفيه مقال .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في الجلوس وسط الحلقة

بسكون السين ولام الحلقة .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏موسى بن إسمعيل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏قتادة ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏أبو مجلز ‏ ‏عن ‏ ‏حذيفة ‏
‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لعن من جلس وسط الحلقة ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( لعن من جلس وسط الحلقة ) ‏
‏: قال الخطابي : هذا يتأول فيمن يأتي حلقة قوم فيتخطى رقابهم ويقعد وسطها ولا يقعد حيث ينتهي به المجلس فلعن للأذى وقد يكون في ذلك أنه إذا قعد وسط الحلقة حال بين الوجوه فحجب بعضهم عن بعض فيتضررون بمكانه وبمقعده هناك والله أعلم . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال : حسن صحيح .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في الرجل يقوم للرجل من مجلسه ‏

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسلم بن إبراهيم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏عبد ربه بن سعيد ‏ ‏عن ‏ ‏أبي عبد الله ‏ ‏مولى آل ‏ ‏أبي بردة ‏ ‏عن ‏ ‏سعيد بن أبي الحسن ‏ ‏قال ‏
‏جاءنا ‏ ‏أبو بكرة ‏ ‏في شهادة فقام له رجل من مجلسه فأبى أن يجلس فيه وقال إن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏نهى عن ذا ونهى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أن يمسح الرجل يده بثوب من لم يكسه ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( جاءنا أبو بكرة ) ‏
‏: أي الثقفي صحابي جليل
‏( في شهادة ) ‏
‏: أي لأداء شهادة كانت عنده ‏
‏( فقام له رجل من مجلسه ) ‏
‏: أي ليجلس هو فيه ‏
‏( فأبى ) ‏
‏: أي أبو بكرة ‏
‏( فيه ) ‏
‏: أي في ذلك المجلس ‏
‏( نهى عن ذا )
‏: أي أن يقوم أحد ليجلس غيره في مجلسه ذكره الطيبي . ‏
‏وقال القاري : والأظهر أن يكون إشارة إلى الجلوس في موضع يقوم منه أحد ‏
‏( أن يمسح الرجل يده ) ‏
‏: أي إذا كانت ملوثة بطعام مثلا ‏
‏( بثوب من لم يكسه )
‏: بفتح الياء وضم السين أي بثوب شخص لم يلبسه ذلك الرجل الثوب . والمراد منه النهي عن التصرف في مال الغير والتحكم على من لا ولاية له عليه . ‏
‏والظاهر أن صاحب الثوب إذا كان راضيا يجوز له ذلك , وكذلك إذا علم أن الشخص قام عن المجلس بطيب خاطره فلا بأس بجلوسه , كما يستفاد من قوله تعالى { تفسحوا في المجالس } وكذا من قوله سبحانه { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } ومما يدل عليه حديث صدر الدابة أحق بصاحبها إلا إذا أذن وأمثال ذلك كثير في الفروع . ‏
‏وفي الحديث دلالة على أنه لا بأس أن يمسح الرجل يده بثوب ابنه أو غلامه وغيرهما ممن ألبسه الثوب. ‏
‏قال المنذري : قال أبو بكر البزار , وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه إلا أبو بكرة ولا نعلم له طريقا إلا هذا الطريق , ولا نعلم أحدا سمى هذا الرجل يعني أبا عبد الله مولى قريش وإنما ذكرنا ما فيه لأنه لا يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه . هذا آخر كلامه . وقال فيه مولى قريش ووقع هنا مولى لآل أبي بردة . وقال أبو أحمد الكرابيسي : مولى أبي موسى الأشعري . وإذا قيل فيه مولى آل أبي بردة ومولى أبي موسى الأشعري فهو الصحيح لأن أبا بردة إما أن يكون أخا أبي موسى أو ولد أبي موسى , وأنما كان فهو صحيح , فإذا قيل فيه مولى قريش فلا يصح إلا أن يكون الولاء انجر إليه والله عز وجل أعلم . وذكر الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي هذا الحديث . وقال رواه أبو عبد الله مولى لآل أبي بردة عن سعيد وهو غير معروف . ‏

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عثمان بن أبي شيبة ‏ ‏أن ‏ ‏محمد بن جعفر ‏ ‏حدثهم عن ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏عقيل بن طلحة ‏ ‏قال سمعت ‏ ‏أبا الخصيب ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عمر ‏ ‏قال ‏
‏جاء رجل إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقام له رجل من مجلسه فذهب ليجلس فيه فنهاه رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏
‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏أبو الخصيب ‏ ‏اسمه ‏ ‏زياد بن عبد الرحمن ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( عن عقيل ) ‏
‏: بفتح العين وكسر القاف
‏( سمعت أبا الخصيب ) ‏
‏بفتح الخاء المعجمة على وزن عظيم قاله الحافظ ‏
‏( فقام له ) ‏
‏: أي للرجل الجائي ليجلس هو في مكانه
‏( فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ) ‏
‏: أي عن الجلوس في ذلك المجلس . وأخرج البخاري في الصحيح من طريق سفيان الثوري عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر . وأخرجه البخاري في الأدب المفرد بلفظ " وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه " وكذا أخرجه مسلم من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه . ‏
‏قال ابن بطال : اختلف في النهي فقيل للأدب وإلا فالذي يجب للعالم أن يليه أهل الفهم والنهى , وقيل : هو على ظاهره ولا يجوز لمن سبق إلى مجلس مباح أن يقام منه , واحتجوا بحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة رفعه " إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به " قالوا فلما كان أحق به بعد رجوعه ثبت أنه حقه قبل أن يقوم . ويتأيد ذلك بفعل ابن عمر المذكور فإنه راوي الحديث وهو أعلم بالمراد منه . وقال القرطبي في المفهم : هذا الحديث يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه وما احتج به من حمله على الأدب لكونه ليس ملكا له لا قبل ولا بعد ليس بحجة لأنا نسلم أنه غير ملك له لكن يختص به إلى أن يفرغ غرضه فصار كأنه ملك منفعته فلا يزاحمه غيره عليه انتهى . كذا في فتح الباري وأطال الحافظ الكلام فيه ‏
‏( قال أبو داود أبو الخصيب إلخ ) . ‏
‏قال المنذري : وهو بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء بواحدة . ‏


تعليقات الحافظ ابن قيم الجوزية

قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : وقد أخرج الترمذي من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه , ثم يجلس فيه , قال : وكان الرجل يقوم لابن عمر فما يجلس " قال هذا حديث حسن صحيح . ‏
‏وحديث ابن عمر هذا في الصحيحين , ولفظه " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقام الرجل من مجلسه , ويجلس فيه , ولكن تفسحوا وتوسعوا " . ‏
‏وفي صحيح مسلم عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده , ولكن ليقل افسحوا " .

 

‏ ‏باب ‏ ‏من يؤمر أن يجالس ‏

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسلم بن إبراهيم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبان ‏ ‏عن ‏ ‏قتادة ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل ‏ ‏الأترجة ‏ ‏ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه ومثل جليس السوء كمثل صاحب ‏ ‏الكير ‏ ‏إن لم يصبك من ‏ ‏سواده ‏ ‏أصابك من دخانه ‏
‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى ‏ ‏ح ‏ ‏و حدثنا ‏ ‏ابن معاذ ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏قتادة ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏عن ‏ ‏أبي موسى ‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بهذا الكلام الأول إلى قوله وطعمها مر ‏ ‏وزاد ‏ ‏ابن معاذ ‏ ‏قال قال ‏ ‏أنس ‏ ‏وكنا نتحدث أن مثل جليس الصالح وساق بقية الحديث ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن الصباح العطار ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سعيد بن عامر ‏ ‏عن ‏ ‏شبيل بن عزرة ‏ ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏مثل الجليس الصالح فذكر نحوه ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( مثل الأترجة ) ‏
‏: بضم الهمزة والراء وتشديد الجيم وقد تخفف ثمر معروف يقال لها ترنج جامع لطيب الطعم والرائحة وحسن اللون ومنافع كثيرة . والمقصود بضرب المثل بيان علو شأن المؤمن وارتفاع عمله وانحطاط شأن الفاجر وإحباط عمله ‏
‏( ومثل جليس السوء ) ‏
‏: بفتح السين ويضم
‏( كمثل صاحب الكير ) ‏
‏: بكسر الكاف زق ينفخ فيه الحداد وأما المبني من الطين فكور كذا في القاموس أي كمثل نافخه . وفي الحديث إرشاد إلى الرغبة في صحبة الصلحاء والعلماء ومجالستهم فإنها تنفع في الدنيا والآخرة , وإلى الاجتناب عن صحبة الأشرار والفساق فإنها تضر دينا ودنيا . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه النسائي . ‏
‏( بهذا الكلام الأول ) ‏
‏: أي المذكور في الحديث السابق
‏( وساق بقية الحديث ) ‏
‏: أي إلى قوله أصابك من دخانه . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وليس فيه كلام أنس .
‏( عن شبيل ) ‏
‏: بالتصغير ‏
‏( بن عزرة ) ‏
‏: بفتح العين المهملة بعدها زاي ساكنة ثم راء ‏
‏( قال مثل الجليس الصالح فذكر نحوه )
‏: والحديث سكت عنه المنذري .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عمرو بن عون ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏ابن المبارك ‏ ‏عن ‏ ‏حيوة بن شريح ‏ ‏عن ‏ ‏سالم بن غيلان ‏ ‏عن ‏ ‏الوليد بن قيس ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سعيد ‏ ‏أو ‏ ‏عن ‏ ‏أبي الهيثم ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سعيد ‏
‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( لا تصاحب إلا مؤمنا ) ‏
‏: أي كاملا , أو المراد النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين لأن مصاحبتهم مضرة في الدين , فالمراد بالمؤمن جنس المؤمنين ‏
‏( ولا يأكل طعامك إلا تقي ) ‏
‏: أي متورع . والأكل وإن نسب إلى التقي ففي الحقيقة مسند إلى صاحب الطعام , فالمعنى لا تطعم طعامك إلا تقيا . ‏
‏قال الخطابي : إنما جاء هذا في طعام الدعوة دون طعام الحاجة , وذلك أن الله سبحانه قال { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } ومعلوم أن أسراءهم كانوا كفارا غير مؤمنين ولا أتقياء , وإنما حذر عليه السلام من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته , فإن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب .
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال إنما نعرفه من هذا الوجه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏ابن بشار ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو عامر ‏ ‏وأبو داود ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏زهير بن محمد ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏موسى بن وردان ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏
‏أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏الرجل على دين ‏ ‏خليله ‏ ‏فلينظر أحدكم من ‏ ‏يخالل ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( الرجل ) ‏
‏: يعني الإنسان ‏
‏( على دين خليله ) ‏
‏أي على عادة صاحبه وطريقته وسيرته ‏
‏( فلينظر )
‏: أي يتأمل ويتدبر ‏
‏( من يخالل ) ‏
‏: فمن رضي دينه وخلقه خالله ومن لا تجنبه فإن الطباع سراقة . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب . هذا آخر كلامه . وفي إسناده موسى بن وردان وقد ضعفه بعضهم , وقال بعضهم لا بأس به ورجح بعضهم في هذا الحديث الإرسال .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏هارون بن زيد بن أبي الزرقاء ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏جعفر يعني ابن برقان ‏ ‏عن ‏ ‏يزيد يعني ابن الأصم ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏
‏يرفعه قال ‏ ‏الأرواح جنود ‏ ‏مجندة ‏ ‏فما ‏ ‏تعارف ‏ ‏منها ائتلف وما ‏ ‏تناكر ‏ ‏منها اختلف ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( الأرواح ) ‏
‏: أي أرواح الإنسان ‏
( جنود ) ‏
‏: جمع جند أي جموع ‏
‏( مجندة ) ‏
‏: بفتح النون المشددة أي مجتمعة متقابلة أو مختلطة , منها حزب الله ومنها حزب الشيطان ‏
( فما تعارف منها ) ‏
‏: التعارف جريان المعرفة بين اثنين والتناكر ضده أي فما تعرف بعضها من بعض قبل حلولها في الأبدان ‏
‏( ائتلف ) ‏
‏: أي حصل بينهما الألفة والرأفة حال اجتماعهما بالأجساد في الدنيا ‏
‏( وما تناكر منها )
‏: أي في عالم الأرواح ‏
‏( اختلف ) ‏
‏: أي في عالم الأشباح . ‏
‏قال النووي : معنى قوله " الأرواح جنود مجندة " جموع مجتمعة أو أنواع مختلفة وأما تعارفها فهو لأمر جعلها الله عليه وقيل إنها موافقة صفاتها التي جعلها الله عليها وتناسبها في شيمها . وقيل لأنها خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسادها فمن وافق بشيمه ألفه ومن باعده نافره وخالفه . ‏
‏وقال الخطابي وغيره : تآلفها هو ما خلقها الله عليه من السعادة أو الشقاوة في المبتدأ وكانت الأرواح قسمين متقابلين , فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسب ما خلقت عليه فيميل الأخيار إلى الأخيار والأشرار إلى الأشرار انتهى . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه مسلم أيضا من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في كراهية ‏ ‏المراء ‏

بكسر الميم الجدال .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عثمان بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو أسامة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏بريد بن عبد الله ‏ ‏عن ‏ ‏جده ‏ ‏أبي بردة ‏ ‏عن ‏ ‏أبي موسى ‏ ‏قال ‏
‏كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال ‏ ‏بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( في بعض أمره ) ‏
‏: أي من أمر الحكومة
‏( بشروا ) ‏
‏أي الناس بقبول الله الطاعات وإثابته عليها وتوفيقه للتوبة من المعاصي وعفوه ومغفرته ‏
‏( ولا تنفروا ) ‏
‏: بتشديد الفاء المكسورة أي لا تخوفوهم بالمبالغة في إنذارهم حتى تجعلوهم قانطين من رحمة الله بذنوبهم وأوزارهم ‏
‏( ويسروا ) ‏
‏: أي سهلوا عليهم الأمور من أخذ الزكاة باللطف بهم ‏
‏( ولا تعسروا ) ‏
‏: أي بالصعوبة عليهم بأن تأخذوا أكثر مما يجب عليهم أو أحسن منه أو بتتبع عوراتهم وتجسس حالاتهم . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه مسلم .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى ‏ ‏عن ‏ ‏سفيان ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏إبراهيم بن المهاجر ‏ ‏عن ‏ ‏مجاهد ‏ ‏عن ‏ ‏قائد السائب ‏ ‏عن ‏ ‏السائب ‏ ‏قال ‏
‏أتيت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فجعلوا يثنون علي ‏ ‏ويذكروني فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أنا أعلمكم ‏ ‏يعني به قلت صدقت بأبي أنت وأمي كنت شريكي فنعم الشريك كنت لا ‏ ‏تداري ‏ ‏ولا ‏ ‏تماري

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( فجعلوا يثنون ) ‏
‏: بضم التحتية من الإثناء
‏( يعني به ) ‏
‏: أي بالسائب ‏
‏( بأبي أنت وأمي )
‏: قال في النهاية : الباء متعلقة بمحذوف قيل هو اسم فيكون ما بعده مرفوعا تقديره أنت مفدى بأبي وأمي , وقيل هو فعل وما بعده منصوب أي فديتك بأبي وأمي , وحذف هذا المقدر تخفيفا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به انتهى ‏
‏( لا تداري ولا تماري ) ‏
‏: قال الخطابي : يريد لا تخالف ولا تمانع , وأصل الدرء الدفع ومنه قوله تعالى { فادارأتم فيها } يصفه صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق والسهولة في المعاملة وقوله لا تماري يريد المراء والخصومة انتهى . ‏
‏قال الحافظ في الإصابة : السائب بن أبي السائب واسمه ضيفي والد عبد الله بن السائب روى له أبو داود والنسائي من طريق مجاهد عن قائد السائب عن السائب وقيل عن مجاهد عن السائب بلا واسطة , وروى ابن أبي شيبة من طريق يونس بن خباب عن مجاهد كنت أقود بالسائب فيقول لي يا مجاهد أدلكت الشمس فإذا قلت نعم صلى الظهر انتهى . ‏
‏وقال المنذري : وأخرجه النسائي وابن ماجه . والسائب هذا قد ذكر بعضهم أنه قتل كافرا يوم بدر قتله الزبير بن العوام , وذكر بعضهم أن لا صحبة لأبيه وذكر بعضهم أنه أسلم وحسن إسلامه وهذا هو المعول عليه وقد ذكره غير واحد في كتب الصحابة رضي الله عنهم . وهذا الحديث اختلف في إسناده اختلافا كثيرا وذكره أبو عمر النمري أن هذا الحديث مضطرب جدا , منهم من يجعله للسائب بن أبي السائب , ومنهم من يجعله لعبد الله بن السائب , وهذا اضطراب لا يقوم به حجة . والسائب بن أبي السائب من المؤلفة قلوبهم .

 

‏ ‏باب ‏ ‏الهدي في الكلام ‏

الهدي بفتح الهاء وسكون الدال السيرة والطريقة الصالحة .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد العزيز بن يحيى الحراني ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏محمد يعني ابن سلمة ‏ ‏عن ‏ ‏محمد بن إسحق ‏ ‏عن ‏ ‏يعقوب بن عتبة ‏ ‏عن ‏ ‏عمر بن عبد العزيز ‏ ‏عن ‏ ‏يوسف بن عبد الله بن سلام ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏قال ‏
‏كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع ‏ ‏طرفه ‏ ‏إلى السماء ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( يكثر ) ‏
‏: من الإكثار ‏
‏( أن يرفع طرفه ) ‏
‏: بسكون الراء أي نظره ‏
‏( إلى السماء ) ‏
: انتظارا لما يوحى إليه وشوقا إلى الملأ الأعلى . ‏
‏قال المنذري : في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الاختلاف فيه . وسلام بفتح المهملة وتخفيف اللام .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن العلاء ‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن بشر ‏ ‏عن ‏ ‏مسعر ‏ ‏قال سمعت ‏ ‏شيخا ‏ ‏في المسجد ‏ ‏يقول سمعت ‏ ‏جابر بن عبد الله ‏ ‏يقول
‏كان في كلام رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ترتيل ‏ ‏أو ‏ ‏ترسيل ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( ترتيل ) ‏
‏: أي تأن وتمهل مع تبيين الحروف والحركات بحيث يتمكن السامع من عدها ‏
‏( أو ترسيل ) ‏
‏: شك من الراوي . ومعنى الترتيل والترسيل واحد , وفي بعض النسخ بالواو فهو عطف تفسير .
‏قال المنذري : الراوي عن جابر مجهول .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عثمان ‏ ‏وأبو بكر ‏ ‏ابنا ‏ ‏أبي شيبة ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏وكيع ‏ ‏عن ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏أسامة ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏عن ‏ ‏عروة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏رحمها الله ‏ ‏قالت ‏
‏كان كلام رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏كلاما ‏ ‏فصلا ‏ ‏يفهمه كل من سمعه ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( كلاما فصلا ) ‏
‏: أي مفصولا بين أجزائه وواضحا .
‏والحديث سكت عنه المنذري .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو توبة ‏ ‏قال زعم ‏ ‏الوليد ‏ ‏عن ‏ ‏الأوزاعي ‏ ‏عن ‏ ‏قرة ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سلمة ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏كل كلام لا يبدأ فيه ‏ ‏بالحمد لله فهو ‏ ‏أجذم ‏
‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏رواه ‏ ‏يونس ‏ ‏وعقيل ‏ ‏وشعيب ‏ ‏وسعيد بن عبد العزيز ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏مرسلا ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( كل كلام ) ‏
‏: وفي رواية ابن ماجه " كل أمر ذي بال " قال في النهاية : أمر ذو بال أي شريف يحتفل به ويهتم ‏
‏( فهو )
‏: أي ذلك الكلام ‏
‏( أجذم ) ‏
‏: قال الخطابي : معناه المنقطع الأبتر الذي لا نظام له . وفسره أبو عبيد فقال الأجذم المقطوع اليد انتهى . وفي رواية ابن ماجه : أقطع أي مقطوع البركة على وجه المبالغة أي أقطع من كل مقطوع .
‏قال المنذري : قال فيه زعم الوليد عن الأوزاعي وذكر أن جماعة رووه عن الزهري مرسلا وأخرجه النسائي مسندا ومرسلا وأخرجه ابن ماجه . وقال فيه أقطع وفي إسناده قرة وهو ابن عبد الرحمن بن حيوئيل المعافري المصري كنيته أبو محمد ويقال أبو حيوئيل قال الإمام أحمد : منكر الحديث . ‏


تعليقات الحافظ ابن قيم الجوزية

ثم ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله حديث " كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم " ثم قال : وأخرجه ابن حبان في صحيحه . ‏
‏وفي الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما أكرم شاب شيخا بشيبة إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه " قال هذا حديث غريب . ‏

 

‏ ‏باب ‏ ‏في الخطبة ‏

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏وموسى بن إسمعيل ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏عبد الواحد بن زياد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عاصم بن كليب ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏
‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد ‏ ‏الجذماء ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( كل خطبة ) ‏
‏: بضم الخاء , وقال القاري بكسر الخاء , وهي التزوج والظاهر هو الأول ‏
‏( ليس فيها تشهد ) ‏
‏: وفي رواية شهادة , وأراد الشهادتين من إطلاق الجزء على الكل قاله المناوي . وقال القاري أي حمد وثناء على الله . ونقل عن التوربشتي أن أصل التشهد قولك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏
‏( فهي كاليد الجذماء )
‏: أي المقطوعة التي لا فائدة فيها لصاحبها . والجذم سرعة القطع , وقيل الجذماء من الجذام وهو داء معروف تنفر عنه الطباع . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب . انتهى . ‏
‏فائدة : اعلم أن السنة في ابتداء جميع الأمور الحسنة أن يقول : بسم الله الرحمن الرحيم لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع " وهو حديث حسن كما ستقف عليه ولا يقتصر على بسم الله إلا في المواضع التي ثبت فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقتصار على بسم الله , فالسنة في هذه المواضع الاقتصار على لفظ بسم الله . والتفصيل أن الأحاديث الواردة في التسمية على أربعة أقسام . ‏
‏الأول : ما وقع فيه بسم الله الرحمن الرحيم تاما كحديث علي رضي الله عنه مرفوعا " إذا وقعت في ورطة فقل بسم الله الرحمن الرحيم " رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة . وكحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال " مرضت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذني فعوذني يوما فقال بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد " الحديث رواه ابن السني , وكحديث أبي هريرة الذي رواه النسائي وابن خزيمة والسراج وابن حبان وغيرهم من طريق سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال " صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين . ‏
‏فقال آمين وقال الناس آمين " الحديث وفي آخره " إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم " ذكره الحافظ في الفتح . ‏
‏والقسم الثاني : ما وقع فيه لفظ بسم الله فقط من غير زيادة عليه , كحديث عبد الرحمن بن جبير أنه حدثه رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم ثماني سنين أنه كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرب إليه طعاما يقول بسم الله فإذا فرغ من طعامه قال " اللهم أطعمت وسقيت " الحديث رواه ابن السني . قال النووي في الأذكار بإسناد حسن . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لربيبه عمر بن أبي سلمة " قل بسم الله وكل بيمينك " الحديث رواه مسلم . وقال صلى الله عليه وسلم لأسامة بن عمير " لا تقل هكذا ( أي تعس الشيطان ) : فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت ولكن قل بسم الله فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة " رواه النسائي في اليوم والليلة , وابن مردويه في تفسيره . كذا في تفسير ابن كثير رحمه الله . ‏
‏والقسم الثالث : ما وقع فيه بسم الله مع زيادة معه غير لفظ الرحمن الرحيم كحديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا " إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم " رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والطبراني في الكبير ‏
‏والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن . وكحديث عثمان رضي الله عنه مرفوعا " ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء " الحديث رواه الترمذي وابن ماجه وأبو داود . وكحديث ابن عباس مرفوعا " لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا " الحديث رواه الشيخان . ‏
‏وكحديث أنس رضي الله عنه قال " ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر قال رأيته واضعا قدمه على صفاحهما ويقول بسم الله والله أكبر " رواه الشيخان . ‏
‏والقسم الرابع : ما وقع فيه ذكر اسم الله من غير تصريح بلفظ بسم الله الرحمن الرحيم ولا بلفظ بسم الله كحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا " إذا أكل أحدكم طعاما فليذكر اسم الله " الحديث رواه أبو داود والترمذي . ‏
‏وكحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني وابن السكن والحاكم والبيهقي قاله الحافظ . ‏
‏وكحديث جابر " إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله من الشيطان واذكروا اسم الله عليها " رواه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود في سننه وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وغير ذلك من الأحاديث . ‏
‏ففي المواضع التي ثبت فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول ببسم الله الرحمن الرحيم بتمامه لا يحصل السنة إلا بقوله تاما وكاملا , وإن اقتصر في تلك المواضع على بسم الله أو على بسم الله الرحمن لا يحصل السنة البتة .
‏وفي المواضع التي ثبت فيها الاقتصار على لفظ بسم الله من غير زيادة عليه فالمسنون في تلك المواضع القصر بفعل النبي صلى الله عليه وسلم والتكميل بقوله صلى الله عليه وسلم لأن هذه المواضع داخلة تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع " . ‏
‏فكيف يكون من قال في هذه المواضع بسم الله الرحمن الرحيم تاما وكاملا مبتدعا , وكيف يكون قوله بدعة بل يكون سنة قوليا . ‏
‏وفي الاختيارات العلمية في اختيارات الشيخ ابن تيمية ويقول عند الأكل بسم الله الرحمن الرحيم كاملا فإنه أكمل بخلاف الذبح انتهى . ‏
‏وأما المواضع التي ورد فيها بسم الله مع زيادة عليه غير لفظ الرحمن الرحيم فالمسنون فيها أن يقتصر على بسم الله مع تلك الزيادة , وليس لأحد أن يزيد بين بسم الله وبين تلك الزيادة لفظ الرحمن الرحيم , لأن مجموع بسم الله وتلك الزيادة دعاء واحد أو ذكر واحد ولم يثبت جواز زيادة بين كلمات دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وذكره فلا يجوز لأحد أن يقول عند الذبح بسم الله الرحمن الرحيم والله أكبر . ‏
‏وأما المواضع التي جاء فيها ذكر اسم الله من غير تصريح ببسم الله الرحمن الرحيم أو ببسم الله فالأفضل أن يقول فيها بسم الله الرحمن الرحيم بتمامه من ثلاثة وجوه : ‏
‏الأول : أنه إذا أتى في هذه المواضع ببسم الله الرحمن الرحيم بتمامه كان محرزا ما ورد في القول ببسم الله الرحمن الرحيم بتمامه من الفضيلة . ‏
‏والوجه الثاني : أنه إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم بتمامه فقد أتى بما هو المراد من ذكر اسم الله بيقين وأما إذا أتى ببسم الله فقط أو بلفظ آخر مثلا بالرب أو بالخالق فلا شك أنه أتى بذكر اسم الله لكن فيه احتمال أن يكون المراد من ذكر اسم الله هو القول ببسم الله الرحمن الرحيم بتمامه وكماله كما هو المعهود في كثير من المواضع . ‏
‏والوجه الثالث : عموم قوله صلى الله عليه وسلم " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع " وهو حديث حسن . ‏
‏قال النووي في الأذكار : وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه ومسند أبي عوانة والتزويج المخرج على صحيح مسلم رحمهم الله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع " وفي رواية " بحمد الله " وفي رواية " بالحمد فهو أقطع " وفي رواية " كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم " وفي رواية " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع " روينا هذه الألفاظ كلها في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي وهو حديث حسن , وقد روي موصولا كما ذكرنا وروي مرسلا , ورواية الموصول جيدة الإسناد , وإذا روي الحديث موصولا ومرسلا فالحكم للاتصال عند جمهور العلماء لأنها زيادة ثقة وهي مقبولة عند الجماهير انتهى . ‏
‏وقال في شرح صحيح مسلم : وإنما بدأ بالحمد لله لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع " وفي رواية " بحمد الله " وفي رواية " بالحمد فهو أقطع " وفي رواية " أجذم " وفي رواية " لا يبدأ فيه بذكر الله تعالى " وفي رواية " ببسم الله الرحمن الرحيم " روينا كل هذه في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي بسماعنا من صاحبه الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن سالم الأنباري عنه ورويناه فيه أيضا من رواية كعب بن مالك الصحابي رضي الله عنه , والمشهور رواية أبي هريرة وهذا الحديث حسن رواه أبو داود وابن ماجه في سننهما , ورواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة , وروي موصولا ومرسلا , ورواية الموصول إسنادها جيد انتهى . ‏
‏وفي فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ابتدأ كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز وعملا بحديث " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " أخرجه ابن حبان من طريقين . ‏
‏قال ابن الصلاح : والحديث حسن . ولأبي داود وابن ماجه " كل ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع " ولأحمد " كل أمر ذي بال لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر وأقطع " انتهى . ‏
‏فالحاصل أن هذه الوجوه تدل على أن في هذه المواضع الأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم بتمامه , وإن قال بسم الله فقط فقد ذكر اسم الله بلا شبهة وكفاه , ولذلك قال النووي في الأذكار : من أهم ما ينبغي أن يعرف صفة التسمية وقدر المجزئ منها فاعلم أن الأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم , فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنة , وسواء في هذا الجنب والحائض وغيرهما انتهى . وأما تعقب الحافظ بن حجر على كلام النووي هذا في فتح الباري بقوله : وأما قول النووي في أدب الأكل من الأذكار صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم , فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنة , فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلا خاصا انتهى . فمتعقب , كيف وقد رأيت وجوها ثلاثة للأفضلية . هذا عندي والله تعالى أعلم .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في تنزيل الناس منازلهم ‏

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى بن إسمعيل ‏ ‏وابن أبي خلف ‏ ‏أن ‏ ‏يحيى بن اليمان ‏ ‏أخبرهم عن ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏حبيب بن أبي ثابت ‏ ‏عن ‏ ‏ميمون بن أبي شبيب ‏
‏أن ‏ ‏عائشة ‏ ‏مر بها سائل فأعطته كسرة ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل فقيل لها في ذلك فقالت قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أنزلوا الناس منازلهم ‏
‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏وحديث ‏ ‏يحيى ‏ ‏مختصر ‏ ‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏ميمون ‏ ‏لم يدرك ‏ ‏عائشة ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( فأعطته كسرة ) ‏
‏: بكسر أوله أي قطعة من خبز ونحوه ‏
‏( فقيل لها ) ‏
‏: أي لعائشة ‏
‏( في ذلك )
‏: أي المذكور من صنيعها بالمارين بها . والمعنى قيل لعائشة لم فرقت بينهما حيث أعطيت الأول كسرة وأقعدت الثاني أطعمته ‏
‏( أنزلوا الناس منازلهم )
‏أي عاملوا كل أحد بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف . ‏
‏قال العزيزي : والمراد بالحديث الحض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفي القيام وغير ذلك من الحقوق . ‏
‏( قال أبو داود ميمون لم يدرك عائشة ) ‏. ‏
‏قال المنذري : وقيل لأبي حاتم الرازي ميمون بن أبي شبيب عن عائشة متصل قال لا . انتهى كلام المنذري . ‏
‏وقال النووي في مقدمة شرح صحيح مسلم في فصل التعليق : وأما قول مسلم في خطبة كتابه وقد ذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم " فهذا بالنظر إلى أن لفظه ليس جازما لا يقتضي حكمه بصحته وبالنظر إلى أنه احتج به وأورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد يقتضي حكمه بصحته , ومع ذلك فقد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه كتاب معرفة علوم الحديث بصحته وأخرجه أبو داود في سننه بإسناده منفردا به , وذكر أن الراوي له عن عائشة ميمون بن أبي شبيب ولم يدركها . قال الشيخ ابن الصلاح وفيما قاله أبو داود نظر , فإنه كوفي متقدم قد أدرك المغيرة بن شعبة , ومات المغيرة قبل عائشة , وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كاف في ثبوت الإدراك , فلو ورد عن ميمون أنه قال لم ألق عائشة استقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه وهيهات ذلك انتهى . ‏
‏قال النووي : وحديث عائشة هذا قد رواه البزار في مسنده وقال هذا الحديث لا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه , وقد روي عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفا انتهى .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏إسحق بن إبراهيم الصواف ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن حمران ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏عوف بن أبي جميلة ‏ ‏عن ‏ ‏زياد بن مخراق ‏ ‏عن ‏ ‏أبي كنانة ‏ ‏عن ‏ ‏أبي موسى الأشعري ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير ‏ ‏الغالي ‏ ‏فيه ‏ ‏والجافي ‏ ‏عنه وإكرام ذي السلطان ‏ ‏المقسط ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( أخبرنا عبد الله بن حمران ) ‏
‏: بضم الحاء المهملة ‏
‏( عن زياد بن مخراق ) ‏
‏: بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة
‏( إن من إجلال الله ) ‏
‏: أي تبجيله وتعظيمه ‏
‏( إكرام ذي الشيبة المسلم ) ‏
‏: أي تعظيم الشيخ الكبير في الإسلام بتوقيره في المجالس والرفق به والشفقة عليه ونحو ذلك , كل هذا من كمال تعظيم الله لحرمته عند الله
‏( وحامل القرآن ) ‏
‏أي وإكرام حافظه وسماه حاملا له لما يحمل لمشاق كثيرة تزيد على الأحمال الثقيلة قاله العزيزي . وقال القاري : أي وإكرام قارئه وحافظه ومفسره ‏
‏( غير الغالي ) ‏
‏بالجر ‏
‏( فيه )
‏أي في القرآن . ‏
‏والغلو التشديد ومجاوزة الحد , يعني غير المتجاوز الحد في العمل به وتتبع ما خفي منه واشتبه عليه من معانيه وفي حدود قراءته ومخارج حروفه قاله العزيزي ‏
‏( والجافي عنه ) ‏
‏أي وغير المتباعد عنه المعرض عن تلاوته وإحكام قراءته وإتقان معانيه والعمل بما فيه . ‏
‏وقيل الغلو المبالغة في التجويد أو الإسراع في القراءة بحيث يمنعه عن تدبر المعنى .
‏والجفاء أن يتركه بعد ما علمه لا سيما إذا كان نسيه فإنه عد من الكبائر , قال في النهاية : ومنه الحديث " اقرءوا القرآن ولا تجفوا عنه " أي تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته بأن تتركوا قراءته وتشتغلوا بتفسيره وتأويله ولذا قيل اشتغل بالعلم بحيث لا يمنعك عن العمل واشتغل بالعمل بحيث لا يمنعك عن العلم , وحاصله أن كلا من طرفي الإفراط والتفريط مذموم , والمحمود هو الوسط العدل المطابق لحاله صلى الله عليه وسلم في جميع الأقوال والأفعال , كذا في المرقاة شرح المشكاة ‏
‏( وإكرام ذي السلطان المقسط ) ‏
‏: بضم الميم أي العادل . ‏
‏قال المنذري : أبو كنانة هذا هو القرشي ذكر غير واحد أنه سمع من أبي موسى .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في الرجل يجلس بين الرجلين بغير إذنهما ‏

‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن عبيد ‏ ‏وأحمد بن عبدة ‏ ‏المعنى ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏حماد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عامر الأحول ‏ ‏عن ‏ ‏عمرو بن شعيب ‏ ‏قال ‏ ‏ابن عبدة ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏جده ‏
‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما ) ‏
‏: كذا في جميع النسخ الحاضرة لا يجلس بالتحتية وضبط في بعضها بالقلم بفتح التحتية . وقال العلقمي : بضم أوله بالبناء للمجهول . ‏
‏وفي المشكاة : لا تجلس بالمثناة .
‏والحديث قال المنذري , وأشار إليه الترمذي .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏سليمان بن داود المهري ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏ابن وهب ‏ ‏قال أخبرني ‏ ‏أسامة بن زيد الليثي ‏ ‏عن ‏ ‏عمرو بن شعيب ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن عمرو ‏
‏عن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( لا يحل لرجل أن يفرق ) ‏
‏: بتشديد الراء
‏( بين اثنين ) ‏
‏: بأن يجلس بينهما ‏
‏( إلا بإذنهما )
‏: لأنه قد يكون بينهما محبة ومودة وجريان سر وأمانة فيشق عليهما التفريق بجلوسه بينهما . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال حسن , وقد تقدم الاختلاف في الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في جلوس الرجل ‏

‏ ‏حدثنا ‏ ‏سلمة بن شبيب ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن إبراهيم ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏إسحق بن محمد الأنصاري ‏ ‏عن ‏ ‏ربيح بن عبد الرحمن ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏جده ‏ ‏أبي سعيد الخدري ‏ ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏كان ‏ ‏إذا جلس ‏ ‏احتبى بيده ‏
‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏عبد الله بن إبراهيم ‏ ‏شيخ ‏ ‏منكر الحديث ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( عن ربيح ) ‏
‏: بالتصغير ‏
‏( احتبى بيده )
‏: زاد البزار " ونصب ركبتيه " أي جمع ساقيه إلى بطنه مع ظهره بيديه عوضا عن جمعهما بثوب , فالاحتباء باليدين غير منهي عنه إلا إذا كان ينتظر الصلاة كما في حديث كذا في السراج المنير ‏
‏( قال أبو داود عبد الله بن إبراهيم شيخ منكر الحديث ) ‏. ‏
‏قال المنذري : وفي إسناده أيضا ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري , قال الإمام أحمد : ربيح ليس بمعروف .

 

‏ ‏أحمد بن حنبل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حفص بن عمر ‏ ‏وموسى بن إسمعيل ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏عبد الله بن حسان العنبري ‏ ‏قال حدثتني ‏ ‏جدتاي ‏ ‏صفية ‏ ‏ودحيبة ‏ ‏ابنتا ‏ ‏عليبة ‏ ‏قال ‏ ‏موسى ‏ ‏بنت ‏ ‏حرملة ‏ ‏وكانتا ربيبتي ‏ ‏قيلة بنت مخرمة ‏ ‏وكانت جدة أبيهما ‏ ‏أنها أخبرتهما ‏
‏أنها رأت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وهو ‏ ‏قاعد ‏ ‏القرفصاء ‏ ‏فلما رأيت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏المختشع ‏ ‏وقال ‏ ‏موسى ‏ ‏المتخشع ‏ ‏في الجلسة ‏ ‏أرعدت ‏ ‏من ‏ ‏الفرق ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( صفية ودحيبة ) ‏
‏: بضم الدال وفتح الحاء المهملتين وسكون التحتانية ‏
‏( ابنتا عليبة ) ‏
‏: بالتصغير
‏( قال موسى بنت حرملة ) ‏
‏: أي قال موسى في روايته ابنتا عليبة بنت حرملة فنسبها إلى أبيها حرملة وهو ابن عبد الله العنبري ‏
‏( وكانتا )
‏: أي صفية ودحيبة ‏
‏( قيلة ) ‏
‏: بفتح القاف وسكون الياء
‏( وكانت ) ‏
‏: أي قيلة ‏
‏( جدة أبيهما ) ‏
‏: ضمير التثنية لصفية ودحيبة ‏
‏( أنها ) ‏
‏: أي قيلة ‏
‏( وهو قاعد القرفصاء ) ‏
‏: بالنصب على أنه مفعول مطلق بضم القاف وسكون الراء وضم الفاء وفتحها ممدودا . ‏
‏قال الخطابي : هو جلسة المحتبي وليس هو المحتبي بثوبه ولكنه الذي يحتبي بيديه انتهى . ‏
‏وفي القاموس القرفصى مثلثة القاف والفاء مقصورة , والقرفصاء بالضم , والقرفصاء بضم القاف والراء على الاتباع أن يجلس على أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه أو يجلس على ركبتيه منكبا ويلصق بطنه بفخذيه ويتأبط كفيه انتهى ‏
‏( المختشع وقال موسى المتخشع ) ‏
: الأول من باب الافتعال والثاني من باب التفعل أي الخاشع الخاضع المتواضع , والظاهر أنه حال على مجاوزة الكوفيين في قول لبيد : ‏ ‏وأرسلها العراك ولم يذدها ‏
‏مع أن تأويل البصريين قد يأتي هنا أيضا بأنه معرفة موضوعة موضع النكرة , وقيل إنه صفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏
‏( أرعدت ) ‏
‏: بصيغة المجهول أي أخذتني الرعدة والاضطراب والحركة ‏
‏( من الفرق ) ‏
‏: بفتحتين أي من أجل الخوف والمعنى هبته مع خضوعه وخشوعه . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن حسان . هذا آخر كلامه . وعبد الله بن حسان كنيته أبو الحسد تميمي غنوي حديثه في البصريين ودحيبة بضم الدال وفتح الحاء المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء بواحدة مفتوحة وتاء تأنيث . وعليبة بضم العين المهملة وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء بواحدة مفتوحة وتاء تأنيث . وقد مر طرف من هذا الحديث في كتاب الخراج وهو حديث طويل وذكر أبو عمر النمري قيلة بنت مخرمة , وقد شرح حديثها أهل العلم بالغريب , وهو حديث حسن .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في الجلسة المكروهة ‏

    ‏ ‏حدثنا ‏ ‏علي بن بحر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عيسى بن يونس ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ابن جريج ‏ ‏عن ‏ ‏إبراهيم بن ميسرة ‏ ‏عن ‏ ‏عمرو بن الشريد ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏الشريد بن سويد ‏ ‏قال ‏
‏مر بي رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وأنا جالس هكذا وقد وضعت ‏ ‏يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ‏ ‏ألية يدي ‏ ‏فقال أتقعد قعدة المغضوب عليهم ‏

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( وأنا جالس هكذا ) ‏
‏: المشار إليه مفسر بقوله
‏( وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي ) ‏
‏: أي اليمنى والألية بفتح الهمزة اللحمة التي في أصل الإبهام ‏
‏( فقال : أتقعد قعدة المغضوب عليهم ) ‏
‏: القعدة بالكسر للنوع والهيئة . ‏
‏قال الطيبي : والمراد بالمغضوب عليهم اليهود . ‏
‏قال القاري في كونهم هم المراد من المغضوب عليهم ههنا محل بحث . وتتوقف صحته على أن يكون هذا شعارهم , والأظهر أن يراد بالمغضوب عليهم أعم من الكفار والفجار المتكبرين المتجبرين ممن تظهر آثار العجب والكبر عليهم من قعودهم ومشيهم ونحوهما , نعم ورد في حديث صحيح أن المغضوب عليهم في سورة الفاتحة هم اليهود انتهى . ‏
‏والحديث سكت عنه المنذري .

 

‏ ‏باب ‏ ‏النهي عن ‏ ‏السمر ‏ ‏بعد العشاء ‏

السمر بفتحتين من المسامرة الحديث بالليل , وبسكون الميم مصدر , وأصل السمر لون ضوء القمر لأنهم كانوا يتحدثون فيه .

‏ ‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى ‏ ‏عن ‏ ‏عوف ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏أبو المنهال ‏ ‏عن ‏ ‏أبي برزة ‏ ‏قال ‏
‏كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ينهى عن النوم قبلها والحديث بعدها ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( ينهى عن النوم قبلها ) ‏
‏: أي قبل صلاة العشاء لما فيه من خوف فوت الجماعة ‏
‏( والحديث بعدها ) ‏
‏: أي المحادثة بعدها , لأنه يؤدي إلى الإكثار , فيؤدي إلى تفويت قيام الليل بل صلاة الصبح أيضا .
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه , وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه في أثناء حديث أبي برزة الطويل في المواقيت.

 

‏ ‏باب ‏ ‏في الرجل يجلس متربعا ‏

هو أن يقعد على وركيه ويمد ركبته اليمنى إلى جانب يمينه وقدمه اليمنى إلى جانب يساره واليسرى بالعكس .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏عثمان بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو داود الحفري ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سفيان الثوري ‏ ‏عن ‏ ‏سماك بن حرب ‏ ‏عن ‏ ‏جابر بن سمرة ‏ ‏قال ‏
‏كان النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( تربع في مجلسه ) ‏
‏: أي جلس مربعا واستمر عليه
‏( حتى تطلع الشمس حسناء ) ‏
‏: على وزنه فعلاء حال من الشمس أي نقية بيضاء زائلة عنها الصفرة التي تتخيل عند الطلوع , وفي بعض النسخ حسنا بفتحتين وبالتنوين فهو مفعول مطلق أي طلوعا ظاهرا بينا . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في ‏ ‏التناجي ‏

‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو بكر بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو معاوية ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏ح ‏ ‏و حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عيسى بن يونس ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏شقيق يعني ابن سلمة ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا ‏ ‏ينتجي ‏ ‏اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه
‏حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عيسى بن يونس ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏أبي صالح ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عمر ‏ ‏قال ‏ ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏مثله ‏ ‏قال ‏ ‏أبو صالح ‏ ‏فقلت ‏ ‏لابن عمر ‏ ‏فأربعة قال ‏ ‏لا يضرك ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( لا ينتجي اثنان ) ‏
‏: أي لا يتكلما بالسر , يقال انتجى القوم وتناجوا أي سار بعضهم بعضا ‏
‏( دون صاحبهما ) ‏
: أي مجاوزين عنه , غير مشاركين له ‏
‏( فإن ذلك ) ‏
‏: أي التناجي
‏( يحزنه ) ‏
‏: بضم أوله وكسر ثالثه . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه . ‏
‏( فقلت لابن عمر فأربعة ) ‏
: أي التناجي المنهي عنه هو إذا كانوا ثلاثة , فأما إذا كانوا أربعة ويتناجى اثنان دون اثنين فأجاب ابن عمر بقوله ‏
‏( لا يضرك ) ‏
‏: أي لاستئناس الثالث بالرابع . ‏
‏قال النووي : في هذه الأحاديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث , وكذا ثلاثة وأكثرهم بحضرة واحد وهو نهي تحريم , فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن . ‏
‏ومذهب ابن عمر رضي الله عنه ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء أن النهي عام في كل الأزمان وفي الحضر والسفر , وأما إذا كانوا أربعة فتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس بالإجماع . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم من حديث نافع عن ابن عمر بنحوه .

 

‏ ‏باب ‏ ‏إذا قام الرجل من مجلس ثم رجع

‏ ‏حدثنا ‏ ‏موسى بن إسمعيل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد ‏ ‏عن ‏ ‏سهيل بن أبي صالح ‏ ‏قال ‏
‏كنت عند أبي جالسا وعنده غلام فقام ثم رجع ‏ ‏فحدث ‏ ‏أبي ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏إذا قام الرجل من مجلس ثم رجع إليه فهو أحق به ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود

‏( وعنده ) ‏
‏: أي عند أبي ‏
‏( فقام )
‏: أي الغلام ‏
‏( إذا قام الرجل من مجلس إلخ ) ‏
‏: قال النووي ما ملخصه إن هذا الحديث فيمن جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلا ثم فارقه ليعود بأن فارقه ليتوضأ أو يقضي شغلا يسيرا ثم يعود لم يبطل اختصاصه بل إذا رجع فهو أحق به في تلك الصلاة وله أن يقيم من قعد فيه ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا , فهذا أحق به في الحالين , وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها انتهى . قال المنذري : وأخرجه مسلم وابن ماجه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏إبراهيم بن موسى الرازي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏مبشر الحلبي ‏ ‏عن ‏ ‏تمام بن نجيح ‏ ‏عن ‏ ‏كعب الإيادي ‏ ‏قال ‏
‏كنت أختلف إلى ‏ ‏أبي الدرداء ‏ ‏فقال ‏ ‏أبو الدرداء ‏ ‏كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذا جلس وجلسنا حوله فقام فأراد الرجوع نزع نعليه ‏ ‏أو بعض ما يكون عليه ‏ ‏فيعرف ذلك أصحابه فيثبتون ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( أخبرنا مبشر ) ‏
‏: بكسر الشين المعجمة الثقيلة
‏( كنت أختلف إلى أبي الدرداء ) ‏
‏: أي أتردد إليه , والاختلاف بالفارسية امد وشدداشتن ‏
‏( فقام ) ‏
‏: عطف على جلس ‏
‏( نزع نعليه ) ‏
‏: خلعهما وتركهما هناك وهو جواب الشرط ‏
‏( أو بعض ما يكون عليه ) ‏
‏: أي من رداء أو عمامة أو غيرهما ‏
‏( فيعرف ذلك )
‏: أي إرادة رجوعه ‏
‏( فيثبتون ) ‏
‏: أي في مكانهم ولا يتفرقون عنه . ‏
‏قال المنذري : في إسناده تمام بن نجيح الأسدي , وقيل إنه دمشقي , وقيل مولده بملطية وسكن حلبا . ‏
‏[ قال في القاموس : بفتح الميم واللام وسكون الطاء مخففة بلد كثير الفواكه شديد البرد ] . ‏
‏قال يحيى بن معين ثقة , وقال ابن عدي غير ثقة وعامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه , وقال أبو حاتم الرازي منكر الحديث ذاهب , وقال ابن حبان منكر الحديث جدا يروي أشياء موضوعة من الثقات كأنه المتعمد لها , وانتقد عليه أحاديث هذا من جملتها .

 

‏ ‏باب ‏ ‏كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله ‏

‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن الصباح البزاز ‏ ‏حدثنا ‏ ‏إسمعيل بن زكريا ‏ ‏عن ‏ ‏سهيل بن أبي صالح ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( إلا قاموا عن مثل جيفة حمار ) ‏
‏: أي مثلها في النتن والقذارة . وذلك لما يخوضون من الكلام في أعراض الناس وغير ذلك ‏
( وكان ) ‏
‏: أي ذلك المجلس ‏
‏( لهم ) ‏
‏: وفي بعض النسخ عليهم ‏
‏( حسرة ) ‏
‏: يوم القيامة أي ندامة لازمة لهم لأجل ما فرطوا في مجلسهم ذلك من ذكر الله تعالى . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه النسائي .

‏ ‏حدثنا ‏ ‏قتيبة بن سعيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الليث ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عجلان ‏ ‏عن ‏ ‏سعيد المقبري ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏
‏عن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أنه قال ‏ ‏من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ‏ ‏ترة ‏ ‏ومن اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ‏ ‏ترة

  ‏  عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( كانت عليه من الله ترة ) ‏
‏: على وزن عدة أي حسرة ونقصانا وهو منصوب على الخبرية وضمير كانت راجعة إلى القعدة . ‏
‏قال الخطابي : أصل الترة النقص ومعناها ههنا التبعة يقال وترت الرجل ترة على وزن وعدته عدة انتهى . ‏
‏وفي النهاية مرة أي نقصانا والهاء فيه عوض من الواو المحذوفة انتهى . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه النسائي . وفي إسناده محمد بن عجلان وفيه مقال .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في كفارة المجلس ‏

‏ ‏حدثنا ‏ ‏أحمد بن صالح ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ابن وهب ‏ ‏قال أخبرني ‏ ‏عمرو ‏ ‏أن ‏ ‏سعيد بن أبي هلال ‏ ‏حدثه أن ‏ ‏سعيد بن أبي سعيد المقبري ‏ ‏حدثه عن ‏ ‏عبد الله بن عمرو بن العاص ‏ ‏أنه قال ‏
‏كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم له بهن عليه كما يختم بالخاتم على الصحيفة ‏ ‏سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ‏
‏حدثنا ‏ ‏أحمد بن صالح ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ابن وهب ‏ ‏قال قال ‏ ‏عمرو ‏ ‏و حدثني ‏ ‏بنحو ذلك ‏ ‏عبد الرحمن بن أبي عمرو ‏ ‏عن ‏ ‏المقبري ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏مثله ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( عند قيامه ) ‏
‏: أي من ذلك المجلس ‏
( إلا كفر ) ‏
‏: بالبناء للمفعول ‏
‏( بهن ) ‏
‏: أي بسبب تلك الكلمات ‏
‏( عنه ) ‏
‏: أي ما وقع فيه من اللغو ‏
‏( إلا ختم )
‏: بصيغة المجهول ‏
‏( له ) ‏
‏: أي للمتكلم ‏
‏( عليه )
‏: أي على الخير . والمعنى أن تلك الكلمات تكون موجبة لأحكام ذلك الخير والذكر ‏
‏( سبحانك اللهم إلخ ) ‏
‏: بدل من كلمات والحديث سكت عنه المنذري . ‏
‏( نحو ذلك ) ‏
‏: قال المنذري : وقد أخرجه الترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه لا يعرف من حديث سهيل إلا من هذا الوجه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن حاتم الجرجرائي ‏ ‏وعثمان بن أبي شيبة ‏ ‏المعنى ‏ ‏أن ‏ ‏عبدة بن سليمان ‏ ‏أخبرهم عن ‏ ‏الحجاج بن دينار ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هاشم ‏ ‏عن ‏ ‏أبي العالية ‏ ‏عن ‏ ‏أبي برزة الأسلمي ‏ ‏قال ‏
‏كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏بأخرة ‏ ‏إذا أراد أن يقوم من المجلس ‏ ‏سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك فقال رجل يا رسول الله إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى فقال كفارة لما يكون في المجلس ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( يقول بأخرة ) ‏
‏: بفتح الهمزة والخاء أي في آخر جلوسه أو في آخر عمره ‏
‏( فيما مضى ) ‏
‏: أي من مدة عمرك
‏( كفارة ) ‏
‏: أي هذا القول كفارة ‏
‏( لما يكون في المجلس )
‏: أي من اللغو . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه النسائي . ‏

تعليقات الحافظ ابن قيم الجوزية

قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : هذه ثلاثة أحاديث ذكرها أبو داود في كفارة المجلس . ‏
‏فأما حديث عبد الله بن عمرو فموقوف عليه .
‏وأما حديث أبي هريرة فهو معروف بموسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال الحاكم أبو عبد الله : هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح , وله علة فاحشة , حدثني أبو نصر الوراق قال : سمعت أبا أحمد القصار يقول : سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبل بين عينيه وقال : دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين , وطبيب الحديث في علله : حدثنا محمد بن سلام حدثنا مخلد بن يزيد الحراني أخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة المجلس , فما علته . ‏
‏قال محمد بن إسماعيل : هذا حديث مليح , ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث , إلا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عوف بن عبد الله من قوله .
‏قال محمد بن إسماعيل : هذا أولى , فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل .
‏وأما الحديث الذي رواه أبو داود من حديث أبي برزة الأسلمي : فإسناده حسن , رواه عن عثمان بن أبي شيبة , وأخرجه عن عبدة بن سليمان عن الحجاج بن دينار عن أبي هاشم عن أبي العالية عن أبي برزة , والحجاج بن دينار صدوق , وثقه غير واحد , وأبو هاشم : هو الرماني , من رجال الصحيحين . ‏
‏وفي الباب حديث عائشة , رواه الليث عن ابن الهاد , عن يحيى بن سعيد عن زرارة عن عائشة قالت " ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس إلا قال : لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك فقلت : يا رسول الله ما أكثر ما تقول هؤلاء الكلمات إذا قمت ؟ فقال : إنه لا يقولهن أحد حين يقوم من مجلسه إلا غفر له ما كان في ذلك المجلس " رواه الحاكم في المستدرك وقال : صحيح الإسناد . ‏
‏ورواه النسائي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعبة عنه . ‏
‏ولهذا الحديث أيضا علة , وهي أن قتيبة خالف شعيبا فيه , فقال : عن الليث عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري عن رجل من أهل الشام عن عائشة " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلس يكثر من أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك , لا إله إلا أنت - وساق الحديث " ذكره النسائي . ورواه من حديث خالد بن أبي عمران عن عروة عن عائشة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس مجلسا , أو صلى صلاة تكلم بكلمات . فسألت عائشة عن الكلمات ؟ فقالت : إن تكلم بخير , كان طابعا عليهن إلى يوم القيامة , وإن تكلم بغير ذلك كان كفارة له : سبحانك اللهم وبحمدك , لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك " رواه عن أبي بكر بن إسحاق حدثنا أبو سلمة الخزاعي عن خالد به . ‏
‏ورواه الطبراني في الكبير من حديث خالد بن أبي عمران أيضا عن عائشة قالت " ما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قط , ولا تلا قرآنا , ولا صلى إلا ختم ذلك بكلمات قال نعم , من قال خيرا ختم له طابع على ذلك الخير , ومن قال شرا كن له كفارة : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك " . ‏

 

‏ ‏باب ‏ ‏في رفع الحديث من المجلس ‏

أي نقل الحديث إلى الغير .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن يحيى بن فارس ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الفريابي ‏ ‏عن ‏ ‏إسرائيل ‏ ‏عن ‏ ‏الوليد ‏ ‏قال ‏ ‏أبو داود ‏ ‏ونسبه لنا ‏ ‏زهير بن حرب ‏ ‏عن ‏ ‏حسين ابن محمد ‏ ‏عن ‏ ‏إسرائيل ‏ ‏في هذا الحديث ‏ ‏قال ‏ ‏الوليد ابن أبي هشام ‏ ‏عن ‏ ‏زيد بن زائد ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن مسعود ‏ ‏قال ‏
‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( ونسبه لنا زهير بن حرب ) ‏
‏: يعني نسب زهير بن حرب الوليد إلى أبيه أبي هشام وهذا مقول المؤلف ‏
‏( قال ) ‏
‏: أي زهير بن حرب ‏
‏( الوليد بن أبي هشام ) ‏
‏: هذا بيان لقوله نسبه لنا زهير بن حرب ‏
‏( لا يبلغني ) ‏
‏: بتشديد اللام ويخفف أي لا يوصلني
‏( عن أحد ) ‏
‏: أي عن قبل أحد ‏
‏( شيئا ) ‏
‏: أي مما أكرهه وأغضب عليه ‏
‏( فإني أحب أن أخرج إليكم ) ‏
‏: أي من البيت وألاقيكم ‏
‏( وأنا سليم الصدر ) ‏
‏: أي من مساويكم جملة حالية .
‏قال ابن الملك : والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يخرج من الدنيا وقلبه راض عن أصحابه من غير سخط على أحد منهم , وهذا تعليم للأمة أو من مقتضيات البشرية انتهى . ‏
‏قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال غريب من هذا الوجه . هذا آخر كلامه , وفي إسناده الوليد بن أبي هشام . قال أبو حاتم الرازي : ليس بالمشهور .

 

‏ ‏باب ‏ ‏في الحذر من الناس ‏

‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن يحيى بن فارس ‏ ‏حدثنا ‏ ‏نوح بن يزيد بن سيار المؤدب ‏ ‏حدثنا ‏ ‏إبراهيم بن سعد ‏ ‏قال حدثنيه ‏ ‏ابن إسحق ‏ ‏عن ‏ ‏عيسى بن معمر ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن عمرو بن الفغواء الخزاعي ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏قال ‏
‏دعاني رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وقد أراد أن يبعثني بمال إلى ‏ ‏أبي سفيان ‏ ‏يقسمه في ‏ ‏قريش ‏ ‏بمكة ‏ ‏بعد الفتح فقال التمس صاحبا قال فجاءني ‏ ‏عمرو بن أمية الضمري ‏ ‏فقال بلغني أنك تريد الخروج وتلتمس صاحبا قال قلت أجل قال فأنا لك صاحب قال فجئت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قلت قد وجدت صاحبا قال فقال من قلت ‏ ‏عمرو بن أمية الضمري ‏ ‏قال ‏ ‏إذا هبطت بلاد قومه فاحذره فإنه قد قال القائل أخوك ‏ ‏البكري ‏ ‏ولا تأمنه فخرجنا حتى إذا كنت ‏ ‏بالأبواء ‏ ‏قال إني أريد حاجة إلى قومي ‏ ‏بودان ‏ ‏فتلبث ‏ ‏لي قلت راشدا فلما ‏ ‏ولى ‏ ‏ذكرت قول النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فشددت على بعيري حتى خرجت ‏ ‏أوضعه ‏ ‏حتى إذا كنت ‏ ‏بالأصافر ‏ ‏إذا هو ‏ ‏يعارضني ‏ ‏في ‏ ‏رهط ‏ ‏قال ‏ ‏وأوضعت ‏ ‏فسبقته فلما رآني قد فته انصرفوا وجاءني فقال كانت لي إلى قومي حاجة قال قلت أجل ومضينا حتى قدمنا ‏ ‏مكة ‏ ‏فدفعت المال إلى ‏ ‏أبي سفيان ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء ) ‏
‏: بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة والمد هكذا في أكثر النسخ , وكذا ضبطه الحافظ في الإصابة , وهكذا في التقريب وهو الصحيح . ‏
‏وفي بعض النسخ بالعين المهملة وهكذا في الخلاصة . ‏
‏والحديث أخرجه أيضا أحمد في مسنده من طريق نوح بن يزيد مثله فقال فيه عبد الله بن عمرو بن الفغواء كما عند المؤلف , وهكذا رواه يحيى بن معين عن نوح بن يزيد , فقال فيه عبد الله بن عمرو بن الفغواء : أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب .
‏وأما عمر بن شبة والبغوي فأخرجاه من طريق محمد بن إسحاق عن عيسى بن معمر فقال فيه عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه فذكر الحديث . ‏
‏قال الحافظ في الإصابة : علقمة بن الفغواء الخزاعي قال ابن حبان وابن الكلبي له صحبة ثم ساق هذا الحديث من روايته ثم قال وهو عند أبي داود وغيره من طريق ابن إسحاق , لكن قال عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء عن أبيه ولعلقمة حديث آخر . ‏
‏وقال في ترجمة عمرو بن الفغواء هو أخو علقمة : قال ابن السكن له صحبة . وأخرج له أبو داود حديثا تقدم في ترجمة أخيه علقمة انتهى . ‏

‏( يقسمه في قريش بمكة ) ‏
‏: ولفظ عمر بن شبة والبغوي كما في الإصابة بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال إلى أبي سفيان بن حرب في فقراء قريش وهم مشركون يتألفهم ‏
‏( ألتمس صاحبا )
‏: أي رفيقا لأجل السفر ‏
‏( إذا هبطت ) ‏
‏: أي نزلت
‏( بلاد قومه ) ‏
‏: الضمير لعمرو بن أمية . ‏
‏ولفظ ابن شبة : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لي دونه يا علقمة إذا بلغت بلاد بني ضمرة فكن من أخيك من حذر , فإني قد سمعت قول القائل أخوك البكري لا تأمنه ‏
( فاحذره ) ‏
‏: أي خفه يشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاف من عمرو بن أمية ولم يأمن منه من أن يخبر قومه بالمال الذي مع عمرو بن الفغواء ويشيرهم بأخذ المال فيقطعون الطريق ويجادلون عمرو بن الفغواء ويغلبونه ويأخذون المال عنه بالقهر والظلم , ولعل هذا الخوف من عمرو بن أمية وعدم الطمأنينة عليه كان في أول الإسلام ثم صار بعد ذلك من خيار الصحابة وأجلائهم والله أعلم ‏
‏( فإنه ) ‏
: أي الشأن ‏
‏( أخوك البكري ) ‏
‏: بكسر الباء أول ولد الأبوين أي أخوك شقيقك احذره ‏
‏( فلا تأمنه ) ‏
‏: فضلا عن الأجنبي , فأخوك مبتدأ والبكري نعته والخبر محذوف تقديره يخاف منه , والقصد التحذير من الناس حتى الأقرب كذا في السراج المنير . ‏
‏وقال الخطابي : هذا مثل مشهور للعرب وفيه إثبات الحذر واستعمال سوء الظن وأن ذلك إذا كان على وجه طلب السلامة من شر الناس لم يأثم به صاحبه انتهى . ‏
‏والحاصل أنه لا ينبغي أن يعتمد حق الاعتماد في السفر على كل أحد من الناس لأن النية قد تتبدل بأدنى أحوال وتتغير بأقل شيء فلا يعتبر بها , بل لا بد لكل عابري سبيل أن يراعى حاله ويحفظ متاعه ولا يتكل على غيره .

‏( فخرجنا حتى إذا كنت بالأبواء ) ‏
‏: بفتح الهمزة وسكون الباء والمد جبل بين مكة والمدينة وعنده بلد ينسب إليه كذا في النهاية . وفي مراصد الاطلاع : الأبواء قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا , وقيل جبل عن يمين المصعد إلى مكة من المدينة انتهى
‏( قال ) ‏
‏: أي عمرو بن أمية ‏
‏( إني أريد حاجة إلى قومي )
‏: والظاهر أن عمرا ليس له حاجة إلى قومه إلا إخباره لقومه بالمال
‏( بودان ) ‏
‏: بفتح الواو وتشديد الدال قرية جامعة قريبا من الجحفة ‏
‏( فتلبث ) ‏
‏: أي تمكث وتقف ‏
‏( قلت راشدا )
‏: أي سر راشدا . قال في المصباح الرشد الصلاح وهو خلاف الغي والضلال وهو إصابة الصواب انتهى ‏
‏( فلما ولى ) ‏
‏: أي أدبر عمرو بن أمية وذهب إلى قومه ‏
‏( ذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم ) ‏
‏: أي إذا هبطت بلاد قومه فاحذره ‏
‏( فشددت على بعيري ) ‏
‏: أي أسرعت السير راكبا على بعيري . قال في لسان العرب شد في العدو شدا , واشتد أسرع وعدا ‏
‏( حتى خرجت ) ‏
‏: أي من الأبواء ‏
‏( أوضعه ) ‏
‏: بصيغة المضارع المتكلم من الإيضاع أي أسرع البعير وأحمله على العدو . قال في لسان العرب : وضع البعير إذا عدا وأوضعته إذا حملته عليه . ‏
‏وقال الخطابي : الإيضاع الإسراع في السير , والجملة حال من ضمير خرجت أي حتى خرجت من الأبواء مسرعا بعيري وحاملا إياه على العدو ‏
‏( حتى إذا كنت بالأصافر ) ‏
‏: قال في مراصد الاطلاع : الأصافر جمع أصفر ثنايا سلكها النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى بدر , وقيل الأصافر جبال مجموعة تسمى بهذا انتهى ‏
‏( إذا ) ‏
‏: للمفاجأة
‏( هو ) ‏
‏: أي عمرو بن أمية ‏
‏( يعارضني ) ‏
‏: قال في لسان العرب : عارض الشيء بالشيء معارضة قابله , وفلان يعارضني أي يباريني . وقال في منتهى الأرب : باراه مباراة برابري ونبرد نمود باوي دركاري . ‏
‏والمعنى حتى إذا وصلت بالأصافر فإذا عمرو بن أمية موجود حال كونه يقابلني ويباريني ليقطع الطريق ويأخذ المال الذي معي ‏
‏( في رهط ) ‏
‏: حال من فاعل يعارض أي كائنا في رهط . ‏
‏والرهط عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة , وبعض يقول من سبعة إلى عشرة وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر , وقيل الرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة كذا في اللسان ‏
‏( وأوضعت ) ‏
‏: أي البعير وحملته على العدو , وهذا الإيضاع من عمرو بن الفغواء كان لأجل أن يسبق عمرو بن أمية ورهطه ولا يلحقوه وكان شده على بعيره من الأبواء لكي يخرج منه ولا يلاقيه عمرو بن أمية بعد رجوعه من قومه ‏
‏( فسبقته ) ‏
‏: الضمير المنصوب لعمرو بن أمية أي سبقت عمرو بن أمية ورهطه ولم يجدوني ‏
‏( فلما رأى ) ‏
‏: أي عمرو بن أمية
‏( أن قد فته ) ‏
‏: بصيغة المتكلم من فات يفوت ‏
‏( انصرفوا )
‏: أي رهط عمرو بن أمية . ‏
‏والمعنى لما رأى عمرو بن أمية ورهطه أني تجاوزت عنهم ويئسوا مما أرادوا رجع رهط عمرو ‏
‏( و ) : لكن عمرو ( جاءني )
‏: أي لم يرجع بل سار حتى جاءني ‏
‏( فقال كانت لي إلى قومي حاجة )
‏: إنما قال عمرو بن أمية هذا لئلا يطلع عمرو بن الفغواء على ما أراد من قطع الطريق وأخذ المال ولكن قد كان هو مطلعا على هذا من قبل لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا هبطت بلاد قومه فاحذره " . ‏
‏( قلت أجل ) ‏
‏: أي نعم كان لك إلى قومك حاجة , وإنما قال هذا على حسب الظاهر وإلا فقد كان واقفا على ما ذهب عمرو بن أمية إلى قومه لأجله ‏
‏( ومضينا ) ‏
‏: أي سرنا . ‏
‏قال المنذري : في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه .

 

‏ ‏حدثنا ‏ ‏قتيبة بن سعيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ليث ‏ ‏عن ‏ ‏عقيل ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏عن ‏ ‏سعيد بن المسيب ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏
‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أنه قال ‏ ‏لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ‏

عون المعبود شرح سنن أبي داود
‏( لا يلدغ ) ‏
‏: بصيغة المجهول . واللدغ بالفارسية كزيدن ماروكزدم ‏
‏( من جحر ) ‏
‏: بضم جيم وسكون حاء أي ثقب وخرق ‏
‏( مرتين ) ‏
‏: أي مرة بعد أخرى . ‏
‏قال الخطابي في المعالم : هذا يروى على وجهين من الإعراب أحدهما بضم اللين على الخبر معناه أن المؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذي لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى وهو لا يفطن لذلك ولا يشعر به وقد قيل إنه عليه السلام أراد به الخداع في أمر الآخرة دون أمر الدنيا . والوجه الآخر أن تكون الرواية بكسر الغين على النهي يقول عليه السلام لا يخدعن المؤمن ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه أو شر وهو لا