السبت، 13 يونيو، 2009

كتاب لا يأتون بمثله للشيخ محمد قطب

 

لا

يأتون بمثله

 

الشيخ محمد قطب

 

 


مقدمة

        منذ فترة من الزمن، ظهر على ((الإنترنت)) كلام مسجوع من تأليف عربى لا يدين بالإسلام، يعيش فى أمريكا، يحاول فيه أن يقلد النسق القرآنى،  من حيث تقسيم الكلام إلى عبارات مسجوعة تنتهى بحرف الميم أو النون مسبوقة بمد يائى أو واوى0 وظن المسكين أنه قد أتى بما لم تستطعه الأوائل، كما قال الشاعر:

                وإنى وإن كنت الأخيرة زمانه        لآت بما لم تستطعه الأوائل([1])

        كما ظن أنه بعمله هذا قد أبطل التحدى الذى تحدى الله به الإنس والجن حين قال سبحانه:(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)([2])0 وكأنه يقول: هاأنذا قد أتيت يمثله! وإذاً فقد أبطلت التحدى، وأبطلت دعوى الإعجاز القرآنى الذى قامت عليه رسالة محمدr 00 وإذاً فالإسلام ليس من عند الله، إنما هو صناعة بشرية قام بها محمدr!

ولعل المسكين لم يعلم أن مسيلمة الكذاب قد قام بمثل هذا العمل من قبل، وأتى بسجعات مثل سجعاته قال إنها مثل القرآن0 ومر الزمن وبطلت سجعات مسيلمة، وبقى القرآن يتحدى الإنس والجن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها0

ولكن هذه الأضحوكة الساذجة التى قام بها مسيلمة المتأمرك- وإن لم يدع بها النبوة كسلفه الجاهلى- حفزتنى إلى أن أعاود الكتابة فى موضوع كنت قد أشرت إليه فى كتاب سابق بعنوان((دراسات قرآنية))، وهو موضوع الإعجاز الشامل للقرآن الذى لا ينحصر فى الإعجاز البيانى، الذى توجه إليه الاهتمام الأكبر فى كتابات الأقدمين، لأسباب لا يصعب إدراكها0

لقد كان العرب فى جاهليتهم قوما أولى فصاحة نادرة، وكانوا يعتزون بفصاحتهم إلى الحد الذى أطلقوا على غير الناطقين بلغتهم لفظة ((العجم)) ووصفوهم بـ ((العجمة))، وفيها إشارة واضحة إلى أنهم يعدونهم دونهم لا لسبب إلا لأنهم لا يستطيعون الكلام باللغة الفصيحة- لغتهم هم- التى يتميزون بها!

وإذ كان ديدن الرسالات السماوية أنها تتحدى المنكرين بمعجزة تفوق قدراتهم البشرية، ليستيقنوا أنها من عند الله، ولو جحدوها ظاهرا، إمعانا فى الكفر والعناد كما قال سبحانه وتعالى عن موقف آل فرعون من معجزات موسى عليه السلام: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً)([3])0

إذ كان هذا ديدن الرسالات، فقد تحدى الله سبحانه وتعالى كل قوم فيما برعوا فيه وعدوه موضع فخرهم0 فتحدى قوم فرعون بآيات تفوق السحر الذى كانوا بارعين فيه، وكانوا يستخدمونه لفتنة الناس عن ربهم، وتأليه الفرعون بدلا من الله وتحدى قوم عيسى عليه السلام بآيات تفوق براعتهم فى الطب الذى كانوا يمارسونه ويعتزون بإتقانه؛ فأعطاه القدرة على نفخ الحياة فى الطين، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، ليستيقنوا أنه من عند الله:

((ورسولاً إلى بنى إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم إن فى ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين))([4])0

فلما بعث الله الرسول الخاتمr فى العرب، كان من المناسب أن تكون الآية التى يتحدى بها المنكرين فصاحة من نوع ودرجة لا يقدرون على الإتيان بمثلها، لتستيقنها أنفسهم ولو جحدوا بها ظاهراً كقوم فرعون، فكانت معجزته الكبرىr هى هذا القرآن، الذى تحداهم أن يأتوا بمثله فلم يستطيعوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فلم يستطيعوا، بصرف النظر عن المحاولة العابثة التى قام بها مسيلمة الكذاب، والمحاولة الأخرى التى قامت بها المتنبئة سجاح، فلم تستطع هذه ولا تلك أن تقنع العرب بأن القرآن يمكن أن يأتى أحد بمثله. (هذا بالإضافة إلى أن الله قد أراد أن تكون معجزة الرسولr باقية على الزمن، لا تذهب بذهاب القوم الذين شاهدوها، لأن الله أراد أن يكون محمدr خاتم النبيين، وأن تكون رسالته هى الرسالة الخاتمة، الباقية إلى آخر الزمان)0

إذا أدركنا ذلك،أدركنا سر اهتمام القدامى من الكتاب العرب بالإعجاز البيانى فى القرآن، حيث كان هو موضع التحدى، وحيث كان عجز العرب- المعتزين بفصاحتهم- عن الإتيان بمثله، دليلا يقينيا على أن هذا القرآن هو كلام الله، وليس من كلام البشر، وأنه- بهذه الصفة- هو دليل صدق الرسولr فى رسالته0

نعم00 ولكن القرآن لم يكن معجزا فى بنائه اللفظى وحده وإن كان إعجازه اللفظى كافيا- وحده- للدلالة على أنه من عند الله، وكافيا- وحده- لإقامة التحدى أمام الإنس والجن إلى قيام الساعة‍‍‍‍‍‍!

القرآن معجز فى جميع مجالاته، وعلى جميع أصعدته00

وإذا كان القدامى- لأسباب مفهومة- قد وجهوا أكبر اهتمامهم للإعجاز البيانى، الذى تحدى القرآن به الجاهلية العربية وآلهتها المزيفة، فقد آن لنا أن نتدبر جوانب الإعجاز الأخرى فى هذا الكتاب المعجز، التى لا تقل إعجازا عن الإعجاز البيانى، والتى نحن فى حاجة إلى تدبرها، وبيانها، وإبرازها، لتحدى الجاهلية المعاصرة، التى تتخذ صورة ((العلمانية))، وترفع شعارات((العلم))و((العقلانية))و((التنوير))؛ لتفتن الناس عن ربهم ودينهم، وتؤله((الإنسان)) بدلا من الله، وتسعى- بحماقة- إلى تدمير الإنسان، بإبعاده عن مصدر النور الحقيقى:

((الله نور السموات والأرض))([5])0

((يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون* هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون))([6])0 

ولن يفى كتاب واحد- مهما تضخمت صفحاته- بالحديث عن كل مجالات الإعجاز فى القرآن، فهى فى حاجة إلى أن يتفرغ لها كتاب وباحثون، بحيث تتكون من مجموع بحوثهم مكتبة كاملة من إعجاز القرآن، سواء الإعجاز البيانى الذى لا تنفد عجائبه، أو الإعجاز الدعوى، بوصفه كتاب دعوة قد أبرز عقيدة التوحيد الصافية كما لم يبرزها كتاب قط، ودخل بها إلى قلوب البشر من جميع منافذها وأقطارها كما لم يفعل كتاب قط، أو الإعجاز التشريعى الذى تضمن شريعة متكاملة وافية بحياة البشر ومتطلبات وجودهم لا فى زمان نزولها فحسب، بل مهما امتد بهم الزمن وتعددت مجالات الوجود، أو الإعجاز التربوى الذى أخرج خير أمة أخرجت للناس، أو الإعجاز العلمى الذى تتكشف آياته كلما زاد البشر علماً بما حولهم من الكون00

ولكن ضخامة الجهد المطلوب، وسعة الميادين المفتوحة للدراسة والبحث، لا تمنعنى أن أدلى بجهدى المتواضع الذى لا أبغى به أكثر من أن يكون مجرد إرشادات، لعلها تحفز الباحثين إلى أن يبحثوا، والمفكرين إلى أن يتدبروا كما أمرهم الله: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) ([7]) 0

أرجو الله أن يجعل هذا العمل خالص لوجهه، وأن يتقبل منى جهدى على ضآلته، وأن يعيننى على ذكره وشكره وحسن عبادته؛ فما أحوجنى إلى عونه، وما أحوجنى إلى رضاه، وما أحوجنى إلى عفوه عن الزلات والهفوات والغفلات00 اللهم عفوك ورضاك يا أكرم الأكرمين0

من الإعجاز البيانى

كتب الكثير عن الإعجاز البيانى للقرآن،ولست هنا أضيف شيئاً إلى ما قيل، وإنما هى وقفات سريعة تمثل بعض إنطباعاتى فى هذا المجال0

أشرت من قبل فى كتاب ((دراسات قرآنية)) إلى ما يطلق عليه ظاهرة التكرار فى القرآن0 وقلت إن القرآن نادر جدا فى القرآن الكريم لا يتجاوز آيات معدودة جاءت بنصها فى أكثر من سورة0 ولكن الظاهرة الحقيقية ليست هى التكرار إنما هى التشابه الذى يؤدى إلى التنوع، وقلت إنها كثمار الجنة تبدو لأول وهلة أنها هى هى، ولكنها عند المذاق يتبين الفرق بينها وبين ما كان من قبل: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذى رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً) ([8])0

وهذا التشابه الذى يؤدى إلى التنويع هو ذاته لون من الإعجاز0 فالموضوع الواحد يعرض مرارا، ولكنه يعرض فى كل مرة مختلفا عما سبقه نوعا من الاختلاف، فيكون جديدا فى كل مرة، ويكون- مع التلاوة المستمرة للقرآن- متجددا على الدوام0

   وقد يكون الاختلاف فى حرف واحد، ولكنه يغير الصورة!

   خذ هذا النموذج:

((وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم)) ([9])0

((وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم))([10])0

        هناك نوعان من الاختلاف بين الآيتين وإن كان موضوعهما واحدا فالآية الأولى خطاب من الله تبارك وتعالى إلى بنى إسرائيل يذكرهم بنعمه عليهم، ويمن عليهم بأنه نجاهم من آل فرعون الذين يسومونهم سوء العذاب، والثانية خطاب من موسى عليه السلام إلى قومه يذكرهم بنعم الله عليهم، ويذكرهم بالذات بتلك النعمة الكبرى، وهى تنجيتهم من آل فرعون الذين يسومونهم سوء العذاب، بالإضافة إلى التغيير فى صيغة الفعل: نجيناكم وأنجاكم، أحدهما متعد بالتضعييف والآخر متعد بالهمزة، وأحدهما بضمير المتكلم والثانى بضمير الغائب0

        ولكن انظر إلى الجزء الخاص بالعذاب الذى كان يوقعه آل فرعون ببنى إسرائيل. إن فيه اختلافا بين الآيتين يحدث تغييرا فى الصورة :

        ((يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم))0

        ((يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم))0

        إن الفارق بين العبارتين حرف واحد، هو الواو التى جاءت فى الآية الثانية قبل كلمة ((يذبحون))، ولكن انظر كم أحدث الحرف الواحد من الاختلاف بين الصورتين!

        فى الصورة الأولى ينحصر العذاب فى قتل الأولاد واستحياء النساء، وفى الثانية يصبح هذا الأمر واحدا فقط من ألوان العذاب التى تصب على بنى إسرائيل، وإن كان السياق يوحى بأنه من أبرزها، وأشدها وأخبثها. إذ أجمل ((سوء العذاب)) وفصل قتل الأولاد واستحياء النساء))0

        ذلك مجرد نموذج ينفى خاطر ((التكرار)) الذى يتوهمه قارئ القرآن لأول وهلة، ويبرز بدلا منه ظاهرة ((التشابه)) التى تؤدى إلى التنويع، والتى تشبه ثمار الجنة الموصوفة فى القرآن الكريم0

        فإذا تدبرنا مجالين بالذات يوهمان بالتكرار للوهلة الأولى، بينما حقيقتهما التشابه وليس التكرار، فذانك هما قصص الأنبياء مع أقوامهم، وصور النعيم والعذاب فى اليوم الآخر، وهما من أكثر الموضوعات ورودا فى القرآن الكريم، ولكن بشكل مختلف فى كل مرة، وذلك فى ذاته كما أشرنا من قبل لون من الإعجاز، لا يرد بهذه الصورة فى كلام البشر المحدودى القدرة فى مجال التعبير0

        خذ هذا النموذج من قصة نوح فى ثلاث سور من سور القرآن0

من سورة هود :

((ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إنى لكم نذير مبين(25) أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم(26) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين(27) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتانى رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون(28) ويا قوم لا أسألكم عليه ما لا إن أجرى إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكنى أراكم قوما تجهلون(29) ويا قوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون(30) ولا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما فى أنفسهم إنى إذا لمن الظالمين(31) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين(32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين(33) ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وغليه ترجعون(34) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامى وأنا برئ مما تجرمون(35) وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون(36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون(37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون(38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم(39) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل(40) وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربى لغفور رحيم(41) وهى تجرى بهم فى موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين(42) قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين(43) وقيل يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين))([11])

ومن سورة الأعراف:

((لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك فى ضلال مبين(60) قال يا قوم ليس بى ضلالة ولكنى رسول من رب العالمين)(61) أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون(62) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون(63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه فى الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين))([12])0

ومن سورة الشعراء :

((كذبت قوم نوح المرسلين(105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون(106) إنى لكم رسول أمين(107) فاتقوا الله وأطيعون(108) وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين(109) فاتقوا الله وأطيعون(110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون(111) قال وما علمى بما كانوا يعملون(112) أن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون(113) وما أنا بطارد المؤمنين(114) إن أنا إلا نذير مبين(115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين(116) قال رب إن قومى كذبون(117) فافتح بينى وبينهم فتحاً ونجنى ومن معى من المؤمنين(118) فأنجيناه ومن معه فى الفلك المشحون(119) ثم أغرقنا بعد الباقين(120) إن فى ذلك لآية وما أكثرهم مؤمنين(121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم)) ([13])0

ومن سورة الشعراء :

((كذبت قوم نوح المرسلين(105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون(106) إنى لكم رسول أمين(107) فأتقوا الله وأطيعون(108) وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين(109) فاتقوا الله وأطيعون(110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون(111) قال وما علمى بما كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون()113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين(115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين(116) قال رب إن قومى كذبون(117) فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من المؤمنين(118) فأنجيناه ومن معه فى الفلك المشحون(119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين(121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم))(2)0

إنها قصة واحدة 00 قصة نوح مع قومه، وجدالهم معه، وردوده عليهم، وتكذيبهم له، وإغراقهم فى النهاية ونجاة المؤمنين0

ولكن هل هى واحدة فى السرد القرآنى، أم إنها صور متعددة وإن تشابهت فى عمومياتها، وفى بدئها وفى نهايتك؟

إن اختلاف الصور فى طرق السرد المختلفة هو فى ذاته جمال، لأنه يعطى فى كل مرة جوا مختلفا للقصة فى نفس القارئ، والسامع، فكأنها قصة جديدة، مع أن الأشخاص هم هم، والوقائع هى هى فى النهاية0

ولكن القصص فى القرآن لا يرد لمجرد القصص، وإن كان مشتملا من الناحية الفنية الجمالية على عناصر الجمال الفنى التى تجعل له مدخلا لطيفا إلى النفس، فيكون أبلغ تأثيرا فيها، مما لو كان مجرد فكرة أو قضية تخاطب العقل وحده ولا تخاطب الوجدان0

ولكن الروعة فى هذا القصص أنه مع جماله الفنى يؤدى هدفا دعويا مما يشتمل عليه كتاب الدعوة الأعظم، فى تناسق كامل بين الهدف الدعوى والجمال الفنى.. وإذ كانت الأهداف الدعوية كثيرة ومتعددة ومختلفة، يجئ القصص القرآنى فى صورة مختلفة فى كل مرة، متناسقة مع الهدف المقصود من إيراد القصة، مع توافر الجمال الفنى فى كل مرة0

ولنراجع قصة نوح فى السور الثلاث التى أثبتناها منذ قليل، لنرى تناسقها فى كل مرة مع الهدف من إيراد القصة00

الهدف من إيراد القصة فى سورة هود كما هو مذكور فى سياق السورة ثلاثة أمور:

((ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد(100) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب(101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن فى ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود))([14])

((وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين))([15])0

   فهى إنذار للناس لكى يحذروا عذاب الآخرة ويتقوه .. وهى تثبيت لقلب الرسولr، وهى موعظة وذكرى للمؤمنين0

        وكان من المناسب لهذه الأهداف الثلاثة تطويل العرض، والإكثار من ذكر التفاصيل فيما وقع بين كل رسول وقومه. وكان ذلك مناسبا بصفة خاصة للهدف المتعلق بتثبيت قلب الرسولr وهو يلقى العنت من قومه : من تكذيبهم وجدلهم واللدد فى خصومتهم.. فها هو ذا رسول سابق من رسل الله قد لقى مثل ذلك العنت، وصبر عليه، ثم نجاه الله وقضى على الذين كذبوه00

        أما الهدف فى سورة الأعراف كما جاء فى سياق الصورة فهو هذا البيان:

        ((وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون(94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون))([16])0

        فالتركيز هنا هو على الأخذ المباغت، وليس على ما جرى من أحداث بين الرسول وقومه، فلا يركز عليها فى السياق0

        وأما فى سورة الشعراء فهدف إيراد القصة كما هو مذكور فى السورة أن الكفار يطالبون الرسول r بآية تجعلهم يصدقون أنه رسول من عند الله. فجاء التركيز فى القصة على الآية، وهى إهلاك المكذبين وتنجية المؤمنين، وليس على تفاصيل الأحداث كما كان الحال فى سورة هود0

        وهكذا يتم للقصة جمالها الفنى مع وفائها فى كل مرة بالهدف من إيراد القصة، وتتنوع الصور فى كل مرة بما يناسب سياق العرض00

        وذلك من الإعجاز 00

*  *  *

        والشأن كذلك فى مشاهد القيامة، وهى كثيرة متنوعة، تعرض أحيانا فى اختصار شديد، فى كلمات معدودات، وأحيانا بالتفصيل فى آيات متواليات، وفى كل مرة تعطى جوا خاصا، يتناسب من جهة مع قصر السورة أو طولها، ومن جهة أخرى مع السياق المعروض فى السورة، ولكل سورة من سور القرآن جوها الخاص وسياقها الخاص، وإن اشتركت جميعا فى هدف واحد كبير مشترك، هو هداية للناس إلى ربهم، وتعريفهم به، وبما يجب عليهم تجاهه سبحانه من خالص العبادة وخالص الطاعة0

        خذ مثالا من أمثلة الإيجاز البليغ ، سورة القارعة :

((القارعة(1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة(3) يوم يكون الناس كالفراش المبثوث(4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش(5) فأما من ثقلت موازينه(6) فهو فى عيشة راضية(7) وأما من خفت موازينه(8) فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هية (10) نار حامية))([17])

وخذ صورة أخرى أكثر تفصيلا، ولكن فى غير طول، فى سورة الغاشية : 

((هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة(2) عاملة ناصبة(3) تصلى ناراً حامية(4) تسقى من عين آنية(5) ليس لهم طعام إلا من ضريع(6) لا يسمن ولا يغنى من جوع(7) وجوه يومئذ ناعمة(8) لسعيها راضية(9) فى جنة عالية(10) لا تسمع فيها لاغية(11) فيها عين جارية(12) فيها سرر مرفوع (13) وأكواب موضوعة(14) ونمارق مصفوفة(15) وزرابى مبثوثة))([18])0  

  وخذ وصفا أكثر تفصيلا للعذاب، فى سورة الحج:

        ((هذان خصمان اختصموا فى ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم(19) يصهر به ما فى بطونهم والجلود(20) ولهم مقامع من حديد(21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق)) ([19])0

  أو هذا المشهد من سورة الواقعة:

      ((وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال(41) فى سموم وحميم(42) وظل من يحموم(43) لا بارد ولا كريم(44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين(45) وكانوا يصرون على الحنث العظيم(46) وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعثون(47) أو آباؤنا الأولون(48) قل أن الأولين والآخرين(49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم(50) ثم إنكم أيها الضالون المكذبون(51) لآكلون من شجر من زقوم(52) فمالئون منها البطون(53) فشاربون عليه من الحميم(54) فشاربون شرب الهيم(55) هذا نزلهم يوم الدين))([20]

        ثم خذ هذا المشهد المفصل للنعيم، من سورة الإنسان:

        ((فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً(11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا(13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا(14) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا(15) قوارير من فضة قدروها تقديرا(16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا(17) عينا فيها تسمى سلسبيلا(18) ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثوراً(19) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكاً كبيرا(20) عاليهم ثياب من سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهوراً(21) عن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً))([21])0

        ماذا تجد فى نفسك حين تتبع هذه المشاهد فى القرآن الكريم؟

        إنك أولاً فى عرض متنوع على الدوام، سواء من حيث الإيجاز والتطويل، أو من حيث مفردات الوصف للنعيم والعذاب، التى تختلف فى كل معرض عنها فى المعرض الآخر، والتى تشكل فى كل مرة صورة مختلفة عن الصورة الأخرى، حتى إن اتحدث فى عموميتها0

        وأنت ثانياً فى عرض حى متدفق الحيوية، لا تملك ألا تنفعل به نفسك، ويتأثر به وجدانك0 بل لا تملك إلا أن تعيش فيه كأنه حاضر أمامك اللحظة، يحيط بك من كل جانب، ويأخذ عليك أقطار نفسك، بل يصل التأثر به أن يعيش الإنسان فيه كأنه حاضر، وكأن الحياة الدنيا- التى هى الحاضر فى الحقيقة- كانت واقعا قديما، حدث ذات يوم ثم مضى وانقضى، وليست هى التى يعيشها الإنسان فى هذه اللحظة، فيظل خاطر الآخرة حيا فى النفس لا يفارقها، يما تشتمل عليه من صور النعيم والعذاب، الأولى تدفع الشوق إلى الجنة، والثانية تحذر من الوقوع فى العذاب0 وذلك من الإعجاز00

*     *     *

     وثمة مجال ثالث يبدو فيه التنويع- لا التكرار- أوضح ما يكون، ذلك مجال الآيات الدالة على قدرة الله00

     إن القرآن- كما قلنا- كتاب هداية، مهمته الأولى هداية الناس إلى ربهم، وإلى الصراط المستقيم:

((قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين(15) يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم)) ([22])

      وأوسع الأبواب التى ترد فى القرآن لتعريف الناس بربهم هو الآيات الدالة على قدرة الله، والتى تؤدى بالقلب البشرى- حين يتدبرها على حقيقتها- أن ينبذ الآلهة الزائفة كلها، ويتعلق بالإله الحق، الذى لا إله غيره، ويعبده وحده بلا شريك0

     وفى مكان آخر من الكتاب سنتكلم عن هذه النقطة فى مجال الإعجاز الدعوى، والإعجاز التربوى0 إنما نريد هنا أن نتحدث عنها من ناحية دخولها فى ظاهرة التنويع، التى يخيل للإنسان للوهلة الأولى أنها تكرار، ولكنها ليست تكراراً فى الحقيقة، إنما هى عرض متنوع على الدوام0

     الآيات فى مجملها واحد: خلق السموات والأرض، وخلق الناس، وتدبير الكون، والهيمنة التامة على كل ما فى الوجود ومن فى الوجود، سواء فى الماضى أو الحاضر أو المستقبل، والحاكمية المطلقة على كل شئ فى الكون المادى أوفى حياة البشر0

     ولكن هذه الأمور لا تأتى فى صورة واحدة00 بل فى مئات الصور فى القرآن من أوله إلى آخره0

    وتختلف الصور00 مرة من حيث الطول والقصر، ومرة من حيث المفردات المذكورة فى كل منها، ومرة من حيث الحجم الذى تأخذه كل مفردة من المفردات فى سياق السورة0

        فخلق السموات والأرض ربما كان أكثر الآيات ورودا فى معرض إثبات قدرة الله التى لا تحدها حدود. ولكن هذه القضية الواحدة ترد فى صور شتى تجعلها جديدة وقائمة بذاتها فى كل مرة:

        ((هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شىء عليم))([23])0

        ((إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون))([24])0

        ((هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون(10) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن ذلك لآية لقوم يتفكرون(11) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون(12) وما ذرأ لكم فى الأرض مختلفا ألوانه إن فى ذلك لآية لقوم يذكرون(13) وهو الذى سخر البحر لتأكلون منه لحما طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون(14) وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون(15) وعلامات وبالنجم هم يهتدون(16) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون))([25])

        فكيف ترى فى هذه الآيات ؟!

        أهى ذات المشاهد المألوفة التى يتبلد عليها الحس لأنها مكرورة أمامه؟ أم إنها أمر آخر جديد يهز الوجدان ويحرك المشاعر؟!

        وما الجديد فيها؟!

        إن الجديد فيها شيئان يبرزهما السياق. الأول أن السياق يعرضها لا على أنها ((مرئيات)) أمام الإنسان يطلب منه أن يشاهدها، أو حتى أن يلتفت إليها التفاتا خاصا.. إنما يصلها مباشرة بالقدرة القادرة التى أوجدتها، والتى تحركها وتدبر أمرها.. تصلها بالله؛ فيشاهدها الإنسان مع السياق القرآنى- فى ثوب جديد غير ذلك الذى تبلد عليه الحس. فتنتفض حية فى الوجدان، لأن الوجدان يتابع فيها يد الصانع القادر الجليل، فى كل شىء بمفرده، وفى المجموع الذى تكونه المفردات.. فينبض القلب بالتأثر العميق([26])0

        أما الشىء الآخر فهو التنوع المستمر فى العرض.. إن له خاصية ذات تأثير، هى إحياء المشهد المعروض كأنه فى كل مرة جديد 00

        وذلك من الإعجاز 00

* * *

        ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن التنويع ذاته هو آية من آيات الله التى يشار إليها نصا فى معرض الحديث عن آيات الله فى الخلق0

        ((ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذلك لآيات للعالمين))([27])0

        ((ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود(27) ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور))([28])0

        ويلفت النظر فى هذا النص الأخير أن التعبير عن التنويعن جاء من خلال التنويع فى بعض ألفاظ العبارة ذاتها، ما بين التذكير والتأنيث، والرفع والنصب:

        (( مختلفا ألوانها ))

        (( مختلف ألوانها))

        ((مختلف ألوانه))

        خذ كذلك هذا النص من سورة الأنعام :

        ((إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى ذلكم الله فأنى تؤفكون(95) فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم(96) وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون(97) وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون(98) وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره وينعه إن فى ذلكم لآيات لقوم يؤمنون))([29])0

        إن التنويع فى عبارات الآيات واضح بصورة تلفت النظر 00

        ففى الآية الأولى لم يقل: يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى كما هو المعتاد فى الآيات الأخرى، ولكن قال: ((ومخرج الميت من الحى)) وهذا تنويع 0000

        وفى الآية الثانية لم يقل: فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا كما هو المعتاد فى عطف الاسم على الاسم، ولكن قال : ((وجعل الليل سكنا)) وهذا تنويع 00

        وفى الآية الرابعة لم يقل: هو الذى أنشأكم من نفس واحدة فجعل لها مستقرا ومستودعا كما يتوقع أ، يكون السياق العادى فيجرى العطف بين فعل وفعل، إنما حذف الفعل الثانى وجئ بمعموله مرفوعاً كأنه نائب فاعل ( فجعل لها مستقر ومستودع) وهذا تنويع00

        وفى الآية الخامسة تكرر الفعل ( فأخرجنا) ((فأخرجنا)) فى الزمن الماضى وجاء بعده المضارع (نخرج) وفى هذا تنويع.. ثم تجاور فى العبارة اسمان مرفوعان بالضمة (قنوان دانية)، واسمان أحدهما منصوب بالكسرة والثانى مجرور بالكسرة (وجنات من أعناب) وسامان منصوبان بالفتحة (والزيتون والرومان). وأخيرا جاءت كلمة فى صيغتين مختلفتين (مشتبها) و (متشابه) وذلك كله تنويع00

        وذلك من الإعجاز 0

* * *

        ثم يلفت النظر نوع آخر من التنويع فى عرض آيات القدرة الربانية 00

        ففضلا عن كون التنويع يذكر فى ذاته على أنه من آيات الله الدالة على القدرة التى لا تحدها حدود، والتى لا تخلق فحسب، بل تخلق أنواعا مختلفة من كل شىء، وفضلا عن التنويع الذى يرد فى العبارات ليلفت النظر إلى ظاهرة التنويع فى الخلق، فإن إيراد آيات القدرة يأخذ فى كل مرة (جو) السورة الذى ترد فيه 0

        فالآيات فى مجملها واحدة كما أشرنا من قبل: خلق السموات والأرض، وخلق الناس، وتدبير الكون، والهيمنة التامة على كل ما فى الوجود وكل من فى الوجود، سواء فى الماضى أو الحاضر أو المستقبل، والحاكمية المطلقة على كل شىء فى الكون المادى أو فى حياة البشر.. ولكنها حين تعرض فى سورة يغلب عليها جو الرضا الربانى على المؤمنين، أو التذكير اللطيف الذى يدعو الناس إلى الإيمان، تأخذ صورة مختلفة عنها هى ذاتها حين تعرض فى سورة يغلب عليها جو الغضب الربانى على الكفار أو جو النذير 00

        ولنعد إلى المثال الذى ذكرناه آنفا من سورة الأنعام، الذى جاء فى آخره قوله: (( إن فى ذلكم لآيات لقوم يؤمنون) بمعنى أنه جاء فى معرض التذكير بآيات الله لدعوة الناس إلى الإيمان. ولنضع إلى جانبه هذه الآيات من سورة يس، التى تشمل ((الموجودات)) نفسها أو الآيات نفسها، ولكن فى جو مشحون بالغضب على الكافرين المعاندين، ولننظر كيف تختلف طريقة العرض:

        ((وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون(33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون(34) ليأكلون من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون(35) سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون(36) وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون(37) والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم(38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم(39) لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون(40) وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون(41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون(42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين))([30])0

        فالعيون تفجر، والليل يسلخ منه النهار، والظلام يسود فجأة، وآخر صورة للقمر هى كونه كالعرجون القديم، والشمس لا تدرك القمر ولا ينبغى لها والليل لا يسبق النهار، ولا ينبغى له. والفلك مشحون. وهم منذرون بإمكان إغراقهم فى وضع لا ينجدهم فيه أحد ولا يسعى لإنقاذهم أحد !

        وما أبعد هذه الصورة عن الصورة الواردة فى سورة الأنعام، وإن كانت كلتاهما تتحدث عن الشمس والقمر والزرع والثمار !

        وذلك من الإعجاز 00

* * *

كنا حتى الآن نتحدث عن ظاهرة واحدة من ظواهر الإعجاز البيانى فى القرآن الكريم، هى ظاهرة التنويع، وذلك فى مجالات رئيسة ثلاثة : قصص الأنبياء مع أقوامه، ومشاهد القيامة، وآيات الله فى الكون. ولكن الظاهرة لا تنحصر كما ألمحنا فى أول الكلام فى هذه المجالات الثلاثة، فهى ظاهرة عامة فى القرآن كله، وفى كل موضوعاته، ضربنا لها مثلا فى قوله تعالى فى (سورة البقرة:25) ((يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم)). وقوله تعالى فى (سورة إبراهيم:6) ((يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم))، والأمثلة كثيرة فى القرآن الكريم تلفت انتباه كل قارئ يقرأ بوعى، سواء أدرك الحكمة فيها أم لم يدركها، كقوله تعالى: ((وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى))([31]) وقوله تعالى: ((وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى))([32])، فالتركيز فى الأولى على المجئ من أقصى المدينة، بما يوحى بأهمية الأمر الذى حفز الرجل على قطع تلك المسافة الكبيرة، والتركيز فى الثانية على الرجل ذاته، بما يوحى باهتمامه الخاص بالأمر، وأنه حريص على سلامة موسى عليه السلام (والراجح أنه هو الرجل المؤمن من آل فرعون الذى ناصر موسى فيما بعد فى مواجهة فرعون). وقوله تعالى عن اليهود ((يحرفون الكلم عن مواضعه)([33]) وقوله عنهم ((يحرفون الكلم من بعد مواضعه))([34]). ففى الأولى يشير إلى تحريفهم لكلام الله، وما فى ذلك من لؤم والتواء، وفى الثانية يشير إلى تجرؤهم على الله سبحانه وتعالى بأن يقرر الأمر فيقرروا غيره من بعد تقرير الله له، وما فى ذلك من توقح وتمرد على رب العالمين. وفى مثل تلك المواضع يكون للتنويع دلالة خاصة تضاف إلى مجرد التنويع، الذى هو فى ذاته هدف مقصود0

وذلك من الإعجاز 00

* * *

        ولكن ظاهرة التنويع على تعدد مجالاتها فى القرآن الكريم ليست وحدها التى تحمل الإعجاز البيانى فيه. فللإعجاز البيانى فى القرآن تجليات كثيرة فى مجالات كثيرة، ليس من الضرورى أن تكون ظاهرة عامة فى كل مرة، فقد تكون فى آية، وقد تكون فى حرف من آية، كما سنضرب الأمثلة من أماكن متفرقة من كتاب الله الكريم، لمجرد التوضيح لا على سبيل الحصر.. فالأمر يفوق الحصر!

        فى دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فى سورة البقرة، وردت هذه الآيات:

        ((وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم(127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وارنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم(128) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم))()0

        لاحظ نغمة المد فى هذه الكلمات بما يناسب جو الدعاء (منا إنك) ((ومن ذريتنا أمة)) ((وتب علينا إنك 00)0

        ثم لاحظ تغير النغمة بما يوحى بانتهاء الدعاء : ((ويزكيهم إنك 00))0

        إن حركات المد فى العبارات الأولى تشعرك بالاستغراق فى الدعاء، والرغبة فى التعبير عن مشاعر عميقة تملأ قلبيهما وهما يتوجهان هذا التوجه الخاشع بين يدى الله وهما يقيمان قواعد البيت، بينما الياء فى كلمة (ويزكيهم) توحى بأن الدعاء قد وصل إلى غايته، وأنه يوشك أن ينتهى، بعد أن بثا مشاعرهما لله العلى العظيم. وحين تصور الكلمات وهى مجرد كلمات مشهداً كاملاً جياشا على هذا النحو، وتعطى صورة الأكف المرفوعة بالضراعة، ثم حركة الأكف وقد أوشكت أن تفرغ من الدعاء هابطة إلى أسفل.. يكون هذا من الإعجاز0

* * *

        فى سورة آل عمران ترد هذه الآيات :

((كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب([35]) هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء))([36])0

المشهد هو مريم منقطعة للعبادة فى المحراب، وزكريا لا يفتأ يدخل عليها يتفقد أحوالها، فهو كفيلها المسئول عن تربيتها ورعايتها، فيجد عندها رزقا متجددا فيسألها: من أين لها هذا وهى لا تبارح المكان ولا تسعى على الرزق، فتجيبه فى براءة وبساطة : ((هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب)). فتجيش نفس زكريا بمشاعر هائلة، وهو يرى الفيض الإلهى يفيض على مريم، وهى الطفلة التى لا حول لها ولا طول. فيشتاق.. يشتاق إلى الذرية، ولم يكن قد رزق بالولد بعد، ويشتاق إلى أن يفيض الله عليه من نعمائه كما أفاض على هذه الطفلة الصغيرة التى كلفه الله برعايتها.. ((هنالك)) دعا زكريا ربه00

((هنالك)) .. ما دلالة اللام فى هنالك؟!

إن اللغويين والبلاغيين يقولون إنها تعبر عن البعد. فالشىء يشار له بكلمة ((هنا)) إذا كان حاضرا قريبا تدركه العين أو اليد لقربه. ويشار إليه بكلمة ((هناك)) إذا كان بعيداً عن متناول اليد.. ثم إذا اشتد بعده يشار إليه بكلمة ((هنالك)) بزيادة اللام لتعطى مزيدا من البعد 00

فأين البعد هنا ؟

هذا هو المحراب، وهذه هى مريم، كلاهما حاضر قريب. وهذا هو زكريا معها فى نفس المكان00

        لا بعد فى المكان، ولا بعد فى الزمان0

إنما البعد فى أغوار النفس !

((هنالك)) فى أعماق نفس زكريا تحرك الشوق.. الشوق إلى الذرية. والشوق إلى الفيض الإلهى الذى يفيض بالخير، وبالرحمة وبالعطاء، وبالرضوان..

هل تحس مدى العمق فى المشهد .. العمق الواغل فى أعماق النفس؟

إنه الإعجاز 00

* * *

        يقول تعالى فى سورة فاطر :

        ((.. وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى))()0

فماذا يوحى إليك النص؟ وما الصورة التى تتبادر إلى ذهنك؟

إن المقصود بالنص هو النفس الإنسانية المثقلة بالذنوب، يقف صاحبها يوم القيامة مثقلاً بذنوبه، كما ورد فى نصوص أخرى0

((ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون))()0

((وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون))()0

((.. وقد أتيناك من لدنا ذكراً(99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً(100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا))()0

(( .. وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون))()0

نعم .. ولكن!

إن حذف الموصوف (نفس) مع إبقاء الصفة (مثقلة) وتأنيثها، وإطلاقها بغير موصوف معين، يورد على الخاطر صورة المرأة الحامل، المثقلة بحملها.. كم تعانى منه؟!

وإن تدع البشر جمعيا إلى حملها فضلا عن أولى القربى فهل يستطيع أحد أن يحمل عنها حملها أو يخفف عنها شيئاً مما تعانيه من ذلك الحمل؟!

إنه حملها الخاص الذى لا يملك  أحد على وجه الأرض كلها أن يحمل ((شيئا)) منه، وهى معاناتها الخاصة التى لا يستطيع أحد أن يعاونها فيها، فضلا عن أن يخففها عنها00

كم تبلغ هذه الصورة فى تعميق المعنى المقصود، الذى يرد أحيانا بصيغ أخرى:

((ولا تزر وازرة وزر أخرى))([37]) ، ((كل نفس بما كسبت رهينة))([38])00 

        وكم تؤثر هذه الصورة فى نفس من((كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد))([39]) إنه الإعجاز00

*   *   *

يقول تعالى فى سورة الرعد:

((قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار(16) أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال))0 ([40])

الأمثال لها وقع خاص فى النفوس، لأنها ترسم صورة موازية للمعنى المقصود00 تحوى غالباً أموراً من مألوفات الحياة، يستطيع الناس بسهولة أن يتعرفوا عليها ويتمثلوها فى أذهانهم0 ثم يقطع الخيال رحلة ممتعة ينتقل فيها من هذه الأمور المألوفة إلى المعنى ((الموازى))، فيتجسم المعنى وينبض بالحيوية حين يدرك الإنسان وجه الشبه بينه وبين الصورة الواردة فى المثل، ويتضاعف حجمه فى الحس لأن الإنسان يراه مرتين: مرة فى الصورة المجردة، ومرة فى المثل المضروب0     

وفى القرآن ترد أمثال كثيرة، تجسم المعانى التى يراد تجسيمها، وتضاعف وقعها فى النفوس0 وتجئ الإشارة إلى ذكر الأمثال فى القرآن فى مثل قوله تعالى: ((ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل))0([41])

ولكن هذا المثل المضروب فى سورة الرعد له خصوصية حتى بين الأمثال:

إنه يبدأ بكلام لا تحسبه فى بادئ الأمر مثلا يضرب، لأنه حقيقة واقعة من حقائق ((الطبيعة)) التى خلقها الله، تجئ فى معرض ذكر القدرة الإلهية:((الله حالق كل شئ وهو الواحد القهار(16) أنزل من السماء ماء000))0

ولكن هذه الحقيقة مرتبطة بالمثل0 فهى حقيقة وهى مثل يضرب ذات الوقت00

هذا الماء الذى نزل بقدرة الله سالت منه أودية، كل واد بحسب سعته، وجرى الماء فى الوديان فاحتمل السيل زبدا رابيا00 إلى هنا يتم تقرير هذه الحقيقة الواقعة التى تقع فى الطبيعة، ويسجل السياق وجود الزبد مع اندفاع الماء، وهذه أيضاً حقيقة تقع فى الطبيعة00

ولكن يأخذ المثل فى التشكل عند هذه النقطة، ثم يمضى شوطا آخر00

((ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله))0

فالزبد ليس حادثا فى ((الطبيعة)) فقط، بل فيما يصنع الإنسان كذلك0 فالناس يوقدون على الذهب والفضة، ليصهروهما، ثم يشكلون من المادة المنصهرة حلياً ومتاعا متعدد الأشكال، ولكن ظاهرة الزبد تلاحقهم أيضا فيما يصنعون00 وإلى هنا تقرر حقيقة جديدة: أن الزبد ظاهرة ملازمة سواء فى الطبيعة التى خلقها الله، أو فيما يصنع الإنسان بيده00

ويبدأ المثل يتشكل بصورة أوضح، وذلك حين يقول الله سبحانه وتعالى: ((كذلك يضرب الله الحق والباطل))0 فالحق والباطل موجودان متجاورين متلازمين فى حياة الناس، بقدر من الله، ولكن لفترة من الوقت، ولمرحلة من المراحل00 ثم يأتى ما قدره الله وما قرره منذ الأزل ((فأما الزبد      فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض)) وتلك هى النهاية التى تستقر فيها الأمور فى وضعها الأخير00

ولكى ندرك مرمى المثل لابد أن نشير إلى واقع الدعوة فى الفترة المكية، وإلى حال المؤمنين يومئذ([42])0 

كان الباطل منتفشا فى مكة، والمشركون ظاهرين، يجولون ويصولون، مزهوين بكثرتهم وقوتهم وغلبتهم على المؤمنين وقهرهم لهم0 والمؤمنون فى ضعفهم وذلهم وهوانهم على الناس كما وصف رسول اللهr حاله وهو يشكو حاله إلى الله: ((إليك أشكو ضعفى وذلتى وهوانى على الناس))،والعذاب يصب عليهم صبا من جانب المشركين00

هنا مضرب المثل فى صورتين: صورة الرابى فوق الماء، والزبد المغشى للذهب والفضة المصهورتين00

ويريد الله سبحانه وتعالى أن يسرى عن رسول اللهr وعن المؤمنين الغارقين فى العذاب0 إن ما هم فيه ليس هو نهاية المطاف! إنها  مرحلة موقوتة00 ثم يتبدل الحال!

فأما السيل فبعد فترة يصفو، وينفثئ الزبد الذى يعلوه، ويذهب جفاء00 يذهب بددا00 ويبقى الماء يسقى الحرث والنسل، وينبت الزرع، وينتفع الناس به، ويفرحون بالخير الذى جاء معه0

وأما الزبد الذى يعلو الذهب والفضة فى عملية الصهر فيلقى جانبا، ويذهب بددا، وأما المعدن الصافى فيبقى نقيا خالصا ينتفع به الناس0

ذلك هو المثل. أما الصورة ((الموازية)) المطلوب إبرازها فهى أن انتفاش الباطل وهيمنة الكفار فى مكة زائلان بحول الله وقوته. ويبقى الحق، ويعلو، وينتصر، ويخلص له الجو، ويصبح هو القوة الممكنة فى الأرض، ويدخل الناس فى دين الله أفواجا، بعد فترة الصراع التى يخوضها الحق مع الباطل: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين))([43])0

إنه مثل رائع، يجسد علو الباطل فترة من الوقت، ثم تبدده فى النهاية وانتصار الحق..

ولكن روعته تزداد فى الحس حين ينعم الإنسان النظر فى تفصيلاته..

من سنن الله أن يسبق انتصار الحق وتمكنه فى الأرض فترة يعلو فيها الباطل ويتنفش. ومن سنة الله فى الوقت ذاته أن يبتلى المؤمنون على يد الكفار :

((أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون() ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))([44])0

ويبين الله حكة الابتلاء فى قوله تعالى: ((وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين))([45])فمحق الكافرين يأتى بعد تمحيص المؤمنين وتمحيص المؤمنين يأتى من خلال الابتلاء00

وتبلغ الروعة فى المثل قمتها فى تصوير حالة الابتلاء.. إنها ((فتنة)) ينصهر فيها المؤمنون كما يفتن الذهب والفضة على الناس([46])، كما ورد فى سورة العنكبوت: ((أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون(2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))([47])0

وفى عملية الانصهار التى تتم فى الابتلاء تذهب أدران النفوس، وتصفو، وتخلص لله، كما يذهب ما يعلق بالذهب والفضة من أوشاب، لا تزول إلا ((بالفتنة)) على النار، ثم يبقى الجوهر الصافى الذى يستمتع به الناس0

ألا إنه إعجاز 00

* * *

        يقول تعالى فى سورة يوسف :

        ((اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتونى بأهلكم أجمعين))([48])0

        ((يأت)).. من أين يأتى؟! إن المقصود أنه يعود مبصرا فى التو واللحظة. ولكن الفعل ((يأتى)) يظل له إيحاؤه .. فما دلالته؟

        إن يعقوب عليه السلام لم يكن م غائبا فيأتى! فهو جالس مكانه لا يريم! ولكنه كان كالغائب.. فحين فقد بصره لم يكن ((حاضراً)) فيما حوله، يراه، ويتفاعل معه كما يتفاعل المبصرون! إنما كان ((غائبا)) ببصره عنه.. وحين يرتد بصيرا فإنه ((يأتى)).. يأتى من غيبته التى كان فيها، ويصبح ((حاضراً)) فيما يحيط به من أشخاص وأشياء..

        وكلمة واحدة تعطى هذا المعنى العميق كله، وتجعل المشهد يتحرك بحركة ((المجئ)) بعد ((الغياب))!

        ألا إنه إعجاز 00

* * *

   يقول تعالى فى سورة النور :

        (( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح فى زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شىء عليم(35) فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار(37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب(38) والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب(39) أو كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور))([49])

        إشراقة النور، ونضرة النعيم 00 وهناك ظلمات مدلهمة تحيط بالكفار، تنعدم فيها الرؤية تماما، وتحيط بهم الأعاصير، والموج الرهيب يقلب أجسادهم وأفئدتهم وهم فى الظلام لا يرون من أين تأتيهم الأخطار، ولكنها تتناوشهم من كل جانب 00

        لا يوجد أنور من هذا النور، ولا أظلم من هذا الظلام!

        ولا يوجد أروع من هذا التقابل الذى ترسمه اللوحتان المتقابلتان، اللتان ترسمان بالألفاظ ما تعجز عن تصويره كل أدوات التصوير 00

        وفى سياق واحد تتقابل الصورتان جنبا إلى جنب، فتنجذب القلوب إلى النور، ثم تفزع من الظلام فتستدير إلى النور، تستروح فيه الطمأنينة والأنس والإشراق0

        ويختم السياق بهذه الحقيقة الهائلة: ((ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)) فكل مصدر يلتمس فيه النور غير المصدر الربانى لا ينير، وكل شىء غير نور الله ضلال، بل عبث وانقطاع، ووهم وخداع، ينتهى بصاحبه إلى الضياع فى لجة الظلام00

        ألا إنه إعجاز 00

* * *

          يقول تعالى فى سورة الأعراف :

        ((فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون))([50])0

        الآية فى وصف الأمة اليهودية بعدما أداروا ظهرهم للهدى الربانى، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءهم بغير حق، وخالفوا أمر ربهم، وأخلدوا إلى الأرض بحثا عن المتاع الرخيص0

        وفى كلمة واحدة من كلمات الآية ينكشف الوضع كله، وتتضح معالمه، وتتبين أسبابه:

        ((ورثوا الكتاب))0

        هذا سر الموقف كله 00

        لقد صار الكتاب الذى يحمل الوحى الربانى تراثاً، يحتفظ به، ويعتز بذكراه، ويتفاخر به، ولكن لا يعمل به فى واقع الحياة

        إنه كتاب الآباء والأجداد، ولكنه ليس كتابهم هم! وهم ورثوه عن الآباء والأجداد، ولكنهم لا يعدونه موجها إليهم، ولا ملزما لهم ليعملوا به! إنما التزام به الآباء والأجداد الذين أنزل إليهم. أما هم ففى واد آخر، وفى شغل آخر، لا علاقة له بالكتاب! إنهم يبحثون عن عرض الحياة الدنيا، وذلك شغلهم الشاغل. ولكنهم فى الوقت ذاته متعلقون بذكرى الكتاب! وذكرى الكتاب توهمهم أنهم لن يعاقبوا على أعمالهم التى يرتكبون فيها ما حرم الله، لأن ذكرى الكتاب ستحميهم من ذلك العقاب، وستجلب لهم مغفرة الرب الذى يكفرون به وبآياته، ويزعمون فى الوقت ذاته أنهم أبناؤه وأحباؤه!

        ((ويقولون سيغفر لنا))0

        والانشغال بعرض الدنيا ليس أمرا عارضا فى حياتهم إنما هو دينهم : ((وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه)) فهم يسعون دائماً إليه، وإن جاءهم لا يفوتونه!

        وليس شىء من ذلك كله عن جهل منهم بما أمرهم به الله وما نهاهم عنه.. فهم يعرفون ذلك جيداً. فقد درسوا الكتاب.. ولكنها دراسة التراث لا دراسة العمل والتنفيذ! ويختم السياق بتذكيرهم بالحقيقة الغائبة عن حسهم: ((والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون))0

        إنها آية واحدة، ولكنها تصف حال أمة بأكملها، وتصفها الوصف الذى يكشف نقاط الخلل فيها، ومظاهر الانحراف وأسبابه: وراثة الكتاب، والانكباب على عرض الحياة الدنيا، ونسيان الآخرة00

        هل بقى شىء من حال تلك الأمة لم تبينه تلك الآية المعدودة الألفاظ؟

        ألا إنه إعجاز 00

* * *

        تلك مجرد نماذج من الإعجاز البيانى فى القرآن الكريم، من ألوان مختلفة، فى مجالات مختلفة. والقرى، حافل بمثل هذه النماذج، إلى درجة لا يملك حس ألا يتأثر بها، أو أن يتغافل عنها. فلا عجب فى أن يكون القرآن هو معجزة الرسولr  إلى القوم الذين يعتزون بفصاحتهم، ويتيهون بها على الخلق. ولا عجب فى أن يتحداهم فيعجزوا عن إجابة التحدى، ولو جحدوا بها كبرا وعنادا وجفاء وقسوة قلب0

        ولكن الإعجاز فى القرآن الكريم لا ينتهى عند هذا الحد.. وإنما هذه بدايته!

        إن الإعجاز البيانى هدف مقصود بذاته، يتحدى المنكرين والمعاندين، ليعلموا فى دخيلة أنفسهم صدق الرسالة وصدق الرسول r، ولتقوم عليهم الحجة ولو جحدوا وأنكروا..

        ولكنه فى الوقت ذاته وسيلة لغايات أخر !

        إنه وسيلة للدعوة. ووسيلة لإخراج خير أمة أخرجت للناس. ووسيلة لبيان المنهج الربانى الذى يريد الله للبشرية كلها أن تتبعه لتنعم بالطمأنينة والبركة والفلاح فى الدنيا والآخرة00

        إن الله يدعو الناس إلى عقيدة التوحيد 00 ولكنه يدعوهم بهذا الأسلوب الفائق الذى يبلغ حد الإعجاز 0

        والله يربى الأمة التى آمنت به تربية دقيقة عميقة فذة شاملة تشمل كل جوانب كيانهم. ولكنه يربيها بهذا الأسلوب الفائق الذى يبلغ حد الإعجاز 0

        والله يريد أن يضع لهذه الأمة منهج الحياة الذى تسير عليه ليكتب لها التمكين فى الأرض، ولتكون رائدة لكل البشرية0 ولكنه يبين لها المنهج بهذا الأسلوب الفائق الذى يبلغ حد الإعجاز0

        وهذا نفسه إعجاز فوق إعجاز !

 

من الإعجاز الدعوى

        ونقصد بالإعجاز الدعوى: الإعجاز فى بيان العقيدة الصحيحة بكل تفصيلاتها، والإعجاز فى الوصول بها إلى مكامن النفوس بحيث تستقر فيها وترسخ نقية صافية من كل غبش، والإعجاز فى تحويلها بعد بيانها وترسيخها إلى قوة فاعلة فى شتى مجالات الوجود الإنسانى0

        والعقيدة التى جاء بهذا القرآن هى التوحيد . وهى عقيدة الأنبياء جميعا من لدن آدم ونوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعا 0 ولكنها لم تكن قط فى أى كتاب أصفى منها فى القرآن الكريم، ولا دخلت إلى نفوس الناس من كل منافذها وأقطارها كما دخلت عن طريق هذا الكتاب، ولا كانت قط مؤثرة فى واقع الحياة على أوسع نطاق كما انبثقت من هذا الكتاب0

        ولا عجب فى ذلك، فالقرآن هو كلمة الله الأخيرة إلى البشرية، التى اكتمل بها الدين، وتمت بها النعمة، وأخرجت خير أمة :

        ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا))([51])0

        ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله))([52])0

* * *

        إن كون الله هو الرب، وهو الخالق، عقيدة لا تحتاج إلى إرسال رسول، فهى كامنة فى أعماق الفطرة :

        ((وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا))([53])0

        وما أرسلنا رسول قط ليقول للناس إن هناك إلها، فالفطرة تعرف ذلك بغير رسول. ولا أرسل رسول قط ليقول للناس إن هناك إلها فاعبدوه. فالفطرة تتجه تلقائيا إلى عبادة الإله الذى تؤمن به.

        إنما أرسل الرسل جميعا ليقولوا للناس : ((اعبدوا الله ما لكم من إله غيره))([54])0

        ذلك أن مشكلة البشرية الكبرى لم تكن إنكار وجود الله، إنما كانت هى الشرك. ودعك مما سرى فى الجاهلية المعاصرة من إلحاد ينكر وجود الله، فقد نشأ من ظروف خاصة، وله شياطينه الذين ينفخون فيه. ولكنه لون خاص من الانحراف لم يقع بصورته تلك فى أى جاهلية من جاهليات التاريخ0

        والذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : ((ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر))([55]) وسموا بالدهريين، كانوا على وجه اليقين منكرين للبعث، ولكن الآية لا تدل دلالة قاطعة على أنهم كانوا ينكرون وجود الله. فقد نسبوا الموت إلى الدهر بمعنى مرور الزمن، أى أنهم يولدون، ويحيون حياتهم، ثم يهلكون بمرور الزمن، ثم لا يبعثون مرة أخرى بعد الموت. وهؤلاء كانوا مطموسى البصيرة بلا شك. ولكنا لا نستطيع أن نقطع بأنهم كانوا منكرين لوجود الله، وإن أنكروا قدرة الله على البعث. فقد كان مشركو العرب ينكرون البعث، ولكنهم مع إنكارهم هذا إذا سئلوا ((من خلق السموات والأرض)) يقولون الله. وإذا سئلوا من خلقهم يقولون الله، كما سجل القرآن عليهم:

        ((ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله))([56])0

        ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله))([57])0

        وأيا كان الأمر، فلئن وجد فى القديم قلة من الناس ينكرون وجود الله -وهو أمر مشكوك فيه فلم يحدث قط إلا فى الجاهلية المعاصرة أن أصبح هذا اللون من الإلحاد (دينا) يدين به ملايين من البشر، لظروف بيناها فى غير هذا الكتاب، وقام شياطين الإنس بنشره فى الأرض، وتبنته الشيوعية دينا رسميا لدولتها. ولكن ما أن انهارت الشيوعية حتى عاد الناس فى روسيا ذاتها إلى معتقداتهم الدينية السابقة، وأقروا بوجود الله، أيا كان فى معتقداتهم من انحراف!

        المرض الأكبر إذن فى الجاهليات هو الشرك، وهو الذى أرسل كل رسول لينتزعه من نفوس قومه. ثم أرسل الرسول الأعظمr لينتزعه من قلوب البشرية جمعاء، فآمن به من قدر له الهدى، وأبى من أبى بقدر من  الله0

        والشرك وتوابعه يسميها الله سبحانه وتعالى ((عبادة الشيطان))0

        ((ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين() وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم))([58])0

        والأصل فى الفطرة هو التوحيد، ولكن الشياطين يحاولون دائما إخراج الناس من صفاء التوحيد إلى كدر الشرك:

        ((إنى خلقت عبادى حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين))([59])0

        وهذا الاجتلاء يأخذ صورا شتى :

        منها تأليه الجن والملائكة والشمس والقمر والنجوم والحجر والشجر، والزعم بأنها آلهة تعبد مع الله أو من دونه 00

        ومنها ادعاء الولد لله 00

        ومنها الاعتقاد بأن كائنا من كان له مشاركة مع الله فى الخلق أو التدبير، أو له شفاعة مقبولة عند الله فيعبد ليقرب الناس من الله زلفى 00

        ومنها إنكار الوحى والرسالات00

        ومنها إنكار البعث 00

        ومنها التحليل والتحريم (أى التشريع) بغير ما أنزل الله 00

        ومنها اتباع الهوى والشهوات 00

        وهى كلها انحراف عن عقيدة التوحيد، ورفض لإخلاص العبادة لله وحده بلا شريك0

        ولها أسباب شتى، ولكنها تؤدى فى النهاية إلى شىء واحد هو الكفر بالله0

        وقد ينشأ الكفر من تعظيم زائد لأشخاص من البشر يصل إلى حد التقديس، كما حدث فى عبادة الأصنام0

        وقد ينشأ من فساد فى الفطرة يهبط بها عن حالتها السوية التى فطرها الله عليها، والتى تتسع للإيمان بما تدركه الحواس (عالم الشهادة) والإيمان بما لا تدركه الحواس (عالم الغيب)، فتنحصر فى الإيمان بما تدركه الحواس، وتنشئ آلهة محسوسة، تتعبدها بدلا من الله الذى (لا تدركه الأبصار)([60])0

        وقد ينشأ من الاستكبار عن عبادة الله 0

        وقد ينشأ من اعتداد الإنسان بنفسه وقوته اعتداداً زائفاً يخيل إلى صاحبه أنه ذو قوة ذاتية فاعلة بذاتها 0

        وقد ينشأ من الطغيان والتجبر على الناس، فيدعى الطاغية الألوهية لنفسه، ويلزم الناس بأداء شعائر التعبد له، أو يستعبدهم بالتشريع لهم بغير ما أنزل الله، وإخضاعهم لتشريعه، ومعاقبتهم إذا خرجوا على شرعه0

        وقد ينشأ من تضخم الذات، فيعبد الإنسان ذاته، أو بالأحرى أهواءه وشهواته00

        والإعجاز فى كتاب الله أنه يعرض لهذه الأسباب كلها، لا يغادر شيئا منها. فيبرزها، ويندد بها ، ثم يعالجها0

        ((ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله))([61])0

        ((وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين))([62])0

        ((قال إنما أوتيته على علم عندى))([63])0

        ((كلا إن الإنسان ليطغى(6) أن رآه استغنى))([64])

        ((فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة))([65])

        ((واستكبر هو وجنوده فى الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون))([66])

        ((أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين(77) وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحي العظام وهى رميم))([67])0

        ((ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً(35) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا))([68])0

        ((وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد(7) أفترى على الله كذبا أم به جنة))([69])0

        ((وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب(4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشىء عجاب))([70])0

        ((إن الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه))([71])0

        ((أفرأيت من اتخذ إلهه هواه))([72])0

        ((بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم))([73])0

        ((وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله))([74])0

        ((وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون))([75])0

        ((وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين(24) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون))([76])0

        ((وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فى أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم))([77])

        ((ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون))([78])

        ((وقالوا أئذا ضللنا فى الأرض أئنا لفى خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون))([79])0

        ((وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون))([80])0

        تلك على وجه الإجمال كانت أفكارهم ومعتقداتهم وسلوكياتهم التى يعيشون فيها، والتى تصدهم عن الإيمان بالله واليوم الآخر والوحى والنبوة، ولها فى حسهم ثقل الأمر الواقع من جهة، وثقل الأمر الموروث من جهة أخرى. فلاهم يتصورون إمكان تغييرها، ولا إمكان الخروج عليها، وهى تقاليد الآباء والأجداد، فى بيئة شديدة المحافظة على التقاليد، وعلى موروث الآباء والأجداد. وفضلا عن ذلك فهم يتوهمون أنهم على دين إبراهيم، ويحتفظون ببعض ما كان فى دين إبراهيم عليه السلام، فيعظمون الكعبة، ويحجون إلى البيت الحرام، وإن كانوا يرتكبون فى حجهم مخالفات ما أنزل الله بها من سلطان0

        وكانت قريش خاصة التى بعث من بينها رسول اللهr ، والتى وجهت إليها الدعوة أول ما وجهت ، إذ قال الله لرسول r : ((وأنذر عشيرتك الأقربين))([81])0 كانت تدل على العرب كلهم بسدانة الكعبة، وعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج، فكانت تعد نفسها الرئيسة الدينية، التى تقول فتطاع، وليست التى تتلقى أوامر من أحد، فضلا عن أن تكون الأوامر نقضا كاملا لأفكارهم ومعتقداتها.

        لذلك كانت الحرب شديدة على العقيدة الجديدة، وكان اللدد فى الخصومة، والعنف فى المواجهة، والمبالغة فى الصد 00

        وكان القرآن هو الرد على ذلك كله0 هو الدعوة. وهو المواجهة . وهو أداة التغيير: ((وجاهدهم به جهاداً كبيرا))([82])0

        ((آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد))([83])0

        ومرة بعد مرة يتنزل القرآن ليبين العقيدة الصحيحة من جهة، وليفند أوهام المشركين واعتراضاتهم من جهة أخرى، تارة ببيان ما اشتملت عليه من سخف لا يقبله منطق ولا عقل، وتارة ببيان الأسباب الدافعة لهم إلى التمسك بالشرك وعدم الإقلاع عنه، وأنها أسباب تنبع من انطماس فى البصيرة، وانحراف فى الفطرة، وفساد فى السلوك، وكلها أمراض لا يشرف إنسانا عاقلا أن يحملها، فضلا عن أن يعتز بها وينافح عنها!

        وكانت الأداة الكبرى فى كل ذلك هى تعريف الناس بحقيقة الألوهية، وبتفرد الله سبحانه وتعالى بالخلق والرزق والإنشاء والهيمنة والتدبير، وانتفاء هذه الصفات كلها عن الآلهة المزعومة التى يتمسكون بها، بحيث يتبين عجزها وهزالها، فتسقط ألوهيتها المزعومة، ويسقط بالتالى استحقاقها للعبادة مع الله أو من دونه00

        وكان الأمر فى حاجة إلى مواجهة طويلة عميقة شاملة دقيقة، حتى تنجاب الصلادة التى تحجب الحق عن القلوب، فتهتدى تلك القلوب الضالة إلى الحق، وتدخل فى دين الله0

* * *

        إذا تأملنا سورة العلق أول سورة أنزلت على رسول اللهr - نتبين كيف بدأ التعريف بالله سبحانه وتعالى : ((اقرأ باسم ربك الذى خلق(1) خلق الإنسان من علق(2) اقرأ وربك الأكرم(3) الذى علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم))([84])، بدأ بذات  المعلومات التى كانت معلومة عند العرب من قبل، ولكن بإضافة جديدة تجعلها حية وفاعلة0

        فأما أن الله هو الخالق الذى خلق السموات والأرض وخلق الإنسان فقد كان حقيقة مسلمة عندهم لا ينكرونها ولا يجادلون فيها، كما سجل القرآن عليهم فى قوله تعالى: ((ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله))([85]). ((ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله))([86]). وكونه خلق الإنسان من علق، أو من نطفة، أو من منى يمنى، فقد كان معلوما عندهم كذلك، فقد سجل القرآن عليهم ذلك فى قوله تعالى: ((كلا إنا خلقناهم مما يعلمون))([87]). ((ولقد علمتم النشأة الأولى))([88]).

        ولكن هذه المعلومات كانت بالنسبة لهم كالبذرة الميتة لا تنبت، لا لأن من شأنها ألا تنبت، ولكن لأن تربتها وهى القلوب- جفت وقست، وران عليها ما طمر البذرة فقتلها، ولقد كانت قمينة لو القلوب سليمة والنفوس صحيحة أن يكون لها مقتضى فى مجرى حياتهم00

        فالآن يأتى القرآن فيرفع الران الذى طمر البذرة فمنعها من الإنبات، ويضع بذرة جديدة من ذات النوع، ولكن فى تربة جديدة مهيأة للإنبات00

        ((اقرأ))00

        اقرأ الدلالة الكامنة فى هذه الحقيقة الكبرى، وهى أن الله هو الخالق، وأنه خلق الإنسان من علق00

        إنها حقيقة هائلة حين يتدبرها الإنسان بقلب واع وفكر متفتح.. معجزة الخلق.. خلق السموات والأرض من العدم.. وخلق الإنسان من نطفة إذا تمنى..

        إذا كنت لم تقرأ هذه الدلالة من قبل فاقرأها الآن على صوت هذا النداء : ((اقرأ))!

        اقرأها جيدا .. اقرأها مليا .. تتضح لك دلالتها 00

        دلالتها أنه إله واحد هو الذى ينبغى أن يعبد، وليس سواه.. الإله الذى خلق .. خلق السماوات والأرض من العدم، وخلق الإنسان من علق 00

        فإذا فرغت من قراءة تلك الحقيقة الهائلة، واتضحت لك دلالتها، فاقرأ حقيقة أخرى، قمينة بأن تملأ قلبك بالحب والود والتعظيم لذلك الإله الخالق.. إنه ربك الأكرم، الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم 0

        حقيقة أخرى هائلة.. فالطفل يخرج إلى الحياة بلا علم ولا معرفة ولا إدراك.. ثم يتعلم .. كيف يتعلم؟ لو لم يكن الله قد أودع فيه القدرة على التعلم فهل كان يمكن أن يتعلم؟! إن القلم هو أداة التعليم .. نعم! ولكن ضع القلم عند كائن لم يوهب القدرة على التعلم، فهل يعلمه القلم، أم الذى يعلمه هو الذى خلقه، وخلق فيه القدرة على التعلم؟

        أى إكرام من ربه الأكرم، الذى خلقه على هذا النحو، وفضله بمزيته تلك على كثير ممن خلق! ما الذى يجعل القلب البشرى يغفل عن تلك الدلالة الهائلة فلا يقرؤها؟!

        إنه الران الذى يطمس البصيرة، ويحجب النور!

        ((كلا إن الإنسان ليطغى(6) أن رآه استغنى))([89])!

        هذا الوهم الضخم الذى يحيط بالإنسان فيغفل وينسى 00

        يغفل عن حقائق الكون والحياة، فينسى الخالق الذى خلق، الذى أوجد كل شىء بقدرته، بحوله وطوله، بقدرته وقوته، بعقله وعلمه، بفكره وإرادته، عن الله الذى خلقه فسواه فعدله، فى أى صورة ما شاء ركبه 00

        وحين ينسى فإنه يطغى 00

        يطغى، فيتمرد على الخالق الذى خلقه، فلا يعبده حق عبادته، ويعبد سواه ..

        ويظن أنه حر يفعل ما يشاء.. يفعل ما يميليه عليه هواه.. فمنذا الذى يحاسبه على ما يفعل؟!

        كلا!

        ((إن إلى ربك الرجعى))([90])!

        ليس متروكا لهواه.. ليس متروكا يفعل ما يشاء بلا حساب ولا عقاب00

        إنه راجع إلى ربه يحاسبه على ما جنت يداه 00

        وتلك المعانى كلها كانت فى تلك الإقراءة الأولى، التى افتتح بها الوحى الربانى، والتى غيرت القلوب، فجعلت البذرة تنمو نموها السوى، فتنبت الإيمان00

* * *

        وتتوالى الآيات 00 تتوالى تعرف الناس بربهم، بما يعزفون وما لا يعزفون00

        فأما ما يعزفون كحقيقة أن الله هو الخالق، وهى الحقيقة الكبرى التى ركز عليها القرآن فى تعريف الناس بربهم فطريقة القرآن فيها، كما أشرنا فى المثال السابق، هى إزالة الركام الذى طمرها فجعلها لا تؤدى مقتضاها الطبيعى، وهو عبادة الله وحده بلا شريك، واحياؤها فى طريقة عرضها، وربطها بالقدرة الإلهية بالطريقة التى تهز الوجدان فينفعل بها، فيتفتح للإيمان بالله0

        وأما ما لا يعرفون أو ما ينكرون كالبعث والنشور، والوحى والرسالة، فيضاف إلى معلوماتهم بالطريقة ذاتها التى تجعل الوجدان ينفعل فيتأثر، فيستجيب لداعى الإيمان0

        وهنا يأتى دور الإعجاز البيانى، فيؤدى مهمته فى هذا المجال0

        فطريقة العرض أولا هى التى تحي المشاهد، فتزيل عنها ما يصيبها فى نفوس الناس من تبلد الحس عليها بسبب الألفة الطويلة، فإذا هى السياق القرآنى شىء أخر غير ما تبلد الحس عليه، جديد حى متحرك0

        والتنويع كذلك يؤدى دوره. فالنفوس التى كانت منكرة أو كانت غافلة، كانت فى حاجة إلى تكرار القضايا مرات ومرات حتى تزول الغفلة ويذوب الإنكار وتكرار الشىء ذاته بنفس الألفاظ ونفس الصورة يبعث السأم فى النفوس. ولكن التنويع فى العرض له من الجاذبية ما ينفى السآمة، بل يجدد الرغبة، ويجدد الانتباه، ويجدد التأثير. وهكذا، فالقرآن كما جاء فى وصفه: ((لا تنقضى عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد)) فهو متجدد أبدا فى النفوس، يعرض الأمور فى كل مرة كأنها جديدة تعرض لأول مرة0

        وهذا الذى أشرنا إليه آنفا: أن الإعجاز البيانى فى القرآن هدف مقصود فى ذاته، وهو فى الوقت ذاته وسيلة لأهداف أخر 0

* * *

        ويدخل القرآن إلى النفوس فى قضايا العقيدة من كل منافذها وأقطارها، فلا يترك منفذا لا ينفذ منه، ولا يترك مدخلا لا يطرقه ليوصل العقيدة الصحيحة إلى القلوب0

        وإذا كانت الوسيلة العظمى كما أشرنا آنفا هى تعريف الناس بربهم، ليعبدوه وحده بلا شريك، حين يدركون تفرده سبحانه بالألوهية، وعجز الآلهة المزعومة عن ا لقيام بشىء مما يقدر الله عليه، ففى النفس البشرية منافذ فطرية، أودعها الله فى الفطرة لتتعرف على خالقها، وتتوجه إليه بالعبادة، ومن هذه المنافذ بالذات المودعة فى الفطرة ينفذ القرآن إلى النفوس، فيوقظها من غفلتها، فتنبعث متوجهة إلى الله. ولا عجب فى ذلك، فالله هو خالق الفطرة، وهو منزل القرآن ليلتقى بالفطرة التقاء كاملا شاملا مفصلا دقيقا، فيلتقيان على تعارف كامل وتوافق واتساق!

        ((فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون))([91])0

* * *

        الكون بضخامته المعجزة يروع الحس البشرى، فيروح يتأمل فى هذه الضخامة التى يعجز عن الإحاطة بها، فيرد على الخاطر سؤال فطرى لا يملك الإنسان دفعه : من خالق هذا الكون؟ فيهتدى إن كتب له الهدى، فيعلم أن الله هو الخالق، أو يضل فيتصورها إلها أخر أو ألهة أخرى غير الله ينسب لها الخلق. ولكنه حتى فى ضلاله لا يتصور أن الكون يمكن أن يوجد بغير خالق (ودع عنك ضلالات الجاهلية المعاصرة التى ألحدت نتيجة ظروف خاصة فى أوربا غير مسبوقة فى البشرية. وحتى هذه لم تستطع أن تتهرب من هذا السؤال الفطرى، فنسبت الخلق إلى ((الطبيعة!)) التى قال عنها دارون إنها تخلق كل شىء ولا حد لقدرتها على الخلق! فابتدع إلها خالقا غير الله وأضفت عليه بعض صفات الله سبحانه وتعالى كالخلق والتدبير، ولكن كانت أهم صفة فى هذا الإله المزعوم أنه ليست له كنيسة تضطهد النسا، وتطاردهم فى يقظتهم ومنامهم! وتلك كانت عقدة الجاهلية المعاصرة التى أدت بها إلى الإلحاد!)([92])0

        والكون بدقته المعجزة يروع الحس البشرى كذلك. فهذا الكون ليس ضخما فقط، ولست صخامته التى تتجاوز كل تصور هى وحدها التى تروع الحس، ولكن يروعه كذلك أنه مع ضخامته تلك دقيق إلى درجة معجزة0

        وتتبدى الدقة المعجزة فى مجالات عدة. فانتظام دورة الفلك، وانتظام الليل والنهار، من دلائل تلك الدقة التى تروع الحس0

        وتوزيع الكائنات الحية على سطح الأرض من دلائل الإعجاز0

        وتصريف الرياح، وحركة السحاب 00

        واختلاف الألوان فى الكائنات، سواء الكائنات الحية أو الجوامد 00

        بل يدق الأمر أحياناً حتى يتبدى الإعجاز فى ريشة الطائر، ولون الزهرة، ورفرفة الطير، وسقسقة العصفور، فضلا عن أطوار الجنين، واختلاف طبائع البشر، واختلاف مشاعرهم ومشاغلهم وطرائق حياتهم00

        دقة تروح الحس.. فيرد على الخاطر سؤال فطرى، لا يملك الإنسان دفعه: من وراء هذه الدقة المعجزة؟ من وراء هذا التنوع العجيب فى الكائنات؟ من يدبر دقائق الكون ودقائق الحياة؟

        ثم يهتدى الإنسان إن كتب له الهدى، فيعلم أنه الله، أو يضل فينسب الأمر إلى آلهة مزعومة، أو يغفل عن إيقاعات الكون غفلة تامة فكأنه فى حسه غير موجود00

        وظاهرة الموت والحياة مما يروع الحس البشرى00

        يتوهم الطفل الصغير فى مبدأ حياته أن الكائنات كلها حية، ويتعامل معها على هذا الأساس! حتى يكبر وعيه، فيعلم أن هناك جوامد وهناك كائنات حية، ثم يعلم أن الكائنات الحية تموت.. ويترك الموت فى حسه أثرا لا يمحى، بل يزداد تعمقا مع الأيام.. فيرد على خاطره سؤال فطرى لا يملك دفعه : من وراء هذه الظاهرة الهائلة: ظاهرة الموت والحياة.. ثم يهتدى إن كتب له الهدى، أو يضل فيقول إنه الدهر أو غيره من قوى الوجود0

        والحركة فى الكون مما يروع الحس البشرى. سواء حركة الأجرام فى السماء، أو حركة البشر على الأرض، وما يحدث لهم من تحولات فى أثناء حياتهم، من قوة وضعف، وفقر وغنى، وعز وذل، وصحة ومرض، وحياة وموت .. فيرد على الخاطر سؤال فطرى لا يملك الإنسان دفعه: من المحرك وراء الأشياء والأحداث؟.. أتحدث من تلقاء نفسها أم تحدث بتدبير؟ ومن وراء التدبير؟ وهل تحكمها سنن وضوابط، أم تجرى فوضى بلا نظام؟ وهل وراءها حكمة أم هى عبث لا حكمة فيه؟ ثم يهتدى الإنسان إن كتب له الهدى، فيعلم أنه الله، ومشيئته، وسننه، ونظامه وتدبيره، أو يضل فينسب الأمر إلى آلهة مزعومة، أو يظنها فوضى لا يشملها نظام0

        والمفارقة بين العجز البشرى والقدرة التى لا تحدها حدود، مما يروع الحس البشرى.. فالإنسان يتطلع إلى القوة والسيطرة والتملك، ويحصل من ذلك ما يقدر عليه، ولكنه فى دخيلة نفسه لا يشبع ولا يقنع، ويتمنى لو أن له سيطرة على كل شىء، يسيره على هواه، وقوة لا تعجز عن شىء، وملك لا يبلى.. ثم يجد نفسه عاجزاً مهما سيطر، ومهما ملك، ومهما استخدام من أسباب القوة. وأشد ما يعجز عنه هو الخلق، ثم يتدرج العجز درجات!

        وهذا العجز يفرض على حسه تلك المقارنة الفطرية بين ما يقدر عليه وبين القدرة القادرة التى تخلق، وتنشئ، وتسير وتدبر، ولا يعجزها شىء. ثم يهتدى فيعلم أنها قدرة الله، أو يضل فيتخيل آلهة لا وجود لها ينسب إليها ما يراه من أحداث0

        وقضية الغيب مما يعرض للحس البشرى فيوقظه من غفلته إن كان من الغافلين. فالإنسان شديد التطلع إلى معرفة الغيب. يريد أن يطمئن على ما يكون من أمره فى الغد القريب والغد البعيد. هل يعيش طويلا أم يخترمه الموت؟ هل سيكون سعيدا فى مستقبل حياته أم تعتوره الأزمات والآفات فتنغص عليه عيشه؟ هل يكون غنيا أم فقيرا؟ هل يتزوج أم لا يتزوج؟ هل يكون له ولد أم لا يكون؟ هل يحصل على مكانة عالية فى الأرض أم يكون هملا لا وزن له؟

        ويؤلمه أنه لا يستطيع أن يستكنه الغيب.. لا الغيب البعيد الموغل فى المجهول، بل الغيب القريب الذى يكون غدا أو بعد ساعات.. بل غيب اللحظة المقبلة عليه الآن، والتى لا يعرف كنهها وكنه ما يجرى فهيا حتى تقع بالفعل0

        ويجره عجزه عن استكناه الغيب إلى مقارنة فطرية مع القوة التى تعلم الغيب، لأنه مكشوف لها غير خاف عليها منه شىء. بل التى تعلم الغيب لأنها هى التى تصنع الغيب00

        ثم يهتدى، فيعلم أنه الله، عالم الغيب والشهادة، أو ينسبه لآلهة مزعومة أو يغمض عينيه ويغلق حسه ويعيش كالأنعام!

* * *

        تلك مفاتيح فطرية 00 أودعها الله فى الفطرة لتتعرف على الله 00

        وقد نظن أحياناً أن هذه الأسئلة الفطرية التى تفرض نفسها على الحس البشرى، لا تجئ إلا فى فترة النضوج والوعى، ولكن الحقيقة غير ذلك 0

        إن الطفل الصغير تبدأ هذه الأمور تخطر على حسه فى مراحل مبكرة جداً، أكثر تبكيراً مما نحسب!

        إنه فى فترة باكرة، منذ بداية الوعى، يظل يسأل والديه ومن حوله أسئلة ذات دلالة واضحة، حين يسألهم عن أمور لا إجابة لها فى الحقيقة إلا إجابة واحدة: إنه الله 0 وإنه صنع الله!

        حين يسأل: لماذا تطلع الشمس بالنهار ولا تطلع بالليل؟

        لماذا يكون ورق الشجر أخضر؟

        لماذا لا يكبر هو بسرعة فيصبح كأبيه فى الطول؟

        لماذا كان ريش هذا الطائر ملونا والآخر غير ملون؟

        كيف ينزل المطر من السماء؟

        كيف ينبت الزرع؟

        وعشرات من الأسئلة ومئات، يضيق بها الأبوان أحيانا، ويعجزان عن إعطاء إجابة تقنع ذلك الصغير الذى لا يكف عن السؤال، بينما مداركه لا تستوعب الجواب!

        إنه بدء تيقظ الفطرة لتبحث عن الله!

        وقد لا يدرك الطفل دلالة أسئلته.. لكنا نحن ينبغى أن ندرك أنها أسئلة الفطرة، التى تتوجه بها فطريا للتعرف على الله 0

        ولكن الحس البشرى عرضة أن يتبلد على المنظر المكرور، والحدث المكرور، فلا تعود إيقاعات الكون تجد استجابتها الفطرية فى النفس00

        لا الكون بضخامته المعجزة، ودقته المعجزة، ولا ظاهرة الموت الحياة، ولا ظاهرة الحركة : حركة الأشياء والأحداث، ولا ظاهرة العجز البشرى، ولا ظاهرة العجز عن استكناه الغيب00

        عندئذ يفقد الإنسان شفافيته التى خلقها الله فى كيانه، ويفقد بالتالى سمته التى جعلته إنسانا، وميزته عن الحيوان، فيصبح من الذين جاء فيهم هذا الوصف القرآنى:

        ((لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون))([93])0

        فيأتى القرآن ليوقظ القلوب، ويفتح الأعين، ويزيل الوقر من الآذان، فتتفتح جميعا للإيقاعات التى يرسلها الكون إلى الحس0 فتحيا النفوس بعد موات، وتستيقظ بعد الغفلة00 وتتوجه إلى الله0

* * *

        ((وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم(163) إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون))([94])0

        لوحة عريضة واسعة حافلة بالحيوية والحركة، والإيحاءات والدلالات00

        إنها مشاهد معروضة أمام الحس البشرى، ولكن الحس يتبلد أحيانا فيغفل عما فيها من الإيحاءات والدلالات، ويمر بها لا يكاد يعيرها اهتماما. ولكن القرآن يحي المشهد بأسلوبه الفريد، فينتفض حيا متحركا، فيلتقط الوجدان ما يرسله من الإشارات0

        إن السموات والأرض المذكورة فى الآية ليست هى ذلك المشهد المكرور المألوف الذى كان يراه الإنسان فلا يتحرك له، ولا يهتز له وجدانه، فيغفل عن الحقيقة الكبرى الكامنة فيه، وهى أن السموات والأرض مخلوقتان، وأن الله هو الخالق!

        إن الحس المتبلد يراهما موجودتين دائماً أمامه، فيغفل وينسى!

        ولكن السياق القرآنى يوقظه من أول لفظة إلى الحقيقة المنسية 00

        ((إن فى خلق السموات والأرض.. )) فهما ليستا موجودتين من ذات نفسيهما، ولا هما أزليتان. إنما هما مخلوقتان، أى أنهما لم تكونا موجودتين ثم وجدتا..

        وهى حقيقة هائلة، تترتب عليها أو يجب أن تترتب عليها حقائق أخرى0

فأما الجاهلية العربية فقد كانت تقر أن الله هو الذى خلق السموات والأرض:

((ولئن سألتهم من خلق السموات ليقولن الله))([95]). ولكنها لم تكن ترتب على هذه الحقيقة مقتضاها الطبيعى المباشر، وهى أن الإله الذى خلق هو الحقيق بالعبادة وحده بلا شريك0

وأما الجاهلية المعاصرة وهى أذكى من الجاهلية العربية من ناحية، وأغبى منها من ناحية أخرى فقد أدركت أن هذه القضية ذات شأن كبير، وأنها إحدى قضايا الوجود الرئيسة. وأدركت أنها إن أقرت بأن الله هو الذى خلق السموات والأرض فقد لزمها أن تعبده، وتخلص له العبادة، وهى لا تريد كبرا وعنادا وغطرسة وانطماس بصيرة فنفت أن الله هو الخالق، وراحت تتخبط على غير هدى. تقول مرة إن الكون قد وجد من ذات نفسه بغير موجد، وتارة أخرى تردد قولة دارون الحمقاء: الطبيعة تخلق كل شىء ولا حد لقدرتها على الخلق!

كلتاهما جاهلية! وكلتاهما فى حاجة إلى هداية الله!

ونعود إلى الآية القرآنية نستلهمها إشاراتها الدافقة، وحقائقها ذات الدلالة00

إن خلق السموات والأرض قد نشأت عنه حركة معينة فى هذا الكون، هى اختلاف الليل والنهار 00

ولئن كانت الحقيقة الأولى تنفذ إلى النفوس الواعية من أحد منافذها الكبرى، وهى الضخامة المعجزة فى هذا الكون وما يدل عليه ذلك من عظمة الخالق، الذى يخلق تلك الأجرام الهائلة المبثوثة فى السموات، فإن الحقيقة الثانية وهى اختلاف الليل والنهار لتنفذ إلى النفوس الواعية من منفذين فى آن واحد : منفذ الحركة حركة الأحداث فى هذا الكون ومنفذ الدقة المعجزة فى خلق الكون. فإن انتظام الأفلاك، الذى ينشأ منه تعاقب الليل والنهار له دلالته الخاصة، المضافة إلى القدرة على الخلق، وهى القدرة على التنظيم الدقيق لهذا الكون، بحيث لا يختل مرة، فيكون فيه نهار بلا ليل، أو ليل بلا نهار. وتلك دلالة أخرى على عظمة الخالق وأنه متفرد بهذه العظمة لا يشاركه فيها أحد فى الوجود كله0

وتمضى الآية تعدد آيات القدرة الربانية 00

((والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس..))0

إن الفلك التى تجرى فى البحر هى من صنع البشر فى ظاهر الأمر. ولكنها ما كانت لتوجد لولا الخواص التى أودعها الله فى الماء من ناحية، وفى المواد التى تصنع منها الفلك من ناحية أخرى، والتى تتجعل الفلك محمولة على الماء لا تغوص فيه. ولذلك يمن الله على البشر فى موضع آخر (فى سورة يس) فيقول : ((وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون(41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون))([96])00 فالإنسان وكل ما يعمل هو من خلق الله من ناحية، وكذلك فإن الخواص المودعة فى المادة، والتى تجعل فى إمكان البشر أن يصنعوا الفلك التى تجرى فى البحر، هى من خلق الله، ولولا خلق الله لها ما استطاع الإنسان أن يصنعها0

والآية لا تشير فقط إلى جريان الفلك فى البحر، الذى ينفذ إلى النفس من منفذ الحركة وهى من الأمور التى تلفت الحس البشرى بشدة وتوقظه من غفلته ولكنها تنفذ من منفذ آخر هو ((المصلحة))! فإنها تجرى فى البحر بما ينفع الناس. وهذا يذكرهم بفضل الله عليهم. فالأشياء التى تنفع الناس هى من خلق الله، وحملها فى الفلك حتى تصل إلى الناس هو كذلك من خلق الله. فهو فضل مزدوج يستحق من العباد أن يشكروا ربهم عليه، لا أن يجحدوه ويعبدوا سواه0

ونقلة أخرى تنقلنا إلى مشهد آخر0

((وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة))

إنها إشارات متواكبة متوالية تقرع الحس بشدة لتلفته إلى ما كان غافلا نه 00

فإنزال الماء من السماء آية، وإحياء الأرض الميتة بهذا الماء آية، وبث الدواب فى الأرض بعد إحيائها بالماء آية 00 وكلها آيات تنفذ إلى النفس من منافذ شتى فى آن واحد . من منفذ الدقة المعجزة فى الكون، ومن منفذ الحركة المتدفقة، بالإضافة إلى القدرة على الخلق، فتتواكب الآيات لتهز الوجدان، وتنفض عنه غفلته إن كان من الغافلين00

وحين يتبلد الحس فإنه يرى المشاهد كلها يمر عليها فى بلادة كأنها غير موجودة.. أما حين يعرضها النص القرآنى على هذه الصورة، فهل يملك الحس أن يفلت من تأثيرها أو يتجاهلها، إلا أن يكون حسا مغلقا فى قلب مريض؟!

فالمطر لا ينزل من تلقاء نفسه! إنما هو مخلوق من مخلوقات الله يخضع لأمره، ويسير حسب سننه، ولو شاء الله لجعله على صورة أخرى فلا يملك البشر أن ينتفعوا به :

((أفرأيتم الماء الذى تشربون(68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون() لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون))([97])0

وإحياء الأرض الميتة بالماء لا يحدث من تلقاء نفسه! فلولا خاصية أودعها الله فى الماء، وخاصية أودعها فى الأرض، ما أنبتت حين ينزل عليها الماء :

((وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج))([98])0

ولا تقتصر قدرة الله على إحياء الأرض بالماء فحسب، وهى فى ذاتها قدرة معجزة، ولكن الله القادر، الرزاق الوهاب، يبث فى تلك الأرض بعد إحيائها ألوانا شتى من الدواب، تأتى لتأكل ما أنبتت الأرض، ويتضاعف بها الرزق للإنسان، فالماء رزق، والنبات رزق والدواب التى تأكل النبات رزق. كله من خلق الله، وكله فضل يتفضل الله به على العباد .. أفيحق للإنسان بعد ذلك أن يعبد من دون الله ما لا يخلق ولا يرزق ولا يضر ولا ينفع؟

وتستمر الآية تعرض معجزات القدرة معجزات الخلق 00

((وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض))

إن الرياح آية من آيات الله.. إنها لا تتحرك من ذات نفسها! إنما الله هو الذى ((يصرفها)).. هو الذى يحدد لها وجهتها ومسارها00

وقد عرفت الجاهلية المعاصرة ((القوانين)) التى تحكم حركة الرياح، ولكنها غفلت عن خالق الرياح، وخالق تلك ((القوانين)) التى تسيرها.. ومع ذلك فالرياح لا تسير دائما حسب ما يتخيلون من حركتها بحسب تلك القوانين، فهى تفاجئهم بين الحين والحين مفاجآت لا تعليل لها عندهم.. ولا تعليل لها فى الحقيقة إلا مشيئة الله!

والسحاب كذلك من آيات الله .. سواء تعليقه بين السماء والأرض، أو ((تسخيره)) ليقوم بالمهام التى خلقها الله من أجله0

وفى آية واحدة من سورة واحدة يتم هذا الحشد الهائل من الإيقاعات التى يتلقها القلب البشرى فلا يملك ألا يتأثر بها، ولا يملك فى حالته السوية ألا يستجيب0

وكلها مشاهد يراها الإنسان على الدوام معروضة أمامه، ولكنه فى أحواله العادية قد لا يفكر فيها ولا يتدبرها، أو قد ينسبها فى غفلته كما تصنع الجاهلية المعاصرة إلى ((الطبيعة))! فلا تؤدى فى حسه ما ينبغى أن تؤديه من إيقاظ الفطرة إلى حقائق الوجود، وبالذات إلى الحقيقة الكبرى فى هذا الوجود: حقيقة الألوهية، وحقيقة القدرة المعجزة التى أوجدت هذا الكون كله، وأجرت فيه ما أجرت من أحداث وأمور0

ولكن السياق القرآنى يزيل هذه الغفلة بأكثر من وسيلة0

فهو بادئ ذى بدء يرد الأمور كلها، ويرد الخلق كله، إلى مصدره الحقيقى، إلى الله الذى خلق كل شىء، ويدبر كل شىء.. إلى الله الذى لا إله غيره: ((وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم))([99])0

ثم هو يبث الحركة فى المشاهد التى يعرضها، فلا تصل إلى الحس ساكنة خامدة، كالمعلومات الذهنية التى تسكن فى الذهن ولا تحرك الوجدان. إنما تصل فى تتابع حى متحرك، يجعل الخيال يتابع حركتها واحدة إثر الأخرى، حتى ينتهى عرض الشريط بالكامل، والخيال هو الرسول إلى الوجدان، يحركه من مكمنه، فينفعل بالحدث        أو المشهد، فيصبح الحدث أو المشهد جزءا من محتوى النفس، يؤثر فيها من داخلها، وليس شيئا خارجا عنها تملك ألا تلتفت إليه أو تنصرف عنه!

ثم يأتى الإعجاز البيانى فيشارك فى التأثير، حين يرسم بالألفاظ لوحة كاملة، حية متحركة، بتملاها الخيال وينفعل بها الوجدان، كأنما هى صور متحركة لا مجرد ألفاظ0

وتتواكب التأثيرات كلها لتؤدى الهدف المطلوب، وهو إيقاظ القلب الغافل ليتوجه إلى الله00

* * *

ولكن التأثير عرضة لأن يخفت بعد حين، وتبرد حرارته فى الحس، نتيجة اشنغال الإنسان فى حياته الدنيا بأمور كثيرة تتعلق بحياته على الأرض، سواء كانت بحثا عن الرزق فى مناكب الأرض، أو ((استمتاعا))ن بشىء من متاع الحياة الدنيا: ((زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا00))([100])

ويحتاج الإنسان دائماً إلى التذكير ، وإعادة التذكير 00

ولو ذكرناه بذات النص الذى أثار انفعاله من قبل، فلن يكون له فى حسه فى المرة الثانية أو الثالثة أو الرابعة ما كان له فى أول مرة، فمن طبيعة الإنسان إزاء الشىء المكرور أن يقل إحساسه به فى كل مرة عن سابقتها، حتى يمر به يوما فلا يحس به، كأنه غير موجود!

والخالق العليم الخبير يعلم منه ذلك! ((ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير))([101])0

لذلك يذكره فى كل مرة بنص مختلف عن سابقه!

وتختلف النصوص بعضها عن بعض أنواعا مختلفة من الاختلاف. مرة فى ترتيب المعروضات فى النص فيحدث فيها تقديم وتأخير. ومرة بالتفصيل فى بعض الجزئيات والإجمال فى بعضها الآخر، ومرة فى ((الجو النفسى)) الذى تعرض فيه ما بين جو الرضا وجو الغضب، وجو الترغيب وجو الترهيب، مما أشرنا إلى بعضه فى الفصل السابق، ووعدنا بمزيد من الحديث عنه فى هذا الفصل والذى يليه0

وخذا مثلا النص الذى ذكرناه آنفا، وراجع ((المعلومات)) الواردة فيه: إنها خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التى تجرى فى البحر، والماء النازل من السماء ليحي الأرض، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض0

وانظر فى كل واحدة من هذه ((المعلومات)) كيف ترد فى نصوص أخرى00

خذ خلق السموات والأرض (ومعها فى أحيان كثيرة اختلاف الليل والنهار):

((إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب(190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار))([102])0

((ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد([103]) وما ذلك على الله بعزيز))([104])0

((وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون))([105])0

((أو لم يتفكروا فى أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون))([106])0

((الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون(4) يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون(5)ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم))([107])0

((ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض أئتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين(11) فقضاهن سبع سموات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم))([108])0

* * *

        كل نص  من هؤلاء والنصوص غيرها كثير يذكر السموات والأرض فى معرض مختلف عن الآخر 0

        ففى النص الأول ( من سورة آل عمران) يصف أولى الألباب بأنهم يتفكرون فى خلق السموات والأرض، فينتهى بهم التفكر إلى أن الحياة الدنيا ليست هى نهاية المطاف، وأن هناك بعثا ونشورا، وجنة وناراً، فيتوجهون إلى الله أن يقيهم عذاب النار0

        وفى النص الثانى (من سورة هود) يذكر الهدف من خلق السموات والأرض(( ليبلوكم أيكم أحسن عملا))0

        وفى النص الثالث ( من سورة إبراهيم) يذكر خلق السموات والأرض فى جو التهديد للكافرين بأن الذى فى قدرته أن يخلق تلك السموات والأرض قادر على أن يذهبهم ويأتى بخلق جديد0

        وفى النص الرابع (من سورة الجاثية) يذكر خلق السموات والأرض بالحق، ويترتب عليه جزاء كل نفس بما كسبت دون ظلم يقع على أحد 0

        وفى النص الخامس (من سورة الروم) يذكر إلى جانب خلق السموات والأرض بالحلق أنها موجودة إلى أجل مسمى ، هو يوم القيامة، ويذكر إلى جانب ذلك أن كثيرا من الناس يكفرون بلقاء الله فى ذلك الأجل المسمى0

        وفى النص السادس ( من سورة السجدة) يذكر إلى جانب خلق السموات والأرض، الدال على تفرد  الله بالخلق، وقدرته التى لا تحد، نفى الشفاعة عن الآلهة المزعومة التى لا حول لها ولا طول. ثم يذكر أمر آخر: أن الأمر يتنزل من السماء إلى الأرض ثم يعرج إلى الله مرة أخرى فيما يوازى ألف سنة مما يعد البشر، مما يدل على سعة الكون، وقدرة الله المعجزة التى تخلق كونا واسعا بهذا القدر.

        وفى النص السابع ( من سورة فصلت) معلومات جديدة عن خلق السموات والأرض، أنهما مسخرتان بأمر الله لا تحيدان عن أمره، وأن السماء كانت فى منشإ أمرها دخانا. وأن الله خلق من هذا الدخان سبع سموات، ثم أوحى فى كل سماء ما هى مخلوقة من أجله، وأمرها الذى قدر لها أن تسير عليه. وأنه زين السماء الدنيا بمصابيح هى الشمس والقمر والنجوم وأن بعض ما تشتمل عليه وهو الشهب- من مهامه حفظ السماء من محاولات الشياطين استراق السمع والاطلاع على الغيب00

        وهكذا يتجدد العرض فى كل مرة، ويكون لخلق السموات والأرض فى كل مرة شأن غبر شأنها السابق فى النص الآخر، فيتجدد المشهد، ويتجدد التأثير ، وينتفى التكرار الذى يؤدى إلى تبلد الحس على المشهد المكرور!

        وخذ الجزئية الخاصة باختلاف الليل والنهار00 إنها ليست صورة واحدة ولكنها صور شتى:

        ((تولج الليل فى النهار وتولج النهار فى الليل 00))([109])0

        ((يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا00))([110])0

        (( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون))([111])0

        (( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون(71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون(72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون))([112])0

        ((وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شىء فصلناه تفصيلا ))([113])0

        فأنت مع الليل والنهار فى جميع هذه الآيات  - وكثير أمثالها ولكنك فى كل مرة فى معرض غير الآخر وفى مشهد غير الآخر ففى الاية الأولى أنت مع عملية متدرجة يدخل فيها الليل فى النهار فى رويدا رويدا، ويدخل النهار فى الليل كذلك بالتدريج. ولكنك فى الآية الثانية مع مشهد مختلف فالليل يغشى النهار ولكن فى حركة تشبه السباق أو الملاحقة؛ فالليل يلاحق النهار ليدركه أو يسبقه، ولكنه يظل فى طلبه فى حركة دائبة لا تنتهى، وهذا يمثل دوران الليل والنهار على سطح الكرة الأرضية. بينما كان المشهد فى الآية الأولى يمثل بقعة واحدة منها، فى اللحظات التى يتداخل فيها الليل والنهار ثم تنتهى بدخول أحدهما فى الآخر واختفاء الأول من المشهد. وفى الآية الثالثة مشهد مختلف تماما عن المشاهد الأخرى كلها التى يرد فيها ذكر الليل والنهار ثم تنتهى بدخول أحدهما فى الآخر واختفاء الأول من المشهد. وفى الآية الثالثة مشهد مختلف تماما عن المشاهد الأخرى كلها التى يرد فيها ذكر الليل والنهار، يناسب جو الغضب الذى ينصب فى السورة على الكافرين المعاندين، وهو مشهد ((سلخ)) النهار من الليل، فإذا النور يختفى فجأة والليل يسوده الظلام([114]). أما الآية الرابعة فهى تخيل مشهدا غير موجود فى الحقيقة وهو النهار السرمدى الذى لا يتلو ليل، والليل السرمدى الذى لا يتلوه نهار، والذى يعرض لبيان فضل الله ورحمته بالناس، الذى جعل الليل والنهار خلفة، يخلف أحدهما الآخر، فيتيح للناس فترة للعمل والنشاط، وفترة للسكون والراحة. ولولا ذلك لتحولت الحياة إلى عذاب دائم، سواء فى الليل السرمدى الذى لا ضياء فيه، أو النهار السرمدى الذى لا سكن فيه. وأما الآية الخامسة فتعرض مشهدا مختلفا فالليل والنهار آيتان، ولكن آية الليل محيت! وهذا تصوير لكون الليل مظلما من ذات نفسه، إنما هو صار هكذا لأن الله الخالق ((محاه))، بينما جعل الله النهار مبصرا.. جعله .. فهو ليس منيرا من ذات نفسه، ولكن بجعل الله له على هذه الصورة. وفى ذلك تذكير بأن الأشياء كلها تأخذ وضعها الذى هى عليه بتقدير الله وتدبيره، وليس من ذات نفسها كما يبدو للإنسان حين يغفل عن الحقيقة الكبرى، وهى أن الله خالق كل شىء، ومعطى كل شىء هيئته التى هى عليه، لا بحتمية مادية، ولا بحتمية تاريخية كما يزعم التفسير المادى، وأن الهيئة التى عليها كل شىء ليست هى الصورة الوحيدة التى كان يمكن نظريا أن تكون عليها نإنما هى الهيئة التى اختارها الله لها بحكمته ومشيئته وعلمه : (( .. ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى))([115])0

        أما الفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس، فهى كذلك ترد فى مناسبات شتى، ولأهداف مختلفة :

((وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره))([116])0

((ومن آياته الجوار فى البحر كالأعلام(32) أن يشاء يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره أن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور(33) أو يوبقهن بما كسبوا))([117])0

((حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين(22) فلما أنجاهم إذا هم يبغون فى الأرض بغير الحق))([118])0

((وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون))([119])0  

((والذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون(12) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين(13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون)([120])0

فأنت فى تلك النصوص كلها- وغيرها كثير- مع الفلك0 ولكنك معها فى كل مرة فى مشهد مختلف، له فى كل مرة تأثير فى النفس مختلف0 فأنت فى الآية الأولى مع حقيقة من حقائق الألوهية وحقائق الوجود، وهى تسخير الله للفلك لتجرى فى البحر بأمره0 وهى من الحقائق الكثيرة التى يغفل الحس عنها حين يغفل عن الدلالات الكامنة فى كل شئ فى الوجود0 فلو لا ((التسخير)) من عند الله ما جرت الفلك فى البحر مهما حاول البشر0 فهم لا ينشئون شيئا من عند أنفسهم، لا المادة التى تصنع منها الفلك، ولا((القوانين))(أو فلنقل السنن الربانية) التى جعلها تجرى فى البحر0 ثم إنها فى كل مرة تجرى((بأمر الله)) ولو لم يصدر الله لها الأمر ما جرت: ((إنا كل شئ خلقناه بقدر))([121])0

   وأنت فى الآية الثانية مع سنة أخرى من سنن الله فى الكون، وهى إجراء الريح التى تدفع الفلك فى البحر فتجرى، وكان يمكن أن يجعل الله الريح ساكنة فلا تجرى الفلك0 والإشارة بالطبع هى إلى الفلك الشراعية التى كانت تعتمد على الريح0 ولقد يظن الإنسان فى الجاهلية المعاصرة أنه قد تغلب على أمر الله، واستغنى عن الريح فلم يعد يعتمد عليها فى تسيير السفن العملاقة التى تمخر العباب! ومثل هذا الإنسان- فى جاهليته- يغغل عن أن تلك السفن تمخر العباب بسنة من سنن الله، علمها الله للإنسان، ولو لا أن الله علمها للإنسان، وسخر له الطاقة التى يعمل بها ما تم له شئ مما قام بعمله0 ومع ذلك، فآلآية الثانية تدركه وهو فى أوج انتفاخه وغروره وقوله كما قال قارون من قبل: ((إنما أوتيته على علم عندى))([122])0 فتقول له أن الله قادر- إذا شاء- أن يهلك تلك السفن عقابا لأهلها00 وكم من سفينة جبارة ظن أهلها أنهم قادرون عليها، فأوبقها الله بقدرته0 ليفيئ الإنسان من غروره، ويعلم أنه يعمل كل شئ بتسخير من الله، لا بعلمه الذاتى، ولا بقدرة ذاتية غير مستمدة من عند الله0

وأنت فى الآية الثالثة مع حالة من الحالات التى تعرض للإنسان فى مجرى حياته حين يكون بعيدا عن الهدى الربانى0 فهو فى ساعة الشدة وساعة الخطر يلجأ إلى الله، وينكشف الغطاء، ويوقن الإنسان ألا ملجأ من إلا إليه، فيتوجه إليه بالضراعة، واعداً أنه إذا أنجاه الله من الكرب فسيكون من الشاكرين! فإذا قدر الله له النجاة فسرعان ما ينسى الخطر والشدة ويقول فى غفلته: ((ذهب السيئات عنى))!([123])0 فينسى وعده أو يتناساه، ويلج فيما كان غارقاً فيه من الغواية: ((إنه لفرح فخور))([124])00

وأنت فى الآية الرابعة فى معرض أنعم الله على الإنسان، التى ينساها الإنسان فى غفلته، ويذكره القرآن بها ليشكر الله على نعمه0 ويأتى من بين هذه النعم جريان الفلك فى البحر، وابتغاء الناس من فضله عن هذا الطريق0 إشارة إلى ما تقوم به السفن من حمل الأرزاق من مكان إلى مكان0

وفى الآية الخامسة توجيه فى الاتجاه نفسه- وهو وجوب شكر الله على نعمه وأفضاله- ولكنه يأخذ صورة مختلفة، فهو يصور استواء الناس على ما سخر الله لهم من أدوات الركوب، سواء كانت من الأنعام التى سخرها الله للسفر فى البر، أو من السفن التى سخرها للسفر فى البحر، مع تلقينهم صورة معينة لشكر الله على هذه النعمة بالذات، وهى أن يقولوا حين يستوون على ظهر الدابة أو على ظهر الفلك: ((سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين(13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون))0 وبذلك يشكرون الله على النعمة، ويذكرون أنفسهم أنهم حيثما ذهبوا فهم فى ملك الله، وفى سلطان الله، وأنهم فى النهاية راجعون إلى الله0

وهى كما ترى أجواء مختلفة، وحالات مختلفة، يتم من خلالها توجيه القلب البشرى إلى الله0

    وأما الماء النازل من السماء، فله كذلك مجالاته المختلفة، وتوجيهاته المختلفة0

((وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن فى ذلكم لآيات لقوم يؤمنون))([125])0

((وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين))([126])0

((ألم ر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن فى ذلك لذكرى لأولى الألباب))([127])

(( هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون(10) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون))([128])0

((الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه فى السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون(48) وإن كانوا من قبل ينزل عليه من قبله لمبلسين(49) فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيى الموتى وهو على كل شئ قدير)([129])0

ففى الآية الأولى، يذكر ظاهرة الإنبات التى تنشأ عن نزول الماء من السماء، ولكن السياق يحوى فى داخله إشارات مختلفة، كلها يخدم الهدف الأخير من إيراد هذه الآيات كلها: ((إن فى ذلكم لآيات لقوم يؤمنون))، أى أنها دعوة للإيمان الصحيح، الإيمان بالله وحده بلا شريك. وقد أشرنا إلى هذه الآية بالذات فى الفصل السابق، فى معرض الحديث عن التنويع، وذكرنا كيف يدل السياق على التنويع باللفظ المباشر، ثم بتنويع الأسلوب ذاته، ليعطى جو التنويع بالإيحاء، بالإضافة إلى الذكر الصريح.. ويلفت النظر هنا أن السياق لم يدخل إلى الوجدان من باب ((المصلحة)) أى من باب ((الفوائد)) التى يجنيها الإنسان من نزول المطر، ولكن من باب ((الجمال)) .. ((انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه))([130])! فقد خلق الله الكون جميلا ، وخلق فى الإنسان حاسة تتذوق الجمال وتعجب به. ومن خلال هذه الحاسة يوقظ الوجدان، ليتعرف على قدرة الله وعظمته، ليتوجه له بالعباة. فللجمال فى الكون، وللإحساس به عند البشر هدف مقصود: أن يتعرف الناس على ربهم تعرفا شاملا يشمل كل الجوانب، ولا يغادر جانبا لا يلم به. فانظر إلى الإنسان المؤمن كيف يكون الجمال فى الكون دعوة له لعبادة الله، والإنسان الجاهلى يتخذ الجمال فتنة فيعبده من دون الله! أو ينحرف به عن العبادة الحقه لله!

وفى الآية الثانية يشير إلى ثلاثة أمور كونية فى آن واحد: الأمر الأول هو الرياح ((اللواقح)) التى تكثف السحاب وتدفعه فينزل منه الماء. والأمر الثانى هو سقيا البشر من هذا الماء، وهو أمر تتوقف حياتهم عليه. والأمر الثالث هو عجز البشر عن اختزان هذا الماء، ولقيد يبدون لإنسان الجاهلية المعاصرة أن هذا الأمر الأخير لم يعد واردا بعد تمكن الإنسان من إنشاء الخزانات الضخمة التى تختزن الماء! وأن الإنسان قد توصل بعلمه وقدرته إلى أن يشارك الله فى قدرته! وحقيقة، إن الله قد علم الإنسان ومكنه من تخزين بعض ما يجريه الله من المطر فى صورة أنهار. ولكن الجزء الأكبر من الأمطار التى تنزل على الأرض إما ذاهب إلى البحار والمحيطات، وإما متبخر بفعل حرارة الشمس، وإما متسرب إلى باطن الأرض، وكله ينطبق عليه النص: ((وما أنتم له بخازنين))([131])!

وفى الآية الثالثة أشار إلى الماء الذى يتسرب إلى باطن الأرض ثم يخرج على هيئة ينابيع، تسقى الأرض فيخرج منها زرع مختلف ألوانه.. وذلك فى معرض تذكير الناس، بمآل المتاع الأرضى، ((ثم يصير حطاماً)) لكى لا تفتنهم الحياة الدنيا ومتاعها الزائل، عن الآخرة وما فيها من حساب وجزاء، ونعيم خالد أو شقاء0

وفى النص الرابع يشير إلى السقيا وإنبات الزرع، وإلى معجزة الخلق، التى تخلق الأنواع كلها التى تسقى بماء واحد، فتخرج مختلفة الأشكال والألوان والطعم والمذاق0

وفى النص الخامس يذكر برحمة الله التى تنزل الغيث على الناس بعد ما يكونون قد قنطوا من انقطاع المطر وأصابتهم الشدة من الجفاف، وذلك فى معرض تذكيرهم بأن الذى يحي الأرض بعد موتها قادر على أن يحي الموتى، وهو ما كان المشركون يستبعدونه تماما ويرونه مستحيلا.. فيقربه إليهم بقياسه إلى ما يرونه أمامهم من آيات القدرة الربانية، وأنه لا فرق من حيث القدرة بين إحياء الأرض الميتة وإحياء الموتى، فالذى يقدر على هذه يقدر على تلك0

وفى الآيات كهلا أنت مع الماء النازل من السماء، ولكنك فى كل مرة مع مشهد مختلف، وتوجيه مختلف!

يأتى فى آية البقرة (164) بعد ذلك تصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض. ونكتفى بشأن الرياح بالنماذج السابقة التى ورد فيها ذكر الرياح اللواقح، والريح الطيبة، والريح العاصفة، والريح الساكنة، وإن كانت النماذج فى كتاب الله كثيرة. وننتقل الآن إلى السحاب المسخر بين السماء والأرض:

((ألم تر أن الله يزجى سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار))([132])0

        ((هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال(12) ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون فى الله وهو شديد المحال))([133])0

        ((أو كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور))([134])0

        ((الله الذى يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه فى السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً فترى الودق يخرج من خلاله))([135])0

        ((والله الذى أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها))([136])0

        فى الآية الأولى يصف الله سبحانه وتعالى كيفية تكون السحاب التراكمى بمراحله المختلفة، وذلك فى وقت لم يكن أحد قد صعد إلى الأجواء العليا ولا علم شيئا عن تراكم السحاب. وذلك أمر سنشير إليه مرة أخرى فى حديثنا عن الإعجاز العلمى0

        وفى النص الثانى يجئ ذكر السحاب مع ما يصحبه من رعد وبرق وصواعق، فى معرض القدرة الإلهية من ناحية، وجدال الكفار حول الألوهية من جهة أخرى، لبيان تهافت هذا الجدل وقيامه على غير أساس0

        وفى الآية الثالثة يجئ ذكر السحاب جزءا من لوحة الظلام المطبق التى تحدثنا عنها فى الفصل الماضى، فى المواجهة الرائعة بين أنور نور وأظلم ظلام0

        وفى الآيتين الرابعة والخامسة إشارة إلى إرسال الله للرياح فتثير السحاب الذى يصرفه الله كيف يشاء. ولكنا نلاحظ التنويع بين قوله تعالى فى الآية الأولى : ((الله الذى يرسل الرياح فتثير سحاباً..)) وقوله تعالى فى الآية الأخرى: ((والله الذى أرسل الرياح فتثير سحاباً..)) . والاختلاف مقصود للتنويع كما أشرنا فى الفصل السابق. ولكن الآية الأخيرة فيها إضافة أحدثها تغير زمن الفعل (مضارع فى الأولى وماض فى الثانية). فقوله تعالى: ((.. أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت)) تفيد أن من شأن إرسال الرياح أن تثير سحابا. كأنما أوكل الله إلى الرياح أن تقوم بهذا الأمر، تكليفا منه سبحانه وتعالى. فحين يرسل الله الرياح تقوم هى بما كلفها الله به، فتثير السحاب! وهذا وذاك من أمر الله وتدبيره، ولكن التنويع يضيف إلى المشاهد غنى، ويجدد تأثيرها فى النفس وإن تشابهت الألفاظ00

* * *

        ولقد كنا حتى هذه اللحظة فى مناسبة نص واحد من النصوص القرآنية التى تعرض آيات الله فى الكون، وهو قوله تعالى: ((إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون))([137]). وتطرق بنا الحديث عن هذا النص الواحد إلى النماذج المتعددة التى تتحدث عن المفردات الواردة فى هذا النص الحاشد. ولكن هذا النص ليس هو الوحيد فى كتاب الله فى شموله لآيات عدة من آيات القدرة الربانية .. ولو ذهبنا نتتبع كل النماذج لتشعب بنا الحديث أكثر. إنما أردنا فقط بإيراد هذا النص أن نفتح الباب للتأمل فى تنوع المشاهد وتعددها حتى وإن بدت لأول وهلة مكررة، وتعدد الأجواء التى تعرض فيها المشاهد، وكيف أنها تعطى فى كل مرة تأثيرا مختلفا فى النفس، وإيقاعا مختلفا على أوتار القلب، فيظل القلب فى تلق دائم لتلك الإيقاعات التى تجيئه من كل صوب، وتدخل إليه من كل مدخل، فلا يملك أن يتجاهلها أو ينصرف عن دلالتها00

* * *

        ولكن مداخل النفس كثيرة كما أسلفنا. وكل الأمثلة التى أشرنا إليها حتى الآن هى فى مجال آيات الله فى الكون، سواء من جهة الضخامة المعجزة فى هذا الكون، أو الدقة المعجزة فيه. ولكن القدرة الربانية لها مجالات متعددة، وليست مجالا واحداً. وكلها مؤثر. وكلها موقظ للفطرة، لا يدع لها مجالا لأن تغفل عن الحقيقة العظمى فى هذا الوجود، وهى حقيقة الألوهية0

        وقد أشرنا من قبل إلى ظاهرة الموت والحياة، وقلنا إنها من أشد ما يوقظ الفطرة إلى حقيقة الألوهية، بعد الإعجاز البادى فى الكون المادى سواء بضخامته أو دقته التى تروع الحس البشرى0

        ونجد فى المقابل فى كتاب الله عناية واضحة بإبراز هذه الظاهرة، والدخول بها إلى أعماق القلب الإنسانى لتهزه من أعماقه، وتوقظه من سباته.

        فالله سبحانه وتعالى بادئ ذى بدء- يصف نفسه بأنه ((الحى)) ((الحى القيوم)) ((الحى الذى لا يموت))..

        ثم يصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه هو الحى المميت. وتتعدد مشاهد الإحياء والإماتة فتشمل البشر، والكائنات الحية الأخرى من الدواب والنبات، كما تشمل الأرض التى تكون ميتة فيحييها الله بالماء النازل من السماء، ويبث فيها ألوانا مختلفة من الحياة، من دواب وزروع وأشجار0

        ثم تركز النصوص القرآنية كثيرا على خاصية الإحياء التى هى خاصية إلهية- لتثبت قدرة الله على إحياء البشر يوم القيامة بعد أن يكونوا قد أصبحوا عظاما ورفاتا. وتأخذ هذه القضية حيزا واسعاً فى النصوص القرآنية فى مقابل الإنكار الشديد الذى كان العرب المشركون يواجهون به قضية البعث والنشور والحساب والجزاء حتى قالوا كما حكى القرآن عنهم : (( هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد(7) أفترى على الله كذبا أم به جنة))([138])0

        ويجئ التركيز على ظاهرة الإحياء والإماتة تارة بتعبير مباشر، وتارة فى مشهد من مشاهد الحياة الدنيا، وتارة فى مشهد من مشاهد القيامة، وفى جميع الأحوال نلحظ التنويع الواضح فى النصوص، كما نلحظ الإحاطة بالقلب البشرى من جميع منافذه فى هذه القضية كما فى غيرها من القضايا، بحيث لا يملك أن يفلت من التأثر إلا أن يكون الران قد علاه كالصدأ، فلم يعد يستجيب0

        ونأخذ الآن فى ذكر بعض الأمثلة لما قلناه، وهى غيض من فيض 00

        ((هو الحى لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين))([139])0

        ((الله لا إله إلا هو الحى القيوم))([140])0

        ((وتوكل على الحى الذى لا يموت))([141])0

        هذا فى باب تعريف الناس بربهم .. أنه هو الحى بذاته سبحانه وتعالى. الحى الذى لا يستمد الحياة من غيرها، لأنه هو الحى القيوم. الحى الذى لا يدركه الفناء ولا الموت:

        ((كل شىء هالك إلا وجهه))([142])0

        ((كل من عليها فان() ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام))([143])0

        ولا يحتاج الحس البشرى إلى جهد ليدرك معنى هذه الخاصية من خواص الله سبحانه وتعالى. فهو يدرك بالممارسة الواقعية أن الكائنات كلها تموت، فإذا كان هناك من هو حى دائم الحياة، لا يموت أبدا، فهو الإله الذى ليس كمثله شىء، وهو الذى تتعين عبادته وحده بلا شريك، لأنه هو المتفرد بالحياة والدوام، كتفرده بالقدرة وبالتدبير 0

        ثم يفيض القرآن فى الحديث عن الخاصية الأخرى التى يتفرد بها الله كذلك، وهى خاصية الإحياء والإماتة:

        ((يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى))([144])0

        ((وآية لهم الأرض الميتة أحييناها00))([145])0

        ((إنا نحن نحيى ونميت وإلينا المصر))([146])0

        ((هو الذى يحيى ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون))([147])0

        ((له ملك السموات والأرض يحيى ويميت))([148])0

        وهذا إخبار مباشر بأن الله يحيى ويميت، وأنه وحده هو الذى يحي ويميت.

ولكن الأخبار يأتى أحيانا فى مشاهد معروضة لا فى تعبير مباشر :

((أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشرزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شىء قدير(259) وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم))([149])

((وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون(72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون))([150])0

((ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين(12) ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين(13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين(14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون(15) ثم إنكم يوم القيام تبعثون))([151])

وفى هذا المثال الأخير يفصل الله أطوار الجنين، مما سنعود إليه فى الحديث عن الإعجاز العلمى. ولكنا نشير هنا إلى أن هذه الأطوار يعبر عنها فى آيات أخرى بأنها موت ثم حياة، فى مثل قوله تعالى : ((كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون))([152])0

كما يجئ ذكر الإحياء والإماتة فى معرض التعبير عن قصر الحياة الدنيا وسرعة انقضائها فى مثل هذا المشهد المؤثر : ((إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون))([153])0

وفى جميع الحالات، سواء كان التعبير مباشراً أو من خلال مشهد من المشاهد، فإن قضية الموت والحياة تأخذ حيزا كبيرا فى كتاب الله، لأن الله يعلم أنها قضية ذات شأن عميق فى الحس البشرى، وأنها من موقظات الفطرة، التى توقظها لتتعرف على الله وتتوجه إليه0

ولكن القضية تستخدم فى كتاب الله الهدف آخر، بالإضافة إلى التأثير الوجدانى الذى تحدثه فى النفس، وتربط به القلب البشرى بالله. إنها تستخدم على نطاق واسع للتدليل على قدرة الله على بعث الموتى، ليحاسبوا على ما اكتسبوا فى حياتهم الدنيا من خير أو شر.. وكانت هذه القضية كما أسلفنا من أشد ما وقت بين المشركين وبين الإيمان بما أنزل إليهم من عند الله، وحسبانه من الأساطير، أو من السحر ، أو من الكذب الصراح!

((أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون(35) هيهات هيهات لما توعدون(36) إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين(37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين))([154])

((وقالوا إن هذا إلا سحر مبين(15) أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون))([155])0

((ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا))([156])0

((وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون(67) لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين))([157])0

((وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا))([158])0

((وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحي العظام وهى رميم))([159])

((وقالوا أئذا ضللنا فى الأرض أئنا لفى خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون))([160])0

وكان رد القرآن عليهم غاية فى البساطة، وغاية فى الوضوح، وغاية فى استقامة المنطق، لولا أن الأمر فى حسهم كان أعجب من أن يصدقوه، واحتاج إلى التذكير المستمر، والمناقشة المستمرة، حتى استقر فى العقول والقلوب، وصار فى النهاية يقينا لا يقل فى قوته ووثاقته عن اليقين بوجود الله0

كان الرد القرآنى الواضح البسيط: أن الذى خلق أول مرة لا يعجز عن إعادة الخلق، بل هو أهون عليه!

((وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم))([161])0

((أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم))([162])0

((وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحيى العظام وهى رميم(78) قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم))([163])0

((قل كونوا حجارة أو حديدا(50) أو خلقا مما يكبر فى صدوركم فسيقولون من يعيدها قل الذى فطركم أول مرة))([164])0

((أفعيينا بالخلق الأول بل هم فى لبس من خلق جديد))([165])0

هكذا كانت القضية فى غاية الوضوح. ولكنها مع وضوحها احتاجت إلى مجاهدة طويلة حتى استقرت. ذلك لأن حقيقة الخلق الأول وهى الركيزة الرئيسة فى النقاش حول قضية البعث لم تكن تحتل فى نفوس المشركين مساحتها الحقيقية التى ينبغى أن تأخذها. إنها أمر واقع، نعم! وهم لا ينكرونها: ((ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله))([166]). ((ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله))([167]). ولكنها حقيقة ميتة باردة فى حسهم، لا نبض فيها ولا إشعاع، لأن نفوسهم قد أكلها الصدأ، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، فلم تعد الأصداء الحقيقية لحقائق الوجود تصل إليهم، سواء من ناحية تفرد الله بالألوهية وما يقتضيه ذلك من إفراد الله بالعبادة، فلا يعبد غيره، أو من ناحية الإيمان بالبعث حين يخبرهم به الوحى المنزل، ويدلل لهم عليه بأن الذى خلق أول مرة قادر على إعادة الخلق.. ولو كانت قضية الخلق من العدم التى ذكرهم بها مرات ومرات تأخذ فى حسهم مساحتها الحقيقية، ما حتاجوا إلى كل ما احتاجوا إليه من نقاش حول قضية البعث، مهما كانت غرابتها عليهم فى الوهلة الأولى. فإن خلق أبسط الكائنات، فضلا عن الإنسان، فضلا عن السموات والأرض هو أمر معجز لا يقدر عليه إلا الله  سبحانه وتعالى. فإذا أقروا أن الله هو الخالق- كما كانوا يقرون بالفعل فما وجه الإنكار بالنسبة للنشأة الثانية؟!

إنها الجاهلية! ولا شىء غير الجاهلية!

واعجب إن شئت للجاهلية المعاصرة التى تدل على التاريخ كله بما أحرزته من ((العلم)) تنكر وجود الله أصلا، وتنكر البعث كذلك، وتنكر كل ما لا تدركه الحواس.. لا لأسباب ((علمية)) ولكن لسبب وجدانى بحت، هو الهروب من إله الكنيسة الذى كانت الكنيسة تستعبد الناس باسمه، وتضيق عليهم، وتضطهدهم، وتطاردهم فى يقظتهم ومنامهم، وتفرض عليهم كل أنواع الطغيان: الروحى والمالى والسياسى والعقلى والعلمى.. فهربوا إلى إله لا كنيسة له ولا رجال دين، ولا دخل له بأعمال الناس فى الأرض، يهيمون على وجوههم كالأنعام دون أن يحاسبهم على أعمالهم، وسموه ((الطبيعة)) ونسبوا إليه الخلق والتدبير، وإن كانوا نفوا عنه ((الحكمة)) فقال عنه دارون: ((الطبيعة تخبط خبط عشواء! ((Nature works haphazardly)) 0

والجاهلية العربية لم تكن تنكر وجود الله، ولا أنه هو الخالق، ولا أنه هو مدبر الأمر، ولكنها فى جهالتها كانت تشرك به آلهة أخرى. أما البعث فموقفها منه لا يختلف كثيرا عن موقف الجاهلية المعاصرة. فهو فى جانب منه ناشئ من عدم الرغبة فى أن يكون هناك رقيب يحاسبهم على أعمالهم، وينذرهم بالعقاب الأليم على ما يقترفون من تصرفات خاطئة فى الحياة الدنيا، سواء كانت مظالم يمارسونها، أو شهوات يغرقون فى حمأتها ولا يحبون أن يقلعوا عنها. ومن ثم ((يهربون)) من الموقف بنفى البعث أصلا، ونفى قدرة الله عليه، حتى يستريحوا من ذلك الخاطر المزعج، خاطر الحساب على ما يقترفون من أعمال، وينطلقوا مع شهواتهم بلا ضابط!

ومن قبل، قال قوم شعيب حين طالبهم نبيهم بالاستقامة فى البيع والشراء، وعدمن إيقاع الظلم على الناس: ((أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل فى أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد))([168])0

فاستهجنوا منه أن يطالبهم بشىء يضبط تصرفاتهم، ويجعل لها معياراً غير أهوائهم وشهواتهم، ورفضوا الدين كله الذى جاء به شعيب عليه السلام من أجل ذلك0

كذلك استهجن مشركوا العرب دعوى البعث والنشور، والحساب والجزاء، كراهية لأن يحاسبوا، لا اعتمادا على ((منطق)) حقيقى يبرر إنكارهم0

((بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم))([169])0

((إن الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه))([170])0

((قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين(136) إن هذا إلا خلق الأولين(137) وما نحن بمعذبين))([171])

        والسبب الأول فى ذلك بطبيعة الحال هو انطماس البصيرة، والغفلة التى تعطل حواس الهداية:

        ((لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك  هم الغافلون))([172])0

        (( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم(73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون))([173])0

        نعم .. ولكن القرآن المعجز ظل يعالج هذه القلوب المنكرة النافرة، حتى آمنت بالله، وآمنت بالبعث والنشور، وتعمق الإيمان فيها حتى صنع ما يشبه المعجزات!

* * *

جريان الأحداث ، سواء فى الكون المادى أو فى حياة البشر، من الأمور التى تروع الحس البشرى كما أشرنا آنفا، فيروح يبحث عن المحرك الذى يحرك الأحداث، كما يروح يتساءل عن دلالالتها: هل وراءها تدبير منظم. أم تحدث فوضى بلا نظام؟ وهل وراءها حكمة أم تحدث بلا حكمة ولا هدف؟!

والقرآن المنزل من لدن خالق الفطرة، ومودع ما أودع فيها من نوازع واتجاهات ومنسربات عميقة يلتقى مع الفطرة، فيحدثها حديثا مستفيضا عن حركة الأشياء وحركة الأحداث:

ولنعد إلى المثال الذى ذكرناه من قبل : ((إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون))([174])0

إن المثال الواحد قد تكون له دلالات مختلفة؛ وإيقاعات مختلفة. فقد أوردنا هذا المثال من قبل لبيان طريقة القرآن فى إحياء مشاهد الكون التى قد يتبلد عليها الحس بسبب الألفة الطويلة، فيعيدها القرآن جديدة، تصدر إشعاعها وإيقاعها، فيلتقطه القلب الغافل . والآن فى مجال الحركة المؤثرة التى تحرك الوجدان ليتتبعها00

ولكن المجال الذى نحن بصدده لا ينحصر فى ذلك المثال، فمثله فى القرآن كثير :

((الله الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار(32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار(33) وآتاكم من كل ما سألتموه))([175])0

((والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم(38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم(39) لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون))([176])0

((يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى))([177])

((ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا() ثم قبضناه إلينا قبضا يسيراً))([178])0

((وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون() ثم كلى من كل الثمرات فاسلكى سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون))([179])0

وخذ نماذج من حركة الأحداث فى عالم البشر :

((قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شىء قدير ))([180])0

 

    ((الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير))([181])0

((فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون(44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين))([182])0

((إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين(76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسدين(77) قال إن أوتيته على علم عندى أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون(78) فخرج على قومه فى زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون إنه لذو حظ عظيم(79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون(80) فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين(81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون(82) تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين))([183])0

((.. فكلأ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون))([184])0

أما السؤال الذى يرد على الفطرة بشأن ما يحدث من أحداث فى الكون المادى وفى حياة الإنسان، فيجيب القرآن عليه إجابة مفصلة. وسنعود إلى هذه الإجابة بتفصيل أكبر عند الحديث عن الإعجاز التربوى. ولكنا هنا نوردها لبيان أبعاد هذا الأمر فى مجال الدعوة إلى العقيدة الصحيحة0

إن القرآن يقول للناس ابتداء إن كل شىء يتم بقدر يقدره الله :

((إنا كل شىء خلقناه بقدر))([185])0

وإن الله إذا أردا شيئا فإنما يقول له كن فيكون:

((إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون))([186])0

ثم إنه لا مشيئة لأحد مع مشيئة الله:

((وما تشاءون إلا أن يشاء الله))([187])0

وإنه لا شىء يقف فى وجه المشيئة الربانية فيمنع وقوعها :

((إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدراً ))([188])0

((وما كان الله ليعجزه من شىء فى السموات ولا فى الأرض إنه كان عليماً قديراً ))([189])0

وإن لله مع طلاقة مشيئته سننا يجرى بها الأحداث فى الكون المادى وفى حياة البشر، ثبتها الله سبحانه بعلمه وحكمته، وجعلها غير قابلة للتبديل ولا التحويل.

((فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا))([190])0

((سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً))([191])0

((قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين))([192])0

وإن من بين سننه فى حياة البشر أنه يعطى الدنيا للمؤمن والكافر على السواء إذا اجتهدا فى تحصيلها :

((كلا نمد هؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً ))([193])0

((من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون))([194])0

ولكن تفترق سنته بعد ذلك ما بين المؤمن والكافر. فقد يعطى الكافر على كفره، بل يمد له فى العطاء إلى حين :

((فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون(44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين))([195])0

أما المؤمنون فلا يعطيهم إلا إذا وفوا بالشرط :

((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئاً ))([196])0

وأن من سننه مداولة الأيام بين الناس

((وتلك الأيام نداولها بين الناس))([197])0

ومن سنته التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل لحفظ الأرض من الفساد :

((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين))([198])

ثم إن الأحداث تجرى فى الكون المادى وفى حياة البشر لهدف وحكمة، فلا هى تجرى اعتباطا، ولا هى عبث لا غاية له :

((إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا))([199])0

((ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون))([200])0

((وجعلنا الليل والنهعار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شىء فصلناه تفصيلا))([201])0

((وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون))([202])0

((أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون))([203])

((وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار))([204])0

((وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون))([205])0

((ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون))([206])

((عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الأرض فينظر كيف تعملون))([207])0

((قال هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر))([208])0

((ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض))([209])0

((وجلعنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون))([210])0

((أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون(2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))([211])0

((وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين(140) وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين))([212])0

((وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين))([213])0

فالأشياء والأحداث تتحرك على الدوام، ولكنها حركة منضبطة تحكمها النواميس من جهة، وتسير بها لغاية معينة من جهة أخرى، فلا عبث ولا فوضى ولا انفلات، ومن رواء الأشياء والأحداث قدر الله: ((وكل شىء عنده بمقدار))([214])0

* * *

العجز والقدرة من الأشياء التى تلفت الحس البشرى كما أشرنا من قبل؛ ومقارنة العجز البشرى بقدرة الخالق الذى لا يعجزه شىء من المنافذ الفطرية التى توقظ الفطرة إلى حقيقة الألوهية، فتهتدى حين تهتدى- إلى الإله الحق، أو تنسب القدرة كلها أو شيئا منها حين تضل- إلى كائنات أخرى فتنسب إليها الألوهية أو تشركها فى الألوهية مع الله0

والجاهلية العربية التى خوطبت بهذا القرآن أول مرة لم تكن تمارى فى قضية العجز البشرى، وقدرة الله التى لا يعجزها شىء. وقد سجل القرآن عليهم إقرارهم لله بالخلق والقوة والتدبير:

((قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون(84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون(85) قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم(86) سيقولون لله قل أفلا تتقون(87) قل من بيده ملكوت كل شىء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون(88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون))([215])0

إنما كانت مشكلتهم الكبرى كما أشرنا من قبل هى توهم وجود آلهة أخرى مع الله، واعتقاد أن لها شفاعة مستجابة عند الله، وتوجيه ألوان من العبادة لها مع الله أو من دونه، سواء كانت اعتقادا بألوهيتها، أو توجها لها بالدعاء أو الصلاة أو الذبح أو النذر أو الاستغاثة أو الاستعانة00

ولقد ركز القرآن  على دحض هذه الأوهام تركيزاً شديدا حتى تتمحض العبادة لله وحده دون شريك :

((قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون(59) أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون(60) أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسى وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون(61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أغله مع الله قليلا ما تذكرون(62) أمن يهديكم فى ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون(63) أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين))([216])0

((قل من رب السموات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوى الأعمى والبصير أم هل تستوى الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه عليهم قل الله خالق كل شىء وهو الواحد القهار))([217])0

((واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا))([218])0

((قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون(31) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون(32) كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون(33) قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون(34) قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون))([219])0

((يا أيها الناست ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب))([220])0

ولقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الآلهة التى كان العرب فى جاهليتهم يعبدونها مع الله أو من دونه قد انتهى أمرها، فلم يعد لتلك الآيات الكثيرة فى كتاب الله التى تتحدث عن ((الشركاء)) مكان فى عالم اليوم ((المتحضر)) ((المتقدم)) ، وأن هذا القسم من كتاب الله يحفظ ((للذكرى))! ولكن ليست له مهمة يؤديها اليوم، وليس له نداء يخاطب عقول المتحضرين! ولكن ليست له مهمة يؤديها اليوم، وليس له نداء يخاطب عقول المتحضرين! وليس هناك وهم أبعد عن الحقيقة من هذا الوهم! فهذه الجاهلية المعاصرة بالذات ربما تكون أحوج الجاهليات لهذا النداء! فإنسان الجاهلية المعاصرة قد أله نفسه، وهو أبعد الكائنات عن أن يكون إلها، مع الله أو من دونه!

لقد كانت الآلهة المزعومة فى الجاهلية العربية وغيرها كانت أسطورية، نعم، ولكنها فى وهم أصحابها كائنات فائقة، لها صفات غير عادية، تؤهلها فى ظنهم- لمشاركة الإله فى ألوهيته. أما الجاهلية المعاصرة التى تؤله الإنسان فهى هى التى تصفه بأنه ذلك الحيوان (الدواروينى)) المتطور، الذى تطور عن أحد القردة العليا: الشمبانزى والغوريلا والأورانج أوتانج (إنسان الغاب) والجيبون.. فيا له من إله!

الإله الذى سفك من الدماء فى هذا القرن الأخير وحده ما لم تسفكه وحوش الأرض ربما فى تاريخها كله! والذى جعل قانونه الأسمى هو قانون الغاب: القوى يأكل الضعيف أو يزيحه من الطريق. والذى لم يكذب فى تاريخ البشرية كلها أحد مثله ما بين الشعارات المرفوعة والواقع الفعلى، الذى لا يمت بصلة للشعار المرفوع! والذى سخر عقله الذى منحه الله إياه فى صنع الشر أضعاف أضعاف ما سخره فى فعل الخير، والذى نشر من الفساد والانحلال الخلقى فى الأرض ما تعف عنه كثير من الحيوانات ذات الفطرة السوية التى لم تفسدها ((حضارة)) ذلك الإله المزعوم. ومع ذلك يقول قائلهم : إن الإنسان قد خضع لله فى الماضى بسبب عجزه وجهله، والآن وقد تعلم وسيطر على البيئة فقد آن له أن يأخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل فى عصر العجز والجهل على عاتق الله، ومن ثم يصبح هو الله!([221])0

ونعوذ بالله من الكفر 00

ونعوذ إلى كتاب فنجده قد تعرض لتبجح المتبجحين اليوم، كأنما نزل الآن ليرد على تبجحهم، مع أنه قد أنزل من قبل أربعة عشر قرنا 00 وإن هذا ذاته لمن الإعجاز!

إن الذى ألم بالجاهلية المعاصرة بسبب ما حصلت عليه من المعرفة أشنع بكثير مما كان يلم بالجاهلية العربية بسذاجة أفكارها وسذاجة معتقداتها، فضلا عما تتصف به هذه الجاهلية الحديثة من الغرور العلمى الذى يخيل إليها أنها ((شبت عن الطوق، ولم تعد فى حاجة إلى وصاية الله([222])! والذى يخيل إليها من جانب آخر أنها سيطرت على البيئة!

إن زلزلة واحدة كالزلزال الذى حدث فى تركيا وخسف القاعدة الحربية البحرية التى تطاول فيها أحد ضباطهم على رب العرش فى علاه، ومزق المصحف وداسه بأقدامه، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وراح ضحية الزلزال عشرة آلاف من البشر([223])، وإن عاصفة واحدة كالعاصفة التى اجتاحت شمالى فرنسا فاقتلعت أربعين ألف شجرة راسية شامخة، وقتلت من قتلت، وحطمت ما حطمت فى شتاء عام 1420هـ (1999م) .. لكفيلة أن ترد الناس إلى صوابهم، لو كانوا يعقلون00

ولقد أنذرهم الله فى كتابه الذى أنزله قبل أربعة عشر قرنا، ولا يزال الإنذار قائما إلى قيام الساعة :

((أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور(16) ام أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير))([224])0

((أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا فى غرور))([225])0

إن العلم هبة من عند الله سبحانه وتعالى:

((وعلم آدم الأسماء كلها 000))([226])0

((اقرأ وربك الأكرم(3) الذى علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم))([227])0

وهو قمين فى النفس السوية بأن يجعل الإنسان أكثر تقربا إلى الله وخشية له:

((.. إنما يخشى الله من عباده العلماء))([228])0

ولكن الجاهلية المعاصرة التى تستمد مفاهيمها ومشاعرها من التراث الرومانى الإغريقى الوثنى قد ورثت فيما ورثت من ذلك التراث أن العلم شىء انتزعه الإنسان من الإله على كره منه، فهو يستخدمه للتمرد على سلطان الله، وتأليه نفسه بدلا من الله([229])، حتى يقول ذلك الملحد الذىأشرنا إليه من قبل جوليان هكسلى إن الإنسان كلما ازداد علما ارتفع فى حس نفسه درجة، وهبط الإله فى حسه فى ذات الوقت درجة، حتى يأتى اليوم الذى يخلق فيه الإنسان الحياة، فيصبح هو الله!

نعوذ بالله مرة أخرى من الكفر 00

ونعود إلى كتاب الله فنجد فيه الرد على تبجح المتبجحين اليوم، كأنما أنزل اليوم ليرد عليهم:

((أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون(35) أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون))([230])

((أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا فى عتو ونفور))([231])0

فلو حجب عنهم العلم فكيف كانوا يعلمون؟ ولو أمسك عنهم الرزق فكيف يعيشون؟

وهم أنفسهم أو عقلاؤهم على الأقل- قد بدءوا يدركون أن ما كشفه لهم العلم من الأسرار لا يقاس إلى جانب ما اكتشفوا أنهم يجهلونه من أسرار الكون! وأن كل كشف جديد يفتح الباب على مجاهيل جديدة لم يكونوا أصلا يدركون وجودها، وأنهم فى كل مرة يقفون أمام حاجز جديد عليهم أن يتخطوه.. وأن الحاجز الأكبر الذى يقفون أمامه من مبدأ الأمر إلى آخر الأمر، هو : لماذا تتصرف الأشياء على النحو الذى اكتشفوا أنها تتصرف عليه، وليس على أى نحو آخر؟! أى بعبارة أخرى: سر الخلق! ((ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى))([232]) وهم فى النهاية كما وصفهم الله فى كتابه المنزل: ((يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون))([233])0

* * *

        أما قضية الشفاعة المزعومة التى تقوم على توهم أن بعض هذه الآلهة المدعاة لها شفاعة مقبولة عند الله فقد عنى القرآن بتفنيدها عناية واضحة، لأنها فوق بطلانها فى عالم الحقيقة ذات أثر مفسد لعقائد الناس وسلوكياتهم، إذ تفسد التصور الصحيح لحقيقة الألوهية، وتغرى البشر بمعصية أوامر الله اتكالا على شفاعة الآلهة التى تنجيهم من العقاب!

        ((أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون))([234])0

        ((وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى))([235])0

        ((يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون(254) الله لا إله إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما فى السموات وما فى الأرض من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه))([236])0

        ((الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون))([237])0

        ((ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له000))([238])0

        ومرة أخرى قد يبدو لأول وهلة أن معتقدات الجاهلية العربية حول الشفاعة والشفعاء قد انتهى أمرها، وأن هذا القسم من كتاب الله الذى يتحدث عن الشفاعة هو للذكرى! وليس له مكان فى عالم اليوم! فنقول إن العالم الإسلامى ذاته فى غربة الإسلام الحالية أحوج ما يكون إلى تدبر آيات الله فى هذا الشأن، وقد أفسدت الصوفية الجانحة عقائد الناس، وضخمت الشيخ فى حس المريد حتى صار واسطة بينه وبين الله، وشفيعا له عند الله، لا فى أثناء حياته فحسب، بل حتى بعد أن يموت ألف عام!

        وذلك فضلا عن وثنيات شتى ما تزال تعيث فسادا فى الأرض!

* * *

قضية الغيب كما أسلفنا من موقظات الفطرة، ومن المؤثرات التى توقع إيقاعات شتى على الحس البشرى. فهناك باستمرار غيب لا يستطيع الإنسان إدراكه، هو المستقبل كله، سواء المستقبل البعيد أو المستقبل القريب، وهناك دائما رغبة ملحة عند الإنسان أن يعرف ما يحدث له غدا، ولو فى خطوط عريضة إن تعذر التفصيل. ولكنه فى واقع الأمر عاجز عن معرفة شىء يقينى بالنسبة لذلك الغيب لا بالإجمال ولا بالتفصيل00

ومن هنا يهزه حديث الغيب!

والقرآن لا يفتأ يحدث هذه الهزة فى القلوب!

((وعند مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين))([239])0

هل هناك إحاطة أدق أو أشمل من هذه الإحاطة؟! حتى الورقة الساقطة من غصنها، حتى الحبة فى ظلمات الأرض، حتى الرطب واليابس.. إحاطة تدير الرءوس! يلهث الخيال البشرى فى تتبعها فلا يستطيع اللحاق بها وهى تنتقل به من مكان فى الأرض إلى مكان، ومن مجال إلى مجال!

((قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله))([240])0

((عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال() سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار() له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله))([241])0

((وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى))([242])0

((إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير))([243])0

((إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما فى السموات وما فى الأرض والله على كل شىء قدير))([244])0

((ألم تر أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر من ذلك إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شىء عيم))([245])0

ويلاحظ أن حديث الغيب يأخذ مسارين اثنين، كلاهما ذو تأثير عميق فى الحس البشرى. أحد المسارين هو إبراز حقيقة علم الله الشامل بالغيب، التى تهز الوجدان البشرى من ناحية عجز الإنسان عن استكناه الغيب، ومن ثم يروعه أن يقف بعجزه أمام القدرة القادرة التى لا يخفى عليها شىء، ولا يغيب عنها شىء . والمسار الثانى هو إبراز حقيقة علم الله الشامل بالغيب، الذى يراقب الإنسان فى حركاته وسكناته، والذى يعلم جهره وسره، بل ما هو أخفى من السر، وهو مكنونات القلب التى لا يبوح بها الإنسان حتى لنفسه! فأنى يستخفى الإنسان عن رقابة الله التى تلاحقه فى كل مكان وفى كل حال، وأنى يلجأ ليدارى أفعاله عن علم الله، الذى يعلمها حال وقوعها، ثم يحاسبه عليها يوم القيامة ولو كانت مثقال ذرة!

((يا بنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن فى صخرة أو فى السموات أو فى الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير))([246])0

((يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم(6) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره(7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره))([247])

((ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين))([248])0

* * *

        ولا يكمل حديثنا عن الإعجاز القرآنى فى مجال العقيدة دون أن نشير إلى أسماء الله الحسنى التى ترد ورودا ظاهراً فى كتاب الله، والتى تختم بها كثير من الآيات فى القرآن الكريم:

        ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون فى أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون))([249])0

        ((قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله السماء الحسنى00))([250])0

        ((الله إلا إله إلا هو له الأسماء الحسنى00))([251])0

        إن الأسماء والصفات التى يكثر ورودها فى القرآن الكريم لتؤدى مهمتين رئيسيتين إحداهما فى مجال الدعوة، والأخرى فى مجال التربية0

        ونتحدث هنا عن مجال الإعجاز الدعوى، ونعود إلى الحديث مرة أخرى فى مجال الإعجاز التربوى0

        إن هدف الدعوة الأول هو تعريف الناس بربهم الحق، وإزالة كل غبش حول قضية الألوهية فى نفوس الناس، سواء كان ناشئا من قصور فى العلم، أو فساد فى التصور، أو عرف فاسد، أووهم عالق بالأذهان، أو جنوح إلى خرافة أو أسطورة لها ثقل الحقيقة فى نفوس المؤمنين بها وهى مجرد ظن لا يقين فيه 00 وقد كان ذلك كله موجودا فى الجاهلية العربية، وهو دائما موجود فى صورة منالصور فى كل جاهلية، لا يستثنى منها الجاهلية المعاصرة، التى ابتدعت إلها سمته ((الطبيعة)) وأعطته صفة الحقيقة العلمية، وهو مجرد أسطورة لا وجود لها فى عالم الواقع([252])، وابتدعت شيئا سمته ((الخلق الذاتى)) وهو أسطورة أخرى لا وجود لها فى عالم الواقع، وألهت ((العقل) وهى ذاتها تعترف بأن ما يجهله ((العلم)) من أسرار الكون والحياة أكثر بكثير مما يعلمه! ثم ألهت الهوى والشهوات التى توشك أن تدفع الإنسان إلى درك من الهبوط لم يصل إليه فى تاريخه كله!

        إن الداء الأكبر فى الجاهلية كل جاهلية أنها تجهل حقيقة الألوهية!

        ومن ثم كانت عناية القرآن الكبرى بجلاء هذه الحقيقة، بحيث تأخذ مساحتها كاملة فى النفس، وشفافيتها الكاملة فى الحس، وتأثيرها الكامل فى الوجدتان.. فتستقيم حياة الإنسان فى الأرض وهى لا تستقيم بغير ذلك! لأن أى غبش فى هذه القضية يحدث اختلالات مدمرة فى كيان الإنسان، ويقوده إلى الضلال. وسوف نفصل الحديث عن هذه النقطة عند الحديث عن الإعجاز التربوى فى كتاب الله0

        أما هنا فنشير إلى أن إحدى الوسائل الرئيسية فى تعريف الناس بربهم هى الأسماء والصفات الواردة فى القرآن، التى يتكرر ورودها كثيرا جدا فيه، وكثيرا ما تكون ختاما للآيات القرآنية فتختم الآية بقوله تعالى : ((والله سميع عليم))([253]) أو قوله تعالى: ((إن الله لطيف خبير))([254]) أو قوله تعالى: ((والله على كل شىء قدير))([255]) إلى غير ذلك من الأسماء والصفات0

        ويجئ ذكر الأسماء والصفات إما بتعبير مباشر كقوله تعالى: ((قل هو الله أحد (1) الله الصمد(2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد))([256])، أو قوله تعالى: ((هو الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم(22) هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون(23) هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم))([257]).. وإما يجئ تعقيبا على مشهد من المشاهد الدنيوية أو الأخروية بما يناسب طبيعة المشهد، وبما يدل فى الوقت ذاته على بعض الهدف من إيراد المشهد، أى أنه يورد للدلالة على صفة من صفات الله جل وعلا، إلى جانب ما يكون من أهداف أخرى فى السياق.

        (( ثم أنز عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شئ قل إن الأمر كله لله يخفون فى أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلى الله ما فى صدوركم وليمحص ما فى قلوبكم والله عليم بذات الصدور(154) إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم))([258])0

       ((لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه فى ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم(117) وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم))([259])0

        ((فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم))([260])0

        ((ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين))([261])0

        ((وهو الذى خلق السموات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير))([262])0

        ((وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً(30) يدخل من يشاء فى رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما))([263])0

((يا أليها الإنسان ما غرك برك الكريم(6) الذى خلق فسواك فعدلك(7) فى أى صورة ما شاء ركبك))([264])0

((فما يكذبك بعد بالدين(7) أليس الله بأحكم الحاكمين))([265])0

((أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور(9) وحصل ما فى الصدور(10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير))([266])0

((يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين))([267])0

((قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير))([268])0

والأمثلة أكثر من أن تحصى.. والهدف الذى يتحقق من خلالها مع كثرتها وتعددها هو تكوين تصور واضح لحقيقة الألوهية يشمل كل المجالات وكل الأحوال التى تعرض للبشر، بحيث يشعر الإنسان أيا كان توجهه أن الله تجاهه، بصفة من صفاته أو اسم من أسمائه، فلا يكون شىء فى حياة الإنسان أو فكره أو مشاعره إلا وهو مرتبط ارتباطا وثيقاً بالله سبحانه وتعالى. وسوف نعاود الحديث عن هذه النقطة لنزيدها جلاء حين نتحدث عن الإعجاز التربوى فى القرآن الكريم0

* * *

        بهذه الوسائل جميعا، ومن هذه المنافذ جميعا تنفذ إلى القلب البشرى حقيقة لا إله إلا الله، فتتعمق وتتوثق وترسخ، حتى تصبح يقينا لا يتزلزل، وعقيدة صافية لا غبش فيها ولا خفاء، ولا أوهام ولا التواء 00

        ولسنا نعرف بصورة يقينية ماذا كان فى الكتب المنزلة قبل القرآن فى قضية لا إله إلا الله، قبل أن تحرف على أيدى الكهنة ورجال الدين ومن تبعهم من عامة الناس، وإن كنا نعرف يقينا من كتاب الله أنها كلها دعت لتوحيد الله، وعبادته وحدهن بلا شريك00

        ولكن القرائن كلها تقول إنه ما من كتاب قبل القرآن تحدث عن هذه القضية بهذا العمق، وهذه السعة،وهذا الوضوح، وهذا الشمول، ودخل بها من كل منافذ الفطرة، ومن كل مسارب النفس، بحيث تستوعب النفس من جميع أقطارها، وتتغلغل فيها إلى أعمق أعماقها كما فعل القرآن 00 كلمة الله الأخيرة إلى البشرية، التى تمت بها النعمة واكتمل الدين:

        ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا))([269])0

        وذلك جانب من جوانب الإعجاز فى هذا الكتاب الجليل، جدير بالتأمل، والتدبر، والالتفات0

من الإعجاز التربوى

        نستطيع فى كلمة مختصرة أن نقول عن الإعجاز التربوى فى كتاب الله إنه هو الذى أخرج من القبائل المتناحرة فى الجزيرة العربية ((أمة)) لأول مرة فى تاريخها، وليس أى أمة، إنما خير أمة أخرجت للناس00

        لقد عاشت هذه القبائل أمدا لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى، تتكلم لغة واحدة وإن اختلفت لهجاتها ما بين قبيلة وقبيلة، وتسكن أرضا متصلة وإن تباعدت أرجاؤها، وتتشابه عقائدها وإن اختصت كل قبيلة بوثن أو بضعة أو ثان، وتتماثل عاداتها وتقاليدها.. ولكنها مع ذلك لا تكون ((أمة))، لأن النزاعات والحروب المستمرة بين القبائل، وما يتخلف عنها من الثارات والحزازات المتجددة على مر الأيام، لا تجعل القلوب تصفو ولا تتوحد، ولا تتيح فرصة للنفوس كى تتقارب على أمر عام تلتقى عليه فتلتقى عنده، وتتجمع من الشتات00

        وقد كانت تحدث أحيانا تحالفات بين بعض القبائل وبعض، ولكنها أبعد شىء عن أن تشكل ((أمة)) متحدة متجانسة. فإنما هى تحالفات تقوم بها بعض القبائل ضد بعضها الآخر، لتزيد من قوتها فترهبها القبائل الأخرى، فلا تفكر فى العدوان عليها أو الإغارة على مائها أو كلئها، بينما تتاح لها هى فرصة الإغارة والعدوان معتمدة على قوتها المستمدة من تحالفها مع قبيلة أخرى أو جملة قبائل تتقاسم معا على الولاء فى السراء والضراء00!

        وربما كان حلف الفضول أقرب شىء إلى التجمع على أمر عام، وهدف سام لا صلة له بالعدوان، وإنما هو لدفع العدوان ورد الحقوق المغتصبة وحماية الضعفاء، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنه: دعيت إلى حلف فى الجاهلية لو دعيت إليه فى الإسلام لأجبت.. ولكنه مع ذلك كان ما يزال فى محيط ((القبائل)) وليس نابعا من الرغبة فى إقامة أمة موحدة، أو دولة موحدة00

        وكان القرآن هو الذى حقق المعجزة 00

        جمع القلوب المتنافرة، فتقاربت، فاتحدث، فالتحمت، لأول مرة فى التاريخ، وعلى نحو غير مسبوق فى التاريخ ((واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون))([270])0

* * *

        كيف تحققت المعجزة؟

        أما أنها معجزة.. وأما أنها تحققت بالفعل، فأمر يشهد به الواقع التاريخى..

        ولقد حاولت دعوى ((القومية العربية)) ذات يوم أن تزعم لها طريقا إلى هذه الوحدة، فقالت إن الأمة العربية كانت تتوق إلى التجمع والتوحد ولكنها لا تجد ((الزعيم القائد)) الذى يوحدها، فلما وجدته فى شخص رسول الله صلى الله عليهم وسلم، سارعت إلى تحقيقه00

        وليس شىء أكذب من هذا على التاريخ 00

        فإن هذه ((الأمة)) المزعومة لم تجتمع على شىء اجتماعها على حرب ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وإيذائه والصد عنه وعن دعوته، واتهامه بالسحر والجنون والتلقى من الشياطين!

        ((وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد(7) أفترى على الله كذبا أم به جنة))([271])0

        ((وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونكم بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون))([272])0

        ((وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذى بعث الله رسولاً(41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها))([273])0

        إنما الذى حقق المعجزة هو القرآن 00

        هو الذى ألان تلك القلوب الصلدة، وأذاب الران الذى كان يغشى القلوب فيكسوها بالطبقة المتحجرة التى تمنع النور من النفاذ إليها، وتصدها عن بشاشة الإسلام:

        ((الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابها تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد))([274])0

        فأى شىء فى هذا الكتاب هو الذى جمع تلك القبائل المتناحرة فى أمة، ثم أخرج منها خير أمة أخرجت للناس؟

        ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله))([275])0

* * *

        إذا استعرضنا الكتاب نجد أن القضية الكبرى فيه هى قضية لا إله إلا الله0

        ولو تحرينا الأداة التى أخرج الله بها هذه الأمة إلى الوجود، لوجدنا أنها هى قضية لا إله إلا الله! فكيف تفعل لا إله إلا الله فى القلوب والعقول، وكيف تفعل فى الوجدان والسلوك، وكيف تصل فى النهاية إلى بناء أمة متضامة متماسكة من لبنات كانت متنافرة من قبل، تأبى أن تجتمع فى كيان غير كيان القبيلة، الذى يشكل فى حس أصحابه ربا من الأرباب:

        وهل أنا إلا من غزية إن غوت        غويت، وإن ترشد غزية أرشد!([276])

        بل كيف وصلت إلى تفتيت القبيلة، التى تقوم على رابطة الدم، إذا لم تستقم على الحق، وتنشئ بدلا منها كيانا متماسكا يقوم على رباط لا ينبع أساسا من رابطة الدم، وهو فى الوقت ذاته أقوى من رابطة الدم بما لا يقاس؟!

        ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون(23) قل إن كان آباؤكم وأنباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين))([277])0

        فلنأخذ لبنة من اللبنات، ولنتتبع تحولاتها من الجاهلية إلى الإسلام00

        هذا إنسان جاهلى 00 يعيش بفكر جاهلى، وقلب جاهلى، وسلوك جاهلى00 فما اهتماماته؟ لأى شىء يعيش؟! ما غاية الوجود فى حسه وفى تصوراته؟

        مجموعة من الشهوات من كل نوع: شهوة المال. شهوة القوة. شهوة الجنس. شهوة الطعام والشراب.. ((زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا))([278])0

        ((ألهاكم التكاثر(1) حتى زرتم المقابر))([279])0

        ((زين للذين كفروا الحياة الدنيا))([280])0

        والفرصة المتاحة لهذا المتاع هى هذه الحياة الدنيا التى هى فى حس أصحابها فرصة واحدة، إذا انقضت لا تعود . فضلا عن كونها ليست مضمونة من حيث استمرار الصحة أو القوة أو الثروة أو التمكن 00 ومن ثم فكل فرصة تسنح للاستمتاع فلا ينبغى أن تفوت، وكل نوع من المتاع ينبغى أن يباح، فلا حلال ولا حرام، ولا امتناع عن المتاح :

        فلولا ثلاث هن من شيمة الفتى        وجدك لم أحفل متى قام عودى!

        فمنهن سبقى العاذلات بشربة          كميت متى ما تعل بالماء تزبد

          وكرى إذا نادى المضاف محنبا          كسيد الغضا    نبهته المتورد

        وتقصير يوم الدجن والدجن معجب     ببهنكة تحت الطراف المعمد

        فيذكر الشاعر([281]) الخمر والحرب والنساء على أنها هى التى يحرص على الحياة من أجلها، ولولاها ما كان حريصا على الحياة ولا مباليا بالمرض أو الموت، وذلك بعد أن قال  :

              ألا أيهذا اللائمى أحضر الوغى        وأن أشهد اللذات، هل أنت مخلدى؟!

فما دام  أنه لا خلود، فدعنى إذا أعب من هذه الشهوات!

ولكن الانقياد لهذه الشهوات لابد أن ينشأ عنه الصراع والصدام بين البشر، ما لم يكن هناك ما يمنع الاحتكاك أو يلطفه. وهنا تنقسم المجتمعات فى الجاهلية إلى نوعين: نوع همجى متبربر، لا نظام فيه ولا ضوابط، تؤخذ فيه الأمور بقوة الذراع 

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه         يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم([282])

ونوع (متحضر) تحكمه قوانين، تحدد الطريقة التى يتم بها استمتاع كل إنسان ((بحقوقه))، مع تقليل الصراع إلى أقصى حد مستطاع. وإن كانت اهتمامات الناس فى تلك الحضارات الجاهلية هى ذات الاهتمامات التى عيشها الناس فى المجتمعات الهمجية، وإن طليت بطلاء يزينها فى أعين الناس! ثم إن التنظيم الذى يمنع التصادم أو يقلله محدود بحدود ((القوم)) أو ((الوطن)) 00 أما فى محيط البشرية الواسع فالقوة هى الوسيلة المعتمدة، وويل للمغلوب!

هذا فى السلوك.. أما فى التصورات فخذ هذا النموذج المعبر عن موقف الجاهلية 00 كل جاهلية:

جئت لا أعلم من أين، ولكنى أتيت

ولقد أبصرت قدامى طريقا فمشيت

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أو أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقى؟ لست أدرى!([283])

        لو أتيح لسائمة من السوائم أن تعبر بالغة التى نتحدث بها نحن، فماذا كانت تقول غير ما قالته هذه الأبيات؟!

        وذلك كله فضلا عن الضلال الروحى والفكرى والسلوكى الذى ينشأ من عقيدة لا تؤمن بالله الواحد، ولا تؤمن بالبعث والنشور، والحساب والجزاء، فتنتهى الحياة فى حسها عند الحياة الدنيا، وتنحصر الأهداف فى الغلبة والمتاع، وهى ذات الأهداف التى يعيش من أجلها الحيوان، وإن اختلفت الصور، واختلفت الأدوات0

        ولا يحسبن أحد أن الجاهلية المعاصرة ناجية من هذه الضلالة. بل هى غارقة فيها إلى الآذان، وإن كان لديها من الأدوات ما تزيف به الواقع، وتزخرفه بشتى الزخارف، وتتحدث به عن ((القيم العليا)) و((حقوق الإنسان)) و ((العدالة)) و((الروح الإنسانية)) و((حق تقرير المصير)) 00 وعشرات أخرى من القيم الجميلة الخلابة التى لا رصيد لها فى عالم الواقع 00 إنما يحكم الواقع قانون الغاب: القوى يأكل الضعيف، أو يزيحه من الطريق. ومن كان فى شك من هذا فلينظر إلى قضية واحدة من قضايا الحاضر، قضية الأرض المغتصبة فى فلسطين، ووقوف ((القوى العظمى)) مع المجرم المغتصب ضد صاحب الحق المستضعف المأكول!

        ولكنا معنيون هنا بالحدث عن الجاهلية العربية بالذات، التى عاشت آماداً من الزمن لا يعلمها إلا الله، عاجزة عن تكوين ((أمة))، حتى آمنت بلا إله إلا الله، فتكون منها خيرة أمة أخرجت للناس0

        نريد أن نتعرف على نوع التغيير الذى حدث فيها، والكيفية التى حققت بها لا إله إلا الله ما حققت من النتائج فى عالم الواقع، لا فى عالم الوهم، ولا فى عالم الشعارات المطلقة فى الهواء0

        لا إله إلا الله.. إذن فهو إله واحد، ومعبود واحد، ومتجه واحد محدد السمات00

        ويكفى هذا لتغيير كل شىء !

        ((أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار(39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون))([284])0

        لا إله إلا الله00 فلا تشتت بعد الآن بين الآلهة المتعددة التى تشتت النفس وتمزق وحدتها، فتفقد طمأنينتها، فينشأ القلق والحيرة والاضطرابات النفسية والعصبية، والخمر والمخدرات والجريمة التى تعج بها الجاهليات0

        ((الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب))()0

        لا إله إلا الله00 فمنهجه هو المنهج، وأمره هو الأمر، وشرعه هو الشرع: ما أحله هو الحلال، وما حرمه هو الحرام، وما أباحه هو المباح، وما منعه هو الممنوع0

       وقوله هو الحق00

       وهو يقول إن محمداً صلى الله عليه وسلم هو رسوله، والقرآن هو الوحى الذى أنزل على رسوله، وإن هناك بعثا ونشورا، وحساباً وجزاء، وجنة وناراً00 فذلك كله حق وهو حق اليقين00

       وإذن، كيف تصير الآن الأمور؟

       فلننظر إلى صفحة((القيم))00 كيف كانت فى الجاهلية؟

       ماذا كان على رأسها؟

       القبيلة00 وشرف القبيلة00 وأرض القبيلة، ومراعى القبيلة، ومنعة القبيلة00 ثم بالنسبة للكيان الفردى: الخمر والنساء، البيع والشراء، وما يقدر عليه الفرد من ألوان المتاع00

       والحياة الدنيا هى مبلغ العلم، وغاية الهم، ومجال التطلع، ومسرح السعى، وغاية الغايات00

       والآن فلننظر كيف صارت صفحة القيم على هدى لا إله إلا الله00

       شواغل الحياة الدنيا ما تزال00 ولكن بضوابط00

       ورابطة الدم ما تزال00 ولكن بضوابط00 والمال والبنون00 والبيع والشراء00 وقسط من المتاع00 كل ذلك ما زال موجودا فى الصفحة ولكن فى حدود تلك الضوابط التى تحدد الحرام والحلال والممنوع والمباح00

      ولكن أين مكانها فى الصفحة؟! على رأس القائمة؟! أم إن أمر آخر هو الذى أصبح اليوم يحتل رأس القائمة، ويلون بلونه كل ما عداه؟

      هنا التحول الأكبر، الذى صنع كل التحولات00

      على رأس القائمة اليوم الإيمان بالله، ومن ثم التوجه إليه بالخوف والرجاء00 بكل مشاعر القلب، وكل ألون السلوك00

      وعلى رأس القائمة بعد الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر، وما فيه من حساب وجزاء، وجنة ونار00

        وعلى رأس القائمة مع الإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان بمحمد r نبيا ورسولا ومعلما وقائدا ومرشدا وهاديا إلى الصراط المستقيم 00

        ثم يجئ كل شىء بعد ذلك 00 فهو موجود، ولكنه موجود بالضوابط التى يصنعها الإيمان بالله واليوم الآخر .. ثم إنه فى وجوده لا هو مبلغ العلم، ولا غاية الهم، ولا غاية السعى، إنما هو متاع متاح بضوابطه تمارسه النفس المؤمنة ولكن لا تتعلق به، وتتخلى عنه فى يسر إذا اقتضى ذلك أمر يتعلق بالقيم العليا، المسطورة فى رأس الصفحة ، وعلى رأسها الجهاد فى سبيل الله. الجهاد لتكون كلمة الله هى العليا ..

        ما أعظم التغيير !

        ثم أمر آخر 00

        لا غبش اليوم ولا أوهام حول غاية الوجود الإنسانى، التى قاتم عنها الشاعر الجاهلى المعاصر لست أدرى! والتى تفضى بها اللاأدرية إلى الشعور بعبثية الحياة، ومن ثم عبثية كل ((القيم)) الموجودة فى الحياة!

        اليوم تملك النفس المؤمنة ((دليل الرحلة)) من أولها إلى آخرها، وتملك إجابة واضحة محددة لأسئلة الفطرة التى ما تفتأ تلح بوعى أو بغير وعى تطلب إجابة محددة: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ وكيف؟ ومن أين جئنا؟ إلى أين نذهب بعد الموت؟ لماذا (لأى غاية) نعيش؟ كيف (بأى منهج) نعيش؟

        القرآن يحوى دليل الرحلة..

        من أين؟ من عند الله.. هو الخالق الذى يخلق كل شىء، ولا خالق غيره.

        من أين؟ إلى الله مرة أخرى، ليحاسبنا على ما عملناه فى الحياة الدنيا.. ثم خلود فى الجنة أو النار 00

        لماذا لنعبد الله.. بشتى أنواع العبادة .. نعبده بالاعتقاد بوحدانيته، ونعبده بالشعائر، ونعبده بتحكيم شريعته، ونعبده باتباع ما أنزل00

        كيف؟ باتباع منهج الله، المبين فى الكتاب والسنة بشتى أنواع البيان من تفصيل أو إجمال..

        ومن ثم فلا عبثية فى الحياة، ولا هى مخلوقة بالباطل:

        ((أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون))([285])0

        ((وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذيل كفروا من النار))([286])0

        والحياة الدنيا فترة ابتلاء، يترتب عليها فى النهاية الجزاء 00

        ومادة الابتلاء هى متاع الأرض :

        ((إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا))([287])0

        وخلاصة القضية أن الأرض مزينة بألوان من المتاع، وفى النفس البشرية ميل إليه مركوز فى الفطرة :

        ((زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا))([288])0

 

والله الخالق صاحب الأمر لم يحرم المتاع :

((قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة))([289])0 

ولكنه وضع له ضوابط سماها((حدود الله))، وقال عنها مرة: ((تلك حدود الله فلا تقربوها))([290])0 ومرة((تلك حدود الله فلا تعتدوها))([291])000

ومن ثم كان الابتلاء- بمعنى الاختبار- هو فى هذا الأمر: إلى أى مدى يستجيب الإنسان لرغبة المتاع؟ هل يقف عند الحدود التى فرضها الله أم يتجاوزها؟

ثم كان الجزاء فى الحالتين متفقا مع سلوك الإنسان تجاه تلك الحدود:

((فأما من طغى(37) وآثر الحياة الدنيا(38) فإن الجحيم هى المأوى(39) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى(40) فإن الجنة هى المأوى)([292])0

وتلك هى قصة الحياة00!

وتلك هى غاية الوجود الإنسانى كما حددها خالق الإنسان وخالق الخياة00

أى تحول فى داخل النفس يحدث حين تؤمن بلا إله إلا الله؟!

*  *  *

ولا يقف الأمر عند الإنسان الفرد00

فتلك اللبنات التى شكلتها لا إله إلا الله ذات خواص معينة، تتميز بها عن غيرها من اللبنات0

     ومن خواصها- التى تشبه ظاهرة المغنطيس- التجاذب الذى يؤدى إلى الالتحام!

والتجاذب فى أصله موجود فى الفطرة0 فالنفس البشرية ذات نزعتين فى آن واحد: نزعة فردية ونزعة جماعية0 الأولى تهدف إلى تحقيق الذات، والثانية تهدف إلى الاجتماع بالآخرين([293])، ولكنها فى الجاهلية لم تصل إلى حد الالتحام الحقيقى00 لأن الإنسان فى الجاهلية يصنع حول نفسه سياجا أكبر من حجمه الحقيقى، فمهما تجاذبت الوحدات، فهذا السياج الخارجى قد يسمح بالاقتراب ولكنه يمنع الالتحام! أما فى النفوس المؤمنة، التى تواضعت لله، وذهب عنها كبرياء الذات، فلا يوجد ذلك السياج الوهمى الذى يقيمه الفرد حول ذاته، ومن ثم تقترب القلوب- التى يجذبها كلها الحب لله ولرسوله- فتلتحم ذلك الالتحام الرائع الذى شهدنا نماذج رائعة منهفى ذلك الجيل الفريد الذى رباه رسول اللهr، ولم يخل منه جيل من أجيال المسلمين0 وهو هو الذى أنشأ تلك((الأمة)) لأول مرة فى تاريخها، ثم اتسع حتى شمل شعوبا وأجناسا لا يجمع بينها لون ولا لغة ولا مصالح قريبة00 ولكن تجمع بينها لا إله إلا الله00

وهكذا تنشئ لا إله إلا الله((الإنسان الصالح)) الذى يقيم الخلافة الراشدة فى الأرض فرداً وجماعة : -

((وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة))([294])0 

والإنسان الراشد ليس هو أى إنسان، وإنما هو شئ متميز لم تعرفه الأرض إلا على خط الإيمان الذى بثه الأنبياء والرسل من لدن آدم إلى محمدr، ولكنه- بشهادة الله سبحانه وتعالى- لم يبلغ سمته الأعلى كما بلغه فى أمة محمدr التى شهد لها خالقها بكونها ((خير أمة أخرجت للناس))([295])0 

أما مواصفات ذلك الإنسان الراشد فهي مبثوتة فى كتاب الله، تكون فى مجموعها منهجا شاملا متكاملا لم يعرفه- فى شموله وتكامله- أى منهج من المناهج التى تعج بها الأرض، والتى تهدف- كما تنص صراحة- إلى إنشاء((المواطن الصالح))، و((الإنسان الصالح))00 فالروسى الذى يقتل الشيشانيين مواطن صالح فى عرف قومه! واليهودى الذى يقتل المسلمين ويغتصب أرضهم وديارهم وكرامتهم مواطن صالح فى عرف قومه! والهندى الذى يقتل أهالى كشمير ويحرم عليهم أن يقرروا مصيرهم لأنفسهم مواطن صالح فى عرف قومه! وما أبأسهم جميعا وما أبعدهم عن صفة الإنسانية فضلا عن صفة الإنسان الصالح!

*  *  *

    وإذا عدنا إلى الإعجاز التربوى فى القرآن الكريم، ذلك الذى أخرج خير أمة أخرجت للناس، فنحن أمام بحر زاخر، من حيث وردته فهو زاخر، ومن حيث نظرت إليه بهرك ما يشتمل عليه من أعماق0

إن الركيزة الكبرى فى هذا المنهج الربانى- كما أشرنا من قبل- هى الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر00 وعلى قدر رسوخهما فى النفس يكون مدى تحقق الخيرية، وتحقق الصلاح فى الإنسان00

     فإذا أدركنا ذلك، فإن الإعجاز التربوى فى القرآن لا ينحصر مجرد بث هذه العقيدة فى النفوس، وإنما فى تعميقها وترسيخها وتثبيتها، حتى تخالط بشاشتها القلوب فتصبح جزءا منها لا ينفصل عنها0

وهنا لابد أن يحضرنا الإعجاز البيانى، والإعجاز الدعوى اللذان تحدثنا عنهما من قبل00 كل منهما هو فى ذاته إعجاز قائم بذاته، ولكنه فى الوقت ذاته أداة لإعجاز آخر!

كان الإعجاز البيانى- كما بينا- أداة عظمى فى مسيرة الدعوة، جعلت العقيدة تنفذ إلى النفس من كل منافذها، وتصل إلى أعماقها، بالبيان الأخاذ، وبتنوع العرض، وباستخدام أساليب مختلفة تشمل البيان المباشر، والقصة، والمثل، وغيرها من أساليب البيان00

ثم كان الإعجاز البيانى والإعجاز الدعوى معاً أداة للإعجاز التربوى، الذى يرتكز أساساً تعميق الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر فى نفس الإنسان، وصولا إلى الإنسان الراشد الذى قال الله فى وصفه :  -

((00 ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون))([296])0

((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون))([297])0

* * *

ولنحاول       هنا أن نغترف غرفة من البحر الزاخر 00

أشرنا من قبل إلى تعميق الإيمان بالله واليوم الآخر على أنه الأداة العظمى فى المنهج الربانى. وأشرنا من قبل كذلك إلى تحديد أبعاد رحلة الإنسان فى الوجود، منذ النشأة إلى المعاد، وما يقدمه هذا التحديد من إجابات واضحة محددة لأسئلة الفطرة التى تلح على النفس بوعى وبغير وعى: من أين؟ وإلى أين ؟ ولماذا وكيف؟.. وأثر ذلك فى وضوح الرؤية عند الإنسان لأبعاد الرحلة وأهدافها، ونوع الابتلاء (الاختبار) الذى يجرى له فيها، مما يدعوه إلى التناغم مع هذه الأهداف وعدم الخروج عليها، ويؤدى به فى الوقت ذاته إلى الطمأنينة فى أثناء المسيرة، والصبر على مصاعبها إيمانا منه بأن ((أمر المؤمن كله خير))([298])، وبأنه ((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب))([299])0

ونشير هنا إلى التوازن الذى ينشئه المنهج الربانى فى النفس المؤمنة بين الرغبة والقيد، وبين الدنيا والآخرة، وبين الفرد والجماعة، وأثر ذلك التوازن فى إنشاء ((الإنسان الصالح))0

فأما بين الرغبة والقيد، فالإسلام لا يكبت الرغبات الفطرية ولكنه يضبطها وفرق هائل بين الكبت والضبط. فالكبت هو استقذار الدافع الفطرى، وعده فى ذاته دنسا لا يليق بالإنسان أن يشتمل عليه ، بينما الضبط هو اعتراف بالدافع الفطرى نظيفا فى ذاته، مع التحكم فى القدر الذى يستجيب به الإنسان إليه، والطريقة التى يستجيب بها0

الكبت عملية مفسدة للمشاعر، مفسدة للأعصاب، مدمرة للطاقة الحيوية 00 والضبط عملية صحية تكسب الإنسان قوة فى الشخصية، وقدرة على التحمل، ورفعة فى الأهداف00

((قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة))([300])0

فلا تحريم للطيبات 00

ولكن فى الوقت ذاته لا إسراف فى التناول :

((وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين))([301])0

وهكذا يتوازن الإنسان بين الرغبة والقيد 0 فلا الرغبة تؤدى بالإنسان إلى الإسراف الذى يفسد الشخصية ويؤدى بها إلى الترهل أو إلى الطغيان وكلاهما من الأمراض0 ولا القيد يؤدى إلى الامتناع البتة الذى يؤدى إلى الاضطرابات النفسية والعصبية والقلق وغيرها من الأمراض0

وأما بين الدنيا والآخرة فالتوازن كذلك مطلوب :

((وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا))([302])0

لا رهبانية فى الإسلام 00

الرهبانية تعطيل لدفعة الحياة، وتعطيل لدور الإنسان فى عمارة الأرض وترقيتها وتجميلها، وتحقيق ((التسخير)) الذى منحه الله للإنسان ليؤدى به دور الخلافة فى الأرض:

((وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه))([303])0

وذلك فضلا عن كون أصحابها لا يستقيمون عليها، إنما تعتل نفوسهم ويفسدون:

((ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون))([304])0

وفى الوقت ذاته، فإن الاستغراق فى المتاع الأرضى ونسيان الآخرة فتنة ضخمة يتعرض لها الإنسان إذا ترك نفسه على هواها، فينتهى به الأمر إلى البوار، لأنه لا يقف فى إشباع رغباته وشهواته عند الحد المأمون، وإنما يتجاوزه بما يهلكه فى الدنيا، ويجعل نصيبه فى الآخرة هو النار!

والمنهج الربانى يقول للإنسان: لا تحرك نفسك من المتاع المتاح، ولكن التزم فيه بالحدود التى حددها الله، فكل شىء جعل الله له حدودا يعلم اللطيف الخبير أنها تحقق الخير وتمنع الشر، فأباح الطيبات وحرم الخبائث ودعا إلى عدم الإسراف حتى فى المباح.. وفى الوقت ذاته، يركز المنهج الربانى تركيزا شديدا على اليوم الآخر، وما فيه من بعث ونشور، وحساب وجزاء، لأن اللطيف الخبير يعلم أن ذكرى اليوم الآخر هى الأداة الكبرى التى تساعد الإنسان على ضبط شهواته ورغباته، والوقوف بها عند الحلال الذى أحله الله، والقدر الذى أباحه الله؛ لأن القضية فى حس المؤمن تصبح موازنة بين الإنسياق وراء الشهوات، ويقابلها فى الآخرة عذاب لا قبل للإنسان باحتماله، والقناعة بالقدر المباح من المتاع، ويقابلها فى الآخرة جنات فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فيقنع ويرضى، وتطمئن نفسه، ولا يشعر بالحرمان، فضلا عن الشعور بالرفعة والطهارة والارتقاء0

((إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيماً(56) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا))([305])0

وأما التوازن بين الفرد والجماعة، فهو من أبرز ومن أجمل سمات المنهج الربانى00

إن الجاهليات كلها فى القديم والحديث تجنح إلى أحد طرفى الميزان فيختل الطرف الآخر.. تجنح إلى تكبير الفرد، وتعطيه من ((الحقوق)) ومن ((الحريات)) ما يجعله يأخذ حجما أكبر مما ينبغى له، فيختل المجتمع فى المقابل وتنحل روابطه، ثم يفسد الفرد ذاته بالتدليل الزائد عن الحد، فلا يجد مجتمعا يردعه، أو يرده إلى الجادة .. وأبرز مثال على ذلك المجتمعات ((الليبرالية)) فى الجاهلية المعاصرة، التى انحلت أخلاقها، وتعالن الناس فيها بالفاحشة سوية وشاذة، بحجة ((الحرية الشخصية)) الممنوحة لكل فرد، يصنع بها ما تمليه عليه شهواته، ويحرم على المجتمع أن يتدخل فى الأمر.. وثم جاهليات أخرى تركز على المجتمع فتسحق الفرد وتكتم أنفاسه بحجة أن المجتمع هو الأصل، ومهمة الفرد هى خدمة المجتمع والمحافظة على تماسكه وترابطه00

كلتا النظرتين جانحة، والظلم واقع فيها على الناس بصورة من الصور، سواء بطغيان الفرد الذى يفتت المجتمع، أو بطغيان المجتمع الذى يسحق الفرد 00

والإسلام ليس كذلك 00

إنه يعطى الفرد حقوقا وضمانات، تحقق له كرامته، وتحقق له مجالا معقولا لنشاطه، فيستطيع أن ينشط كما يشاء، فى الحدود التى لا تؤذى غيره، ولا تؤدى إلى الانحلال والتفسخ، فيختار التعليم الذى يناسبه، ويختار العمل الذى يناسبه، ويختار الزوجة التى تناسبه، والعلاقات التى تناسبه فى الحدود التى لا توقع ضررا على غيره حسب قاعدة ((لا ضرر ولا ضرار)). فلا يباح له التملك بالغصب أو السرقة أو أكل أموال الناس بالباطل، ولا الربا ولا الاحتكار لأن هذا كله يوقع الضرر بالآخرين. ولا يباح له الفاحشة ولا مقدماتها التى تفضى إليها، ولا يباح له الغيبة ولا النميمة ولا التجسس ولا تتبع عورات الناس أو اقتحام خصوصياتهم.. وفى الوقت ذاته، يعطى المجتمع حق ((الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)) بل يجعله واجبا تكليفيا على المجتمع، لكى لا يخرج الأفراد عن حدودهم، ولا يتسببوا فى إيذاء المجموع. ويوجب على المجتمع التكافل، والتعاون على البر والتقوى، وإزالة المظالم، والجهاد لتكون كلمة الله هى العليا .. وكلها أعمال جماعية يقوم بها المجتمع0

ويصف الرسول r طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع فى هذه الصورة الرائعة :

((مثل القائم فى حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا فى سفينة فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا يمرون على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا فى مكاننا خرقا ولم نؤذ من فوقنا! فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً))([306])

والإسلام يصل إلى هذا التوازن بين الفرد والجماعة بطريقة غاية فى البساطة وغاية فى الإبداع كذلك 00 فهو ابتداء لا يعد العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة صراع وتضاد كما تعدها الجاهليات سواء منها ما يرتكز على الفرد وما يرتكز على المجتمع. فالأولى ترى الفرد هو الأساس، وترى المجتمع هو القيد الذى يسعى إلى التضييق على الفرد وخنقه وكبته، ومن ثم تحيط الفرد بالضمانات التى تمنع المجتمع قدر الطاقة من التدخل فى شأنه، حتى لو ألحد، أو حتى لو فسق، ما دام فسقه ((قانونيا))! والثانية ترى المجتمع هو الأساس، والفرد هو المتربص أبدا للعدوان عليه، والخروج على طاعته، فتظل تضع حوله القيود، وتهدده بالعقوبات!

والإسلام دين الفطرة 00

والفطرة كما أشرنا آنفا تشتمل على نزعتين أصيلتين: نزعة فردية ونزعة جماعية، إحداهما تسعى إلى إثبات الذات والأخرى تسعى إلى الاجتماع بالآخرين. والنزعات الفطرية لاعداء بينها فى الأصل، كما تكون فى الفطرة السوية، إنما ينشأ الخلل حين تزيد جرعتها أو تنقص عن الوضع السوى، فيحدث المرض، مثلها كمثل إفرازات الجسم. فالجسم يكون فى وضعه الصحيح طالما كل جهاز فيه يقوم بوظيفته الطبيعية بصورة سوية، ولكنه يمرض حين تختل بعض وظائفه بالنقص أو الزيادة. والنفس كذلك هى فى وضعها الصحيح طالما كل جهاز أجهزتها يقوم بعمله الفطرى فى صورته الطبيعية، ولكنها تمرض حين تختل بعض وظائفها بالنقص أو الزيادة. وعند بعض الناس تنشط النزعة الفردية أكثر من اللازم، فيصبح الشخص أنانيا، وميالا إلى العدوان على حقوق الآخرين، أو تنشط النزعة الجماعية أكثر من اللازم، فيخنع، وتنبهم شخصيته، ويصير إمعة لا كيان له00([307])

والإسلام يهدف إلى أن تكون النفس فى وضعها الفطرى السوى، فيصبح الإنسان(فى أحسن تقويم))([308]) كما خلقه الله، كما يسعى إلى علاج الخلل حين يحدث، بتوجيهاته التى تعيد التوازن إلى النفس، وتدفع بها إلى الرشد.. وعندئذ يتوازن الفرد والمجتمع، ويقل الصراع إلى أدنى حد مستطاع ويحل محله التكافل والتعاون والترابط والتحاب:

((مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر))([309])

وبهذه الألوان من التوازن: بين الرغبة والقيد، وبين الدنيا والآخرة، وبين الفرد والمجتمع، ينشئ الإسلام ((الإنسان الصالح)) الذى تعمر به الأرض00

* * *

 

        وهلم الآن نغترف غرفة أخرى من البحر الزاخر 00

        ما مواصفات الإنسان الصالح؟

        إنها مبثوثة فى تضاعيف الكتاب 00 لا تكاد تخلوا سورة من السور قصيرة أو متوسطة أو طويلة من إشارة إلى صفة أو مجموعة صفات للإنسان الصالح، أو 0 من الجانب الآخر صفة أو مجموعة صفات للإنسان المنحرف الذى يحذر القرآن الناس من أن يكونوه00

        وهنا يجئ دور ((الترغيب والترهيب)) فى منهج التربية القرآنى([310])0

        خذ أول سورة نزلت على رسول اللهr   :

        ((اقرأ باسم ربك الذى خلق(1) خلق الإنسان من علق(2) اقرأ وربك الأكرم(3) الذى علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم(5) كلا إن الإنسان ليطغى(6) أن رآه استغنى(7) إنإلى ربك الرجعى(8) أرأيت الذى ينهى(9) عبدا إذا صلى(10) أرأيت إن كان على الهدى(11) أو أمر بالتقوى(12) أرأيت إن كذب وتولى(13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية(15) ناصية كاذبة خاطئة .. ))([311])0

        فهنا يوصف الإنسان المنحرف ببعض صفاته: إنه يطغى لأنه يتوهم أنه غنى عن الله، ويروح ينهى عبدا عن الصلاة والعبادة لربه، وفى الأخير يكذب وتيولى، والقرآن يذكره بأنه راجع إلى ربه وهو ما غفل عنه فلج فى طغيانه، وينذره بالعذاب الأليم فى الآخرة. كما يوصف الإنسان الصالح ببعض صفاته فهو عابد مصل، وهو مهتد إلى ربه ، أمر بالتقوى .. فتتقابل الصفات، وتحدث العظات00

        فإذا كانت هذه أول سورة نزلت على رسول الله r ، فقد توالى نزول القرآن حتى تم التنزيل، وفى كل سورة إشارة أو إشارات00

        خذ بعض النماذج، وارجع إلى كتاب الله تجد المزيد والمزيد والمزيد 00

        ((وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما(64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما(65) إنها ساءت مستقرا ومقاما(66) والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما(67) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون  النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما(68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا(69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما(70) ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً(71) والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما(72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا(73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما(74) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما(75) خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاما))([312])0

        وخذ على الجانب الآخر :

        ((ولا تطع كل حلاف مهين(10) هماز مشاء بنميم(11) مناع للخير معتد أثيم(12) عتل بعد ذلك زنيم(13) أن كان ذا مال وبنين(14) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين(15) سنسمه على الخرطوم))([313])0

        وخذ هذه التوجيهات :

        ((وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما(23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب أرحمهما كما ربيانى صغيرا(24) ربكم أعلم بما فى نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا(25) وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا(26) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا(27) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسوراً(28) ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسيط فتقعد ملوما محسوراً(29) إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا(30) ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا(31) ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا(32) ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف فى القتل إنه كان منصورا(33) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ اشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا(34) وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا(35) ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا (36) ولا تمش فى الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها(38) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها أخر فتلقى فى جهنم ملوماً مدحوراً))([314])0

        وخذ توجيهات فى مجالات معينة يطلب لفت النظر لها والتركيز عليها:

        ((قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم(263) يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شىء مما كسبوا والله لا يهدى القوم الكافرين(264) ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ))([315])0

        ((كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون))([316])0

        ((وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا))([317])0

        ((يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل))([318])

        وعشرات وعشرات وعشرات من التوجيهات، يتخرج على هداها الإنسان الصالح فى مدرسة القرآن0

* * *

        وهلم الآن نغترف غرفة أخرى من البحر الزاخر 00

        هناك ما نستطيع أن نطلق عليه اسم ((دروس تربوية فى القرآن الكريم ))

        والقرآن كله توجيهات تربوية، هدفها هداية الإنسان إلى ربه، ليعبده العبادة الحقة، فيستقيم حاله فى الدنيا والآخرة ويكون من الفائزين0

        ولكن هذه التوجيهات أنواع مختلفة. فمنها توجيهات مباشرة، أوامر ونواه واضحة محددة: افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا. ومنها ما يؤثر عن  طريق الترغيب والترهيب: الترغيب فى الخصال الحميدة والأفعال الحميدة، والترهيب من الخصال السيئة والأفعال السيئة. ومنها ما هو ((درس)) يعرض للعبرة، ويحتاج إلى تدبر لاستخلاص العبرة المطلوبة، وهذا الذى نريد الآن أن نعرض بعض النماذج منه لا على سبيل الحصر، ولكن على سبيل المثال 0

        خذ هذا الدرس من سورة آل عمران :

        ((إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب(190) الذين يذكرون الله قياماً وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار(191) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار(192) ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار(193) ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد(194) فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب))([319])0

        فهؤلاء قوم يصفهم الله سبحانه وتعالى بأنهم ((أولو الألباب))، وهو فى الحقيقة وصف للصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا على الصورة التى يصفها سبحانه فى هذه الآيات00

        فماذا يقول أولو الألباب هؤلاء وماذا يفعلون؟!

        إنهم بادئ ذى بدء يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، أى أنهم لا يكفون عن ذكر الله فى جميع أحوالهم. ثم إنهم يتفكرون فى خلق السموات والأرض، فيهديهم تفكيرهم إلى أن السموات والأرض لم تخلقا باطلا، وإنما خلقتا بالحق. وإذ كان الأمر كذلك، فلا يمكن أن تكون الحياة الدنيا هى نهاية المطاف. فكم من ظالم فى الحياة الدنيا ظل ظالما حتى القطرة الأخيرة من حياته ومات وهو ظالم. وكم من مظلوم ظل مظلوما فى الحياة الدنيا حتى أخر قطرة من حياته ومات هو مظلوم. فلو كانت الحياة الدنيا هى نهاية المطاف، فهل حق الحق الذى خلقت به السموات والأرض؟ كلا! إنما يحق الحق حين تكتمل الحلقة. حين يجئ اليوم الآخر فيجازى كل بما اكتسب فى الحياة الدنيا، فيعاقب الظالم، على ظلمه ويعوض المظلوم على صبره فى الحياة الدنيا0

        وحين يصل تفكيرهم إلى هذه النقطة، يسارعون إلى التضرع إلى ربهم أن يقيهم عذاب النار. وكأنما يتقدمون بمؤهلات تسوغ ما طلبوا من ربهم من الوقاية من النار، فيقولون إنهم سمعوا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فأمنوا.. والمنادى هو الرسول  r ، وقد سارعوا إلى إجابة النداء بما توحى به الفاء فى قوله ((فآمنا)) فالفاء تفيد التعقيب السريع0

        ومن ثم يدعون ربهم أن يكفر عنهم سيئاتهم ويتوفاهم مع الأبرار، ولا يخزيهم يوم القيامة، ويحقق لهم ما وعدهم على لسان الرسل من إدخال الصالحين الجنة 00

        ((فاستجاب لهم ربهم ))0

        هؤلاء قوم يتذكرون، ويتفكرون، ويتدبرون، ويتضرعون.. فلأى من هذه استجاب لهم ربهم؟!

        هل استجاب للتذكر وهو مجرد تذكر؟ أو للتفكر وهو مجرد تفكر؟ أو للتدبر وهو مجرد تدبر؟ أو للتضرع وهو مجرد تضرع؟!

        هنا الدرس التربوى 00

        ((فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى..))0

        فالاستجابة هى على العمل، الذى انبثق عن التذكر والتفكر والتدبر والتضرع0

        وإذ كانت سورة آل عمران كلها مشغولة بمعركة لا إله إلا الله، فقد اختير من الأعمال ما يناسب تلك المعركة الهائلة: ((فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا)).. هؤلاء هم الذين يكفر الله عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة التى وعدها إياهم00

        وتلك هى العبرة من الدرس المعروض00

        المطلوب أن تتحول المشاعر والأفكار إلى عمل مشهود فى واقع الحياة.. وعندئذ يستجيب رب العالمين0

* * *

        وخذ هذا الدرس الذى يتجه ذات الوجهة وإن كان فى جو مختلف :

        ((ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون))([320])0

        التوجيه هو ذات التوجيه 00

        ليس الإيمان مجرد مظاهر .. إنما هو صدق فى العمل نابع من صدق فى المشاعر، فالأصل هو الاعتقاد الصحيح، الذى يقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، والذى يترجم إلى عمل مشهود فى واقع الأرض، يذكر منه هنا إيتاء المال ذوى القربى واليتامى والمساكين وبان السبيل والسائلين وفى الرقاب، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر فى البأساء والضراء وحين البأس.. سلوك كامل شامل ينبثق من العقيدة الصادقة ويشمل مساحات واسعة من المشاعر والتصرفات00

        من هنا كان من أعجب العجب أن يتسرب الفكر الإرجائى إلى هذه الأمة، ذلك الفكر الذى يقول إن الإيمان هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلا فى مسمى الإيمان([321])، والذى يقول: ((من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام!))0

        قالوا: إن الله يخرج من النار قوما لم يعملوا خير قط.. ولا حرج على فضل الله. ولكن انظر إلى حال الأمة إن قال كل واحد فيها أنا مؤمن ما دمت مصدقا ومقرا، ولا على أن أعمل ! كيف يكون حالها؟ إنها تكون ذلك الغثاء الذى أخبر عنه رسول الله r، الذى تتداعى عليه الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها([322])00 فهل تكون عندئذ هى الأمة التى أخرجها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس، والتى تكون شاهدة على كل البشرية؟!

        تستطيع الشجرة أن تعيش وتثمر وتمد أفرعها فى الفضاء، وهى تحمل من بين أوراقها بضع أوراق صفراء.. ولكن يوم تقول كل ورقة فى نفسها: من حقى أن أكون صفراء ذابلة وإن جفت المياه فى عروقى مادمت لم أسقط على الأرض بعد، فكم تعيش هذه الشجرة على ظهر الأرض؟! وهل تكون حينئذ هى الشجرة الطيبة الموصوفة فى كتاب الله: ((كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء(24) تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها))([323])، أم تكون شجرة متهالكة لا تؤتى أكلاً ولا تظل أحدا؟!

        وإن كان ((مرجئة الفقهاء)) قد قالوا إن العمل ليس داخلا فى مسمى افيمان ((يقصدون الاسم)) ولكنه مطلوب كالإيمان، فالخلاف معهم هين. وإنما المرجئة الذين أسقطوا العمل إسقاطا من الحساب وقالوا يكفى التصديق والإقرار ليكون الإنسان مؤمنا كإيمان جبريل(!) هؤلاء قدموا للأمة مرضا هو اليوم مستعص على العلاج.. إلا أن ترجع الأمة رجوعا صحيحا إلى كتاب الله، لتستوعب ما فيه من الدروس0

*  *  *

        وخذ هذا الدرس فى مجال آخر فى ذات الاتجاه :

        ((هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين(62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم(63) يا أيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين(64) يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال00))([324])0

        النصر من عند الله :

        ((وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم))([325])0

        ((إن ينصركم الله فلا غالب لكم ))([326])0

        ولكن عل من يتنزل النصر من عند الله؟

        إن هذه الآيات الأربع المتتالية من سورة الأنفال تحدث عن أربعة شروط أساسية للنصر0

        أو هذه الشروط أن يكون هناك مؤمنون..  والله لا يعجزه أن يقهر الأعداء بغير مؤمنين، وهو الذى يقول للشىء كن فيكون، ويقول سبحانه : ((وما كان الله ليعجزه من شىء فى السموات ولا فى الأرض))([327]) ولكن هكذا اقتضت سنته: أن يكون هناك مؤمنون فى الأرض يدفع الله بهم الكفار، ويكونون ستاراً لقدر الله، فقد قال سبحانه: (( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين))([328]). وقال(( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض))([329])0

        وقال كذلك : ((فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً إن الله سميع عليم))([330])0

        والشرط الثانى أن يكون هؤلاء المؤمنون متآلفة قلوبهم. فقال قال سبحانه : ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم))([331]) فتآلف القلوب شرط لتنزل النصر من عند الله0 وفى الآية الكريمة إشارة إلى نوع التآلف المطلوب، فليس هو التآلف على مصالح الأرض القريبة حتى إن حدث ذلك التآلف فى واقع الأرض إنا هو التآلف على العقيدة ((ولكن الله ألف بينهم)). لا المال ولا غيره من مصالح الأرض0

        والشرط الثالث هو التجرد لله والتوكل الصادق عليه((حسبك الله)). وعلى أحد التفسيرين يكون المعنى، حسبك الله ومن معك من المؤمنين، فإن التوكل الصادق لا يتنافى مع اتخاذ الأسباب. ووجود المؤمنين مع الرسول r هو من الأسباب التى لابد من اتخاذها مع التوكل على الله. وعلى التفسير الآخر: حسبك الله، ومن معك من المؤمنين حسبهم الله كذلك. وعلى أى التفسيرين، فالتجرد لله مطلوب من أجل تنزل النصر0

        والشرط الرابع هو الاستعداد للقتال حين يدعو الداعى إليه : ((يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال))([332])0

        وفى آيات أخرى فى كتاب الله ترد شروط أخرى تؤهل لتنزل النصر من عند الله، ولكن هذه الشروط الأربعة المذكورة فى سورة الأنفال أساسية فى جميع الأحوال0

        وفى ذلك درس تربوى لهذه الأمة، وبالذات للذين لا يأبهون لهذه الشروط ولا يحققونها فى ذات أنفسهم، ثم يقولون: ما بال النصر لا يتنزل علينا؟.. ألسنا مؤمنين؟!

* * *

        وهذا الدرس فى مجال آخر، فى اتجاه آخر

        ((أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شىء قدير(165) وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين(166) وليعلم الذين نافقوا))([333])0

        الإشارة فى الآيات هى لهزيمة المسلمين فى أحد.. وقد كان فى وقعة أحد دروس كثيرة للمؤمنين، أبرزتها سورة آل عمران، ومنها هذا الدرس.. فقد بدأت المعركة بنصر المسلمين، ولكن الرماة الذين أمرهم رسول الله r ألا يغادروا أماكنهم بأى حال من الأحوال ولو رأوا المسلمين تتخطفهم الطير، أباحوا لأنفسهم التصرف فى الأمر حين ظنوا أن المعركة قد انتهت، وخافوا أن يضيع نصيبهم من الغنائم، فحالفوا أمر الرسولr ونزلوا من فوق الجبل، فاغتنم الفرصة خالد بن الوليد- وكان يقاتل فى صفوف الكفار إذ لم يكن قد أسلم بعد فكر بخيله من وراء الجبل وعاد يهاجم جيش المسلمين وهم بغير حماية، إذ كانت الحماية التى خطط لها القائد r هى الرماة من فوق جبل الرماة.. فوقعت الهزيمة المرة التى قتل فيها سبعون من الصحابة فيهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وشج وجه الرسولr وكسرت رباعيته.. فأصاب المؤمنين غم كبير وقالوا: أنى هذا؟! كيف وقع هذا؟ كيف هزمنا ونحن المؤمنون وهم الكفار؟!

        وتنزل القرآن يعطيهم الدرس، أو مجموعة الدروس 00

        ((ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة))([334])0

        فالتنازع، والاختلاف، وعصيان أمر القائد كان السبب فى الهزيمة: ((قل هو من عند أنفسكم))0

        ولكن الدرس لا ينتهى هنا 00

        إن الله يقول لهم إن ما أصابهم يوم التقى الجمعان هو بإذن الله! وإن له حكمته عند اله: كى يتميز الصف، ويعلم المؤمنون، ويعلم المنافقون00

        وهذا فى ذاته درس هائل 00 فقدر الله لا ينفى مسئولية الإنسان عن عمله حين يخطئ! بل يظل مسئولا عن خطئه، وعن نتائج خطئه، ولا ينفى المسئولية عنه أنه قدر مقدر من عند الله0

        درس ضد الاحتجاج بقدر الله لنفى مسئولية الإنسان عن أخطائه.. ودعوة للإنسان أن يقوم بالعمل على وجهه الصحيح، فإذا جاء قدر الله على غير ما يرغب، فعندئذ يقول إنه قدر مقدور لا حيلة له فيه، ولكن يعلم فى الوقت ذاته أنه قدر له حكمته عند الله، سواء أدرك الحكمة فى لحظتها أم غابت عنه 00

        وإذا تتبعنا السورة فسنجد درسا آخر :

        ((الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم(172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل(173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم))([335])0

        إن وقع قدر الله على غير ما يرغب الإنسان ليس معناه القعود والاستكانة بحجة التسليم بقدر الله! إنما التسليم بقدر الله معناه ألا يتفطر قلب الإنسان ولا تذهب نفسه حسرات ويتوقف عن العمل، بل يعمل، متطلعا إلى قدر من الله جديد، يغير الله به من حال إلى حال. فهؤلاء الذين دعاهم الرسول r إلى معاودة القتال، فذهبوا بجراحاتهم، من الله عليهم بأن جعل الأعداء ينكلون عن القتال، ويكتفون من الغنيمة بالإياب!

        ومن قبل جاء فى سياق السورة درس أخر :

        ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين))([336])0

        فليست الهزيمة العسكرية مسوغا للانكسار النفسى ولا الهزيمة الداخلية، فاستعلاء المؤمن لا ينخدش بالظروف العارضة التى تعرض له، لأنه يعتز قبل كل شىء بالإيمان:

        ((وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين(146) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين(147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين))([337])0

* * *

        وخذ هذا الدرس عن طبيعة العلاقة بين قدر الله وواجب الإنسان من زاوية أخرى:

        ((ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون(59) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون))([338])0

        فقد الله هنا فى صالح المؤمنين. فهو يتوعد الذين كفروا بالهزيمة، لأنهم لا يسبقون قدر الله مهما كان لديهم من القوة، ولأن قوتهم لا تعجز الله. وقد قدر الله التمكين لهذا الدين، وللمؤمنين، حيث قال سبحانه: ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا))([339])0

        فماذا يكون من أمر المؤمنين وقد أعلن الله لهم قدره المقدور :

        ((هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون))([340])0

        أيتواكلون .. ويقولون : قد تكفل الله بهزيمة الكفار، فلنقعد ولننتظر وعد الله، والله لا يخلف الوعد :

        ((وعد الله لا يخلف الله وعده))([341])0

        كلا! إن الآية التالية مباشرة للآية التالية مباشرة للآية التى أخبر الله فيها بهزيمة الكفار هى أمر للمؤمنين أن يعدوا القوة بكل ما يستطيعون من وسائل الإعداد 00

        وقد يسأل سائل: وهل الله فى حاجة لجهد المؤمنين لينفذ قدره بالقضاء على الكفار؟

        كلا! ولكن كما قلنا هكذا اقتضت سنته .. أن يكون هناك مؤمنون مجاهدون يدفع الله بهم أهل الباطل، ويبليهم الله البلاء الحسن على جهادهم، وإن كان هو الذى ينصرهم على أعدائهم..

        وقد يسأل سائل: ولنفترض أن الناس تقاعسوا عن الجهاد، فهل يعجز الله عن إنفاذ وعده بسبب تقاعس الناس؟!

        كلا ! ولكنه يجرى سنة أخرى من سننه :

        ((وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم))([342])0

        (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم))([343])0

        وفى جميع الأحوال ينفذ الله قدره، ولكن من خلال سننه التى لا تتبدل:

        ((إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدراً))([344])0

* * *

         وهذا درس فى مجال مختلف 00

        ((وقيل يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعداً للقوم الظالمين(44) ونادى نوح ربه فقال رب إنى ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين(45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح))([345])0

        لقد كان نوح قد تلقى وعدا من ربه أن أهله سينجون من الغرق إلا من سبق عليه القول:

        ((حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول))([346])0

        ولقد نادى ابنه وكان فى معزل- فلم يصخ للنداء وقال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء!

        ((ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين(42) قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين))([347])0

        ونجا نوح ومن معه، واستقروا على اليابسة. ولكن الفجيعة فى ولده كانت ما تزال تثير لواعجه، فتوجه إلى ربه بهذا التساؤل الحزين: لقد وعدتنى يارب أن ينجو أهلى، وها هو ذا ولدى قد غرق00 ووعدك حق لا يخلف 00 فكيف حدث ما حدث؟!

        ويجيئه الجواب الحاسم : (( يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح))([348])0

        يا لله! ما أعظم المفاجأة!

        لم يقل له إنه ليس ولدك! فهو ولده من صلبه.. ولكن قال له : ((إنه ليس من أهلك)).. وعلل انقطاع الرابطة بينهما تعليلا واضحا: ((إنه عمل غير صالح))0

        إن الرابطة التى يعدها الله سبحانه وتعالى ليست رابطة الدم 00 وإنما هى رابطة العقيدة. هى الرباط الأول والأقوى، هى العروة الوثقى.. هى التى تحكم الروابط جميعا.. فإذا انقطعت فلا باط!

        ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون(23) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين))([349])0

         ورابطة الدم ليست ساقطة من الحساب، فالله يقول: ((وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله))(). ولكن متى؟ حين تتحقق الرابطة الأولى التى لا رابطة قبلها.. فإن اجتمع الكل على الإيمان، فأولو الأرحام بحكم الفطرة بعضهم أولى ببعض وأقرب لبعض0 أما إذا افترق الطريق فلا يعود هناك رابط يربط على الإطلاق، بل يصير الرباط خروجا على أمر الله، محرما فى دين الله0

        والعجب كل العجب لهذه الأمة حين دخلت فى التيه، فنادت بالقومية والوطنية رباطا يلغى رباط العقيدة، فخرجت عن أمر بها ((ويحسبون أنهم مهتدون))([350])0 ولم تدرك أنه كان من كيد أعدائها لها للتخلى عن منبع قوتها الحقيقى وتصبح غثاء كثغاء بالسيل.. والدرس موجود فى كتاب الله!

* * *

        وهذا درس أخر فى المجال نفسه، ولكن من مدخل مختلف:

        ((ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين أن اشكر لى ولوالديك إلى المصير))([351])0

        فهناك بادئ ذى بدء إشارة خاصة إلى دور الأم ومقامها واستحقاقاتها على أولادها. فالوصية هى للوالدين، ولكن الذى يذكر فى السياق ذكرا مفصلا هو الأم، بما يوحى بأن حقها على أبنائها أكبر من حق أبيهم. وذلك ما فصله حديث الرسولr حين سأله سائل: من أولى الناس بحسن صحابتى قال : أمك . قال: ثم من؟ قال أمك؟ قال: ثم من؟ قال أمك! قال: ثم من؟ قال : ثم أبوك!

        ولكن الدرس الذى نحن بصدده هو فى مجال آخر من مجالات التربية الإسلامية.

        فالوصية هى للوالدين : ((ووصينا الإنسان بوالديه))0

        ولكن انظر موضوع الوصية: ((أن اشكر لى ولوالديك))0

درس هائل فى الحقيقة 00

إن العلاقات كلها، بما فيها علاقات الأولاد بوالديهم، ليست مباشرة بين بعضهم وبعض! إن هناك علاقة سابقة، علاقة أقوى وأشمل، تندرج تحتها كل العلاقات، حتى العلاقات التى تنشئها رابطة الدم ورابطة الرحم 00 إنها العلاقة مع الله! ومن خلال تلك العلاقة الكبرى وفى ظلها تأتى كل علاقات البشر بعضهم ببعض0

ويتضح من ذلك ضمنا أن أى علاقة تقوم بين إنسان وإنسان، لا تتصل ولا تنبع من تلك العلاقة الكبرى فلا وزن لها فى المنهج الربانى، وهى ساقطة من الحساب! 

ويتضح كذلك ضمنا 0 أن كل العلاقات بين البشر، التى يجب أن تكون متصلة بالعلاقة الكبرى ونابعة منها، يجب أن تكون مصطبغة بصبغتها غير مناقضة لها ولا حائدة عنها:

((صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون))([352])0

((لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون))([353])0

وليس معنى ذلك أن علاقة المسلمين بغيرهم هى دائماً علاقة العداء والحرب:

((لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ))([354])0

فالمعاملة الحسنة للآخرين غير المحاربين- خلق إسلامى أصيل. ولكن البر والقسط شئ والموالاة شىء آخر !

بر وقسط ، نعم ، ولكن لا ولاء!

((إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون))([355])0

* * *

        وهذا درس فريد فى مجال الإيمان :

        ((يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً))([356])0

        والذى يلفت النظر فى هذا الدرس أن المخاطبين الذين يطلب منهم الإيمان هم مؤمنون بالفعل! وهم مؤمنون بكل ما يطلب منهم الإيمان به، والدليل من الآية ذاتها أنهم يخاطبون بلقب الإيمان ((يا أيها الذين آمنوا)).. ولا يكونون مؤمنين ولا يخاطبهم الله بلقب الإيمان حتى يكونوا قد آمنوا بالفعل بالله ورسوله، والكتاب الذى نزل على رسوله، والكتاب الذى أنزل من قبل، والملائكة والنبيين واليوم الآخر 00

        فما دلالة التوجيه الربانى؟!

        لو كان الخطاب لغير المؤمنين لكان بلا شك دعوة لهم إلى الإيمان . أما وهو خطاب للمؤمنين بالفعل، فالخطاب له معنى آخر 00

        إنه دعوة لترسيخ الإيمان وتثبيته فى قلب المؤمن. وتذكير له بأن الإيمان ليس درسا يلقى ثم ينتقل منه إلى غيره. إنما هو درس يستوعب ثم ينتقل معه إلى غيره. درس دائم فى حياة المؤمن. درس لا ينبغى أن يغفل عنه ولا عن مقتضياته، ولا أن يفرط فيه، أو يتغافل عنه، أو يتقاعس عن تكاليفه الدائمة فى القلب والجوارح. فى الفكر والسلوك. فى الوجدان وفى واقع الحياة0

        وهذا يلفتنا إلى أمر له أهمية خاصة بالنسبة لهذه الأمة بالذات00

        إنها ليست مجرد أمة من الأمم. ولكن الله أخرجها لتكون ((خير أمة))، وليست مهمتها أن تهتدى فى ذات نفسها فحسب كغيرها من الأمم السابقة، بل أن تكون شاهدة على كل البشرية0

        ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً))([357])0

        وذلك لأنها أمة خاتم النبين، الذى لن يجئ نبى بعده، والذى أرسل إلى البشرية كافة. وهى المكلفة بحمل رسالته من بعده. وأداتها الأولى فى حمل هذه الرسالة والقيام بتكاليفها هى صدق الإيمان، ورسوخ الإيمان، والمحافظة الدائمة على الإيمان0

        لذلك يخاطبهم وهم مؤمنون فيقول لهم ((آمنوا بالله ورسوله.. ))0

        وبهذه المناسبة نقول إن عالمية الدعوة منصوص عليها نصا صريحاً فى الايات المكية ذاتها، ولم تكنن ((تطوراً)) فى فكر الرسولr بعد أن دانت له الجزيرة ودخل الناس أفواجاً فى دين الله كما يزعم المستشرقون فى أباطيلهم. ففى السور المكية الأولى التى نزلت والمسلمون فى مكة مشردون مضطهدون، والرسولr لا يجد من قريش أذنا صاغية، نزل قوله تعالى: ((وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون(51) وما هو إلا ذكر للعالمين))([358])0 وقوله تعالى: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين))([359])0

        كما يتوجه الخطاب فى القرآن فى أكثر من موضع إلى ((الإنسان)) لا إلى قوم بعينهم من بنى الإنسان:

        ((يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم(6) الذى خلقك فسواك فعدلك(7) فى أى صورة ما شاء ركبك))([360])0

        (( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه))([361])0

        فالمخاطبون المباشرون بهذه الآيات هم قريش، أو هم العرب، ولكنهم لا يخاطبون بوصفهم قريشاً بالذات، ولا بوصفهم عربا، ولكن بوصفهم من بنى ((الإنسان)) الذين توجه إليهم الدعوة جميعا، فيسمعها منهم من يتاح له أن يسمع!

        وكذلك يأتى الحديث عن ((الإنسان)) عامة فى مثل قوله تعالى:

        ((وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض))([362])0

        ((إن الإنسان خلق هلوعا(19) إذا مسه الشر جزوعا(20) وإذا مسه الخير منوعا(21) إلا المصلين))([363])0

        ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكوراً(1) إنا خلقنا الإنسان نطفة أمشاج ننبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً))([364])0

        ((لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم(4) ثم رددناه أسفل سافلين(5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون))([365])0

        ((والعصر (1) إن الإنسان لفى خسر(2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر))([366])0

        ولكن ربما كانت ألطف إشارة إلى أن المخاطب بهذا القرآن هو البشرية كلها- على سبيل القطع- وليس قوما معينين منها، هى التى وردت فى موضعين اثنين، بصورتين مختلفتين، فى آيتين مكيتين:

        ((وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون))([367])0

        ((إنا لما طغا الماء حملناكم فى الجارية))([368])0

        فالذين حملوا فى الفلك المشحون لم يكونوا قطعا ذرية المخاطبين بهذا القرآن! سواء كانوا قريشا، أو من يتاح له من العرب أو يسمع، أو كل من استمع بعد ذلك! إنما كانوا ذرية البشرية الأولى على عهد نوح. والمحمولون فى الجارية لم يكونوا كذلك هم العرب المخاطبين بالقرآن أول مرة، ولا غيرهم ممن جاء بعدهم. ولكن الله يقول لهم: ((حملناكم))! حملناكم يا بنى الإنسان! فالخطاب موجه إلى البشرية كافة، من خلال كل من يستمع إلى الخطاب!

        وهكذا تتأكد عالمية الدعوة، وعالمية الخطاب، وعالمية الرسالة، سواء بالنصوص المباشرة الصريحة، أو بالإشارة الصريحة، أو بالإشارة المتضمنة للمعنى، أو بالأوصاف التى تصف النوع الإنسانى كله، ويدخل المخاطبون المباشرون فيها من بين المعنيين بالخطاب!

        ولقد كانت هذه التوجيهات كلها لونا من التربية لهذه الأمة، لتوسيع آفاقها، وإعدادها لرسالتها، لكيلا تنحصر فى ذاتها، فضلا عن أن تنحصر فى قبيلة أو عرق أو لون أو جنس أو لغة أو أرض وإنما تتعامل مع ((الإنسان)) من حيث هو إنسان ملتزمة فى الوقت ذاته بالمعيار الربانى. ((إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير))([369])0

* * *

        وهناك دروس أخرى تأتى من خلال التقديم والتأخير فى السياق نضرب لها الأمثلة الآتية:

(1) ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله))([370])0

يلاحظ فى سياق الآية أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قدم لفظا عن الإيمان بالله. والإيمان بالله لا يتقدم عليه شىء. تلك بديهية من بدهيات العقيدة. والمتدبر لكتاب الله يدرك التركيز الشديد فى القرآن كله على هذه القضية، وأنها محور العقيدة، ومحور الدعوة، ومحور الرسالة التى أرسل بها الرسل جميعا إلى أقوامهم. فما معنى تقديم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لفظا فى الآية على الإيمان بالله؟

معناه أولاً أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر شىء مهم فى ذاته. يبلغ من أهميته أن يقدم لفظا على الإيمان بالله0

ومعناه كذلك أن حقيقة هذا الدين لا ترسخ فى الأرض إلا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حتى إن خيرية هذه الأمة تتقرر أول ما تقرر بكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر0

ويؤكد هذه الأهمية أن الأمة التى تقاعست عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لعنت فى كتاب الله : ((لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون(78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون))([371])0

فإذا كانت الخيرية هنا ترتكز على قيام الأمة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واللعنة هناك سببها أو من أسبابها- عدم قيام الأمة بتلك المهمة، فإن هذا يبين لنا مدى أهمية هذا الأمر فى حياة الأمة. ذلك أن التفلت من التكاليف طبع موجود فى البشر، فإن لم يعالج بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن الفساد ((يظهر)) أى يستشرى فى الأرض :

((ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس))([372])0

والطريقة الوحيدة لمنع الفساد من الأرض هى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، بدرجاته المختلفة، وباختلاف المكلفين بكل درجة من درجاته00

وهذا هو الدرس الذى تبرزه الآية عن طريق تقديم لفظ على لفظ فى السياق0

(2) (( قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين))([373])0

هنا أيضاً قدم شىء فى السياق على الإيمان.. فقوله تعالى: ((وسبحان الله وما أنا من المشركين)) هو الأمر المختص بالعقيدة. أى المختص بالإيمان. ولكنا نجد فى السياق أن البصيرة قدمت لفظا على الإيمان الذى لا يتقدم عليه شىء. فما معنى التقديم؟

معناه أولا أن البصيرة أمر مهم فى الدعوة، يبلغ من أهميته أن يقدم فى السياق على قضية الإيمان التى لا يتقدم عليها شىء 00 وتلك إشارة واضحة إلى أهميتها0

ومعناه ثانيا أن الدعوة إن لم تكن على بصيرة، فإنها لا تؤدى مهمتها المرجوة. وهذا أمر نلحظه جيدا فى وقتنا الحاضر، حيث يذهب كثير من الجهد الذى يبذله بعض الدعاة بلا مردود حقيقى، برغم إخلاصهم فى الدعوة، لنقص عندهم فى البصيرة، يجعلهم لا يسلكون بدعوتهم المسلك الذى يؤثر فى النفوس، بل قد يؤدى أحيانا إلى انصراف الناس عنهم، وعدم الاستفادة من المادة الدعوية التى يقدمونها، وفى ذلك من الخسارة ما فيه .

(3) ((من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون))([374])0

((ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما))([375])0

((فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون))([376])0

((ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا))([377])0

((ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب))([378])0

فى هذه الآيات كلها يتقدم العمل الصالح على الإيمان لفظا فى الاية. وقد قدمنا أن الإيمان لا يتقدم عليه شىء. فتقديم العمل هنا له دلالة.. بل دلالات!

الدلالة الأولى أنه ذو أهمية بالغة، حتى إنه يقدم على الإيمان لا فى آية واحدة بل فى آيات متعددة فى كتاب الله0

والدلالة الثالثة أنه لا يمكن أن يخرج العمل من مسمى الإيمان كما يزعم المرجئة، طالما كانت له هذه الأهمية الواضحة التى تجعله يتقدم على الإيمان فى تلك الآيات0

والدلالة الرابعة أنه لا يمكن أن يكون ((مغايراً)) لحقيقة الإيمان كما يزعم المرجئة كذلك، ويستدلون استدلالا خاطئا بأن واو العطف تقتضى المغايرة لأن الشىء لا يعطف على ذاته! مخالفين بذلك ما يعرفه البلاغيون وأهل اللغة من جواز عطف الخاص على العام، والعام على الخاص، كقوله تعالى : ((من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين))([379]). فجبريل وميكال هما من الملائكة دون شك، وهما معطوفان فى الآية على كلمة ((ملائكته))0

ثم إنه وردت فى كتاب الله آيات تحدد المؤمنين الذين يدخلون الجنة بأنهم همن الذين يعملون الصالحات بغير فصل بين الأمرين ولا عطف، كقوله تعالى: ((ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسناً))([380]). وقوله تعالى: ((إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا))([381]). بما يؤكد أن العمل لا ينفصل عن الإيمان!

(4) ((الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به))([382])0

فى هذه الآية تقدم ذكر التسبيح على ذكر الإيمان. والدلالة الواضحة لذلك هى إبراز أهمية التسبيح بالنسبة للمؤمن. فالمؤمن لابد أن يسبح الله. والتسبيح بالسنبة له هو نوع من العبادة التى يؤديها لله، بل هو عنوان العبادة ومقتضاها؛ فلا إيمان بغير تسبيح. كما أن التسبيح هو التعبير التلقائى عن الإيمان، وهو الأداة التى يتقرب بها العبد من ربه، فيقربه إليه، فيكون من الصالحين0

(5) ((إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى))([383])0

هذا موسى عليه السلام يكلمه ربه، فيشتاق إلى رؤية ربه، ويتوجه بهذه الرغبة إلى مولاه:

((ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرنى أنظر إليك قال لن ترانى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين))([384])0

إنها تجربة هائلة تلك التى خاضها موسى عليه السلام، لا يطيقها إلا أولو العزم من الرسل. ولو شاء الله سبحانه وتعالى أن يقول له ((لن ترانى)) وكفى، فذلك يحسم القضية لأن الله لا يراه أحد فى الحياة الدنيا. ولكن الله أراد أن تمتلئ روح موسى عليه السلام بمشاعر الرهبة تجاه ربه، ويعلم سبحانه أن ذلك معين له فى مهمة الدعوة التى أرسل من أجلها، فهى تعمق إيمانه، وتعمق طاقته فى الدعوة، وتعينه على تحمل الجهد الذى تقتضيه الدعوة من الدعاة00

ولما أفاق من ا لهول الذى غشيه حين اندك به الجبل وهو واقف يترقب رؤية ربه، كلمه ربه مرة أخرى ليطمئنه، ويزيل عنه آثار الهول الذى غشيه، ويتوقع الإنسان أن يقول له ربه إنه اصطفاه على الناس بتكليمه إياه.. وأى اجتباء أكبر من تكليم الله له؟ وأى رفع لدرجاته؟ وأى قربى إلى الله أعظم من هذه القرى؟!

ولكنا نجد فى السياق أن أمرا آخر قد قدم على هذا الشرف العظيم الذى تفضل الله به على موسى ! إنه الرسالة!

((إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى))0

الرسالة إذن هى المقدمة .. هى التشريف الأعظم، وهى التكريم الأعظم 00

نعم .. إن تكليم الله لموسى هو تكريم عظيم له، ولكن الأهمية الكبرى هى للرسالة. هى التى فيها الهدى للناس، لجمهور كبير من الناس..

التكليم أمر يعتز به موسى عليه السلام، ولكنه أمر يخصه وحده. أما الرسالة فلا تخصه وحده، وإنما يعم خيرها محيطا واسعا من البشر .. ولهذا تقدم فى السياق!

(6) ((وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله))([385])0

فى الآية السابقة على هذه فى السياق يحذر الله المؤمنين من الاستماع إلى الخبثاء من أهل الكتاب، الذين يسعون إلى إغواء المسلمين عن دينهم، حسدا وحقدا:

((يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين))([386])0

وقد تكرر هذا التحذير فى أكثر من آية :

((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم))([387])0

((ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق))([388])0

ويتوقع الإنسان أن يقول الله لهم تنبيها وتحذيرا كيف تكفرون ورسول الله بين ظهرانيكم؟! فلا شك فى أن وجود الرسولr  بشخصه بين المؤمنين كان له أعظم الأثر فى تنشئة ذلك الجيل الفريد جيل الصحابة رضوان الله عليهم الذى رباه الرسولr على عينه، والذى بلغ الذروة فى قوة افيمان ورسوخه، اقتداء بالرسولr ، وتأثرا بالمثل الحى أمامهم، الذى تجسد فى شخصه الكريم كل ما فى القرآن من توجيهات وتعليمات، حتى لتقول عائشة رضى الله عنها حين سئلت عن خلق الرسولr : ((كان خلقه القرآن))([389])0

ولكن السياق يظهر لنا أن هناك أمرا آخر تقدم على وجود الرسولr بشخصه الكريم بين المؤمنين.. إنه آيات الله التى تتلى عليهم!

آيات الله المتلوة عليهم هى ركيزة الإيمان الأولى، ووجود الرسولr بين ظهرانيهم ركيزة إضافية، ولكنها ليست هى الأصل!

والرسولr ذاهب إلى ربه ذات يوم :

((إنك ميت وإنهم ميتون))([390])0

ولكن العنصر الدائم المصاحب لهذه الأمة فى مسيرتها هو آيات الله.. هو القرآن المنزل عليهم. ومن ثم يقول الله لهم: ((وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله)) ثم يقول لهم : ((وفيكم رسوله))0

آيات الله هى منبع الإيمان. وهى الحصن الحصين الذى يحمى المسلمين من كيد الأعداء حين يتمسكون بها ويعملون بمقتضاها :

((إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط))([391])0

(7) ((لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم))([392])0

هؤلاء قوم من الكفار الذين حل بهم عقاب من الله فى الدنيا يقول الله عنهم :

((وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين(11) فلما أحسوا بأسنا إذ1ا هم منها يركضون))([393])0

أى أنهم تركوا مساكنهم خوفا وهلعا من مصيبة حلت بهم: رجفة أو صيحة أو زلزال عنيف، أو ما يكون من الوسائل التى يرسلها الله على الكفار عقابا لهم على كفرهم.. والله يوجه لهم القول، فيقول لهم: ((لا تركضوا)) ويتوقع الإنسان أن يقول الله لهم: ارجعوا إلى مساكنكم التى ركضتم منها خوفا وهلعا، فسوف تسألون عن كفركم وجرائمكم..

ولكن السياق يخبرنا بشىء أخر غير المساكن.. قبل المساكن.. يطلب منهم الرجوع إليه من باب السخرية بهم والتبكيت لهم: إنه ((ما أترفتم فيه))!

((وارجعوا إلى ما أترفتم فيه))، فذلك هو الذى جعل الله يسلط عليكم عقابه، وهو الذى يؤدى بكم إلى الهلاك0

تلك نماذج من نوع خاص من التوجيهات00

دروس تربوية، يبرز الدرس فيها من خلال تقديم كلمة واحدة فى السياق0

* * *

        وتعالوا نغترف غرفة أخرى من البحر الزاخر 00

        إن القرآن حافل بقصص الأنبياء .. ترد فى سور شتى ولأغراض شتى. ولنأخذ نموذجاً منها ما جاء فى سورة الأعراف :

        (( لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك فى ضلال مبين(60) قال يا قوم ليس بى ضلالة ولكنى رسول من رب العالمين(61) أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون(62) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون(63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه فى الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين(64) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قومن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون(65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك فى سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين(66) قال يا قوم ليس بى سفاهة ولكنى رسول من رب العالمين(67) أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح آمين(68) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم فى الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون(69) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين(70) قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلوننى فى أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إنى معكم من المنتظرين(71) فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين(72) وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل فى أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم(73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم فى الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا فى الأرض مفسدين(74) قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون(75) قال الذين استكبروا إنا بالذى آمنتم به كافرون(76) فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين(77) فأخذتهم الرجفة فاصبحوا فى دارهم جاثمين(78) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين(79) ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين(80) إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون(81) وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون(82) فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين(83) وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين(84) وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين(85) ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين(86) وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين(87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودون فى ملتنا قال أو لو كنا كارهين(88) قد افترينا على الله كذبا إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شىء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين(89) وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون(90) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين(91) الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين(92) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين))([394])0

        واضح من السياق جملة أمور 00

        فالرسل جميعا أرسلوا إلى أقوامهم بكلمة واحدة، وقضية واحدة: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره 00

        هذه هى قضية الرسل جميعا، وهذه هى قضية الوجود كله.. قضية الإله الواحد الذى لا إله غيره، والذى لا ينبغى أن يعبد غيره 00

        وقد أسلفنا أن الرسل لم يرسلوا ليقولوا للناس إن هناك إلها، فالفطرة تدرك ذلك من غير إرسال رسول :

        ((وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا))([395])0

        ولا أرسل الرسل ليقولوا للناس اعبدوا إلهكم .. فالفطرة تتجه إلى عبادة الإله الذى تؤمن به من غير إرسال رسول، لأن الدين فطرة، والعبادة للإله مركوزة فى الفطرة 0

        إنما أرسل الرسل جميعا ليقولوا : ((ابعدوا الله ما لكم من إله غيره))00

        إنها قضية التوحيد 00 وليست قضية الإقرار بوجود إله 0

        والضلالة الكبرى التى وقعت فيها البشرية فى تاريخها الطويل هى ضلالة الشرك، وليست ضلالة إنكار وجود الله، باستثناء الجاهلية المعاصرة التى أغواها ((شعب الله المختار))([396])!

        ثم كان مع تلك الضلالة الكبرى ضلالات موازية، سواء فى تصور الإله على غير حقيقته، أو إنكار الوحى المنزل من الله على رسله، أو إنكار البعث والحساب، أو اتباع غير ما أنزل الله00

        وكلها ضلالات يقع فيها البشر فى جاهليتهم، فيرسل الله لهم الرسل ليهتدوا إلى الحق، ويعبدوا الله وحده، ويصدقوا ما جاءت به رسلهم، ويتبعوا ما أنزل الله 00

        كما يتضح من السياق أن الأقوام كلهم كذبوا رسلهم، وأبوا أن ينقادوا لهم، وطالبوهم ببينة تثبت دعواهم أنهم رسل من عند الله، فلما جاءتهم البينات أصروا على كفرهم وتكذيبهم وأبو الانقياد !

        إنها إذن ليست مرة عارضة فى تاريخ البشرية.. إنها قصة مكرورة منتظمة الحدوث :

        ((كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون(52) أتواصوا به بل هم قوم طاغون))([397])0

        ((يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون))([398])0

        ((ثم بعثنا من بعده رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين))([399])0

* * *

        الدروس التى تحملها قصص الأنبياء هى دروس موجهة للناس كلهم، مؤمنهم وكافرهم، ولكنها موجهة إلى الدعاة خاصة، الذين هم ورثة الأنبياء، فإن لهم فيها عبرا قد لا يدركها غيرهم، أولا يعيرها التفاتا00

        الدرس الأول أن أهم ما تقوم عليه حياة الناس هو العقيدة 00

        إن الطعام والشراب وغيره من ألوان النشاط الحسى لهى أمور يشترك فيها الإنسان والحيوان، وإن كان الإنسان ينبغى أن يمارسها على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان([400])!

        ولكن الإنسان الذى كرمه ربه لم يكن قط مجرد قبضة الطين. إنما هو صار إنسانا بالنفخة العلوية فيه :

        ((إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين(71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين))([401])0

        فالنفخة العلوية من روح الله هى التى جعلته إنسانا، وهى التى منحته الوعى والإرادة والحرية عناصر الإنسان الأصيلة وهى التى جعلته موضع التكريم الإلهى، وأسجدت له الملائكة:

        ((ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا))([402])0

        ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين))([403])0

        وأول مقتضياتها عبادة الله على بصيرة ووعى وإرادة.. وذلك هو الدين القيم المركوز فى الفطرة .. الفطرة السوية:

        ((فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون))([404])0

        ولكن قوما من البشر تفسد فطرتهم، فينطفئ فى أرواحهم ذلك النور الذى تبعثه النفخة العلوية فى روح الإنسان، فيفقدون إنسانيتهم، ويصبحون كالأنعام، بل هم أضل:

        ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون))([405])0

        ومن ثم ينقسم الناس تجاه الحقيقة الكبرى، حقيقة الألوهية، إلى قسمين اثنين:

        ((هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن00))([406])0

        منهم من يعبد الله، ومنهم من يعبد الشيطان.. وكل عبادة لغير الله هى من عبادة الشيطان؛ لأنه هو الذى يوحى بها للناس:

        ((ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين(60) وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم))([407])0

        ويرسل الله الرسل لهداية الناس إلى ربهم، فيستجيب الذين يسمعون يستجيب أصحاب الفطر السليمة، ويقف مطموسو البصيرة الذين انتكست فطرتهم يعاندون الدين ويعادون المرسلين.

        ذلك هو الدرس الأول ..

        والدرس الثانى أن أول من يتصدى لدعوة الرسل هم ((الملأ)).. ثم تتبعهم ((الجماهير)) الضالة المضللة!

        ولم تتخلف هذه الظاهرة مع أى رسول أرسل إلى الناس!

        ((لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم(59) قال الملأ من قومه إنا لنراك فى ضلال مبين))([408])0

        ((وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون(65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك فى سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين))([409])0

        ((وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم..))([410]). ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون(75) قال الذين استكبروا إنا بالذى آمنتم به كافرون))([411])

        ((وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم ..))([412]). ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا))([413])0

        إن الملأ لا يصدهم عن الهدى مجرى انطماس البصيرة، ولا مجرد اتباع عرف الآباء والأجداد، ولا مجرد النفور من شىء لم يألفوه .. فهذه كلها قد تفعل فعلها مع ((الجماهير)) فتصدها عن الهدى بادئ ذى بدء إلا من فتح الله بصيرته. أما الملأ فقد يشاركون الجماهير فى ضلالاتهم، ولكن لهم سببا خاصا بهم ، يجعلهم يقفون ضد دعوة لا إله إلا الله، ويتصدون لها أول المتصدين.. إنها قضية الولاء.. قضية السلطان! فهم يريدون الولاء والسلطة لهم، بينما لا إله إلا الله تجعل الولاء والسلطان لله.. ودون ذلك وتندق الأعناق! إن لهم سلطة على ((الجماهير)) على الذين استضعفوا يوجهونهم كما شاءوا، ويشرعون لهم ما شاءوا، وتطيعهم هذه الجماهير المستضعفة فيتألهون عليها، ويشعرون بنشوة السلطان بنشوة السلطان القاهر عليها، فتجئ دعوة لا إله إلا الله، فترد الألوهية لله وحده، والسلطان له وحده، والطاعة المطلقة له وحده، وهم لا طاعة لهم إلا فيما يطيعون هم ربهم فيه:

        ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً))([414])0

        ومعنى ذلك سلبهم أعز ما يعتزون به، وأشد ما يبعث الكبرياء فى نفوسهم، وتنتشى له أحاسيسهم.. فيقفون للدعوة أول الواقفين، ويصرون ويعاندون..

        والدرس الثالث أن طلبهم الآية التى تثبت صدق ما يدعيه الرسول من كونه مرسلاً من عند الله، لا ينبع فى الحقيقة من الرغبة فى التثبت والاستيثاق قبل اتخاذ القرار .. فلو أنه كان كذلك لكان المسلك الطبيعى والسوى أن يؤمنوا حين تجيئهم الآية.. إنما هو مجرد تكأة للصد وعدم الانقياد .. فإذا جاءت الآية التى علقوا إيمانهم عليها زادوا عنادا وإصراراً واستكباراً ليغطوا على الحرج الذى يحسونه فى دخيلة أنفسهم من وضوح الحق وانكشاف الباطل وأنه لا يستند على شىء حقيقى00

        والدرس الرابع أن الملأ لا يكتفون تجاه دعوة لا إله إلا الله بالصد والتكذيب، والتشهير والتشويه، إنما يتعدون ذلك إلى الإيذاء! ويشتد الإيذاء كلما استجاب للدعوة نفر من ((المستضعفين)).. لأن معنى استجابتهم أنهم خرجوا على ألوهيتهم المزعومة، واستقلوا بكيانهم عن سلطانهم، أى لم يعودوا خاضعين نفسيا على الأقل لسيطرتهم! وأى شىء يمكن أن يتقبل إلا هذا! حتى وإن أعلن الدعاة المسالمة، وطلبوا المهادنة :

        ((وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين(87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا 00))([415])0

        والدرس الخامس أن الرسل وأتباعهم الذين آمنوا لا يتخلون عن الحق بسبب ما يتعرضون له من الإيذاء، لأن الحق أغلى عليهم حتى من أنفسهم؛ وتعلقهم بربهم، حبا وخشية، أقوى من كل عوامل الضغط والإرهاب الذى يواجههم، ولأنهم بعمق إيمانهم يدركون أن الأمر بيد الله وليس بيد البشر، مهما بدا فى ظاهر الأمر من جبروتهم، فيتوكلون عليه وحده، ويتوجهون إليه وحده بطلب النجاة من قبضة الأعداء :

        ((وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فيتوكل المتوكلون))([416])0

        ((ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين))([417])0

        والدرس السادس أن الباطل ينتفش فترة من الوقت بقدر من الله ثم يأتى نصر الله، فيزهق الباطل، وينتصر الحق ويثبت ويتمكن:

        ((فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض))([418])0

        والدرس السابع أن الفترة التى ينتفش فيها الباطل بقدر من الله- هى فترة التمحيص للمؤمنين، التى تسبق محق الكافرين، ولها حكمتها عند الله :

        ((وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين))([419])0

        ((أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون(2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))([420])0

        وليس عن قلى من ا لله للذين آمنوا به يتركهم يبتلون ويعذبون ويضطهدون على يد الكفار.. ولكن حتى تصفو نفوسهم من كدرها، وتتعلق بالله وحده، وتتوكل عليه وحده، وتتجرد له. فإذا علم الله من نفوسهم أنها خلصت له، ولم يعد حب الدنيا يشغلهم عن ربهم وعبادتهم وآخرتهم، مكن لهم وهم مهيئون نفسيا للتمكين، بمعنى أن التمكين لا يطغيهم فى الأرض لأنهم باعوا الحياة الدنيا، ولا يفسد مشاعرهم لأنهم تجردوا لله، وتعلقوا به حبا ورهبة: ((ويرجون رحمته ويخافون عذابه))([421]).. فينشرون العدل والسلام فى الأرض، ويقومون بحراسة الحق: ((الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور))([422])0

        والدروس لا تحصى 00

        ولكنا نختار درسا معينا نختم به حديثنا فى هذه الفقرة 00

        إنه قصة فرعون 00

        وربما كانت قصة فرعون أكثر القصص ورودا فى القرآن الكريم، فقد ذكر فى القرآن أربعا وسبعين مرة([423]). وفرعون من أشد الطغاة طغيانا فى التاريخ .. ويكفى أن نعرف من جبروته أن موسى عليه السلام حين أمره ربه أن يذهب إلى فرعون ليطلب منه إطلاق سراح بنى إسرائيل، أدركه الخوف، وطلب من ربه أن يعينه بأخيه هارون، فآتاه الله ما سأل، وأرسل معه أخاه هارون، وأمرهما أن يذهبا إلى فرعون، فأعلنا معاً خوفهما من المواجهة!

        ((اذهب إلى فرعون إنه طغى(24) قال رب اشرح لى صدرى (25) ويسر لى أمرى(26) واحلل عقدة من لسانى(27) يفقهوا قولى (28) واجعل لى وزيرا من أهلى(29) هرون أخى (30) اشدد به أزرى(31) واشركه فى أمرى(32) كى نسبحك كثيرا(33) ونذكرك كثيرا(34) إنك كنت بنا بصيرا(35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى))([424])000 ((اذهب أنت وأخوك بآياتى ولا تنيا فى ذكرى(42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى(43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى(44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى(45) قال لا تخافا إننى معكما أسمع وأرى))([425])0

        فماذا كان من أمر السحرة حين آمنوا، فهددهم فرعون بأنه سيقتلهم ويصلبهم فى جذوع النخل:

        (( 00 فلأقطعن أيديكم من خلاف ولأصلبنكم فى جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى))([426])0

        كيف استعلى الإيمان فى قلوبهم على كل متاع الأرض، وكل مخاوف الأرض؟!

        ((قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذى فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا(72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى))([427])

        إنها الروعة التى تجل عن التعبير !

* * *

        وبهذه المناسبة، نقول إن هناك درسا للدعاة خاصة فى قصة سحرة فرعون، وأصحاب الأخدود، وأصحاب الكهف 00 فهؤلاء آمنوا، ثم ذهبوا ضحايا الظلم والطغيان، ولم يمكنوا فى الأض00

        والقصص فى القرآن لا يرد لمجرد تسجيل الوقائع التاريخية، وإنما للعبرة 00

        فما العبرة من إيراد هذه القصص الثلاث فى وسط الحشد الضخم من قصص الأنبياء الذين مكن الله لهم، وأنجاهم من أعدائهم، ودمر على الطغاة بشتى الوسائل:

        ((فكلأ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون))([428])0

        العبرة للدعاة خاصة أنه ليس من الضرورى فى كل مرة أن يمكن الله لأشخاص المؤمنين فى أعمارهم الدنيوية المحدودة .. ولكنه فى كل مرة يمكن للدعوة!

إن هؤلاء الذين قضى عليهم الطغيان فلم يمكنوا فى الأرض، ولم يروا النصر متحققا لأشخاصهم فى عمرهم المحدود .. هؤلاء لم يذهبوا .. إنهم زاد ضخم لدعوة الحق.. زاد باق فى الذكر حتى يرث الله الأرض ومن عليها.. زاد يملأ قلوبا من قلوب المؤمنين جيلاً وراء جيل، فيستصغرون الحياة الدنيا، ويرتفعون بإيمانهم على كل متاع الأرض، وعلى كل مخاوف الأرض، فيقفون بشجاعة وصبر وإيمان فى وجه الباطل، ويضحون بأنفسهم لتكون كلمة الله هى العليا00

كلا! لم يذهبوا! حتى فى الأرض لم يذهبوا .. فضلا عن جنات الخلد فى الآخرة :

((ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون))([429])0

((إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق(10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير))([430])0

((وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين))([431])0

* * *

        يلفت النظر فى قصص الأقوام السابقين فى كتاب الله ذلك الحديث المطول المفصل عن بنى إسرائيل 0

        وفى قصصهم دروس وعبر 00

        ((لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون))([432])0

        إن بنى إسرائيل أمة اختارها الله، وأنزل إليها كتاباً مفصلاً، ومكن لها بكتابها فترة من الزمن فى الأرض، فقام لها ملك، وامتد لها سلطان، وأفاض الله عليها من نعمه 00 ثم 00؟

        ثم كفرت بأنعم الله، وعتت عن أمر ربها، وأفسدت فى الأرض، وضلت وأضلت، فنزع الله منها العهد، ومنحه لأمة أخرى 00

        وهذه الأمة أمة محمدr - اختارها الله ، وأنزل إليها كتاباً مفصلا، ومكن لها بكتابها فترة من الزمن فى الأرض 00 فهى تحذر من خلال قصة بنى إسرائيل المعروضة فى الكتاب المنزل عليها من أن تفعل مثلما فعلت الأمة الأولى فينزع منها العهد 00 وسنة الله لا تحابى00

        ومما يؤسف له أن الأمة الثانية انحرفت رغم التحذير وإن لم تصل قط إلى ما وصلت إليه الأمة الأولى، وتحقق فيها ما أخبر عنه رسولها r : ((لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى إن دخلوا جحر ضب دخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟! قال: فمن؟!))([433])0

        ونأخذ بالذات ذلك الوصف الذى أشرنا إليه من قبل فى فل ((الإعجاز البيانى)):

        ((فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون))([434])0

        فماذا فعلت الأمة الثانية بكتابها الذى مكنها الله به قرونا ممتدة فى التاريخ؟

        لقد تحول فى حس كثير من أبنائها فى جيل الغثاء هذا إلى تراث 00

        تراث من عهد الآباء والأجداد كانوا يطبقونه فى واقع حياتهم ويلتزمون به، فخلف من بعدهم خلف يحفظونه تراثا ولكن لا يعملون به، ولا يطبقونه فى واقع حياتهم،  ولا يعدونه مصدر التلقى ولا منهج الحياة. إنما مصدر التلقى عندهم هو ((الحضارة الغربية)) ومنهج الحياة هو ما يسير عليه الغرب فى السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر 00 وليتهم يجيدون تقليد الغرب فى إيجابياته .. لكنهم يقلدونه فى سلبياته، ويدخلون مثله فى جحر الضب!

        وتشغلهم الحياة الدنيا فيأخذون عرض هذا الأدنى، ثم يقولون: سيغفر لنا! ((أمة محمد بخير))!! ((يا بختنا بالنبى))!!

        وعلى أى أساس يتوقعون الغفران؟ على أساس ما لديهم من ((التراث))! فهم ((أمة القرآن))، وهم ((حفاظ القرآن)) وهم قراؤه!

        أما العمل بمقتضاه، فقضية أخرى .. وربك غفور رحيم!

        نعم .. إن الله لا يترك هذه الأمة تنفلت من دينها كما تفلتت أمم سابقة:

        ((يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة دينها))([435])0

        ولكن أين هى اليوم من رسالتها التى أخرجها الله لتؤديها؟ :

        ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً))([436])0

        منا أحوج الأمة إلى أن تعى الدرس 00 والدروس كلها فى كتاب الله 00

* * *

        ولنغترف غرفة أخرى من البحر الزاخر 00

        ولنتأمل حديث القرآن على السنن الربانية التى يجريها الله فى حياة البشر، والتى قال عنها سبحانه إنها لا تتبدل ولا تتحول، ولا تحابى أحدا من البشر :

        (00 فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا))([437])0

        ((وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين))([438])0

        ((ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا))()[439]0

        ((وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير))([440])0

        ونسأل بادئ ذى بدء : ما علاقة الحديث عن السنن الربانية بمنهج التربية القرآنى، وبالإعجاز التربوى فى القرآن؟

        إن الله لا يورد الحديث عن السنن فى كتابه المنزل لمجرد إثبات الحقائق، وإنما لهدف تربوى وراء ذلك . ولقد تحدثنا من قبل عن إجابة القرآن الكريم عن أسئلة الفطرة التى تلح عليها بوعى أو بغير وعى: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ وكيف؟ تلك الأسئلة التى إن لم تتلق إجابة واضحة محددة بعثت القلق والاضطراب والحيرة فى النفوس، وأدت فى كثير من جاهليات الأرض إلى ضلال كبير .. أوضحه ما تعانيه الجاهلية المعاصرة من القلق والأمراض النفسية والعصبية والجنون والانتحار، وإدمان الخمر والمخدرات والجريمة 00

        وهنا نقول إن القرآن لم يكتف بإعطاء ((رءوس المسائل)) فى ((دليل الرحلة)) التى يقوم بها البشر على الأرض، بإعطاء إجابة واضحة عن أسئلة الفطرة، بل مضى شوطا آخر فى ((البيان)) فبين للبشر خطوطا أدق فى ذلك الدليل، فبين لهم الطرق والمسالك، وبين لهم ما يؤدى إليه كل طريق يسلكه السالكون، حتى يعرفوا من مبدأ الطريق ما الذى تنتهى إليه نهايته، وماذا يجدون فى أثنائه فيختاروا لأنفسهم على بصيرة، ولا يكون أمرهم عليهم غمة وهم يختارون الطريق، ويتحملوا مسئوليتهم كاملة عن اختياره :

        ((بل الإنسان على نفسه بصيرة(14) ولو ألقى معاذيره))([441])0

        ((رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل))([442])0

        و((السنن) هى تلك الطرق.. التى يؤدى كل منها إلى نهاية محددة فى الحياة الدنيا، تترتب عليها نتيجة محددة فى الآخرة 0

        ومن رحمة الله بالبشر أن ثبت لهم هذه السنن، وإلا فلو كانت غير ثابتة فأى ارتباك يمكن أن يصيب البشر فى رحلتهم، حين يسلكون طريقا قيل لهم إنه يؤدى إلى غاية معينة، فيجدون أنفسهم إزاء غاية أخرى غير التى اختاروا الطريق من أجلها؟

        ومشيئة الله طليقة لا قيد عليها، يرتب ما شاء من النتائج على ما شاء من الأسباب، ولكنه رحمة منه بعباده، وتيسيراً لهم فى رحلتهم فى الحياة الدنيا، قد ثبت لهم سننه ليسلكوها على بصيرة، وليحملوا مسئوليتهم كذلك كاملة يوم القيامة0

        ومن رحمته كذلك، أن بين لهم هذه السنن فى كتابه المنزل، فلم يرد لهم أن يضيعوا الجهد فى التعرف على تلك السنن، حتى إذا عرفوها كان جهدهم قد أنهك فى المحاولة والخطأ، ويكون الأوان قد فات! بل اراد لهم أن يكون جهدهم مبذولاً فى الحركة المثمرة فى الطرق التى وضحها لهم وبين لهم عواقبها، حتى يفوزوا بأفضل النتائج فى عمرهم المحدود0

        ولم يخف الله عنهم مشقة الطريق، حين تكون هناك مشقة فى الطريق! بل بينها لهم كاملة من أول الطريق! بل بين لهم أكثر من ذلك أن طريق الإيمان طريق محفوف بالمخاطر والمتاعب والتضحيات، وأن الطريق الآخر حافل بالمغريات! ولكنه وضح لهم نهاية هذا الطريق وذاك! ودعاهم إلى اقتحام الطريق الأول، والصبر على عقبائه وتضحياته، وحذرهم من سلوك الطريق الآخر الملئ بالمغريات. وقال لهم إن أمامهم طريقين: طريقا وعراً شاقا ينتهى بجنة الخلد، وطريقاً محفوفاً بالمغريات واللذائذ ينتهى إلى النار.. ثم تركهم يختارون!

        وليست القضية قضية فرد يسلك هنا أو يسلك هناك00 إنما هى قضية الجموع البشرية.. فالسنن المعروضة لا تخص الفرد وحده، إنما تشمل الجميع 00 وتبين مصائر الأمم كما تبين مصائر الأفراد. ومن ثم، فهى مناهج تربوية تربى كل فرد على حدة، وفى الوقت ذاته تربى الجموع، فتكون جموعاً مهتدية إذا التزمت، أو جموعا ضالة إذا تنكبت الصراط المستقيم0

        ((ولكن درجات مما عملوا))([443])0

        بل إن الله رحمة منه بعباده- لم يكتف ببيان ((رءوس المسائل)) فى كتابه المنزل، ولا بيان السنن التى يجرى قدره من خلالها، بل عرض عليهم مصداق هذه السنن من خلال التاريخ، ووجههم أن يسيروا فى الأرض فينظروا كيف انطبقت تلك السنن فى عالم الواقع خلال التاريخ0

        والقصص فى القرآن يؤدى هذه المهمة 0

        ففضلا عن الجانب الجمالى فى السرد القصصى، الذى أشرنا إلى بعض معالمه فى فصل الإعجاز البيانى، وما له من تأثير فى الوجدان، فإن له هدفاً تربويا واضحا، هو بيان التطبيق الواقعى للسنن الربانية فى واقع الحياة البشرية. وكثير من هذه السنن لا يستوعبها عمر الفرد المحدود، فقد تستغرق أجيالاً عدة من حياة البشر حتى تتحقق بتمامها. لذلك يجئ ذكرها مفصلا فى كتاب الله، وتعرض وقائعها ليرى الناس أنها سنن حقيقية فاعلة فى عالم الواقع، وليعلموا أنها متواترة لا تتخلف ولا تتغير ولا تتبدل، وليعتبروا بها فلا يسيروا فى اتجاه مضاد لها0

        وهذا ينطبق على كل القصص الواردة فى كتاب الله بدءا من قصة خلق آدم، وقصة آدم مع الشيطان، التى يقول عنها رب العالمين إنها ((نبأ عظيم))، لأنها هى رأس القضية كلها بالنسبة للإنسان:

        ((قل هو نبأ عظيم(67) أنتم عنه معرضون(68) ما كان لى من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون(69) إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين(70) إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين(71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين(72) فسجد الملائكة كلهم أجمعون(73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين(74) قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى استكبرت أم كنت من العالين(75) قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين(76) قال فاخرج منها فإنك رجيم(77) وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين(78) قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون(79) قال فإنك من المنظرين(80) إلى يوم الوقت المعلوم(81) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين(82) إلا عبادك منهم المخلصين(83) قال فالحق والحق أقول(84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين))([444])0

        كما ينطبق على قصص الأنبياء مع أقوامهم، التى هى مصداق ما قدره وقرره رب العالمين فى عباده، والتى وقعت أحداثها بالفعل فى واقع الأرض، والتى هى سارية المفعول إلى يوم القيامة: فالفائزون فى الدنيا والآخرة هم الذين اعتبروا بالدرس ووعوه، وعملوا بمقتضاه، والخاسرون هم الذين غرتهم الأمانى، وغرتهم الحياة الدنيا، فاستمعوا لغواية الشيطان، فهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم، كما جاء وصفهم فى الآية الثانية عشرة من سورة ((محمد))0

        والآن فلنأخذ فى الحديث عن بعض السنن الواردة فى كتاب الله0

        هناك سنن تتعلق بالتمكين فى الأرض، ويبين الله لنا منذ البدء أن التمكين ليس خاصا بفئة دون فئة، فالمؤمنون يمكنون، والكفار يمكنون:

        ((كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً))([445]) 0

        ولكن هؤلاء أو هؤلاء لا يمكنون بغير جهد يبذلونه، فقد كتب لعى الإنسان أن يكدح لينال ما يريد :

        ((يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه))([446])0

        ((لقد خلقنا الإنسان فى كبد ))([447])0

        فالأسباب التى لابد من اتخاذها للحصول على التمكين واحدة بالنسبة لهؤلاء وهؤلاء00

        ولكن تفترق بعد ذلك الطريق.. فهناك نوعان من التمكين: تمكين الرضا، وتمكين الاستدراج، الأول للمؤمنين والآخر للكفار، ولكن منهما سمات فى واقع الحياة الدنيا، وأما فى الآخرة فهما على طرفى نقيض0

        يقول تعالى عن تمكين الاستدراج :

        ((والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون(182) وأملى لهم إن كيدى متين))([448])0

        ((ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لأنفسهم إنما نملى لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين))([449])0

        ((ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون(15) أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون))([450])0

        بل إن الله قد يزيد لهم فى التمكين استدراجاً لهم إذا أوغلوا فى الكفر، ولكن إلى حين:

        ((فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء حتى إذا فرحوا بما أتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون(44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين))([451])

        أبواب كل شىء من زينة الحياة الدنيا وزخرفها الحسى والمادى.. ولكن هناك بابين من أبواب التمكين لا يعطيهما الله للكفار، وإنما يختص بهما المؤمنين، وهما الفارق الرئيسى بين تميكن الرضا وتمكين الاستدراج:

        ((ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض00))([452])

        ((الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب))([453])0

        البركة والطمأنينة بابان من أبواب التمكين لا يحصل عليهما الكفار فى الحياة الدنيا، برغم كل الأبواب المفتحة عليهم، من القوة السياسية والحربية والتكنولوجية والرخاء المادى.. ومن كان فى شك من ذلك فلينظر إلى واقع الغرب اليوم، الذى وصل فى قوته المادية إلى مستوى لم يسبق للبشرية أن وصلت إليه، ومع ذلك فهو يعج بالشقاء والكآبة التى توصل بعض الناس إلى الانتحار والجنون والأمراض النفسية والعصبية وتسلم بعضهم إلى الخمر والمخدرات، وتدفع آخرين إلى الجريمة00

        كلا! لا بركة ولا طمأنينة 00

        بينما تمكين الرضا فيه كل أبواب القوة، مضافاً إليها الطمأنينة الروحية المنبثقة من ذكر الله، والبركة التى تحيط المجتمع المسلم من فيض الرحمن :

        ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئاً))([454])0

        فقد تكفل الله لهم بالاستخلاف والتمكين والتأمين، فضلا عن البركة والطمأنينة، حين يعبدونه حق عبادته، ويقومون بمقتضيات دينهم وتكاليفه على الوجه الصحيح00

        ومن ثم، فإن الذين ينبذون دينهم ويقولون إنهم ينبذونه ليحصلوا على القوة والتمكين واهمون فى دعواهم ومموهون. فقد جرفتهم أهواؤهم وشهواتهم، ولكنهم يتظاهرون بالعقلانية، وبأن عقلانيتهم هى التى تدفعهم إلى نبذ الدين! كلا! لقد كرهوا ما أنزل الله، ثم زينوا كفرهم بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان0

        إذا كان الغرب قد نبذ دينه لأسباب كامنة فى ذلك الدين وفى رجاله وكنيسته ثم حصل على القوة والتمكين، فذلك تحقيق للسنة التى يعامل بها الكفار :

        ((فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء))([455])0

        أما المؤمنون فلا يمكنهم وهم عصاة! لا يمكنهم حتى يعودا إليه، ويستقيموا على طريقه.. وتاريخهم كله هو مصداق هذه الحقيقة: كلما تمسكوا بدينهم تمكنوا فى الأرض.. وكلما تخلخلت قبضتهم من حبل الله المتين جاءهم الأعداء، وعجزوا عن صدهم، وأدركهم الوهن، فذلوا 00

        ((فألا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها))؟!([456])

        وهناك سنن لزوال التمكين 00

        ((ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها لى قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))([457])

        ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا))([458])

        الترف هو الحمض الأكال الذى يأكل الأفراد والشعوب.. والشعوب بصفة خاصة 0

        ولأن السنن الاجتماعية بطيئة فى تحققها، وقد تستغرق مئات السنين حتى يتكامل مفعولها، فإن كثيرا من الطغاة لا يدركونها حين لا تتحقق فى أعمارهم المحدودة، فيحسبون أنهم ناجون من آثارها، أو يقولون من جانب آخر: ((أنا ومن بعدى الطوفان!)) فيستغرقون فى الترف غير ناظرين إلى النتائج. فيقول الله لهم: سيروا فى الأرض فانظروا! انظروا كيف كانت مصاير من كان قبلكم. فالتاريخ هو معرض تحقق السنن الاجتماعية الطويلة الأمد، التى تتجاوز أعمار الأفراد .. ولكن الطغاة خلال التاريخ لا يعتبرون! وكل واحد منهم يظن أنه حالة فريدة غير مسبوقة، لا تنطبق عليها أحوال السابقين :

        ((وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكمن كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال(45) وقد مكروا مكرهم))([459])0

        لذلك يعج التاريخ بأخبار الطغاة!

* * *

        ويلحق بسنن زوال التمكين سنة التداول :

        ((وتلك الأيام نداولها بين الناس))([460])0

        لم تدم قوة فى الأرض مهما طال بقاؤها.. وإنما يحدث التغيير دائماً، وتنتقل القوة من مكان إلى مكان، ومن شعب إلى شعب، ومن جنس من أجناس البشر إلى جنس آخر0

وعلى الرغم من أنها سنة من سنن الله، لها حكمتها عنده، فإن لها أسبابها.. فهى لا تحدث اعتباطا. إن الأمم فى نشأتها واضمحلالها تمر بأطوار 00

فى نشأتها تكون مستوفزة الطاقات، فهى تصارع القوى القائمة لتثبت وجودها، ثم لتثبثت وجودها. والصراع دائماً يحفز القوى الكامنة، فتعمل بكل طاقتها00

ثم تجئ فترة تكون الأمة ممكنة ولكنها خائفة من أعدائها، فتظل يقظة لنفسها وما حولها، فيستمر تمكينها 0

ثم تجئ فترة أخرى تطمئن فيها إلى أنها قد أصبحت فى مأمن من أعدائها، لأنها بلغت مبلغا من القوة يرهب أعداءها فلا يفكرون فى العدوان عليها00

وفى هذه الفترة يبدأ التراخى، ويبدأ الترهل، ويبدأ الترف، ويبدأ الانحلال الذى يؤدى إلى الضعف، فيطمع الأعداء 00

وحين يصل الترف إلى حب الحياة وكراهية الموت، وكراهية تكاليف الجهاد فى الأنفس والأموال، يبدأ الاضمحلال الذى يؤدى إلى الزوال! وتنتقل القوة إلى مولود جديد، يشب ثم يترعرع، حتى تدركه السنة فى نهاية المطاف 00

وقد التفت ابن خلدون إلى هذه السنة وركز عليها كثيرا، وعنه أخذ توينبى، وشبه الأمة بالشجرة ، تبدأ صغيرة نابتة، ثم تقوى وتتمكن، ثم تشيخ فتموت، وقال إن تاريخ الأمم كتاريخ الأفراد يبدأ بالمبلاد وينتهى بالموت00

ولكنا حتى لو افترضنا صحة ما ذهب إليه ابن خلدون، وتابعه توينبى، فنحن نتساءل: هل الشيخوخة التى تؤدى إلى الموت هى السنة، أم هى الترف الذى يؤدى إلى الانحلال؟

ونسأل سؤالا آخر: هل الأمة الإسلامية تنطبق عليها تلك السنة المفترضة: سنة الشيخوخة التى تؤدى إلى الموت؟

نحسب والله أعلم- أن الله لم يكتب هذه السنة إن كانت سنة حقا- على الأمة الإسلامية فى مجموعها. فقد شاخت الدولة الأموية وذهبت، وشاخت الدولة العباسية وذهبت، وشاخت دولة المسلمين فى الأندلس وذهبت، وشاخت الدولة العثمانية وذهبت حين أصيبت كلها بالداء القاتل، داء الترف، ولكن الأمة الإسلامية لم تذهب!

والصحوة الحالية دليل 00

والمستقبل مفعم بآمال العودة إلى التمكين، وخاصة حين تقع المعركة التى أخبر عنها الرسول r، التى يقول فيها الحجر والشجر : يا مسلم يا عبد الله، هذا من خلفى يهودى فتعال فاقتله00

وقد يكون مفتاح الأمر هو قول الرسول r: ((يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة دينها))([461])0

وإذا تجدد الدين تجددت القوة وعاد التمكين تحقيقا لوعد الله :

((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئاً))([462])0

* * *

        من السنن التى يرد ذكرها كثيرا فى كتاب الله سنة الابتلاء :

        ((إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً))([463])0

        ((إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا))([464])0

        ((ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون))([465])0

        والابتلاء أنواع00 بعضها عام يشمل البشر جميعا، وبعضها يختص بفئة معينة من الناس0

        والابتلاء العام الذى يشمل البشر جميعا قد أشرنا إليه من قبل، ولا بأس بالتذكير به هنا مرة أخرى0

        فى فطرة الإنسان رغبة عميقة فى الاستمتاع، والأرض مزينة بألوان مختلفة من المتاع، ولكن الله سبحانه وتعالى وهوالحكيم الخبير رسم حدوداً أباح المتاع فى داخلها وحرمه خارجها، وله حكمته فى التحليل والتحريم. فهو يحل الطيبات ويحرك الخبائث، فأباح ما يعلم سبحانه فى صالح الإنسان، وحرم ما يعلم أنه يضره. ولكن الرغبات فى نفس الإنسان حادة وعميقة :

        ((زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب))([466])

        والاختبار الذى يوضع الإنسان فيه فى كل لحظة من لحظات حياته الواعية المريدة المختارة هو هذا: هل يلتزم فى تناوله للمتاع الأرضى بالحدود التى رسمها الله، أم تغلبه شهوته فيتجاوز الحدود؟ وفى كل لحظة تسجل له نقطة فى الاختبار، وفى النهاية تعلن النتيجة، فإما إلى الجنة وإما إلى النار0

        ذلك هو الاختبار الأكبر الذى خلق الإنسان من أجله، وهو وثيق الصلة بالعبادة التى قال الله إنه لم يخلق الإنسان إلا لها:

        ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))([467])0

        فالعبادة معناها أو مؤداها طاعة الله فيما أمر به وما نهى عنه. أى بعبارة أخرى- الالتزام بالحدود التى حددها الله للمتاع. ومادة الاختبار هى نفس الأمر: هل يعبد الإنسان ربه فيطيعه أم يعبد الشيطان؟

        وأداة الشيطان التى يفتن بها الناس عن عبادة ربهم هى تزيين المتاع الزائد عن الحد: ((قال رب بما أغويتنى لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين(39) إلا عبادك منهم المخلصين))([468])0

        ((قال فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم(16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين))([469])0

        ((قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً(63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً))([470])0

        ((وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضا(118) ولأضلنهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم 00))([471])0

        ويلاحظ فى الآية الخيرة وصف دقيق للخطوات التى يتبعها الشيطان فى غواية الناس، فهو ابتداء يضلهم، فيقودهم إلى الطريق الذى قال لهم الله لا تسلكوه، ويمنيهم أنهم سيجدون بغيتهم (من المتاع) فى هذا الطريق، فإذا استسلموا له أخذ يأمرهم أمراً بمخالفة أمر الله فيطيعونه00

        ومن رحمة الله بعباده أنه لا يخرجهمن من رحمته بمجرد هفوة يستجيبون فيها لوسوسات الشيطان :

        ((والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون(135) أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين))([472])0

        ومتى مرتكب الكبيرة لا يخلده فى النار، إنما المخلدون فى النار هم الذين يكفرون بآيات الله، والذين يشركون به، والذين يستحلون ما حرم الله، ويشرعون بغير ما أنزل الله0

        إذا كان هذا هو الاختبار العام الذى يدخل فيه الناس جميعاً، فينجح من هداه الله، ويرسب من وقع فى الضلال، فهناك أنواع أخرى من الاختبار أو الابتلاء- لا تقع لكل الناس، إنما فئات وفئات00

        فبعض الناس يبتلون ببسط الرزق، وبعضهم يبتلون بقدر أرزاقهم:

        ((فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن(15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن(16) كلا 00))([473])0

كلا! ليست القضية كذلك! ليست بسط الرزق أو تقديره.. إنها قضية الابتلاء ببسط الرزق، أو الابتلاء بتقديره! أى اختبار سلوك الإنسان حين يبسط له الله فى الرزق.. كيف يتصرف؟ وحين يقدر له رزقه كيف يتصرف؟! وهو فى الحالين موضع اختبار 00

فأما الذى بسط الله له فى الرزق، فإن شكر النعمة، وأعطى حق المال فلم يبخل به، ولم يسرف فى إنفاقه، ولم ينفقه فى سرف ولا ترف ولا مخيلة، فقد نجح فى الاختبار، وأما غير ذلك:

((كلا بل لا تكرمون اليتيم(17) ولا تحاضون على طعام المسكين(18) وتأكلون التراث أكلا لما(19) وتحبون المال حباً جما))([474]). أولئك راسبون!

وأما الذى قدر الله عليه رزقه فإن صبر وحمد الله على ما أعطى، وسأل الله من فضله، ولم يلجأ إلى وسيلة حرام يزيد بها ماله، فقد نجح فى الاختبار.. وأما إن سخط، وقال ((ربى أهانن)) ولم يكرمنى كما أكرم غيرى وأنا أحق بفضل الله من غيرى.. فهذا من الراسبين!

وهناك ابتلاء بفضل خاص يعطيه الله فرداً أو جماعة أو أمة، لينظر كيف يفعلون. كما قال سليمان عليه السلام : ((قال هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم))([475])0

وكما قال موسى عليه السلام لبنى إسرائيل: ((عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الأرض فينظر كيف تعملون))([476]). وكما قال الله عن بنى إسرائيل : ((وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين))([477])0

وهناك ابتلاء لكشف المؤمن من المنافق، وتصفية الصف من المنافقين :

((أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون(2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))([478])0

((ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما فى صدور العالمين(10) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين))([479])0

((ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم))([480])0

واختبار الصبر هو أشد درجات الاختبار، وهو فى الوقت ذاته أعلى درجات الاختبار:

((ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين(155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون(156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون))([481])0

((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين))([482])0

((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب))([483])0

والأجر على الصبر أعلى الأجر :

((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب))([484])0

* * *

        أشرنا من قبل إلى بعض الشروط التى اشترطها الله على المؤمنين لكى يستحقوا تنزل النصر عليهم :

        ((هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم(63) يا أيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين(64) يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال))([485])0

        لابد من وجود مؤمنين متآلفة قلوبهم، متجردين لله، مستعدين للقتال.. وثمة شروط أخرى:

        ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة))([486])0

        ((يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون))()0

        ((يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار))()0

        ((وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين))()0

        وهناك سنن غالبة أى ليست حتمية- يتحقق فيها انتصار الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة الكافرة :

        ((كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين))()0

        بينما الفئة الكثيرة قد تغلب إذا أعجبتها كثرتها، ونسيت التوكل على الله :

        ((ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين(25) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين))()0

* * *

        وأخيرا نتحدث عن سنة التدافع :

        ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين))()0

        وبعض الناس يخلط بين هذه السنة وبين ما يسمى ((صراع البقاء)) الذى أشار إليه دارون، وقال فيه ((البقاء للأنسب)) "Survival for the fittest" فحرفها من حرفها إلى ((البقاء للأصلح)). ثم زعم الزاعمون من الغرب أنهم هم الأولى بالبقاء، لأنهم هم الأصلح!

        فدارون أولا لم يتحدث قط عن((القيم))! ولم يذكر الصلاح بالمعنى المعروف عليه0 إنما قال حين تحدث تغيرات جيولوجية فإن الكائنات التى لا يتناسب تركيبها مع الأحوال الحادثة تنقرض(كما انقرض الديناصور) وتبقى الكائنات التى يتناسب تركيبها- أو لا تتأثر- مع الأحوال الحادثة، ولا صلة برقى الكائن أو عدم رقيه فى سلم التطور0 فإن الديناصور الذى انقرض كان أرقى بما لا يقاس من الصرصار، ومع ذلك انقرض الديناصور الأرقى وبقى الصرصار! والأمر أولا وأخيراً فى عرف دارون لا صلة له بالصلاح النفسى أو الخلقى، فذلك موضوع لم يتطرق له دارون قط، وهو من عيوب نظريته، حين زعم أن الإنسان قد انحدر عن أحد القردة العليا، وأهمل تماما الجانب النفسى والأخلاقى والروحى الذى يفرق بين الحيوانات جميعا وبين الإنسان، والتفت إلى التركيب الجسدى وحده00

        ولكن بصرف النظر عن كل ذلك، فالسنة التى يتحدث عنها القرآن الكريم ليست هى ((صراع البقاء)) الذى يتحدث عنه الغرب، والذى هو غارق فيه إلى الأذان، والذى يحسبه هو الغاية القصوى من الوجود!

        إن صراع البقاء لمجرد البقاء، أو من أجل الغلبة والسيطرة، بغير قيم ولا أخلاق، وهو السائد فى عالم اليوم، لهو صراع مدمر، لأنه هو الذى جعل شريعة الغاب هى العملة المتداولة بين الشعوب، القوى يأكل الضعيف، أو يزيحه من الطريق0

        بينما التدافع الذى قرره الله وجعله من سننه هو تدافع الخير والشر، الذى ينتهى بغلبة الخير والقضاء على الشر. والله يمن على عباده بأنه جعل من سننه أن يوجد فى الأرض أهل حق وأهل إيمان وأهل صلاح يدفع الله بهم أهل الباطل، فيزهق الباطل وينتصر الحق، وتخلو الأرض من الفساد أو فى القليل ينحسر الفساد فلا يصبح هو المسيطر. وتلك كانت مهمة الأمة التى أخرجها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، والأمة الوسط التى تكون شاهدة وقائدة ورائدة لكل البشرية.. وإن غياب هذه الأمة عن الساحة لهو الكارثة الكبرى التى أصابت البشرية بما أصابها من فشو الفساد فى الأرض، وفشو الظلم والاستبداد وصنوف الانحراف، ويكفى منه السيطرة العالمية لليهود، والعولمة التى تريد أن تفرض الظلم الاقتصادى والانحلال الخلقى فى الأرض00

        كلا! ما أبعد سنة الله التى تهدف إلى حفظ الأرض من الفساد، عن أعراف البشر الضالة فى عصر عبادة الشيطان، التى تجعل الفساد هو الغالب فى الأرض!

* * *

        ولعل خير ما نختم به حديثنا عن الإعجاز التربوى فى كتاب الله الكريم، هو أسماء الله الحسنى0

        إن تكرار ورود الأسماء والصفات فى القرآن الكريم هو ظاهرة تلفت النظر 00 ولقد تحدثنا عن هذه الظاهرة من قبل فى الحديث عن الإعجاز الدعوى بوصفها وسيلة مثلى لتعريف الناس بربهم، وترسيخ الإيمان فى نفوس المؤمنين، وأشرنا إلى أنها كثيرا ما ترد فى ختام الآيات القرآنية بما يناسب المعنى الذى تشمله الآية 0

        والآن نتكلم عن الظاهرة ذاتها كفى مجال الإعجاز التربوى. وإن أثرها فى المجال التربوى لا يقل بحال عن أثرها فى المجال العقدى. ولا عجب، فالعقيدة هى الركيزة الأولى والكبرى فى منهج التربية الإسلامى. فغذا رسخت العقيدة فى صورتها الصحيحة فقد أصبحت النفس مهيأة للتلقى من عند الله، والالتزام بما جاء من عند الله، والتخلق بأخلاق الله. وهذه هى التربية الحقة، التى تنشئ ((الإنسان الصالح))0

        ومن هنا كانت الحكمة فى التركيز على الأسماء والصفات، وترديدها فى كل مناسبة، سواء كانت المناسبة قصة تروى من قصص الأنبياء مع أقوامهم، أو توجيها روحياً، أو توجيهاً أخلاقياً، أو توجيهاً عقلياً ، أو توجيهاً اجتماعياً أو سياسياً أو حربياً أو اقتصادياً.. إلى آخر هذه التوجيهات التى يزخر بها القرآن 0

        خذ مثلاً من سورة الشعراء، حيث ترد قصص مجموعة من الأنبياء مع أقوامهم. ففى نهاية كل قصة يرد قوله تعالى : ((إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين(103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم))([487])0

        وأحياناً يكون ورود الأسماء والصفات فى افتتاح القصة لا فى عقبها كما جاء فى سورة الحجر : ((نبئ عبادى أنى أنا الغفور الرحيم(49) وأن عذابى هو العذاب الأليم(50) ونبئهم عن ضيف إبراهيم 00))([488])

        وأحياناً يكون فى أثناء القصة كما جاء فى سورة القصص فى أثناء قصة موسى عليه السلام: ((قال رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم))([489])0 وكما جاء فى سورة النمل: ((إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون(76) وإنه لهدى للمؤمنين(77) إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم))([490])0

        وخذ هذا التوجيه : ((لله ما فى السموات وما فى الأرض وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شىء قدير))([491])0

        وهذا التوجيه : ((إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما فى السموات وما فى الأرض والله على كل شىء قدير(29) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد))([492])0

        وهذا التوجيه : ((وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً(30) يدخل من يشاء فى رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً))([493])0

        وهذا التوجيه : ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم))([494])0

        وهذا التوجيه : ((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم))([495])0

        وهذه التوجيهات : ((ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً (147) لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً(148) إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً))([496])0

        وهكذا 00 وهكذا 00 وهكذا عشرات التوجيهات أو مئاتها تنتهى بذكر اسم من أسماء الله الحسنى أو صفة من صفاته العلا 00 فما المقصود ؟

        هل أنزلت هذه الأسماء والصفات لنحولها إلى جدل ذهنى أو قضايا فلسفية كما فعلت الفرق الضالة بتأثير الغزو الفكرى اليونانى أو غير من التأثيرات؟!

        إن أسوأ ما فعلته هذه الفرق الناشزة أنها أفرغتن الأسماء والصفات من شحنتها التربوية الهائلة، وحولتها قضايا ذهنية باردة لا حيوية فيها ولا حرارة ولا تأثير 00

        إنما كانت هذه الإشارات المتكررة المتعددة المتنوعة إلى أسماء الله وصفاته لتحيط بالقلب البشرى فى جميع أحواله، وتربطه بالله برباط وثيق 0

        فأيا تكن حالة الإنسان، وأيا تكن الظروف التى يمر بها، أو المشاعر التى يعانيها فثم الله. الله هو المدبر. الله هو الفعال لما يريد. الله هو الرزاق. الله هو الفتاح. الله هو مفرج الكرب. الله هو منزل الغيث. الله هو الباسط القابض. الله هو المحيى المميت . الله هو الضار النافع. الله هو مالك الملك. الله هو مقدر المقادير 00

        فماذا يفعل الإنسان فى أى ظرف يمر به؟ أو أى شعور يلم به؟ أو أى رغبة يرغبها؟ أو أى مخافة يخافها؟ لمن يتوجه؟ ممن يطلب؟ من يستغيث؟ من يرجو؟ من يخاف؟ من يستعين؟ لمن يركن؟ على من يتوكل؟

        إنه الله 000

        ذلك هو الأثر التربوى المطلوب :

        ((إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب(190) الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم))([497])0 أى فى جميع أحوالهم 0

        يريد مالا وغنى وسلامة وعافية؟ فمن المغنى؟

        يريد نصرا على الأعداء؟ فمن الناصر ؟

        يريد النجاة من شىء يخافه؟ فمن المنجى؟

        يريد بنين وحفدة؟ فمن المعطى؟

        أينما توجه 00 فعند من حاجته؟

        وإن الإنسان لينسى 00

        يغرق أحياناً بين الأسباب فيظنها هى الفاعلة، فيركن إليها وينسى من وراء الأسباب0

        يغرق أحياناً فى خوف من طاغوت يفزعه، فيحسب أن بيده الضر والنفع، فيتزلف إليه، على حساب دينه أو كرامته، يبتغى النجاة من طغيان، وينسى أن البلاء حين يقع فهو مقدر له من عند الله، ((وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم))([498])0

        يغرق أحياناً فى تطلع إلى أمل يرجوه أو رغبة يريد تحقيقها، فينسى.. ينسى عند من هى؟ وما الطريق السليم إليها؟ فيندفع، فيعصى ربه، ويغفل عن رقابة الرقيب سبحانه، فيقع فى الضلال00

        وحين يعيش مع القرآن لا ينسى!

        لا فرصة له إلى النسيان!

        فالتذكير قائم أمامه لا ينقطع، ولا يفتر، يحيط به من كل جانب، فلا يدع له فرصة للتفلت أو النسيان:

        ((إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد))([499])0

        وتلك هى المهمة العظمى التى تؤديها الأسماء والصفات فى كتاب الله، والتى أفسدتها الفرق الضالة بما أثارته حولها من جدل ذهنى عقيم، لا يسمن ولا يغنى من جوع!

* * *

        بهذه الوسائل كلها التى ذكرناها تتم التربية فى رحاب القرآن.

        وبهذه الوسائل كلها أخرجن الله ((خير أمة أخرجت للناس)) من تلك القبائل المتناحرة التى لم تكن لتهتدى لولا أن هداها الله، ولا لتأتلف قلوبها أن ألف بين قلوبها الله.

        وبهذه الوسائل كلها تكون تربية الأجيال حين يراد حقا تربية الأجيال على الإسلام0

        فأى إعجاز أعظم من هذا الإعجاز؟

        لقد كان الإعجاز البياى هدفا مقصودا فى ذاته لتحدى المكذبين المنكرين من العرب المخاطبين بهذا القرآن أول مرة، وكل مكذب يأتى بعدهم فى التاريخ 00

        ولكنه كان فى الوقت ذاته أداة للإعجداز الدعوى، لتجلية عقيدة لا إله إلا الله، وتثبيتها فى القلوب0

        ولقد كان الإعجاز الدعوى، المشتمل على الإعجاز البيانى، هدفا مقصودا فى ذاته، لتعريف الناس بربهم الحق، ليعبدوه وحده بلا شريك0

        ولكنه كان فى الوقت ذاته أداة للإعجاز التربوى لإنشاء ((الإنسان الصالح))

        وهكذا تلتقى كل مجالات الإعجاز، متعانقة متآلفة لتحقيق الهدف المنشود 0

        وإن هذا ذاته لهو إعجاز !

من الإعجاز التشريعى

        كل رسالة جاءت من عند الله كانت عقيدة وشريعة ومنهاجا للحياة 00

        فأما العقيدة، فهى واحدة فى الرسالات جميعاً ولم تتغير ولم تتطور كما يزعم علم مقارنة الأدبيان الجاهلى.. فقد كانت منذ أول رسالة إلى آخر رسالة هى ((لا إله إلا الله)) ((اعبدوا الله ما لكم من إله غيره))0 إنما الذى تغير وتطور هو عقائد الجاهلية، لأنها صناعة بشرية، تتأثر بأحوال البشر الذين يصنعونها، وتتغير معهم من حال إلى حال. ويجوز أن تكون قد تطورت كما يزعم علم مقارنة الأديان الجاهلى من عبادة الأب، إلى عبادة الطوطم، إلى عبادة قوى الطبيعة، إلى عبادة الأفلاك إلى عبادة الأصنام.. أما العقيدة الصحيحة منذ آدم إلى محمد r إلى قيام الساعة، فهى عقيدة التوحيد، تفئ إليها البشرية حينا مع بعثة رسول أو نبى، ثم تنحرف عنها لونا من الانحراف، حتى يأتى رسول آخر يعيد الناس إلى العقيدة الصحيحة، فيعود من اهتدى، ويضل من يضل:

        ((ولقد بعثنا فى كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة))([500])0

        ثم جاء خاتم الرسلr ليبلغ الكلمة ذاتها ((لا إله إلا الله)) ((اعبدوا الله ما لكم من إله غيره))، ولكن لا لقوم معينين، بل للبشرية جمعاء :

        ((قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعاً الذى له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون))([501])0

        هذا أمر العقيدة 00

        أما أمر الشريعة فهو مختلف 00

        ((لكل جعلنا منكم شرعة ومهاجاً 00))([502])0

        ثم كانت الشريعة الخاتمة التى تمت بها النعمة واكتمل الدين :

        ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً))([503])0

        وقبل أن نتحدث عن بعض جوانب الإعجاز التشريعى فى القرآن الكريم، نشير إلى قضية مهمة من القضايا التى تنحرف فيها الجاهلية المعاصرة، التى تدعو إلى دين يتمثل فى عقيدة بلا شريعة.. أى علاقة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا علاقة لها بواقع الحياة السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى، فذلك زعموا من شأن البشر، وهم الذين يفتون فيه من عند أنفسهم، دون الرجوع إلى ما أنزل الله. ويسمون الحكم بما أنزل الله، أو المطالبة بتحكيم شريعة الله (( تسييساً للدين)) تحرمه الدساتير!!

        وأوربا صنعت ذلك فى دينها وشريعتها لظروف خاصة ألمت بها، تحدثنا عنها فى أكثر من كتاب، خلاصتها أن أوربا لم تعرف الدين المنزل على حقيقته قط، إنما عرفت دينا محرفا، حرفه آباء الكنيسة، وهم لم يطبقوا شريعة الله قط (إلا فى الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج والطلاق وشئون الأسرة))، وإنما طبقوا من عند أنفسهم باسم الدين طغياناً بشعا نفر الناس من الدين، فثاروا عليه ونحوه من حياتهم، وحجموه فى تلك العلاقة الخاصة بين العبد والرب، التى محلها القلب، ولا صلة لها بالواقع السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى، إنما تحكم هذا الواقع قوانين البشر0

        وأوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء، ويوم تلقى ربها يحاسبها بما شاء سبحانه00

        أما المسلمون، فهذه الدعوى غريبة كل الغربة عليهم، مبعثها الغزو الفكرى والانبهار بما عند الغرب، ورفض التلقى من عند الله، واتخاذ ما تفعله أوربا وحيا لابد من اتباعه!

        إن الدين كما تمثل فى الرسالات السماوية كلها، والرسالة الأخيرة بصفة خاصة ينزل ((مسيساً)) من عند الله سحانه وتعالى، وليس البشر هم الذين يسيسونه من عند أنفسهم! كما أن البشر لا يحق لهم أن يقولوا برأيهم فى أمر قضى الله فيه سبحانه وتعالى بحكمه :

        ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً))([504])0

        والذى قضى به الله سبحانه هو قوله :

        ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون))([505])0

        ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون))([506])0

        ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون))([507])0

        ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً))([508])0

        وبصرف النظر عن الجدل الذى يثار أحياناً، فإن إجماع الأمة الذى لم يخرج عليه عالم واحد فى تاريخ الأمة أن التشريع بغير ما أنزل الله كفر مخرج من الملة، وليس كفرا دون كفر كما يزعم المرجئة المحدثون!

        إنه مسألة تتعلق مباشرة بعقيدة لا إله إلا الله 00 فالإله وحده سبحانه وتعالى- هو الذى يحق له أن يقول: هذا حلال وهذا حرام0 هذا حسن وهذا قبيح. هذا مباح وهذا غير مباح (وهذا هو التشريع: منع وإباحة، وتحليل وتحريم، وتحسين وتقبيح) والله وحده هو صاحب الحق فى ذلك، بكل صفات الألوهية والربوبية التى يتصف بها وحده سبحانه وتعالى والتى لا يشاركه فيها أحد من خلقه، وبصفة خاصة هذه الصفات: أنه هو الخالق، وأنه هو العليم الحكيم، وأنه هو اللطيف الخبير:

        ((ألا له الخلق والأمر))([509])0

        ((إن الله كان عليماً حكيماً))([510])0

        ((ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير))([511])0

        فبما أنه هوالخالق سبحانه فهو صاحب الأمر، وبما أنه هو العليم الحكيم، اللطيف الخبير، فهو الذى يضع بعلمه وحكمته ما يصلح لأمر هذا الإنسان الذى خلقه، ويعلم كل خصائصه ودقائقه ومسارب نفسه :

        ((ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد))([512])0

        هذه هى القضية فى جوهرها، وهى قضية القضايا منذ وجد الإنسان على الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها 00 قضية من الإله؟ آلله أم غيره من الآلهة المزعومة؟ وهى فى الجاهلية المعاصرة بصفة خاصة تأخذ صورة خاصة : الله أم الإنسان؟

        فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الله، ويرتبون على علمهم هذا أن يعبدوه وحده بلا شريك، ويطيعوا أمره، ويتبعوا ما أنزل إليهم. وأما الذين استكبروا عن عبادته فهم يجادلون، ويستنكفون:

        ((فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً))([513])0

        تلك إشارة لابد منها لمواجهة الجاهلية المعاصرة التى تدعو إلى عدم تحكيم شريعة الله، وإلى محاربة ما يطلقون عليه اسم ((الإسلام السياسى)) واتخاذ العلمانية دينا بدلاً من الدين الإلهى0

        ومن هذه الإشارة نعرج على بعض نواحى الإعجاز فى الشريعة الربانية، التى أنزلها الله لتحكم حياة البشر إلى قيام الساعة 00

* * *

        يتردد على لسان العلمانيين دائماً هذا السؤال: أنى للشريعة التى نزلت قبل أربعة عشر قرناً أن تحكم الواقع الموجود اليوم، وهو واقع يختلف أشد الاختلاف عن الواقع الذى نزلت فيه تلك الشريعة، فضلاً عن الزعم بأنها صالحة للمستقبل كذلك؟

        ونقول نحن إن هذا أحد أوجه الإعجاز فى الشريعة التى أنزلها الله، وأمر باتباعها، ولم يجعل لاتباعها حدا زمنياً معيناً يجوز للبشر بعده أن يتخلوا عنها، ولم يحدد أحوالاً بيئية أو سياسية أو اقتصادية معينة يكف البشر فيها عن تطبيق الشريعة0

        وإن مجرد القول بأن الظروف تغيرت معناه الشك فى علم الله وحكمته. فكأنما علمه نستغفر الله كان ناقصا وقت تنزيل الشريعة، فلم يكن يعلم سبحانه أن الظروف ستتغير، وتأتى ظروف غير الظروف! وكأنما حكمته نستغفر الله كانت ناقصة، فلم يقدر سبحانه أثر تغير الظروف فى صلاحية هذه الشريعة التى أنزلها وأمر باتباعها اتباعاً مطلقاً بغير تحديد!

        وقد لا يدرك الذين يرفعون لافتة تغير الظروف أنهم بذلك يطعنون فى علم الله وحكمته، ولكن هذا هو لازم قولهم، ولازم اعتقادهم، وعوا ذلك أو لم يعوه، وقصدوه أو لم يقصدوه. فلو أنهم آمنوا حقا بأن الله عليم حكي