الثلاثاء، 9 يونيو، 2009

وعـــي الحــداثــة

وعـــي الحــداثــة( دراسات جمالية في الحداثة الشعرية ) - د. ســعد الـدين كـليب - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

 

كـلمة أولـى

لقد تمّ النظر إلى الحداثة الشعرية، في النقد المعاصر، ومن منظورات عدّة متباينة ، سواء أكان ذلك فيما يتعلق بتحديدماهو جوهري فيها. بحيث يخيل للمرء أن النقد المعاصر لم يكد يترك جانباً من جوانب الحداثة، من دون معالجة تحليلية أو تناول نقدي. وواقع الحال أن ذلك النقد قد أسهم إسهاماً فعّالاً في تحديد الحداثة الشعرية وبلورة أطروحاتها الفنية والجمالية . ولايرتبط الأمر بما هو نظري وحسب، بل بما هوتطبيقي تحليلي أيضاً. ولانبالغ إذا ماذهبنا إلى أن الحداثة قد أنجزها النقاد تنظيراً، مثلما أنجزها الشعراء إبداعاً. ومن حق النقد المعاصر أن يفخر بما أنجزه، ومن واجبه أيضاً أن يواصل التفكير والمعالجة والمراجعة لما أنجزه نقدياً، ولما ينجزه الشعراء إبداعياً.‏

غير أن ذلك لايؤدي إلى الزعم أن النقد قد قال كلمته الفصل في شأن الحداثة الشعرية. فليس ثمة كلمة فصل في الشعر ـ والفن عامة ـ كما أنه ليس ثمة كلمة فصل في العلوم الإنسانية، والنقد واحد منها . ومن ذلك فإن هناك شرعية مستمرة للمقاربات النقدية الجديدة جزئياً أوكلياً. ولعل هذا يكون سبباً وراء مقاربتنا النقدية هذه، التي لانزعم لها الجدّة. بل نزعم لها الاختلاف وبصرف النظر عن تقويم هذا الاختلاف إيجاباً أو سلباً، فإنه يعود أساساً إلى انطلاق هذه المقاربة من علم الجمال. وهو مالم تتم الإفادة منه في النقد المعاصر، إلا بشكل جزئي حيناً، وبشكل عرضي حيناً آخر. وذلك بخلاف هذه المقاربة التي تتأسس على علم الجمال، من دون أن تغفل ماأنجزه النقد الأدبي بشأن الحداثة الشعرية.‏

تقوم هذه المقاربة النقدية ـ الجمالية على مقولة محورية، مفادها أن الفن عامة هو نتاج الوعي الجمالي السائد والمشروط بالبنية المجتمعية العامة. وهو مايعني أن الفن لايمكنه أن يتبدّل، مالم يكن ثمة تبدّل في الوعي الجمالي. وهذا لايحدث بمعزل عن التبدلات الحاسمة في تلك البنية المجتمعية. أي أن الفن ليس انعكاساً مباشراً للواقع، بل هو انعكاس للوعي الجمالي المشخّص تاريخياً من جهة، والمشخّص فردياً من جهة ثانية.‏

إن الفن هو الأكثر قدرة على تبيان ذلك الوعي وتجسيده وتمثلّه. ولايتبدى ذلك في طبيعة المعالجة الجمالية للواقع فحسب. بل يتبدى أيضاً في التقنيات الفنية التي ليست ، في الحقيقة، سوى تمظهر حسي لما هو معنوي جمالي مجرّد. فثمة ، إذاً ، علاقة جدلية بين الوعي الجمالي والشكل الفني. ومن هنا فإن مقاربة ذلك الوعي لاتتمّ، على النحو الأمثل ، إلا من خلال مقاربة الشكل الذي هو الوعي متمظهراً. أو لنقل إن الشكل الفني هو شكل الوعي الجمالي . ولذلك فإن أي تبدّل في الوعي سوف ينعكس تبدلاً في الشكل. غير أن هذه المسألة لاتتمّ ميكانيكياً، أو بطريقة حتمية. فقد يتمكن الشكل من استيعاب تبدلات الوعي غير الجذرية أو الجوهرية.‏

وتأسيساًعلى ذلك، فقد نظرنا إلى الحداثة الشعرية على أنها حداثة في الوعي الجمالي أولاً. ولايمكن لنا فهم الاختلاف والتميّز بين النص الحداثي من جهة، والنص الكلاسيكي والتقليدي المعاصر من جهة أخرى، مالم نأخذ بالاعتبار الاختلاف والتميز بين الوعي الجمالي لكل منهما. ولكن إذا ما كان الوعي الجمالي هو المنطلق في تبيان الحداثة، فإن هذا لايؤدي بنا إلى إغفال الشكل الفني، ألم نقل إن هذا انعكاس لذاك. مما يعني أن حداثة الوعي تنعكس حداثة في النص.‏

لن نطيل في عرض منطلقات هذه المقاربة النقديةـ الجمالية، ففصول الكتاب كفيلة بذلك. ولكن مالابدّ من قوله هو أننا حاولنا أن نعي الحداثة بشكل نقدي. فإذا استطعنا ذلك نكون قد أسهمنا، قدر الطاقة، في بلورة الحداثة جمالياً، وإذا عجزنا أو أخفقنا، فليس أمامنا إلا أن نعيد القول في ما قلناه.‏

*د. سعد الدين كليب‏

الفصل الأول

تمهيد:‏

على الرغم من أن الموضوع في الرواية العربية قد احتل مكانة خاصة، في النقد الأدبي العربي المعاصر ؛ غير أنه يمكن التوكيد أن موضوع الحداثة الشعرية هو الموضوع الأكثر إشكالية وحرارة ، في ذلك النقد. ولعل هذا ينهض من أهمية الشعر التاريخية ، في الذوق الجمالي العربي ، كما ينهض من أن الحداثة نفسها ، قد طرحت عدة إشكاليات فنية وجمالية ، بالنسبة إلى الذوق السائد ، من جهة ، وبالنسبة إلى مفهوم الشعرية POETICS من جهة أخرى . وقد لانبالغ إذا ماذهبنا إلى أن ما صاحب هذه الحداثة من مقاربات نقدية ، ومن خلاف بين مؤيد ومعارض ، كان له الأثر الكبير، في تطور النقد المعاصر ، وبلورة الكثير من مفاهيمه النقدية . ولكن ، في المقابل، لم يكن لهذه الحداثة أن تتعمق وتتبلور ، لولا ذلك النقد الذي كانت قضية التحديث الشعري إحدى قضاياه الأساسية . ونودُّ أن نسجل في هذا المجال، أن قضية التحديث الشعري قد شغلت النقد الأدبي الحديث ، منذ أوائل هذا القرن . أي منذ أن ظهرت مدرسة الديوان التي كانت لها المبادرة الأولى ، في الهجوم على كل ما هو تقليدي، في الشعر العربي . وإذا ماوضعنا في الاعتبار أن الأطروحات النقدية، لهذه المدرسة، أكثر أهمية من نتاجها الشعري ، ولاسيما في بداياتها الأولى ؛ فإن ذلك يعني أن قضية التحديث الشعري قد ظهرت بوصفها قضية نقدية ، أولاً . وقد يبدو من الطريف أن نشير إلى أن النقد الحديث ـ والمعاصر طبعاًـ بعكس النقد العربي القديم ، على هذا المستوى . فبينما كان هذا النقد مدافعاً عن عمود الشعر ، والأصول الجمالية المتوارثة ، وحذراً من أي تجديد ، يمكن أن يأتي به شاعر ، حتى فيما يخص الصورة الفنية والمعاني الشعرية ؛ فإن النقد العربي الحديث راح يضيق ذرعاً بما هو تقليدي ونمطي، في الشعر، مثلما راح يدعو إلى ضرورة التفرد والتميز، لاعلى صعيد موقع التحديث من التراث الشعري فحسب. بل على صعيد الشعراء المعاصرين فيما بينهم أيضاً. ولعل تقويم هذا النص أو ذاك بالتقليدية والنمطية يكون من أكثر التقويمات التي يستخدمها النقد الحديث والمعاصر سلبية.‏

إن قضية التحديث، إذاً، هي قضية النقد، بقدر ماهي قضية الشعر الحداثي. ولهذا لاغرابة في أن يتأثر كل منهما بالآخر، من حيث التعمق والبلورة؛ ولاغرابة أيضاً في أن تتعدد المقاربات النقدية حول الحداثة ومسوغاتها وأسباب نشوئها ومستوياتها وتياراتها. بحيث إن التعرض لكل ذلك يقتضي بحثاً مطولاً قائماً بذاته. وهو مالايستطيع هذا المبحث أن يقوم به، بشكل مسهب. ولهذا، لم يكن بدُّ من الإيجاز الذي لايخلّ بموضوعه.‏

النقد ونشأة الحداثة:‏

لقد ذهب النقد المعاصر، في تفسيره لنشأة الحداثة الشعرية، عدة مذاهب مختلفة فيما بينها. وهي التفسير التأثري التثاقفي، والتفسير الاجتماعي، والتفسير النفسي ـ الذوقي. وإن يكن التفسيران الأولان هما الأكثر شيوعاً، في هذا النقد.‏

أما من حيث التفسير التأثري التثاقفي. فقد تم النظر إلى المثاقفةacculturation مع الغرب الأوربي هي الأساس في نشأة الحداثة. وهي مثاقفة من طرف واحد. ولهذا فإن مستوى التأثر أوضح من مستوى التفاعل أو التبادل الثقافي، في هذه المثاقفة. وغالباً مايكون إليوت هو محور هذا التفسير. بمعنى أن لإليوت من التأثير في نشأة الحداثة، ما يمكن أن يصل إلى درجة الدافع الجوهري. يقول أسعد رزوق في ذلك" إن المثال الإليوتي كان منهجاً احتذى حذوه الكثيرون من شعرائنا وتأثروا به وساروا في خطواته"(1). وثمة من يذهب إلى " ان كل مذهب سياسي وفلسفي وأدبي يظهر في أوربا ينعكس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الواقع (المقصود: الواقع العربي المعاصر). حتى نرى تأثيره في الكتابة شعراً ونثراً، وفي طرق التفكير والسلوك"" (2). ومن ذلك فقد نشطت الدراسات النقدية التي تربط بين الحداثة العربية وأسسها الأدبية الغربية. وتستجلي مظاهر التأثر، ونقاط الاتفاق والاختلاف، وما إلى ذلك. مما يتعلق بمقولة المثاقفة بوصفها أساس الحداثة.‏

والحقيقة أن الناظر، في مثل هذه الدراسات، يكاد يخرج بأن مشروعية الحداثة لاتتأتى من بنية المجتمع العربي المعاصر، بقدر ماتتأتى من التأثر الثقافي النخبوي بالغرب الأوربي. سواء أكان ذلك، على صعيد التجديد الإيقاعي، أم التصوير الفني، أم التعامل الأسطوري، أم الموضوعات الشعرية. وقد يبدو من المفيد أن نشير إلى أن الدكتور عز الدين إسماعيل الذي يحترز من الأخذ بهذا التفسير، يجد نفسه مدفوعاً إلى ربط ظاهرة المدينة ، وظاهرة الحزن، في الشعر العربي المعاصر، بإليوت وقصيدته " الأرض اليباب". وذلك على الرغم من توكيده أن الواقع العربي هو الذي أفرز هاتين الظاهرتين(3).‏

ويذهب التفسير الاجتماعي إلى ربط ظاهرة الحداثة الشعرية بالأطروحات الإيديولوجية لطبقة البرجوازية العربية الصغيرة. بحيث تبدو الحداثة انعكاساًreflection لمجمل التغيرات الاقتصادية التي أصابت بنية المجتمع العربي المعاصر، مع بروز تلك الطبقة. فلا يمكن فهم الحداثة بحسب ذلك ، من دون فهم تلك التغيرات، ومن دون فهم الطبيعة الطبقية أيديولوجياً ونفسياً، للبرجوازية الصغيرة عامة، والعربية منها خاصة. وعلى الرغم من أن هذا التفسير يؤكد أن الصراع الاجتماعي" في التحليل الأخير لايكفي وحده لتفسير الفن، إلا أن هذا الصراع لايمكن إلا أن يتجلى في الفن، وبواسطته . بل إنه في بعض المراحل يغدو جوهرياً وحاسماً"(4).‏

نقول: على الرغم من ذلك، فإن هذا التفسير قد تعامل مع الحداثة على أنها إحدى الأطروحات الأيديولوجية للبرجوازية العربية الصغيرة. وبما أنها كذلك ، فإنها تتصف بما تتصف به هذه البرجوازية من ترجّح أيديولوجي ونفسي، ومن ثورية أو عدمية، وذلك بحسب موقعها من المشهد الاجتماعي. أي بما أن هذه البرجوازية ليست متبلورة أيديولوجياً، بشكل نهائي أو شبه نهائي، فإن اشتمال الحداثة على ماهو ثوري وعدمي، يغدو أمراً بديهياً. وبذلك فقد أعيدت مظاهر الحزن والقلق والضياع والعدمية والاغتراب والثورية والتوتر الانفعالي التي نواجهها في شعر الحداثة، إلى طبيعة الشاعر الحداثي، من حيث هو برجوازي صغير. يقول وفيق خنسة في شعراء الحداثة " إنهم يتمحورون حول مشجب البرجوازية الصغيرة، ثم يتوزعون على درجاتها ومستوياتها وألوانها، كما توزعوا عملياً على أحزابها وفئاتها وتنظيماتها" (5). ويقول، خنسة في محمد الماغوط، بعد أن تناول شعره بالنقد"هذا هو كشاعر، فمع من نصنفه؟ بمعنى هل ندرسه كشاعر؟ أعتقد أن ذلك ليس مهماً تماماً، ولكن الأكيد أنه ليس واقعياً اشتراكياً، ولارمانتيكياولابوهيمياً، ولارجعياً. إنه حصيلة هذه كلها. إنه نموذج صادق وصريح لمثقفي الريف الفقراء الذين هبطوا إلى المدينة، ولم يثروا، كما أنهم لم ينضموا إلى صف الثورة التي تمثلهم"(6). أي أن الماغوط برجوازي صغير، بكل مايعنيه المصطلح.‏

وعلى الرغم من أن جمال باروت يحترز من الربط الميكانيكي بين الشعر وأيديولوجية البرجوازية الصغيرة، إلا أنه يذهب، في حديثه عن شخصية الملعون، في شعر أنسي الحاج، إلا أنه "المثال الجمالي النموذجي للبرجوازي الصغير، الآبق، المارق، الذي لايحسّ المجتمع إلاخنقاً لفرديته، ومحقاً ولعناًله، في حين يرى مروقه ثورته الوحيدة"(7).‏

ولكن ماتجب الإشارة إليه. في هذا المجال، هو أن ثمة عدة مستويات من التفسير الاجتماعي، لنشأة الحداثة الشعرية. وتترجّح هذه المستويات بين جعل الحداثة انعكاساً مباشراً لأديولوجية البرجوازية الصغيرة، وبين النظر إلى الحداثة على أنها نتاج اجتماعي ـ أيديولوجي، من دون اعتبارها انعكاساً سلبياً لتلك البرجوازية. أي من دون ربطها المباشر بما هو اقتصادي، في الواقع العربي. وقد يبدو أن هذا التفسير، بتركيزه على ماهو اقتصادي وأيديولوجي، ينفي عملية المثاقفة مع الغرب الأوربي، غير أن الأمر ليس كذلك. إذ إنه يؤكد هذا المثاقفة، ولكن من خلال الضرورات الاجتماعية العربية. يقول الدكتور فؤاد المرعي في ذلك: إن "التأثر بالغرب لم يكن سبباً في التغيرات التي طرأت على أدبنا الحديث، بقدر ماكان نتيجة لتلك التطورات الاجتماعية"(8). فلا يمكن، وهذه الحال، أن تكون ثمة مثاقفة مع الخارج، من دون أن تكون مفروضة من الضرورات الاجتماعية الداخلية ذات الطبيعة الأيديولوجية(9).‏

أما بالنسبة للتفسير النفسي ـ الذوقي، فإنه يربط بين الحداثة الشعرية والتغيرات التي أصابت كلاً من الطبيعة النفسية والذوقية العربية، تحت تأثير المستجدات التي جاء بها القرن العشرون. ولعل الدكتور محمد النويهي من أهم القائلين بهذا التفسير. حيث يرى أن التناظر أو السيمتريةSYMMETRY التي يتصف بها الشعر العربي التقليدي، لم تعد تتلائم والطبيعة النفسية والذوقية المعاصرة. إن "نوع الإيقاع الذي تعرفه القصيدة العربية التقليدية لم يعد صالحاً لحاجاتنا الفنية والنفسية والذوقية... وإن درجة الانتظام التي يتطلبها شكل القصيدة التقليدية زائدة الإسراف في السيمترية والرتوب"(10). ومن ذلك، فإن النويهي يذهب إلى أن " البحر العربي المأثور ذو موسيقى حادة بارزة، شديدةالجهر، عنيفة الوقع على طبلة الأذن، عظيمة الدرجة من التكرار والرتوب. وهذه طبيعة ينفر منها ذوقنا الحديث ولم تعد آذاننا تحتملها، وأصبحنا نراها شيئاً بدائياً لايعجب به إلا ذوو الأذواق الفجة التي لم تنضج"(11). ولكي يؤكد مايذهب إليه، فإنه يقارن بين الإنسان البدائي والطفل ، من جهة، وبين الإنسان المتحضر و الناضج، من جهة أخرى ،فيرى أن الإنسان البدائي والطفل لايعجبهما سوى الحاد والفاقع والعنيف من الروائح والألوان والأنغام ؛ على حين أنه كلما " نضج الإنسان وارتقت ثقافته ونما ذوقه وتهذّب حسه، صار أميل إلى الألوان الخافتة والروائح الخفيفة التي لاتشمّ إلاهوناً، والأنغام الدقيقة المختفية التي تحتاج إلى ذكاء وإرهاف سمع حتى تُلتقط وتتابع"(11)‏

وبشكل عام، فإن ثمة تغيراً ماقد طرأ على الطبيعة النفسية والذوقية العربية. وهو ماجعلها تنفر من كل مايتنافى معها، على صعيد الشكل الشعري الموروث، وعلى أصعدة أخرى مختلفة أيضاً. ومن ذلك، فإن الميل إلى انجاز التحديث الشعري هو، في أساسه، تعبير عن الاختلاف في تلك الطبيعة . أي أن شعر الحداثة هو الشعر الأوحد الذي يمثل النفسية والذوق المعاصرين، في حين أن الشكل القديم لم يعد" يصلح للنهوض بحاجاتنا الشعرية المعاصرة"(12).‏

تلك هي أهم التفسيرات التي اقترحها النقد الأدبي المعاصر، لنشأة الحداثة الشعرية. ولكن ماينبغي قوله ، هنا، هو أن ذلك الاختلاف في التفسيرات لايؤدي إلى نوع من القطيعة فيما بينها. إذ إن النقد المعاصر عامة يرى أن ثمة ضرورة حقيقية لوجود الحداثة الشعرية ، في المجتمع العربي. فسواء كانت المثاقفة هي الأساس أم كانت البنية الاجتماعية الاقتصادية، أم الطبيعة النفسية والذوقية؛ فإن ضرورة الحداثة تبقى هي المنطلق ، لتلك التفسيرات . وعلى الرغم من أن القول بالمثاقفة يربط الحداثة بماهو خارجي، فإنه يرى المثاقفة مع الغرب الأوربي هي ضرورة ثقافية وحضارية، للخروج من شرنقة الركود والجمود التي انحصرت فيها الثقافة العربية طويلاً. بمعنى أن ثمة حاجة في الثقافة العربية إلى الدخول في مثاقفة مع الغرب الأوربي.‏

الأنساق النقدية:‏

وإذا كان النقد المعاصر قد اشتمل على عدة تفسيرات مختلفة، لنشأة الحداثة؛ فإنه قد اشتمل أيضاً على عدة مقاربات نقدية، لما هو جوهري فيها . أي أن نقاد الحداثة يختلفون فيما بينهم حول المستوى الجوهري أو الأكثر أهمية ، في الحداثة الشعرية، والذي جعل منها نمطاً من الإبداع الشعري، مختلفاً عن الشعر الكلاسيكي. ويمكن أن نحصر هذه المقاربات بعدة أنساق. وهي: النسق الموسيقي، والنسق الأسطوري، والنسق الصوري، والنسق الرؤيوي . وهي، كما نلحظ، تكاد تشمل معظم الجوانب، في الحداثة الشعرية . وإذا كانت هذه المقاربة النقدية أو تلك ترى أن الجوهري أو الأهم في الحداثة ، يكمن في أحد هذه الأنساق، فإن ذلك لايعني عدم الأخذ بغيره. بل يعني أن غيره أقل أهمية منه في تحديد ماهو جوهري في الحداثة، مع الإشارة إلى أن بعض النقاد يميلون إلى الأخذ بعدة أنساق معاً، معتبرين إياها محددات أساسية للحداثة. وسوف نتوقف، بشكل موجز ، عند كل واحد من تلك الأنساق.‏

أما النسق الموسيقي، فيؤكد القائلون بجوهريته أن أهمية الحداثة الشعرية تكمن في خروجها على نظام البيت الشعري الكلاسيكي القائم على تفعيلات محددة سلفاً. هذا البيت الذي يشكل أساس القصيدة العربية موسيقياً، والذي يحيل على نمطية عروضية، لم تعد تتلاءم والذوق المعاصر من جهة، ولم تعد تتلاءم وطبيعة الانفعال الشعري من جهة ثانية. بحيث يصح التوكيد، بحسب هذا النسق، أن الخروج على ذلك النظام هو في ذاته دخول في الحرية التي تميز التجربة الشعرية، ومن دونه لن يتمكن الشاعر العربي من التعبير عن تجربته بالشكل الأمثل. ومن ذلك، فقد تمّ النظر إلى محاولات الرمانتيكية العربية، في تجاوز النمطية، من خلال بعض التنويعات والتلوينات الموسيقية، على أنها نوع من تجميل القيد. يقول النويهي في ذلك:"ومن العبث أن نظن أن إلغاء القافية والروي أو تنويعهما في القصيدة الواحدة مع الاحتفاظ بهذا الشكل الهندسي السيمتري الشديد الانتظام والرتوب يكفي لتخفيف حدة الجرس أو ضيق القيود الشكلية. وهذا شبيه بمايفعله المحكوم عليه بالإعدام شنقاً حين يطلب إلى "عشماوي" أن يوسع حول عنقه قليلاً حتى لايؤلمه"(13).وبهذا المعنى، فإن بقاء نظام البيت هو السائد لايؤدي إلا إلى بقاء القيد على رقاب الشعراء، ولن تنفع كل المحاولات الموسيقية الجزئية، لتجاوز النمطية، في وصول الشاعر إلى التعبير عن تجربته، بشكل حر وأصيل. إذ إن المشكلة الجوهرية تكمن أولاً في سميترية ذلك النظام. هذه السيمترية التي لم تعد تتلاءم، كما لاحظنا سابقاً، والطبيعة النفسية والذوقية المعاصرة.‏

إن مايذهب إليه النويهي، كانت نازك الملائكة قد ذهبت إليه من قبل، حين رأت أن ثمة أسباباً خمسة أوجبت وجود الشعر الحر، بحسب مصطلحها. وهي النزوع إلى الواقع، والحنين إلى الاستقلال، والنفور من النموذج، والهرب من التناظر، وإيثار المضمون(14). وقد يبدو أن بعض هذه الأسباب لاعلاقة له بالنسق الموسيقي، من مثل السببين الأول والأخير. غير أن كل هذه الأسباب تحيل، في نهاية المطاف، إلى ذلك النسق. إذ إن لها جميعاً منطلقاً واحداً وهو الإحساس بضيق نظام البيت الشعري. فالنزوع إلى الواقع لن يتيسر للشاعر، في إطار هذا النظام. تقول، تحت هذا السبب "أما القيود التي تضيّق آفاق الأوزان القديمة، فهي تلوح للفرد المعاصر ترفاً وتبديداً للطاقة الفكرية في شكليات لانفع لها، في وقت ينزع فيه هذا الفرد إلى البناء والإنشاء وإلى إعمال الذهن في موضوعات العصر"(15). وترى نازك الملائكة، تحت السبب نفسه، أن الشعر الحر يصلح للتعبير عن الحياة الواقعية، لأنه "يخلو من رصانة الأوزان القديمة"(16). وترى، تحت السبب الأخير"إيثار المضمون"، أن الشكل التقليدي يتحكم بالمضمون الشعري، لما فيه من دقة وتنظيم وتناظر، وهو مايجعل الشاعر يضحي بمعانيه من أجل الحفاظ على ذلك الشكل. أما الشعر الحر، فهو "في جوهره، ثورة على تحكيم الشكل في الشعر"(17)، في محاولة لجعل المضمون، لاالشكل، هو الأساس.‏

وبشكل عام ، فإن الميزة الجوهرية لشعر الحداثة تكمن، بحسب هذا النسق، في المستوى الموسيقي من النص الشعري. فالتحديث الموسيقي قد أتاح للشاعر أن يتخلّص من القيود التي تمنعه من التعبير عن تجربته الشعرية، وعن واقعه المعاصر تعبيراً حياً، ينبض بالحرية والجمال الفني.‏

وبما أن النسق الموسيقي هوالجوهري، في الحداثة، فلاغرابة في أن تتوالى الدراسات التي تتناول هذا النسق بالبحث والمعالجة، وأن تختلف فيما بينها حول الشكل النهائي الذي يمكن أن يأخذه شعر الحداثة، على الصعيد الموسيقي، ولن نتعرض، هنا، إلى الحديث عن ذلك ، إلا أنه لابأس من الإشارة إلى أن نازك الملائكة كانت من أكثر المتحمسين إلى "قنونة" هذا الشكل. وهو مايتنافى أساساً والمنطق الذي انطلقت منه في اعتبار الحرية شرطاً من شروط الشعر الجديد؛ وهو الذي جعلها تستخدم مصطلح "الشعر الحر" في وصف هذا النمط الشعري الجديد.‏

وإذا كانت الملائكة قد رأت أن التفعيلة هي الأساس الموسيقي، في هذا الشعر، فإن النويهي يرى أن التفعيلة هي المرحلة الأولى، من مراحل التجديد الموسيقي. إذ ينبغي على هذا الشعر أن يستكمل تجديده بالخروج من النظام الكمي إلى النظام النبري. أي بالخروج من نظام التفعيلة إلى نظام النبر(18). ولهذا لاينبغي أن نرى في " وحدة التفعيلة العروضية إلا كمرحلة انتقال ، كقنطرة يعبر عليها شعرنا إلى ميادين أعظم اتساعاً، وتطوير أبعد مدى وأعمق جذرية"(19). وعلى الرغم من إقرار النويهي بأن ثمة اختلافاً في القراءات على صعيد قواعد إيقاع النبر، وأن ثمة نوعاً من التطور فيها(20)، غير أنه لايرى حرجاً من توكيد الإمكانية في إنتاج الموسيقا الشعرية العربية، من خلال نظام النبر.‏

والحق أن ماافترضه النويهي قد وجد صدى كبيراً عند الكثير من النقاد، ممن يتبنون المنهج البنيوي، فراحوا ينظّرون لإمكانية إنشاء موسيقا شعرية خالية من التفعيلة، وقائمة على نظام النبر. وفاتهم في ذلك اختلاف مواقع النبر، بين اللهجات المحلية العربية(21). وغني عن البيان أن البنيويين العرب قد أعطوا النسق الموسيقي، من شعر الحداثة، أهمية خاصة تكاد تفوق أي نسق آخر. وذلك لطبيعة البنيوية التي تهتم بما هو لغوي وصوتي، في المقام الأول. ومن المعلوم أن البنيوية قد تابعت الشكلانيين الروس في معاملتهم للشعر "على أنه استخدام أدبي جوهري للغة: فهو كلام منظم في بنيته الصوتية الكلية. والإيقاعRHYTHM هو عامله الأساسي الأكثر أهمية"(22). أي أن البنيوية العربية قد تعاملت مع هذا النسق، بشكل نقدي ممنهج، يفترض أن الإيقاع أو الموسيقى مسألة جوهرية في الشعر. وبما أن معظم البنيويين العرب قد تحمسوا لنظام النبر، فلم يكن بدٌّ من أن يفترضوا أن الموسيقا الشعرية يمكن أن تكون داخلية لاخارجية، ومعنوية لاحسية. وهو ماجعل من مصطلح الموسيقا الداخلية يبدو وكأنه بدهي، في الدراسات النقدية المعاصرة.‏

ونرى أن هذا المصطلح من أشدّ المصطلحات التباساً وغموضاً في الوقت نفسه. إذ إن الموسيقا الشعرية لايمكنها إلا أن تكون حسية. ولأنها حسية، فهي خارجية بالضرورة. وذلك بصرف النظر عما إذا كانت حسية الموسيقا الشعرية سمعية أو بصرية أو كليهما معاً. أما السبب في هذا، فينهض من أن كل ما في الفن عامة، هو حسي بالضرورة. وحتى ماهو معنوي لايمكن إلا أن يتبدّى فنياً بشكل حسي. ولهذا فمن الطريف أن يذهب مروان فارس إلى أن "الإيقاع لايمكن أن يكون إلا داخلياً لأن علاقته بالصور والأفكار علاقة سببية لايمكن عزلها"(23). ولاندري ماالذي يجعل من الإيقاع داخلياً، إذا كانت له علاقة سببية بكل من الصور والأفكار؟. وهل الصور الفنية هي معنوية أو حسية، ثم هل تأتي الأفكار في شعر الحداثة إلا مصورة، بشكل حسي؟.‏

إن مالايمكن تظهيره حسياً، في الفن، لايمكن أن يكون مادة له. ولاغرابة في أن يضطر الشعر الصوفي، في تمثيله لما هو روحاني، إلى الإتكاء على الرموز ذات الطبيعة الحسية، من مثل المرأة والخمرة والكأس..إذ إن الشعر، والفن عامة. إما أن يكون حسياً، أو لايكون. ولاشك في أن ثمة فرقاً بين التمثيل الحسي، في الفن، وبين الوعي الحسي الذي هو مرحلة من مراحل الوعي البشري.‏

ويذهب النسق الأسطوري إلى " أن الشعر المعاصر قد تأسس منذ أن ولجت الأسطورة كبعد بنيوي شعوري إلى جسد القصيدة، أي منذ ظهور"أنشودة المطر" للسياب ، في أوساط الخمسينات، وليس مع كسر العمود الشعري التقليدي، أو الخليلي، في أواخر الأربعينات، وإن كان هذا الكسر هو الشرط القبلي الضروري لاتخاذ الأسطورة نهجاً شبه صوفي للرؤيا الشعرية"(24). وبهذا المعنى، فإن النسق الموسيقي ليس له تلك الأهمية التي مرت بنا سابقاً. بل الأهمية الكبرى يتصف بها التعامل الشعري الحداثي مع الواقع ، من منظور الأسطورة.‏

ويرى يوسف اليوسف أن الأسطورة لم تدخل إلى الشعر، لكي تكون "بمثابة عتلة رافعة للقصيدة. وإنما جاءت بوصفها الرؤيا الشعرية نفسها، وبوصفها جوهر التركيب البنيوي للقصيدة عينها"(25). ولكي يؤكد ذلك ، فإنه يذهب إلى تعداد المنافع الفنية التي قدمتها الأسطورة إلى الشعر، فيرى أنها خمسة. وهي: تعميق الكيف الدرامي للقصيدة، وإعطاء المفاهيم والتصورات بعداً شخصياً، وإعطاء المضمون بعداً كونياً، والتخلص من الزمن أو تعطيله، والتعبير عن رغبة الشاعر في التطهر والتجدد.(26).‏

أي أن الأسطورة لم تدخل في بنية النص الحداثي فحسب. بل دخلت أيضاً في بنية الوعي الشعري الحداثي. وبهذا، لم يعد بالإمكان عزل النص عن الأسطورة، أو عزل ذلك الوعي عن الوعي الأسطوري. وهذا مايقول به الدكتور اسماعيل، حين يؤكد أن الطريقة الأسطورية، أو مانسميه المنهج الأسطوري، هي التي تجعل للشعر طابعاً مميزاً في باب المعارف الإنسانية، يميزه عن الفلسفة وعن العلوم التجريبية ، ويجعله شعراً"(27).ومن ذلك، فإن اتباع" هذا المنهج في العصر الحاضر ليس مجرد طريقة لحل موقف إنساني، وإنما هو كذلك أسلوب شعري وفني من الطراز الأول"(28). ولهذا لاغرابة في أن يتم النظر إلى الصورة الفنية، في الشعر، على أنها من آثار الوعي الأسطوري القديم أو بقاياه. وهذا، كما هو معلوم، من أطروحات النقد الأسطوري myth criticism الذي كان نورثروب فراي من أهم ممثليه.‏

وعلى الرغم من أن إسماعيل لايميل عادة إلى الأخذ بنسق واحد. بل يأخذ بعدة أنساق معاً. غير أنه في تناوله لهذا النسق أو ذاك، غالباً ماينساق وراء التعميم الذي يؤدي إلى إعطاء ماهو جزئي أو جانبي بعداً عاماً أو جوهرياً لايحتمله، بحيث يبدو أن إسماعيل لايقول إلا بهذا النسق. غير أن الأمر ليس على هذا النحو، وإنما هي الحماسة لما هو مدروس وحسب. وقد ظهر ذلك، في مجمل فصول كتابه"الشعر العربي المعاصر".‏

وعلى أية حال، فإن القول بجوهرية الأسطورة، في شعر الحداثة، غالباً ماينهض من اعتبارها شكلاً من أشكال الوعي، وشكلاً من أشكال التصوير الفني. وإذا ماوضعنا في الاعتبار أن ثمة نوعاً من التوحيد بين الوعي الشعري الحداثي والوعي الأسطوري، وبين الصورة الفنية والأسطورة ، فإن ذلك يعني أن شعر الحداثة لايمكن عزله عن الأسطورة، حتى في تناوله للواقع. إذ إن الواقع ينبغي، بحسب ذلك، أن يبدو مؤسطراً في الشعر. والحقيقة أن شعر الحداثة كثيراً مارأى في الأسطورة حاملاً موضوعياً لتجاربه وتصوراته الشعرية، غير أن القول بذلك شيء، والقول بجوهرية الأسطورة شيء آخر تماماً.‏

لقد شاع هذا النسق شيوعاً كبيراً، في النقد المعاصر، منذ أن أطلق جبرا إبراهيم جبرا مصطلح"الشعراء التموزيين" سنة1958.وكان يقصد به أدونيس والسياب والخال وحاوي، بالإضافة إليه(29). وقد تابعه أسعد رزوق. في دراسة هؤلاء الشعراء الخمسة، من منظور الأسطورة التموزية التي تقوم أساسا على الانبعاث من الموت والجدب واليباب(30). وواقع الحال أن مجمل المقاربات النقدية لهذا النسق، تنهض أساساً من أسطورة الموت والإنبعاث التي بدت وكأنها المحور الذي يتمحور حوله شعر الحداثة، في علاقته بالواقع الاجتماعي والحضاري العربي المعاصر. بمعنى آخر: إن الحديث عن جوهرية الأسطورة ليس في حقيقته سوى حديث عن جوهرية أسطورة الموت والانبعاث أو الأسطورة التموزية حصراً. وهو ما خصصت له ريتا عوض كتاباً مستقلاً(31)، يدرس تجليات هذه الأسطورة، في شعر الحداثة.‏

وبشكل عام، يمكن التوكيد أن القائلين بهذا النسق، يذهبون إلى أن مأثرة الحداثة تكمن في تناولها الأسطوري للواقع، بحيث استطاعت أن ترتقي به إلى مستوى الأسطورة. وهي بذلك تكون قد تخلصت من النثرية والتقريرية اللتين تنشآن من التناول الواقعي المباشر. وتكون أيضاً قد ارتقت إلى الكلية من خلال الجزئية، أو كما يقول اليوسف" برهنت الأسطورة على أنها تشابك المتباينات واندماجها في وحدة عضوية.... وبذلك استطاع الشاعر المعاصر أن يعانق الكلية والجزئية، وأن ينجو من المباشرة في التعبير، أن ينجو من النثرية"(32).‏

أما النسق الصوري، فيرى أن دراسة الصورة الفنية، في شعر الحداثة، يمكنها أن تبين مدى الاختلاف بينه وبين الشعر العربي الكلاسيكي والتقليدي المعاصر. وذلك من منظور أن الصورة الفنية جوهرية في الشعر عامة. فيما أن الصورة، على هذا النحو من الأهمية، فإن تبيانها وتبيان علائقها، عبر المدارس الشعرية، يؤدي بالضرورة إلى تبيان الاختلاف الجوهري بين هذه المدارس ، مع الإشارة إلى أن الصورة لاتعني ماهو جزئي وحسب . بل تعني ماهو كلي أيضاً. بمعنى أن ثمة صوراً جزئية، كما أن ثمة صوراً كلية.‏

وبما أن الدكتور نعيم اليافي من أهم الدارسين لهذا النسق، فإن الوقوف عند أطروحاته أو بعضها، حول الصورة الحديثة، هو وقوف عند هذا النسق، بشكل أو بآخر.‏

ينطلق الدكتور اليافي من أن الأشكال البلاغية القديمة إنما هي "أبنية مهدمة استنفدت طاقاتها، وخلقت جدتها، وطال عليها الزمن"(33). وهي، لذلك، لم تعد ملائمة لهذا العصر بخلفيته الثقافية، مما يقتضي تعاملاً صورياً جديداً. وهو ماأنجزه الشعر الحديث.‏

أما الصفات التي تتصف بها الصورة الحداثية،أو المعاصرة، بحسب تعبير اليافي، فيمكن إجمالها بالأمور التالية:‏

آـ تعد الصورة الفنية أحد مكونين اثنين، في القصيدة المعاصرة، وقد عبرت عن تجارب الشعراء رؤية وبناء، أما المكون الثاني فهو الإيقاع.‏

ب ـ إن أساس الصورة الفنية يكمن في الخلق، لافي المحاكاة، كما كان سائداً في الشعر العربي، ومن ذلك ، فقد تخلت الصورة المعاصرة عن وظائف الصورة التقليدية في الشرح والتزيين.‏

ج ـ أضحت الصورة، في الشعر المعاصر، وسيلة الخلق والكشف والرؤيا وأداة التعبير الوحيدة عن العلاقة المتشابكة المعقدة مابين الأنا ـ الآخر، الداخل ـ الخارج.‏

د ـ تلاحمت الصورة بشكل أوضح وأقوى مع أنساقها الخارجية والداخلية.‏

هـ ـ من الصعوبة الحديث عن بنية عامة ثابتة للصورة، في القصيدة المعاصرة(34).‏

وذلك بالإضافة إلى أن هذه الصورة قد "ألغت ثنائية التعبير المعروفة فكرة+ صورة، وجعلت التعبير عن الفكرة يتم من خلال الصورة أو بالصورة"(35).‏

وإذا ماقابلنا هذه الصفات بصفات الصوررة التقليدية، فإن التطور في الصورة المعاصرة يغدو أكثر وضوحاً. أما هذه الصفات فهي : التعارض بين الفكرة والصورة، والتزينية، وطغيان الصور المفردةجاهزة ومكررة وثابتة، والتفكيك والتراكم والتناقض(36). وذلك علاوة على الثنائية التي تقوم عليها الصورة التقليدية التي هي محاكاة أولاً. وبهذا المعنى، فإن القفزة النوعية التي قام بها الشعر المعاصر، تجد صداها الأساسي، في الصورة الفنية، ولاغرابة في ذلك، إذ إن الصورة في الشعر هي "أداته الرئيسة في الخلق والتصوير"(37).‏

غير أن ماتنبغي الإشارة إليه، في هذا المجال، هو أن اليافي لايرى في الصورة وفي تطويرها مسألة فنية فحسب. بل إنه يرى فيهما أيضاً إحالة على الإطار المعرفي للعصر. أو كما يقول "يعد الإطار المعرفي الفلسفي والثقافي والاجتماعي والفني المهاد التي تأسست عليها تقنيات القصيدة عامة وتقنيات الصورة خاصة"(37). فتطور الصورة إذاً، لاينهض مما هو فني وحسب. بل ينهض أيضاً من كل ما ينطوي عليه العصر الحديث وبذلك، فإن الصورة الفنية تمثل المبدع ، بقدر ماتمثل عصره، على كل الأصعدة. ولاشك في أن هذه النظرة تتسم بالحيوية والجدلية. وذلك من خلال ربطها بالصورة الفنية بمجمل العلائق الداخلية والخارجية، وعدم النظر إلى الصورة على أنها ذات مستوى فني وحسب، ولكن اهتمامها الشديد بالصورة، يجعل منها ذات بعد جزئي، على الرغم من محاولة هذه النظرة توسيع مفهوم الصورة، ليشمل النص الشعري الحداثي عامة، في أحد مستوياته.‏

وهكذا نلحظ أن النسق الصوري يرى أن تطور القصيدة المعاصرة ينهض أساساً من تطور تقنيات الصورة الفنية. ولايمكن لأي تجديد، مهما يكن مستواه ، إلا أن ينعكس في الصورة، أو الأصح: لايمكن إلا أن يطال الصورة أولاً، وما ذلك إلا لأن الصورة هي الأداة الرئيسية أو الجوهرية في الشعر.‏

ويذهب النسق الرؤيوي أخيراً، إلى أن ماهو جوهري، في شعر الحداثة، يكمن أولاً في الرؤيا. فالرؤيا الحداثية هي التي تسوغ وجود الحداثة، وليس المستويات الفنية أو الشكلية. ويتم التوكيد في هذا النسق، أن الشعر العربي الكلاسيكي هو، في المقام الأول، شعر رؤية؛ على حين أن شعر الحداثة هو شعر رؤيا، ويؤكد الدكتور غالي شكري "أن كلمة الرؤيا ـ إذا شئنا الدقة في التعبير والتأريخ ـ لاتنطبق أبعادها إلا على هذا الشعر الحديث"(38). ويربط شكري بين الرؤيا المأساوية القاتمة وبين الغموض الذي يتسم به هذا الشعر، مؤكداً أن "ليس التلاعب بالأوزان أو اللغة أو الصور هو السر الكامن وراء هذا الغموض، وإنما هي الرؤيا المأساوية القاتمة في جوهرها العميق"(39). ومن ذلك فإن أهمية هذا الشعر وتميزه يقومان أولاً على تحوله من الرؤية إلى الرؤيا. ولعل هذا مادفع أدونيس إلى تعريف الشعر الحداثي بقوله:"إنه رؤيا. والرؤيا بطبيعتها قفزة خارج المفهومات السائدة. هي، إذن، تغيير في نظام الأشياء وفي نظام النظر إليها"(40). وبما أن الأمر على هذا النحو، فلاينبغي "أن نبحث في القصيدة الجديدة عن الصورة أو الفكرة بحد ذاتها. بل عن الكون الشعري فيها وعن صلتها بالإنسان ووضعه"(41).‏

ويختلف القائلون بهذا النسق حول طبيعة الرؤيا، في الحداثة الشعرية، وهل هي رؤيا مأساوية، أو ثورية، أو ميتافيزيقية. ومن دون أن ندخل في تفصيلات هذه الرؤى، يمكن القول إن شعراء مجلة "شعر" ونقادها يميلون إلى اعتبار أن الميتافيزيقا هي الأساس الأول في كل شعر عظيم(42). وغالباً ماتتم المزاوجة بين الرؤيا الميتافيزيقية والرؤيا المأساوية؛ على حين أن نقاد الواقعية كانوا يميلون إلى الرؤيا الثورية. مع الإشارة إلى أن هؤلاء يفضلون استخدام مصطلح "المضمون" على استخدام مصطلح "الرؤيا". ويؤكدون، في الوقت نفسه، أن الفن العظيم لايمكن إلا أن يكون ذا مضمون عظيم. وفي كلتا الحالتين، فإن هذا النسق يبحث عن الجوهري في شعر الحداثة، خارج المستويات الفنية، وإن يكن هذا الجوهري لايمكن إلا أن يظهر من خلال هذه المستويات بمعنى أن الحداثة هي موقف رؤيوي أولاً. ومن دون هذا الموقف تغدو الحداثة مجرد نقلة شكلية لاطائل منها.‏

ونودّ أن نتوقف، في هذا المجال، عند تحديد أدونيس لشعر الحداثة. إذ إنه يمثل وجهة النظر الرؤيوية، بشكل عام.‏

يرى أدونيس أن هذا الشعر يتخلى عن عدة أمور، تمنعه من أن يكون حداثياً. وهي:‏

آ ـ التخلي عن الحادثة، لأن ثمة تنافراً بين الحادثة والشعر.‏

ب ـ التخلي عن الواقعية التي تحيل على التعامل النثري العادي، واستخدام الكلمات وفقاً لدلالاتها المألوفة.‏

ج ـ التخلي عن الجزئية والميل إلى التعبير عن كلية التجربة الإنسانية.‏

د ـ التخلي عن الرؤية الأفقية، والميل إلى الغوص فيما وراء الظواهر والأشياء.‏

هـ ـ التخلي عن التفكك البنائي(43).‏

إن التخلي عن كل ذلك يعني الانطلاق من الرؤيا. مثلما يعني الدخول في عالم الشعر الحقيقي والخالد الذي هو كشف وارتياد للمجاهيل، أو كما يقول أدونيس " إن تحديد شعر جديد خاص بنا نحن، في هذا العصر، لايُبحث عنه، جوهرياً، في فوضى الشكل ولافي التخلي المتزايد عن شروط البيت، بل في وظيفة الممارسة الشعرية التي هي طاقة ارتياد وكشف"(44).‏

وقد يبدو أن تركيز أدونيس، ومن ورائه النسق الرؤيوي ، على الرؤيا بوصفها جوهرية، قد أدى إلى إهمال الشكل الفني لشعر الحداثة. غير أن واقع الحال عكس ذلك تماماً.‏

فقد تم إيلاء الشكل أهمية خاصة، في هذا النسق، أو الأصح أن نقول إنه قد تم النظر إلى الشكل والرؤيا بوصفها مضموناً على أنهما يشكلان وحدة لاانفصام فيها. يقول أدونيس، في ذلك "فالشكل والمضمون وحدة في كل أثر شعري حقيقي. وهي وحدة انصهار أصيل. ويأتي ضعف القصيدة من التفسخات والتشققات التي تُستَشف في هذه الوحدة"(45). فأهمية الرؤيا لاتلغي أهمية الشكل، وإنما تكمن المسألة في المنطلق الأول. أي هل الحداثة موقف أولاً، أو أنها شكل أولاً. ولقد أجاب هذا النسق عن ذلك، بأن الموقف أو الرؤيا هي الأساس الجوهري في الحداثة. وبما أنه كذلك، فلايمكن إلا أن يفرض شكله الخاص به. ومن المعلوم أن التجريبية الشكلانية هي أساس نتاج شعراء الرؤيا. وقد يبدو من الطريف، هنا، أن من يذهب إلى أن الرؤيا هي الجوهري في الحداثة، يقع في الاهتمام بما هو شكلاني؛ إلا أن الطرافة تتلاشى ، حين نؤكد أن قيام الرؤيا مما هو حدسي ميتافيزيقي غرائبي، بالنسبة إلى أولئك الشعراء، يتكامل والبحث عن أشكال غرائبية.‏

ونرى لزاماً علينا أن نشير إلى أنه إذا كان أدونيس ـ وشعراء الرؤيا أيضاً ـ قد ذهب إلى ضرورة أن تكون الرؤيا، بوصفها مضموناً، حدسية وميتافيزيقية، فإن الكثيرين من النقاد والشعراء ـ ولاسيما القائلين بالواقعية ـ قد رفضوا هذا الطرح لمفهوم الرؤيا، معتبرين أن الرؤيا الاجتماعية الثورية التي تتناغم وحركة الواقع هي الرؤيا الحقيقية التي على شعر الحداثة أن يصدر منها، وأن يعمقها في الواقع والنص معاً. يقول أحمد يوسف داود، في معرض رده على أدونيس "فالإبداع لايكون بالرؤيا/الإلهام/حسّ النبوّة وإنما بالرؤية/المعرفة. وهكذا لاتنفصل اللغة عن أصولها إلا بمقدار أنفصال الممكن عن الراهن"(46). أو بمعنى آخر: ليس ثمة رؤيا يمكن أن تنفصل عن الرؤية. ولهذا فدعوى التجاوز والتخطي التي يدعيها شعراء الرؤيا ليست في حقيقتها، سوى مقولة وهمية، لاأساس لها من الصحة.‏

تلك هي الأنساق التي سادت النقد المعاصر، في مقاربته لما هو جوهري في الحداثة الشعرية. حيث اهتم كل نسق بأحد جوانب الحداثة، وجعل منه جوهرياً، بالنسبة إلى الجوانب الأخرى.‏

وإذا ما كنا قد أوجزنا القول في هذه الأنساق، فإننا قد حاولنا أن نعطي، قدر الإمكان، صورة كلية عامة عنها. ونرجو أن نكون قد استطعنا ذلك. ويبقى السؤال ماالإشكالية التي تعانيها هذه الأنساق منفردة ومجتمعة؟.‏

إن أولى تبديات هذه الإشكالية تكمن في النظرة الجزئية إلى الحداثة، حيث يتم التركيز على جانب واحد، في أغلب الأحيان، ويتم النظر إليه على أنه الجوهري، وأن ماسواه ثانوي. وكأن الحداثة ليست كلاً موحداً، يصعب تجزيئه، أو توزيعه على وحدات مستقلة. ولاشك في أن ثمة جوهرياً وثانوياً في كل ظاهرة فنية أو ثقافية أو اجتماعية. ولكن أن نجعل من الجزئي كلياً، ومن الخاص عاماً، ومن الثانوي جوهرياً، فإن في ذلك مغالطة، لن تؤدي إلاَّ إلى التوهم. ولقد بدا ذلك واضحاً في النسق الموسيقي والنسق الأسطوري. حيث ذهب الأول إلى جعل الإيقاع الذي هو جزئي، في الصدارة من الكلية. وذهب الثاني إلى جعل الثانوي المرحلي جوهرياً استراتيجياً، من خلال النظر إلى الأسطورة على أنها أهم مكونات الحداثة. وقد أثبتت الحداثة، فيما بعد السبعينات من هذا القرن، عكس ذلك. حيث تخلت عن الأسطورة، وبقيت هي، من دون أن تتأثر بنيتها الجمالية.‏

وتتبدى تلك الإشكالية أيضاً في اضمحلال المعالجة الجمالية لظاهرة الحداثة. فعلى الرغم من توكيد تلك الأنساق أن الشعر شكل جمالي، إلا أن مجريات التناول النقدي تثبت أن ماهو جمالي أقل حضوراً مما هو فني أو رؤيوي. والحق أن النسق الصوري هو الأقرب إلى المعالجة الجمالية. وذلك من خلال ربطه تقنيات الصورة الفنية بالأطر النظرية والاجتماعية العامة؛ ومن خلال فهمه لتلك التقنيات على أنها أسلوب في وعي العالم. غير أن اهتمامه الأكبر بالصورة الفنية قد فوّت عليه فرصة النظر إلى ظاهرة الحداثة من عدة جوانب هامة أخرى. لعل أهمها جانب الوعي الجمالي الحداثي، وطبيعته المختلفة عن الوعي الجمالي التقليدي أو الكلاسيكي.‏

وعلى الرغم من أن المنطلق الذي انطلق منه النسق الرؤيوي كان بالإمكان أن يتعمق باتجاه المعالجة الجمالية، غير أن توهان هذا النسق فيما هو حدسي وغرائبي وميتافيزيقي، قد جعل منه قاصراً عن وعي الحداثة. نقول ذلك، ونحن نعي جيداً أن جملة "التخليات" التي اقتراحها أدونيس، لايمكن صرف النظرعنها، أو عن بعضها، في فهم الحداثة الشعرية.‏

وتظهر تلك الإشكالية، من جهة ثالثة، في أنها غالباً ماتقطع الصلة بين الحداثة وماسبقها من محاولات تجديدية، في الشعر العربي الرومانتيكي. بحيث تبدو الحداثة نقلة نوعية لاتراكم كمياً لها، في حين أن الشعر الرومانتيكي كان له الفضل الأول أو المبادرة الأولى، في تجديد الشعر العربي الحديث، منذ أوائل القرن العشرين. ولم يظهر ذلك، على مستوى الموسيقا الشعرية فحسب. بل ظهر أيضاً على مستويات عدة مختلفة. حتى إن التعامل مع الأسطورة يعود إلى هذا الشعر. وقد يكون من المشروع، في هذا المجال، أن نتساءل: لماذا يتم التوكيد دائماً أن الحداثة قد أفادت من إليوت، على صعيد التعامل الأسطوري، ولاتبدر حتى إشارة إلى الرومانتيكية العربية في ذلك، على الرغم من أن الحداثة قد خرجت جمالياً وتاريخياً من معطف الرومانتيكية العربية. لاشك في أن ثمة تجاوزاً كبيراً في الحداثة لأطروحات الرومانتيكية؛ غير أن ذلك لايلغي أهميتها في المبادرة إلى التحديث.‏

لقد أغفلت معظم تلك الأنساق، في محاولتها بلورة الحداثة، أن تشير إلى أهمية ماقامت به الرومانتيكية، وهو ماأوحى بأن ثمة قطيعة حقيقية وشاملة، قامت بها الحداثة مع كل ماهو ناجز شعرياً، على الصعيد العربي. وذلك في الوقت الذي لم تكن فيه الحداثة إلا نقلة نوعية لتراكم كمي، امتد إلى خمسين سنة من قبل، حين راحت الرومانتيكية تطرح وعياً جمالياً جديداً مختلفاً، بقدر ما، عن الوعي السائد.‏

ويبقى أن نؤكد أن النقد المعاصر بأنساقه المختلفة قد أنتج معرفة نقدية بالحداثة الشعرية، لايمكن التقليل من أهميتها بحال من الأحوال، كما لايمكن تجاوزها في أي مقاربة نقدية ممكنة. فعلى الرغم من أن ثمة إشكاليات في فهم هذا النقد للحداثة، إلا أن ذلك لايؤدي إلى القول إن هذا النقد قاصر عن وعي ظاهرة الحداثة الشعرية، أو أنه لم يستطع الكشف عما هو إيجابي أو سلبي فيها.‏

الهوامش :‏

1ـ رزوق، أسعد: الأسطورة في الشعر المعاصر. منشورات مجلة الآفاق، بيروت، 1959.ص:107.‏

2ـ جيدة، د.عبد الحميد: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر. مؤسسة نوفل، بيروت، 1980.ص: 112‏

3ـ إسماعيل، عز الدين: الشعر العربي المعاصر. دار العودة، بيروت، ط:1، 1981. راجع الفصلين الأول والثاني من الباب الثالث.‏

4ـ الشريف، جلال فاروق: الشعر العربي الحديث ـ الأصول الطبقية والتاريخية. اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1976. ص:5ـ6‏

5ـ خنسة، وفيق: دراسات في الشعر العربي السوري. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1981.ص:15.‏

6ـ نفسه، ص:79.‏

7ـ باروت، محمد جمال: الحداثة الأولى. اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، الشارقة، ط:1، 1991.ص: 92.‏

8ـ المرعي، د.فؤاد: المؤثرات الأجنبية في حركة الحداثة الشعرية. مجلة الموقف الأدبي ـ عدد: 193/194. دمشق، 1987.ص:53.‏

9ـ لابأس من الإشارة إلى أننا كنا قد أخذنا بهذا التفسير، في أطروحتنا للدكتوراه "القيم الجمالية في الشعر العربي الحديث" عام1989.‏

10ـ النويهي، د. محمد: قضية الشعر الجديد. دار الفكر، ط:2، 1971.ص:98.‏

11ـ نفسه، ص:94.‏

12ـ نفسه، ص: 98.‏

13ـ نفسه، ص:95.‏

14ـ الملائكة، نازك: قضايا الشعر المعاصر. دار العلم للملايين، بيروت، ط:5، ص:56ـ65‏

15ـ نفسه، ص: 56.‏

16ـ نفسه،ص:57.‏

17ـ نفسه، ص:63.‏

18ـ النويهي، المرجع السابق، ص:231ـ248.‏

19ـ نفسه، ص: 231.‏

20ـ نفسه، ص:239‏

21ـ راجع: المعداوي، أحمد: البنية الإيقاعية الجديدة للشعر العربي. مجلة "الوحدة". العدد: 82/83. الرباط، 1991. حيث يعرض الدارس لتلك المحاولات مبيناً مافيها من قصور أو مغالطة.‏

22 -

SELDEN, RAMAN, AREADERS GUIDE TO CONTEMPORARY LITERARY THEORY. LONDON: 1988.P.9.

23ـ المعداوي: المرجع السابق. ص:57.‏

24ـ اليوسف، يوسف سامي: الشعر العربي المعاصر. اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1980. ص:44.‏

25ـ نفسه، ص:42‏

26ـ نفسه ،ر1 :ص : 42ـ43.‏

27ـ إسماعيل: المرجع السابق، ص: 225.‏

28ـ نفسه، ص: 231.‏

29ـ جبرا، جبرا إبراهيم: المفازة والبئر والله. مجلة "شعر". العدد: 7/8. صيف1958. ص:57.‏

30ـ رزوق: المرجع السابق. حيث يدرس أولئك الشعراء من هذا المنظور.‏

31ـ وهو: أسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي الحديث. المؤسسة العربية، بيروت، 1978.

32ـ اليوسف: المرجع السابق، ص: 43ـ44.‏

33ـ اليافي، د.نعيم: مقدمة لدراسة الصورة الفنية. وزارة الثقافة، دمشق، 1982. ص: 8‏

34ـ اليافي، د.نعيم: الصورة في القصيدة العربية المعاصرة. مجلة "الموقف الأدبي"، العدد: 255/256. دمشق، 1992. ص:46.‏

35ـ نفسه، ص:26.‏

36ـ اليافي، د.نعيم: تطور الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث. اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1983.ص: 364.‏

37ـ اليافي: الصورة في القصيدة العربية المعاصرة. ص:46.‏

38ـ شكري، د. غالي: شعرنا الحديث إلى أين؟. دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط:2، 1978. ص: 13.

39ـ نفسه، ص: 12.‏

40ـ أدونيس: زمن الشعر. دار العودة، بيروت ، ط:3، 1983. ص:9.‏

41ـ نفسه، ص:12.‏

42ـ باروت: المرجع السابق، ر1: ص:45ـ52.‏

43ـ أدونيس: المرجع السابق، ص:10ـ 13.‏

44ـ نفسه، ص:14.‏

45ـ نفسه، ص:15.‏

46ـ داود، أحمد يوسف : لغة الشعر. وزارة الثقافة، دمشق، 1980.ص: 254.‏

 

الفصل الثاني-الوعي الجمالي في الحداثة الشعرية

* تمهيد:

على الرغم من أن الوعي الجمالي AESTHETIC CONSCIOUSNESS يشكّل الأساس الذي انطلقت منه الحداثة الشعرية العربية، إلا أنه بقي ثانوياً أو هامشياًبالنسبة إلى النقد الأدبي المعاصر، في إجابته عما هو أساسي في هذه الحداثة. وعلى الرغم من أن هذا النقد لم يكد يترك ظاهرة من ظواهر الحداثة الشعرية، من دون معالجة أو دراسة نقدية، فإن اهتمامه بما هو جمالي عامة بقي أقل قيمة من اهتماماته الأخرى.

ولعل السبب الأبرز في ذلك يكمن في قلة عناية هذا النقد بعلم الجمال AESTHETICS تنظيراً وتطبيقاً. وهو ماانعكس سلباً على بعض أطروحات هذا النقد، من مثل عدم الربط، أو ضآلته، بين الظاهرة الشكلية وأساسها الجمالي، ومن مثل تحويل الجزئي إلى كلي، وتعميم الخاص بهذا الشاعر أو ذاك على الحداثة الشعرية عامة؛ ومن مثل التعامل مع هذا المستوى الفني أو ذاك بمعزل عن المستويات الأخرى من جهة، وعن المضمون الجمالي من جهة ثانية. ولاشك في أننا لانتهم النقد المعاصر بالقصور عن وعي ظاهرة الحداثة. إذ إن واقع الحال يؤكد أن هذا النقد، في معظمه، كان على درجة عالية من الفهم والتبصر بهذه الظاهرة، كما كان على درجة من المتابعة النقدية لها، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ النقد العربي. بحيث يمكن القول إن حركة الحداثة الشعرية لم يكن لها أن تأخذ ماأخذته من أهمية كبرى في الثقافة العربية المعاصرة، بهذه السرعة القصوى؛ لو لم تصاحبها حركة نقدية نشطة، تتناولها بالدرس والبحث والعناية، وتتحمّس لما تطرحه من جديد يختلف عما هو معهود في الشعر العربي، ويتلاءم ومنطق التحديث الذي يتبناه النقد الأدبي الحديث عامة.

ولكن اللافت للنظر في هذا النقد هو غياب التحليل النقدي، أو ضآلته، لعلاقة ظاهرة الحداثة بالظاهرة الجمالية عامة، والوعي الجمالي خاصة. ومعظم مايقال في هذه المقاربة النقدية أو تلك عن هذه العلاقة هو أن ثمة ذوقاً جمالياً جديداً راح يتبلور عربياً؛ أو أن تغيراً ما قد طرأ على طبيعة الاستيعاب الجمالي في الإبداع والتلقي؛ أو أن الشعر الحديث ذو بنية جمالية مغايرة ومختلفة عن الشعر العربي القديم. ولكن ماهي طبيعة هذا الذوق الجديد أو التغير أو البنية، فإن هذا مايسكت عنه النقد المعاصر مكتفياً بالإشارة أو التقرير. وكأن الأمر بدهي لاخلاف حوله، أو كأنه لايستأهل المعالجة النقدية. ولاشك في أن مايقرره هذا النقد صحيح في جوهره. غير أن هذا الصحيح يحتاج إلى تسويغ علمي ومعالجة نقدية تبيّن طبيعته وانعكاساته، كما تبين مستوياته التعبيرية.

إن الفن بوصفه "أعلى أشكال تملك الواقع بحسب مقاييس الجمال"(1)، إنما هو نتاج الوعي الجمالي، في نمط من أنماطه التاريخية. ولهذا فإنه يكثف التجربة الاجتماعية تكثيفاً فنياً راقياً، من منظور ذاتي تخيلي تقويمي. مما يعني أن إحالة الفن على الواقع لايمكن أن تكون إحالة مباشرة، مثلما أنه لايمكن ربطه بما هو فردي صرف. ولعلّه من المفيد أن نستأنس بما يؤكده غولدمان، في هذا المجال، وذلك بمقولته بصدور الفن عن بنىً ذهنية ماوراء فردية تنتمي إلى مجموعة خاصة، وهي تتشكل، على نحو دائم، وتنحلّ في مجموعات اجتماعية حين تعدّل صورتها عن العالم كإستجابة لتغّيُّر الواقع أمامها. وتبقى هذه الصور الذهنية معروفة على نحو رديء، ونصف مدركة في شعور الممثلين الاجتماعيين؛ غير أن الكتاب العظام هم القادرون على بلورة تلك الصور في شكل واضح متماسك(2)

إن الوعي الجمالي الحداثي هو أحد تلك الصور الذهنية التي راحت تتشكل في المجتمع العربي المعاصر، بفعل المستجدات المتعدّدة والمختلفة التي بدأت بالبروز، منذ أوائل القرن العشرين. ومن هنا، فإن تبيان هذا الوعي هو في أساسه تبيان للخلفية الناظمة للحداثة الأدبية العربية عامة، والشعرية منها خاصة.

ونرى أن التصنيف المدرسي لهذه الظاهرة الفنية أو تلك ينبغي أن ينطلق أولاً من تحديد طبيعة الوعي الذي يقف خلفها. أما أن ننطلق، في التصنيف، من المستويات الفنية وحسب، فإن في ذلك قصوراً عن استيعاب الظاهرة نقدياً.

ولاشك في أنه لايجوز الفصل بين الوعي الجمالي والمستويات الفنية. ولكن في المقابل. فإن كثيراً من تلك المستويات يمكن أن يكون عاماً وشائعاً بين مختلف الحركات الشعرية أو المدارس الفنية، في مرحلة تاريخية معينة. غير أن هذا لايعني عدم أهمية تلك المستويات في التصنيف. إذ إن الوعي الجمالي لايمكن استقراؤه من دونها، فهي الحامل المادي له أو هي شكله المشخّص مادياً، ولاسيما حين تكون تعبيراً مباشراً عنه، كما حصل مع الحداثة الشعرية العربية. فما هي طبيعة الوعي الجمالي الحداثي. وماعلاقته بتلك المستويات، وبماذا يتميز من نظيره الكلاسيكي؟.

يمكن تعريف الوعي الجمالي عامة بأنه الوعي الذي يتناول الظواهر والأشياء، من خلال سماتها الحسية وأثرها في الطبيعة النفسية والروحية للمتلقي، منطلقاً من المقاييس الجمالية AESTHETIC STANDARDS التي تشكل مضمونه القيمي. ويتلاءم الوعي الجمالي طرداً مع تلك المقاييس، بحيث إن أي تغير يطرأ على واحد منهما، يطرأ على الآخر بالضرورة. غير أن تغير الوعي يكمن في آليته الذهنية ـ الإنفعالية، على حين أن تغير المقاييس يكمن في المثل العليا الناظمة لها، فليس ثمة وعي جمالي دون مقاييس، وليس ثمة مقاييس من دون مثل عليا. وتدخل هذه الأقانيم، بشكل يصعب فيه التمييز بينها. إلا أنه يمكن القول إن الوعي هو الآلية الذهنية ـ الانفعالية المنتجة للظاهرة، والمقاييس هي الناظمة لها، أما المُثُل فهي المعيار الأعلى الذي تسعى الظاهرة إلى تشخيصه وتمثيله بوساطة تلك المقاييس.

وعلى الرغم من أن الوعي الجمالي أكثر ثباتاً، على الصعيد التاريخي، من أشكال الوعي الأخرى، إلا أن هذا لايؤدي إلى القول بثباته المطلق. فبما أنه نتاج اجتماعي تاريخي، فإن قابليته للتغير والتبدل أمر لاشك فيه. وتبدو هذه القابلية أكثر وضوحاً في المراحل الاجتماعية التي تتسم بنهوض ـ أو نكوص ـ ثقافي قيمي شامل. وبما أن الفن أعلى أشكال تملّك الواقع بحسب مقاييس الجمال، فإنه المؤشر الأكثر مصداقية في الدلالة على ذلك التبدل أو التغير في الوعي الجمالي، إذ إن مايصيب هذا ينعكس في ذاك بالضرورة. ولعلنا لانجانب الصواب إذا ماذهبنا إلى أن التغير الجزئي الذي أصاب الشعر العربي ، في العصر العباسي وفي الأندلس يتلاءم والتغير الجزئي الذي أصاب الوعي الجمالي العربي في الفترتين العباسية والأندلسية ، كما أن التغير الكلي الذي جاءت به الحداثة الشعرية العربية يتلاءم والتغير الكلي الذي أصاب الوعي الجمالي المعاصر. هذا الوعي الذي ظهرت ملامحه الأولى، على استحياء، في أوائل القرن العشرين، مع الرومانتيكية العربية، ولاأدلّ على هذا من اتساع رقعة الفنون الأدبية خاصة. حيث لم يعد الشعر هو الإبداع الأدبي الأوحد أو الأكثر أهمية. بل أصبح أحد فنون الأدب إلى جانب المسرحية والرواية والقصة القصيرة. ولاشك في أن دخول هذه الفنون إلى الأدب العربي يعني، فيما يعنيه، اتساع الحاجات الجمالية العربية وتنوعها من جهة، واختلاف الوعي الجمالي من جهة أخرى. وغنيٌّ عن التوكيد أن المثاقفة ACCULTURATION مع الغرب الأوربي كان لها دور فاعل في ذلك، غير أنها لم تكن، بحال من الأحوال، هي الأساس فيه. إذ إن الخارج لايمكنه أن يؤثر تأثيراً فاعلاً في الداخل، إلا بحسب الضرورات والحاجات الداخلية.

لقد جاءت الحداثة الشعرية العربية تلبية لحاجة جمالية ناشئة، في المجتمع العربي المعاصر، وتعبيراً عن وعي جمالي راح يتبلور عبر نصف قرن تقريباً. وإذا كان هذا الوعي قد ارتبط تاريخياً بظهور قوى اجتماعية معينة كالطبقة الوسطى، والفئة المثقفة منها خاصة، فلايؤدي ذلك إلى أن هذا الوعي خاص بتلك الطبقة، أو يمكن أن يزول بزوال صدارتها الاجتماعية، أو أن يكون انعكاساً REFLECTION عن طبيعتها الطبقية وأطروحاتها الأيدولوجية.

يتميز الوعي الجمالي، في الحداثة الشعرية العربية، من الوعي الكلاسيكي العربي بعدة سمات تجعله وعياً جديداً بكل ماتعنيه الكلمة، كما تجعل نتاجه الشعري مختلفاً عن الشعر العربي الكلاسيكي والتقليدي المعاصر. وفيمايلي نتحدث عنها، وعن تجلياتها فنياً، وعما يقابلها في الوعي الجمالي الكلاسيكي.

1ـ التجادلية:

لعل التجادلية(*) تكون هي السمة الجوهرية من بين سمات الوعي الجمالي الحداثي، فهي السمة الأكثر تبدياً، في الشعر فنياً وجمالياً. فلايكاد مستوى من مستويات النص الشعري الحداثي يخلو منها، أو من بعض آثارها. سواء أكان ذلك على صعيد البنية الفنية العامة أم على صعيد البنية الإيقاعية أم التصويرية أم على صعيد القيم الجمالية المطروحة.

وكما هو معلوم ، فإن هذه السمة تحيل على فهم العالم والوجود الإنساني من منظور التناقض وتبادل التأثير فيما بين الظواهر والأشياء والعناصر والجوانب ...إلخ. فليس ثمة شيء يمكن أن يوجد أو يستمر أو يموت، بمعزل عن عناصر المحيط الذي هو فيه، أو بمعزل عن محيطه عامة. وهو ماينفي إمكانية استقلال الظواهر والأشياء.... بعضها عن بعضها الآخر، ويؤكد وجودها القائم على التناقض والصراع وتبادل التأثير. وبما أن الأمر كذلك، فليس هنالك ماهو ناجز بشكل نهائي. إذ إن التطور والتبدل والتغير من الصفات الملازمة لكل ماهو موجود. ولهذا لم يعد النظر إلى الأشياء يتمُّ من خلال الثبات أو الاستقلال أو الكمال. إن كل شيء ينبغي أن يؤخذ في تجادله مع الأشياء الأخرى، من دون أن يعني ذلك إغفال التميز الذاتي الخاص به.

تلك هي الخلفية الفلسفية للوعي الجمالي الحداثي. حيث راح هذا الوعي يتسم بآلية ذهنية تجادلية، ترى العالم في وحدته القائمة على التناقض والصراع لاعلى التكامل والتناظرSYMMETRY كما هي الحال في الوعي الجمالي الكلاسيكي العربي الذي تشكّل التكاملية الميتافيزيقية سمته الجوهرية. وعلى الرغم من أن المجال لايسمح بالحديث عن هذا الوعي، إلا أنه تمكن الإشارة إلى أن مفهوم الكمال مفهوم جوهري في الفكر العربي ـ الإسلامي، سواء أكان ذلك على صعيد الوجود أم المعرفة أم القيم عامة، والجمالية منها خاصة(3). وبحسب ذلك، فإن لكل موجود كماله اللائق به. وهو كامل لما فيه من عناصر الكمال التي وهبتها إياه المشيئة الإلهية. أي أن هذه العناصر لاتتأتى له ذاتياً أو من المحيط الذي هو فيه. بل تحصل له بحسب ماهو مقرر إلهياً. وبهذا فإن العالم الذي هو كامل بالضرورة، ينطوي على موجودات كاملة ذاتياً ومتكاملة فيمابينها، ولاشك في أن هذا لايلغي تبادل التأثير. بل يلغي التناقض الذي هو جوهر التطور بحسب الفهم التجادلي.

فأساس الاختلاف، إذاً، بين الوعي الحداثي والكلاسيكي، على المستوى الفلسفي الجمالي، يكمن في أن الأول يعي العالم في تناقضه وتجادله، على حين أن الثاني يعيه في تكامله وتناظره ، وهو ماأدى إلى اختلافات عديدة بينهما. ولكن قبل المضيّ بذكر هذه الاختلافات، لابدّ من القول إن الوعي الجمالي عامة ليس وعياً فلسفياً نظرياً للعالم أو الوجود. إنه قد يتقاطع أو يتداخل مع هذه النظرة الفلسفية أو تلك، من دون أن يتطابق وإياها كلياً. إذ لو حدث ذلك لانتفى كونه وعياً جمالياً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، قد تختلف النظرة الفلسفية اختلافاً شديداً، من غير أن يقود ذلك إلى اختلاف في الوعي الجمالي. ولعل أكبر شاهد على ذلك، هو استمرار الوعي الجمالي الجاهلي حتى بدايات العصر العباسي الذي أضاف بعض التغييرات الجزئية إليه. ومن جهة ثالثة، إن تبني هذا الوعي الجمالي أو ذاك لايعني بالضرورة تبنياً لمجمل الخلفية الفلسفية التي يستند إليها. فقد يكون الشاعر حداثياً من دون أن ينتمي فكرياً إلى الفلسفة الجدلية بقوانينها المختلفة، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً. كما يمكن أن ينتمي الشاعر إلى تلك الفلسفة، غير أن وعيه الجمالي وعي كلاسيكي صرف. والحق أن هذه من المسائل المعقدّة التي تحتاج من الباحثين دراسة علمية متأنية.

لقد أدى ذلك الاختلاف إلى افتراق الوعي الحداثي عن الكلاسيكي، على صعيد النظرة إلى الجمال. فبينما كان الوعي الكلاسيكي يميل إلى تعريف الجمال بأنه الكمال الموصوف بالاعتدال(4)، فإن الوعي الحداثي يرى أن الجمال هو التميز القائم على الحرية والحيوية. أي أن هذا الوعي يشترط للجمال ثلاثة عناصر، وهي التميّز والحرية والحيوية.

فما يوحي بالعادية، أو يندرج تحت الشيوع والعمومية، أو لايلفت الانتباه بما فيه من صفات التميّز ، يصعب أن يكون جميلاً، غير أن التميّز وحده لايكفي للجمال. إذ لابدّ من أن يكون مبنياً على الحرية والحيوية. أما الأولى فتنفي أن يوجد الجمال فيما هو مستلب أو مقيد أو منصاع لنظام يفرض عليه ماليس من خصائصه أو طبيعته. وأما الحيوية فتنفي أن يوجد الجمال في الثبات أو السكون STATIC أو مايوحي بهما كالجمود والركود والانحطاط والتقهقر .... إلخ. وبهذا فإن العادي أو المقيد أو الساكن لايمكنه أن يتصف بالجمال، بحسب الوعي الحداثي. حيث إنه يفتقر إلى أحد عناصر الجمال التي هي عناصر متجادلة ومتكاملة فيما بينها.

فالجميل، في الوعي الحداثي، إذاً، هو المتميّز الحر والحيوي في آن معاً. ومن ذلك فإن اللذة الجمالية الناجمة منه ليست لذة الإحساس بالكمال والاعتدال، كما في الوعي الكلاسيكي العربي، بل هي لذة الاحساس بالانطلاق، وكأن الجميل يدهشنا بالآفاق التي يفتحها أمامنا، ويحيلنا على وجودنا الذي ينبغي أن لايكون معاداً ومكروراً أو محدّداً بأطر ثابتة مطلقة تحدّ من الحرية والحيوية فينا. ومن هنا كانت الرغبة في تجديد الشعر شاملة تقريباً. إذ إن التجديد يعني التعبير عن تلك النظرة الجديدة إلى الجمال، والمختلفة عن النظرة العربية الكلاسيكية إليه. وبذلك نفهم قول أدونيس:

البدعةَ، البدعةَ! المحدثَ، المحدثَ!

نبطل سنة قديمة

نردّ للإنسان اسمه(5)

إن البدعة أو التحديث ليس اعتباطاً أو مجرد رغبة في مجاوزة الوعي السائد. بل هو في الأساس إبطال لما يحدّ من طاقات الإنسان، ويجعله غريباً عن طبيعته أو مستلباً من أعراف وقوانين أصبحت ، مع الزمن، قيداً له.

إن هذه النظرة إلى الجمال هي نظرة عامة مشتركة بين شعراء الحداثة العربية كافة، فعلى الرغم من أن هذه الحداثة ليست تياراً شعرياً واحداً(6). إلا أنها تنطلق في تقويم الجمال من نظرة مشتركة. ولايتباين الأمر إلا على صعيد الحوامل الجمالية. كأن يميل هذا التيار إلى اعتبار التميز والحرية والحيوية من صفات القوى الاجتماعية التقدمية ومثلها الأعلى البطل الثوري خاصة؛ ويميل ذاك التيار إلى اعتبار هذه العناصر خاصة بالفئة الليبرالية المثقفة ومثلها الأعلى البطل الفادي. وذلك على المستوى الاجتماعي ـ الجمالي. أما ما سوى ذلك، فليس ثمة من تباين يكاد يذكر جمالياً. وغني عن البيان أن التباين في النظر إلى الحوامل ينهض من التباين في الموقع الأيديولوجي لهذا أو ذاك من التيارات والشعراء. وهو، في نهاية المطاف، تباين أيديولوجي لا جمالي، ولا أدل على ذلك من الاشتراك في السمات الفنية العامة التي تنظم النص الشعري الحداثي.

لقد أشرنا سابقاً إلى أن الملامح الأولى لهذا الوعي قد ظهرت مع الرومانتيكية العربية، ونودُّ أن نشير، في هذا المجال، إلى أن تعريف الجمال بأنه التميز القائم على الحرية والحيوية، يدين بالكثير منه لتلك الرومانتيكية التي ذهبت إلى أن الحرية والفردية شرطا الجمال اللذان يعنيان التميز. وهو ماسعى إليه الشعر الرومانتيكي العربي، ونظّر له كلٌّ من العقاد والمازني(7)، ولكن إذا كان هذا الشعر قد خطا بعض الخطوات، في طريق التجديد، تعبيراً عن نظرته الجديدة إلى الجمال، فإن النقلة النوعية قد تمت مع شعر الحداثة الذي خرج تاريخياً وجمالياً، من معطف الرومانتيكية ولقد انعكس ذلك كله في السمات الفنية العامة لهذا الشعر، ونتوضّح أثر ذلك في كل من الشكل الإيقاعي والبنية الصورية.

آـ الشكل الإيقاعي(*)

 

إن تجديد الشكل الإيقاعي للقصيدة العربية هو التجديد الأكثر سطوعاً، في شعر الحداثة، في بداياته الأولى، ولعله يكون أكثر المستويات استئثاراً للحوار والنقاش والجدل بين المؤيدين والمعارضين، في خمسينيات هذا القرن. حتى بدا، أحياناً، وكأنه التجديد الأوحد الذي جاءت به الحداثة ويمكن تسويغ ذلك الجدل بأن شعر الحداثة، بشكله الإيقاعي المختلف، قد تجاوز المستوى الأكثر سطوعاً، في القصيدة العربية، وفي وحدة البيت الشعري القائم على شطرين متعادلين موسيقياً. ولايمكن فهم التجديد الإيقاعي، بمعزل عن الوعي الحداثي ومفهومه عن الجمال . إذ إن اعتبار الحرية شرطاً من شروط الجمال قد دفع إلى اعتبار الشكل الإيقاعي الكلاسيكي شكلاً عاجزاً عن استيعاب الانفعال الشعري في انطلاقته وحيويته، شكلاً لايتلاءم والحرية التعبيرية من جهة، ولايتلاءم من جهة أخرى، والنظرة الجمالية الجديدة، وهو مااقتضى إيجاد شكل إيقاعي يحقق ماقد عجز عنه ذلك الشكل. فكان أن ظهر الشكل الإيقاعي المفتوح غير المحكوم بضوابط نمطية ناجزة سلفاً، والمرتبط بطبيعة الانفعال الشعري. بحيث أصبح هذا الشكل هو المعادل الإيقاعي للتجربة الشعرية الخاصة بهذا النص أو ذاك. وقد يكون من المستحيل أن نجد نصيّن متطابقين بالشكل الإيقاعي، في شعر الحداثة. وما ذلك إلا للاستحالة في أن نجد تجربتين متطابقتين تماماً، حتى لدى الشاعر الواحد.

إن انتفاء النمطية الناجزة عن الشكل الإيقاعي الحداثي لايتجاوب أيضاً والحيوية التي هي أحد شروط الجمال. إذ إن هذا الشكل هو التمثيل الحسي لحركة التجربة الشعرية، في صعودها وهبوطها وتأرجحها، وفي كثافتها واستطالاتها، وفي تسارعها أيضاً. وهو مايفسّر التدفق الإيقاعي أحياناً حتى نهاية المقطع، أو نهاية النص الشعري بكامله؛ ومايفسر أيضاً الوقفات الإيقاعية المتكررة أحياناً، بشكل متوالٍ؛ كما يفسر إلغاء القافية أو تنويعها أو تغيير مواقعها من النص، بحيث لم تعد تأتي بالضرورة في نهاية الأشطر الشعرية. أي لم تعد القافية تعني الوقف الإيقاعي بالضرورة، على النحو الذي كانت عليه في الشعر العربي الكلاسيكي.

إن كل ذلك جعل من الشكل الإيقاعي الحداثي مفتوحاً على احتملات لاتكاد تحصى من الاختلافات الإيقاعية بين النصوص الشعرية. وذلك على الرغم من أن التفعيلة بقيت هي الوحدة الصوتية ـ النغمية، في تيار التفعيلة من شعر الحداثة. ولابأس من الإشارة، في هذا المجال، إلى أن الحديث عن إيقاع سمعي محدّد في قصيدة النثر، ومايزال رجماً بالغيب. وإن يكن ثمة محاولات مخلصة لتسويغه، من خلال النظام النبري، لامن خلال النظام الكمي(8). وعلى أية حال، فإن الحداثة في طرحها شكلاً إيقاعياً مفتوحاً، قد فتحت الباب واسعاً أمام الاختلافات الإيقاعية النصيّة، بشكل لم يعد فيه بالإمكان الكلام على نمط أو اثنين أو غير ذلك، للشكل الإيقاعي الحداثي. ولنطرح أمثلة على هذا، من بعض النصوص المبنية على تفعيلة (متفاعلن)، كما تتوضح تلك الاختلافات، وذلك على الرغم من أن الأمر أصبح شائعاً ومعروفاً:

يقول مصطفى خضر، بتدفق إيقاعي يصل إلى سبع عشرة تفعيلة:

لمن التماثيلُ المهشّمةُ؟

الوجوهُ تهبُّ، يطمسها الغبارُ،

تذوب أقنعةٌ وأهدابٌ من الحجرِ،

النهارُ يزفُّ مزهواً حشودَ الملح،

والملأُ المقدّسُ يعلن النسيانَ مملكةً:

رؤوسٌ من حجر(9)

ويستخدم محمد على شمس الدين ستاً وعشرين تفعيلة موزّعة على الشكل التالي:[9/10/5/2] مع التزام بقافية واحدة وذلك في قوله:

قمر الجنوب على التلال

قمرٌ خفيف... ثم لايهوي كعصفور على كتف الجبال

وثيابه البيضاء ينشرها على الأشجار آونةً

ويجلس مثل تمثال على قدمين حافيتين من قصب الخيال

وأقول ياقمري الذي قتلوكَ

هبْ لي من أقاصي كفِّك البيضاء أغنيةً

ونشرب قبل بارقة الزوالْ(10)

وغالباً مايميل بلند الحيدري إلى التشطير المتلاحق والمنتهي بقواف متنوعة، من مثل قوله:

نفس الطريقْ

نفس البيوت، يشدّها جهد عميقْ

نفس السكوتْ

كنا نقولُ: غدا يموت وتستفيقْ

من كل دار

أصوات أطفال صغارْ

يتدحرجون مع النهار على الطريقْ(11)

يشتمل هذا المقبوس على سبعة أشطر، ينتهي كل منها بقافية، أما من حيث عدد التفعيلات في الأشطر، فقد جاءت على النحو التالي:[3/2/1/3/1/3/1 ]

فليس ثمة، إذاً، شكل إيقاعي نمطي واحد. سواء فيما يتعلق بعدد التفعيلات في الشطر أو المقطع، أم فيما يتعلق بنمط التقفية. فيمكن أن تحذف القافية نهائياً من المقطع أو النص، ويمكن أن تتنوّع تنوعاً منتظماً أو غير منتظم، كما يمكن أن تتواتر القوافي المتماثلة، من دون أن يفصل بينها عدد من التفعيلات. ومن الخطأ أن نتصور إمكانية الوصول إلى قانون ينظم الشكل الإيقاعي الحداثي، ماخلا القول إن التفعيلة هي الوحدة الصوتية ـ النغمية، في تيار التفعيلة. وماذلك إلا للارتباط الدقيق بين ذلك الشكل والانفعال الشعري. إذ إن الإيقاع الحداثي تظهير أو تحسيس سمعي لهذا الانفعال.

ومن المفيد أن نتوقف، في هذا المجال، عند إحدى الدعاوى الزاعمة أن هذا الشكل الإيقاعي ليس بجديد. فقد سُبق إليه منذ القرن الهجري الخامس. يقول أحمد المعداوي في ذلك: " إن هذه التقنية التي قُدّمت منذ زمن على أنها أحد الإنجازات الإيقاعية المتقدمة لحركة الشعر الحديث ليست في الواقع كذلك، وإنما هي تقنية معروفة على الأقل منذ القرن الخامس الهجري"(12)

ويستشهد على ذلك بما نسب إلى أبي العلاء المعري من رسالة وصل منها قول موزون على تفعيلة الرجز (مستفعلن وجوازاتها) . وقد ذكره ابن خلكان في وفياته. ونثبته نحن، هنا، بالشكل الذي أثبته ابن خلكان، مع تعليقه عليه: [ " أصلحك الله وأبقاك لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا الخالي لكي نحدث عهداً بك يازين الأخلاء فما مثلك من غير عهد أو غفل".....فوجدته يخرج من بحر الرجز وهو المجزوء منه. وتشتمل هذه الكلمات على أربعة أبيات على روي اللام وهي على صورة يسوغ استعمالها عند العروضيين . ومن لايكون له بهذا الفن معرفة فإنه ينكرها لأجل قطع الموصول منها.... وهذا إنما يذكره أهل هذا الشأن ـ أي أهل العروض ـ للمعاياة لا لأنه من الأشعار المستعملة](13)

أما المعداوي فإنه يثبته على النحو التالي، مع ملاحظة اختلافين. أولهما أن ما أثبته المعداوي فيه تضعيف الياء في كلمة (الخالي)، وحذف اللام من (كي). ولايختلف الوزن، وإن تكن الصورة التي أثبتناها هي الأصلح لغوياً. وثانيهما هو الاختلاف بين (زين) التي أثبتناها و (خير) التي أثبتها هو. وطبعاً لايختلف الوزن في الحالين. ويعود هذان الاختلافان إلى الاختلاف بين الطبعتين:

أصلحك الله وأبقاك

لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم

إلى منزلنا الخاليّ

كي نُحدث عهداً بك ياخير الأخلاء

فما مثلك من غير عهد أو غفل(14)

لقد فات المعداوي، بتوزيعه القول على هذه الصورة، ماقاله ابن خلكان من أن هذه الكلمات تشتمل على أربعة أبيات على روي اللام، من مجزوء الرجز، أي على النحو التالي:

أصلحك الله وأبقاك لقد كان من الـ

واجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا الـ

خالي لكي نحدث عهداً بك يازين الأخلّْ

لاء فما مثلك من غير عهد أو غفل

كما فاته أيضاً قول ابن خلكان، من أن هذا إنما يذكره أهل هذا الشأن للمعاياة، لالأنه من الأشعار المستعملة. وهذا القول فيه من البيان مالايستدعي التعليق عليه. ولنا فيما يقوله الجاحظ حول دخول الوزن إلى النثر خير دليل:

" اعلم لو أنك اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم، لوجدت فيها مثل مستفعلن فاعلن كثيراً ومستفعلن متفاعلن، وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعراً. ولو أن رجلاً من الباعة صاح: من يشتري باذنجان . لقد كان تكلّم بكلام في وزن مستفعلن مفعولان، وكيف يكون هذا شعراً وصاحبه لم يقصد إلى الشعر؟"(15).

وفي المحصلة، فإن الأمر لايرتبط بإقامة الوزن، بل بالقصد إلى الشعر. ولم يكن المعري، إذا صحت نسبة المقطوعة إليه، يقصد إلى قول الشعر بحال من الأحوال. ولهذا جاءت المقطوعة عبارة عن كلام نثري موزون على مجزوء الرجز فحسب. والحق أن النظرة القديمة لم تكن تعتبر الرجز من الشعر. ولهذا حين قال النبي الكريم في غزوة أحد قولاً موزوناً بحسب مجزوء الرجز، لم يذهب أحد إلى الادعاء بأنه قال شعراً. أما القول فهو:

أنا النبي لاكذبْ

 

أنا ابن عبد المطلبْ

وذلك على الرغم من أن هذا القول أكثر موسيقية بما لايقاس من قول المعري، ومن هنا، فإن دعوى المعداوي بأن الشكل الإيقاعي الحداثي ليس بجديد، وبأنه تقنية معروفة منذ القرن الهجري الخامس، هي دعوى باطلة أساساً. ولو افترضنا جدلاً أن ثمة محاولات شعرية (نقول: شعرية) قديمة، في هذا الشكل، فإن ذلك لايقدّم ولايؤخر شيئاً. لأن الأمر لايتعلق بالحالة الفردية المنقطعة . بل يتعلق أولاً وأخيراً بالظاهرة الفنية العامة. ويبقى أن نذكر أن الذوق الجمالي العربي الكلاسيكي لايقرر أن توالي التفعيلات هو ما يصنع البيت الشعري. بل يقرر أن التوالي المنتظم المحدد هو الذي يصنعه . وهذا ماقد تجاوزه شعر الحداثة.

ولكن إذا كان المعداوي قد أخطأ في دعواه هذه، فإن مايذهب إليه من أن لجماعة أبولو أسبقية في الشكل الإيقاعي الجديد على الحداثة(16) ، حيث ظهرت الكتابة الشعرية بأشطر متفاوتة الطول، عند خليل شيبوب وعلي أحمد باكثير ومحمد فريد أبو حديد وغيرهم، فإنه صحيح ومعروف أيضاً. وهذا يؤكد مانذهب إليه من أن الحداثة الشعرية قد خرجت من معطف الرومانتيكية العربية تاريخياً وجمالياً.

والحق أن هذه الرومانتيكية قد كانت لها المحاولة التجديدية الأولى، على الصعيد الإيقاعي، في الشعر العربي الحديث. حيث ظهر التنويع في القوافي، والميل إلى اللوازم الإيقاعية في نهاية بعض المقاطع، والميل إلى المقطعات الشعرية القصيرة، علاوة على استخدام الأشطر المتفاوتة الطول، ولكن من دون أن يخرج الشاعر، في مجمل نتاجه الشعري، عن وحدة البيت. ولاشك في أن هذا ينسجم والتغيرات التي أصابت الوعي الجمالي العربي، في بدايات هذا القرن.

ولقد تابعت الحداثة الشعرية ماكانت الرومانتيكية قد بدأته، فأنجزت شكلها الإيقاعي المفتوح غير المحدد سلفاً، أو غير النمطي. فظهرت الأشطر الشعرية المتداخلة إيقاعياً، والمترابطة فيما بينها، وتم التجاوز النهائي، في نتاج شعراء الحداثة، لمفهوم وحدة البيت، هذا المفهوم الذي لم يعد يتلاءم والوعي الجمالي الحداثي في رؤيته للعالم من منظور التداخل وتبادل التأثير؛ كما لم يعد يتلاءم ومفهومه عن الجمال الذي يُشترط فيه الحرية والحيوية، وكي يتوضح عدم التلاؤم هذا، نتوقف قليلاً عند الشكل الإيقاعي للقصيدة العربية الكلاسيكية، في تعبيره عن وعيها الجمالي.

تقوم هذه القصيدة. كما هو معلوم، على توالي الأبيات المستقلة إيقاعياً ومعنوياً (والمرتبطة فيمابينها شعورياً طبعاً) . حيث يشكّل كل بيت وحدة إيقاعية قائمة بذاتها، لاتتأثر بما هو خارج عنها، أي أن الكمال الإيقاعي والمعنوي من سمات البيت الشعري. ولقد أشرنا سابقاً إلى أن الجمال، في الوعي الكلاسيكي هو الكمال الموصوف بالاعتدال. أما أين ظهر الاعتدال في البيت الشعري، فنقول: إنه يظهر في اشتمال البيت على شطرين متماثلين ومتناظرين إيقاعياً. أي أن الشطرالأول يعادل الشطر الثاني. ولايصح بحال من الأحوال خلاف ذلك. سواء أكان هذا في الأبحر التامة، أم المجزوءة. بمعنى آخر: إن الشطر الشعري ينبغي أن يكون كاملاً، لايحتاج إيقاعياً إلى أن يكتمل بالشطر الثاني. ولاينفي ذلك تدوير الوزن أحياناً في بعض الأبيات. ولاسيما من البحر الخفيف الذي يقول فيه صاحب "موسيقا الشعر العربي " ومن الجدير بالذكر أن أكثر ماتقع الأبيات المدوّرة في عروض هذا البحر. وهو دليل على القوة، إلا أنه في غير الخفيف مستثقل حتى عند المطبوعين من الشعراء"(17)

إن كمال البيت الشعري يقوم، إذاً، على التناظر والتماثل والتعادل والتكامل بين شطرين كاملين إيقاعياً، ويمكن القول أيضاً إن الشطر نفسه لايخلو من تلك السمات، ولاسيما في الأبحر الممتزجة، حيث تتوالى التفعيلات المختلفة بشكل محدد منتظم من مثل تكرار . "مستفعلن فاعلن" في البحر البسيط، أو تكرار"فعولن مفاعيلن" في البحر الطويل... إلخ. أو لنقل بصورة أخرى: إن القصيدة تشتمل على أبيات كاملة ذاتياً على الصعيد الإيقاعي ومتكاملة فيمابينها. والبيت يشتمل على شطرين كاملين ذاتياً ومتكاملين تناظرياً فيما بينهما. ويشتمل الشطر، في الأبحر الممتزجة، على وحدتين إيقاعيتين كاملتين ومكتملتين فيما بينهما أيضاً. مع الإشارة إلى أن هاتين الوحدتين غالباً ماتكونان متداخلتين في الشطر الواحد.

إن هذا الشكل الإيقاعي يعبّر خير تعبير عن الوعي الكلاسيكي الذي يرى العالم من خلال التناظر والتكامل، ويرى في الجمال على أنه الكمال الموصوف بالاعتدال. غير أن هذا الشكل ليس بإمكانه أن يكون حاملاً للوعي الحداثي الذي يرى العالم من خلال التداخل والتناقض وتبادل التأثير. إذ إن ثمة اختلافاً حاداً بين هذا الوعي وذلك الشكل. ولهذا السبب لاغرابة في أن تسعى الحداثة إلى إنجاز شكلها الإيقاعي الذي لاينهض من التناظر والتماثل... بل من التداخل وتبادل التأثير والتنوع في إطار الوحدة العامة للنص.

ب ـ البنية الصورية:

من المعروف أن بعض النقاد(18) يؤكد أن ثمة انقلاباً جذرياً قد أصاب الصورة الفنية ARTISTIC IMAGE ، في الشعر الحديث. فلم تعد الصورة مجرد شرح للفكرة أو توضيح لها أو مجرد زخرفة، يمكن الاستغناء عنها، من دون أن يختل المعنى، كما في الشعر الكلاسيكي والتقليدي المعاصر. بل أصبحت الصورة الحداثية داخلة، في صميم النص الشعري ، بطريقة بنائية حيوية؛ كما أصبحت الصورة هي الفكرة، ولاانفصال بينهما. ومن جهة أخرى، فقد تغيرت العلاقة بين عناصر الصورة، بشكل أصبحت فيه هذه العلاقة تقوم على صهر العناصر، لاعلى تجاوزها وتقابلها، أي تمَّ الإنتقال " من الثنوية البلاغية إلى الشعرية الصاهرة"(19) كما يقول الدكتور اليافي.

وعلى الرغم من أن الصورة الحداثية قد دُرست دراسة مستفيضة، في النقد الأدبي الحديث، بحيث لامجال للإضافة، في هذا الإطار، إلا أننا نتوقف عند تبيان صلة هذه الصورة بالوعي الجمالي الحداثي. وهو ما لم يعط حقّه من الدرس. وسوف نتناول هذه الصلة من جانبين اثنين. هما: بنية الصورة، وخلفيتها التعبيرية. وذلك بإيجاز شديد، قدر الإمكان.

تنهض بنية الصورة الحداثية من العلاقة التجادلية بين عناصرها، بشكل يستحيل فيه الفصل بينها، أو النظر إلى أحد العناصر بمعزل عن تداخله بالآخر. والعناصر، هنا، لاتعني الظواهر والأشياء التي تتكون منها الصورة فحسب، بل تعني أيضاً الأفكار والانفعالات والأساليب البلاغية المستخدمة.

فالصورة الحداثية، بهذا المعنى، هي نتاج كلي للعلاقة التجادلية بين تلك العناصر. ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك.

يقول محمود درويش:

مشت الخيول على العصافير الصغيرة

فابتكرنا الياسمين(20)

ويقول أحمد عبد المعطي حجازي، في إحدى اللوحات التشكيلية:

قطرتان من الصحو،

في قطرتين من الظلِّ

في قطرة من ندى

قل هو اللون في البدء كان

وسوف يكون غدا(21)

ويقول خليل حاوي:

ليتني مازلت في الشارع أصطاد الذباب

أنا والأعمى المغني والكلاب

وطوافي بزوايا الليل،

بالحانات من باب لباب

أتصدّى لذئاب الدرب....‍‍‍‍‍‍‍!

ماذا؟ ليتني مازلت درباً للذئاب(22)

وعلى الرغم من أن هذه الصور تختلف فيما بينها، في العناصر والأجواء والإيحاءات، فإنها تنهض من الوعي الحداثي في سمته التجادلية، فهي مبنية على التجادل لاعلى التناظر بين العناصر. فالياسمين، في الصورة الأولى، لايتمّ ابتكاره من التناظر بين الخيول والعصافير. بل يتمُّ من خلال التناقض والصراع الحاد بينهما. أي أن انسحاق العصافير بأرجل الخيول(مع الأخذ بعين الاعتبار مايرمز إليه كل منهما) هو الذي يدعونا إلى ابتكار الياسمين . فعناصر هذه الصورة، إذاً، أربعة، وهي الخيول والعصافير و "نا" الدالة على الفاعلين، في فعل "ابتكرنا". وجميع هذه العناصر متجادلة فيما بينها. فالخيول تتناقض مع العصافير فتسحقها، ونحن أو"نا" الدالة على الفاعلين، تتناقض مع الخيول ومع موت العصافير، فتبتكر الياسمين الذي هو من نوعية العصافير. أي أن الياسمين هو الآخر على تناقض مع الخيول والموت معاً. ومن جهة أخرى، فثمة تناقض بين فعل الابتكار وفعل الموت الذي تمارسه الخيول. وفي النتيجة، فإن الإيحاء المنسجم الذي تقدمه هذه الصورة يقوم على التناقض بين عناصرها المختلفة. وما يقال في هذه الصورة يقال في الصورتين التاليتين. فالتجادل بين القطرات، في الصورة الثانية، هو الذي يشكّل اللون أو اللوحة التشكيلية، والفن عامة. فلابدّ للفن، لكي يكون معبّراً، من أن يتكوّن مما هو متناقض في العالم كالصحو والظل والندى(بما ترمز إليه). وكذا هي الحال، في الصورة الثالثة. حيث المعاناة الفردية تنهض من التناقض بين "الأنا" وكلٍّ من الدرب والذباب والذئاب.

هذا من حيث العلاقة بين العناصر. أما من حيث الجمع بينها، من مجالات حياتية متباعدة ومختلفة ومتناقضة أحياناً، فإن هذا الأمر بات شائعاً في كتب نقد الشعر الحداثي. إذ من المعروف أن هذا الشعر قد أفاد من تقنيات الصورة الفنية السوريالية التي تقوم أساساً على الجمع بين المتناقضات والمتباعدات. وإذا ماعدنا إلى الصور السابقة، فإننا نجد، في الصورة الأولى، جمعاً بين الخيول الدابّة والعصافير المحلّقة والياسمين النابت والذات الإنسانية؛ كما نجد، في الصورة الثانية، جمعاً بين القطرة وكلٍّ من الصحو والظل؛ ونجد، في الصورة الثالثة، جمعاً بين الليل والزوايا، والأعمى والكلاب، والحانات والذئاب، والصيد والذباب. غير أن ماتنبغي الإشارة إليه، في هذا المجال، هو أن تلك العلاقة التجادلية أو هذا الجمع بين المتباعدات والمتناقضات، ينبغي أن ينتج عنه إيحاء جميل منسجم. ولن يكون هذا ممكناً، إلا إذا كانت الصورة بل التخييل الفني عامة يحيل على الكينونة الواقعية، ومن دون ذلك لن يكون التخييل، كما يؤكد تيودور أدورنو THEODOR ADORNO، سوى تخييل مجاني رخيص ومحدود القيمة(23).

وعلى هذا النحو، فإن الوعي الحداثي في سمته التجادلية قد انعكس في الصورة الفنية. وهو ما أدى بها إلى أن تشتمل على عناصر متداخلة متجادلة مستقاة من مجالات متباعدة أو متناقضة. فانعدمت الثنائيات المتقابلة أو المتناظرة التي كانت الصورة الكلاسيكية تقوم عليها، وانعدمت أيضاً تلك المقاربة والمناسبة اللتان كانتا أساس هذه الصورة.

وثمة أمر آخر، ينبغي الحديث عنه، في بنية الصورة، وهو التداخل بين الفكرة والمجاز أو الشكل البلاغي عامة. إذ أن الفكرة، في الصورة الحداثية، تأتي عبر المجاز، فهي فكرة مصوَّرة أو صورة مفكّرة. يقول الدكتور اليافي:

" لعل خير بداية ننطلق منها للحديث عن تقنيات الصورة المفردة أن نتذكر أمرين يخصَّان القصيدة المعاصرة. أولهما أنها ألغت ثنائية التعبير المعروفة: فكرة+ صورة، وجعلت التعبير عن الفكرة يتمُّ من خلال الصورة أو بالصورة، وثانيهما أنها رأت في الصورة أداة الخلق أو التعبير الوحيدة عن التجربة الشعورية بأبعادها كلها ومضامينها وخصائصها. أي جعلت من الصورة المكِّون الرئيس لها"(24)

بمعنى أن ماجاء به شعر الحداثة، على صعيد الصورة ينسجم والمقولة المعروفة التي أطلقها بيلنسكي، في تعريفه للفن، وهي " الفن تفكير في صور " (25).

لقد ردم الشاعر الحداثي تلك الفجوة بين الفكرة والصورة، التي لاحظها في الشعر العربي الكلاسيكي والتقليدي المعاصر. فراح يرى ماحوله ويفكر فيه، من خلال الصورة الفنية التي أصبح لها، عنده، وظيفة جمالية معرفية مزدوجة. وهذا مايتلاءم وسمة التجادلية التي ينهض منها وعيه الحداثي. ولعل عودة إلى الصور الفنية المذكورة سابقاً تؤكد هذه الناحية. ولابأس من التمثل ببعض الصور الأخرى:

يقول السياب:

ياغيمة في أول الصباح

تعربد الرياح

من حولها، تنتف من خيوطها، تطير

بها إلى سماوة تجوع للحرير

سينطوي الجناح،

ستنتف الرياح ريشه مع الغروب

ياغيمة ماأمطرت، تذوب(26)

ويقول محمد الماغوط:

كسنبلة مكسوَّة بالشعر

رأيتك تنزف على فوهة الخليج

أيها المشوَّه

تحصي جراحك وندوبك

كما تحصي الغابة طيورها عند المساء

يامعيلي أيام المحنه

أيها المطر والرعب والرصاص(27)

ويقول سعدي يوسف:

الرياح التي لاتهبُّ العشية

والرياح التي لاتهبُّ الصباح

حمَّلتني كتاب الغصون:

أن أرى صيحتي في السكون(28)

إن في هذه الصور تداخلاً حاداً بين الفكر والمجاز، بحيث يستحيل التعامل مع هذا من دون ذاك. فهما يشكلان وحدة مطلقة في التعبير، وفي الوظيفة الجمالية المعرفية المزدوجة لدى الشاعر الحداثي. فسعدي يوسف، مثلاً، سعى إلى القول إن الحياة تخرج من أحشاء الموت، أو إن المستقبل يخرج من الواقع الراكد أو الذي يبدو راكداً، غير أن هذه الفكرة لم تأت بالشكل الذي سردناه ـ وهو شكل قاصر عن الإحاطة بتلك الصورة ـ بل أتت صورية ـ معرفية ممتلئة بالإيحاءات، ومحمولة على التعامل المجازي مع الأشياء، مما جعلها تشعّ في اتجاهات تعبيرية متعددة، لايصحّ حصرها أو حجزها بما سردناه من معنى الصورة أو فكرتها.

وفي الحديث عن الخلفية التعبيرية للصورة الحداثية، يمكن القول إن هذه الصورة تصدر عن رؤية ورؤيا تجادليتين للظواهر والأشياء، والواقع الإنساني عامة. أي أن هذه الصورة لاتعبّر عن الثبات والسكون، بل عن الحركة والتفاعل والتحول. سواء أكان ذلك في مايخص ماهو ناجز، أم ماهو في قيد الإنجاز. ومن هنا، فإن سمة التحول(29) من السمات الأساسية للخلفية التعبيرية لهذه الصورة. وإن وقفة عند بعض ماسلف من صور، تثبت ذلك وتوضّحه.

فصورة محمود درويش تصدر عن تحول الموت إلى حياة، من خلال الصراع المميت بين الخيول والعصافير؛ وصورة خليل حاوي تصدر عن تحول الفرد المعذب من المناوأة إلى الانسحاق؛ وصورة السياب تصدر عن تحول إمكانية الحياة إلى موت وتلاش، من خلال عربدة الرياح حول الغيمة؛ وصورة سعدي يوسف تصدر عن وعي التحول الخفي في الواقع من السكون إلى الحركة.... إن هذه الصور مجرد أمثلة عفوية على صدور الصورة الحداثية عن وعي التحول في الواقع والعالم. أما الصور التي تعلن هذا التحول صراحة، فلاتكاد تحصى، نذكر واحدة منها، في هذا المجال، يقول محمد عمران:

أمشي على غضب الهواء/ أنا النذير،

يكون زلزال، فتنهدم الجهات،

وتسقط الأنقاض في قاعي، ويختلط الركامْ

جثث/ وينعجن القتيل بقاتليه،

وتدخل الحربُ السلامْ

تتداخل الأضداد ـ

تلبس خوذةٌ كوفيةً

جَمَلٌ ثيابَ محاربٍ

ملكٌ فدائياً.

فدائيٌّ عمامةْ

وتكون عاصفةٌ، فيلتفُّ الظلام على الظلام

وتكون فاتحةُ القيامهْ(30)

وهكذا نلحظ أن الصورة الحداثية قد جاءت تعبيراً عن وعيها الجمالي في سمته التجادلية. سواء أكان ذلك في العلاقة بين العناصر، أم الجمع بينها من مجالات متناقضة أو متباعدة، أم كان في التداخل بين الفكر والمجاز، أم كان في خلفيتها التعبيرية التي تتصف بالتحول، أم كان في الوظيفة الجمالية المعرفية المزدوجة لها.

إن كل ذلك قد جعل من هذه الصورة مختلفة اختلافاً جذرياً عن مثيلتها في الشعر العربي الكلاسيكي والتقليدي المعاصر. ولكي يتوضح هذا الاختلاف، نشير إشارة سريعة إلى أن الصورة الكلاسيكية تقوم على المقاربة والمناسبة بين العناصر والأشياء المكونة لها؛ وتقوم أيضاً على الثنائية البلاغية التي تحتفظ باستقلالية عنصري الصورة، فلايتداخلان إلا ماندر؛ وتقوم من جهة ثالثة على توضيح المعنى أو شرحه أو زخرفته وتزيينه. مما يعني استقلال الصورة عن الفكرة. فكثيراً مايشتمل البيت الشعري الكلاسيكي على التناظر بين الفكرة والصورة. وذلك من مثل الأبيات المشهورة التالية، لكلِّ من امرىء القيس والخنساء والمتنبي، على التوالي:

مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معاً

 

كجلمود صخر حطّه السيل من علِ

* *

وإن صخراً لتأتمّ الهداة به

 

كنه علم في رأسه نار

* *

ماكلّ مايتمنى المرء يدركه

 

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

* *

حيث يشتمل الشطر الأول على الفكرة، ويشتمل الشطر الثاني على الصورة، مع الإشارة إلى أن هذا التناظر ليس قانوناً ينظم الصور الكلاسيكية كافة، في البيت الشعري الواحد. بل إنه ينظم علاقة الصورة بالفكرة في ذلك الشعر عامة. وعلى أية حال فإن الأمر قد أصبح معروفاً وشائعاً، بما يكفينا مؤونة الإفاضة فيه. ولكن مانريده في هذا المجال هو أن التناظر الذي نلمسه بين عنصري الصورة الكلاسيكية، أو بين الفكرة والمجاز فيها، يتلاءم تماماً ووعيها الجمالي الذي يرى العالم من خلال التكامل والتناظر، كما أسلفنا غير مرة.

2 ـ الدرامية:

من المعلوم أن موقف الشعر العربي الكلاسيكي، والتقليدي المعاصر أيضاً، هو في الأساس موقف غنائي من العالم. إذيتم التعبير عن الظواهر والأشياء، من خلال أثرها الانفعالي في الذات الفردية التي هي المحور الذي يتمحور حوله النتاج الشعري. سواء أكان ذلك في طبيعة الانفعال، أم في رؤية العالم، أم في أسلوب التعبير. ولهذا فإن متلقيّ هذا الشعر لايتلقى العالم. بل يتلقى الذات التي ترى العالم وتتأثر به أو تعانيه.

ولاشك في أن الفن عامة هو موقف ذاتي، ولانستطيع البتة أن نتلقى العالم، كما هو في الفن، إذ لايمكن أن نرى فيه العالم بشكل موضوعي. بل نراه من منظور الذات المبدعة. ولكن ثمة فرق بين أن نراه من منظور الذات، وبين أن نرى الذات الفردية في تأثرها الانفعالي به. وهذا الفرق هو الذي يقف وراء اختلاف الشعر الغنائي عن الشعر الدرامي أو عن الدراما عامة. ففي حين يذهب الأول إلى التعبير عن المسائل الذاتية المتعلقة بالمبدع مباشرة، وبشكل شخصي؛ يذهب الثاني إلى التعبير عن مسائل مختلفة ذات طابع عام، لاترتبط بالضرورة بشخص المبدع الذي يستتر دائماً وراء شخصياته الدرامية.

ولسنا، هنا، في معرض التمييز بين الغنائية LYRICISM والدرامية DRAMATIC في الأدب. ولكن ماأردناه هو الإشارة إلى أن موقع الذات الفردية من النتاج الغنائي يحيل على موقعها من العالم، وطريقة تعاملها معه، فهي ترى في نفسها محوراً أساسياً يقابل العالم بظواهره وجوانبه، مما يدفعها إلى التعامل معه ذاتياً بشكل ينسجم وموقعها المحوري.

فثمة، إذاً، قطبان اثنان في الوعي الغنائي بعامة، وهما الذات الفردية والعالم الموضوعي. وهما إذ يتبادلان التأثير، على الصعيد الانفعالي، لايأخذان الأهمية نفسها على صعيد التعبير. فالذات بهمومها وهواجسها وشواغلها هي القطب الأهم. ولهذا فإن متلقي الشعر الغنائي يهتم بالذات التي ترى وتتأثر وتعاني، أكثر من اهتمامه بالعالم.(*) وإذا مااهتمّ به، فلكي يتوضّح أثره في تلك الذات التي غالباً ماتتجاوب وذاته الفردية. وكأننا نقول بذلك إن الشعر الغنائي يفرض تلقياً جمالياً مناسباً له في الموقف. ولاشك في أن هذا يعود إلى أن ذلك الشعر ينهض من حاجة جمالية ذات طابع ذاتي ـ غنائي. ولم يكن للشعر العربي الكلاسيكي أن ينشأ، وأن يستمرَّ، لقرون عديدة، بشكله الغنائي، لولا سيطرة الحاجة الجمالية الغنائية ووعيها الذاتي، في المجتمع العربي.

غير أن ماحمله القرن العشرون من تغيرات وتبدلات متنوعة ومتعددة أصابت المجتمع العربي الحديث، قد أثرت تأثيراً كبيراً في الحاجات الجمالية وفي الوعي الجمالي أيضاً. فظهرت الفنون الموضوعية والدرامية، ثم تصدّرت هذه الفنون، مع تنامي حاجاتها الجمالية ساحة الأدب العربي الحديث، ولم يعد للحاجة الغنائية الصرف تلك الأهمية التي كانت لها من قبل. وهو مااقتضى تحولاً ملائماً على صعيد الوعي الغنائي، فكان أن اتصف بالدرامية.

أي أن التحول الذي أصاب المجتمع العربي قد دفع بالحاجات الجمالية، إلى الاتساع والتنوع والاختلاف. مما أفقد الوعي الغنائي الصرف مشروعيته الجمالية، وجعله يتحول بما يتلاءم والمستجدات. فظهر مايمكن تسميته بالوعي الغنائي ـ الدرامي.

إنه وعي غنائي، لأنه ينطلق من الذات الفردية في وعي العالم. وهو درامي، لأنه يجسد العالم من خلال الصراع الذي هو جوهر الدراما، بشكل يبدو فيه الصراع شبه موضوعي. أو لنقل: لأن ثمة ذاتاً فردية متموضعة. بمعنى أن "موضعة" الذاتي في الحداثة الشعرية العربية هي الشكل الأنسب لطبيعة الحاجات الجمالية التي أفرزت الفنون الأدبية الموضوعية والدرامية كالرواية والقصة القصيرة والمسرحية، ولم يكن بإمكان الشاعر الحداثي المعنيّ بالتعبير عن إيقاع العصر، أن يغضّ النظر عن ذلك التحول في الحاجات، كما يفعل الشاعر التقليدي المعاصر الذي مايزال ينظر إلى العالم من المنظور الذاتي الغنائي الصرف.

إن موضعة الذاتي تعني التخفيف من بروز الذات الفردية أو إحالاتها، في التعبير الشعري، بحيث لايبدو النص الشعري إحالة مباشرة على ذات المبدع. بل يبدو معادلاً موضوعياً لذاته في علاقته بالعالم. وعلى هذا النحو، فإن النص الحداثي يتقاطع وذات المبدع، غير أنه لايتطابق وإياها. إذ إنه يعادلها فنياً، ولايماثلها شخصياً. وقد انعكست هذه الموضعة الذاتية على الصعيد التعبيري من خلال النمذجة الفنية والبناء الشعري الدرامي، ولكن قبل الحديث عن هذين الجانبين، لابأس من الإشارة إلى أن موضعة الذاتي، في الحداثة الشعرية، لاتتناقض وما نلحظه عند هذا الشاعر أو ذاك من بروز حاد للمسائل الفردية. إذ إن هذا المسائل غالباً مايتمّ التعبير عنها بشكل غنائي ـ درامي. بمعنى أن ثمة تحوّلاً في وعي تلك المسائل، وفي طريقة التعبير عنها. فالدرامية لاتلغي وجود الذاتية. بل تلغي نمطاً معيناً في التعامل معها. وينبغي أن لاننسى أن الحداثة الشعرية هي في نهاية المطاف حركة غنائية تتسم بالدرامية. وليست بحال من الأحوال حركة درامية.

آ ـ النمذجة الفنية:

إن النمذجة الفنية أسلوب تقني جديد، طرحته الحداثة الشعرية العربية، في محاولتها التعبير عن وعيها الغنائي الموصوف بالدرامية. وهو أسلوب نقلته الحداثة من الفنون الأدبية الموضوعية والدرامية، إلى الشعر الغنائي. ولم يكن لهذا الأسلوب من أهمية تذكر، فيما قبل الحداثة من شعر عربي. ولكن قبل الإشارة إلى هذا الأسلوب ـ إذ أن المجال لايسمح بالإفاضة(*) - لابد من التمييز بين النمذجة الفنية والنمذجة الجمالية. حيث إن الأولى تعني خلق شخصيات ذات طبيعة نفسية أو اجتماعية معينة، تتنامى في سياقها الفني، مستقلة بهذا القدر أو ذاك عن ذات المبدع. أما الثانية فتعني تجسيد إحدى القيم الجمالية كالجمال أوالقبح أو الجلال أو البطولية... إلخ، من خلال هذه الصورة أو تلك الحالة، أو ذلك الموقف. ولايخلو إبداع فني، مهما يكن نوعه أو نمطه، من هذه النمذجة. إن النمذجة الفنية تنطوي على النمذجة الجمالية، غير أن هذه لاتنطوي على تلك بالضرورة. إذ إن النمذجة الجمالية هي سمة الفن عامة، أما النمذجة الفنية فهي سمة الفنون الموضوعية والدرامية خاصة. وبهذا المعنى فإن الشعر العربي الكلاسيكي قد طرح الكثير الكثير من النماذج الجمالية، ولكنه قلّما مال إلى طرح النماذج الفنية. هذه النماذج التي شكلت قوام الكثير من النصوص الشعرية الحداثية وذلك من مثل: المومس العمياء للسياب، والأخضر بن يوسف، لسعدي يوسف، ومهيار الدمشقي لأدونيس، وإبراهيم ليوسف الخال، ولعازر لخليل حاوي....إلخ.

إن الاتكاء على النمذجة الفنية لايخفّف من حدة الغنائية، في الشعر، فحسب. بل إنه أيضاً يلغي التقريرية أو يخفف منها، كما يفسح المجال لدخول عدة أصوات، في النص الشعري، وهو مايحيل على بروز صفة الصراع التي تميز عادة الأعمال الدرامية. ومن جهة أخرى، فإن هذه النمذجة قد أفسحت المجال، أمام الشاعر، كي يخرج من التعبير عن ذاتيته، إلى التعبير عن الذوات الأخرى التي يتعاطف أو يتقاطع أو يتصارع أو يتناقض وإياها، أي أن هذه النمذجة قد وسّعت المساحة التي يتصدى لها الشاعر بفنه. فلم يعد الأمر متعلقاً بالتعبير عن أثر الظواهر والأشياء في الذات الفردية. بل أصبح متعلقاً أيضاً بالتعبير عن ذلك الأثر في الذوات الأخرى التي أصبح لها الحق بالوجود، من خلال النمذجة، بمعزل عن فردية الشاعر.

ب ـ البناء الدرامي:

يؤكد الدكتور عز الدين اسماعيل، في دراسته للأبنية الشعرية، في الشعر المعاصر، أن ثمة ميلاً واضحاً إلى الشكل الدرامي، ظهر ذلك من خلال إنتاج القصائد الطويلة التي تبدو وكأنها ملاحم شعرية حديثة(31). ويرى أن هذه القصيدة:

"تزداد بنيتها تعقيداً حتى صارت القصيدة موقفاً فكرياً غاية في التعميم والشمول، وغاية في الدقة والرهافة في الوقت نفسه.... وتطورت في اتجاه الشكل الدرامي فصارت مجموعة من الأصوات المختلفة والمتميّزة، وازدادت تركيباً وتعقيداً وإفراطاً في الطول حتى قاربت منهج التأليف الموضوعي..."(32).

وعلى الرغم من أن الدكتور إسماعيل يصف هذه القصيدة بالطويلة، غير أنه لايشترط فيها الطول الكمي بالضرورة، فقد تكون القصيدة قصيرة نسبياً، وتكون في الوقت نفسه متصفة بصفات القصيدة الطويلة من حيث التعقيد والشمول والدقة والرهافة. فالشكل أو البناء الدرامي هو الأساس.

ولاشك في أن هذا البناء لم يكن له أن يتمّ، لولا سمة الدرامية التي تميز الوعي الجمالي الحداثي الذي راح يتخفف من الغنائية، حيناً من خلال النمذجة، وحيناً من خلال البناء الشعري، وحيناً من خلالهما معاً.

وعلى الرغم من أن الدكتور إسماعيل قد درس هذا البناء، إلا أنه لابأس من الإشارة السريعة إليه، توضيحاً لسمة الدرامية في الوعي الحداثي.

يتميز البناء الدرامي، في شعر الحداثة، بتعدّد الأصوات وتناقضها، وبتطور الصورة الفنية من بعضها وتواشجها فيما بينها، وبالتماسك البنيوي الذي يجعل من النص كلاً واحداً، يصعب اجتزاؤه إلى وحدات مستقلة؛ ويتميّز أيضاً بطرح المشاعر المصطرعة، وبالتنامي الانفعالي للحالة الشعرية المطروحة، وبتنوّع الجوانب التي يرصدها النص الشعري. وغني عن البيان أن هذه السمات يمكن أن توجد جميعاً في نص واحد، كما يمكن أن يوجد معظمها في نص آخر. فقد تتعدد الأصوات في النص من دون تنوّع في الجوانب، وقد يتنامى الانفعال من دون أن تصطرع المشاعر..ولكن البناء الدرامي يتنافى عادة وأحادية الصوت، مثلما يتنافى والتفكّك أو المراوحة في انفعال ذي طبيعة واحدة ثابتة. ولاشك في أن النص النموذجي للبناء الدرامي هو ذلك النص الذي ينطوي على تلك السمات مجتمعة. وما أكثر النصوص النموذجية في ذلك. ويكفي أن نتذكر ذلك الكمّ الهائل من القصائد الطويلة التي طالت لتشمل ديواناً شعرياً بكامله. وبدهي أن البناء الدرامي ليس خاصاً بالقصائد الطويلة ـ وإن يكن أكثر وضوحاً فيها ـ بل إنه يشمل أيضاً بعض القصائد القصيرة، وحتى بعض المقطعات الشعرية التي تبدو، للوهلة الأولى، غنائية صرفاً، ولتبيان ذلك، نتوقف عند واحد من النصوص القصيرة جداً. أما النص فهو قصيدة لأحمد عبد المعطي حجازي، بعنوان "إيقاعات شرقية"(33)

أغويتني

ياأيها الوجه الحسن

ولم تقدّم لي الثمن

لاطرحة العرس،

ولافرحة أعضاء البدن

*

وكان شعري خيمة،

وكان نهداي عشيقين،

وكانت سُرّتي كأساً،

وكانت فخذي

إبريق خمر ولبن ‍‍!

وذبحوني!

آه أهلي! ذبحوني!

لم تقدّم لي الكفن

ياأيها الوجه الحسن

*

وكان شعري

وكان نهداي

وكانت جثّتي

ينهشها الإيقاع

ينـ ....!

قد يبدو هذا النص خالياً من الدرامية في بنائه، لما يتصف به من طرح لما هو فردي، ولما يظهر عليه من استعلاء لنبرة الإيقاع البادية بالتقفية المتوالية، والتشطير الموسيقي. غير أن ذلك لم يلغ البناء الدرامي أو يخفف منه. بل لعله يعمق فيه هذا البناء. بحيث يتكامل الشكل الإيقاعي ومايطرحه النص من حالة يتداخل فيها الإحساس بالجمال والإحساس التراجيدي.

إن هذا التداخل هو الملمح الأول من ملامح البناء الدرامي، في هذا النص الذي يبدأ بالغواية التي هي الإحساس بالجمال، وينتهي بنهش الإيقاع (أو الزمن) للجثة، وهو مايعني الإحساس التراجيدي. وما بين هذين الإحساسين فعل صفته البشاعة والقبح وهو فعل الذبح. بمعنى أن ثمة اصطراعاً في المشاعر، كما أن ثمة تنامياً في الانفعال راح يعلن عن نفسه، منذ أن اكتفى الوجه الحسن بالغواية، متخلّفاً عن دفع ماتتطلّبه من تتويج بطرحة العرس أو أو فرحة أعضاء البدن. حيث بدا أن هنالك نوعاً من الخيبة بالوجه الحسن. ثم تحولت الخيبة إلى فجيعة، وتعمقت الفجيعة لتغدو مأساة، حين تخلّف الوجه الحسن حتى عن تقديم الكفن، لتبقى الجثة مرمية في العراء، ينهشها الزمن بفعل لايكاد ينتهي (ينهشها الإيقاع ينـ....!)

ونلحظ أن هذه التحولات لم تأت بمعزل عن الصراع أو التناقض بل إنه الأساس فيها. فالغواية تتناقض والإحجام، وتتناقض أيضاً وقوانين الأهل. كما أن ذلك الجمال يتناقض وفعل الذبح، والكفن يتناقض والوجه الحسن، والجثة هي الأخرى تتناقض وفعل الإيقاع أو الزمن. ويمكن القول أيضاً إن النص بمجمله يقوم على التناقض بين قطبين اثنين. الأول هو الجمال ومصاحباته (الغواية والحسن والعرس والفرحة والخمر...) والثاني هو القبح ومصاحباته (الإحجام والذبح أو النهش) ومن خلال التناقض والصراع بينهما تتولد النهاية التراجيدية....ـ ...ينـ /حيث يسقط الجمال سقوطاً مدوّياً. ومايزال دويه مستمراً .

إن كل ذلك يجعل من النص كلاً واحداً، لايمكن اجتزاؤه؛ ويجعل من صوره الفنية متواشجة، يتنامى بعضها من بعض، ولانعتقد أن ثمة حاجة للإفاضة في ذلك وهكذا نلحظ أن هذا النص يقوم على البناء الدرامي، على الرغم من قصره النسبي الذي يوحي بالغنائية. ومالاحظناه في هذا النص، نلاحظه أيضاً في مقطع شعري من قصيدة بعنوان "ثلاث حالات لإمرأة واحدة"(34) لسعدي يوسف، والمقطع الذي سوف نثبته يمثل الحالة الثانية. حيث يظهر فيه التنامي الانفعالي والتطور الصوري والتماسك البنيوي:

في المحطة، كان القطار الأخير إلى برشلونه

يطلق الصفرات الأخيره

كنت شاحبة في غصون الصباح التي

تشرب البرد والريح والتمتمات الأخيره

ترحلين إذن؟

تبحثين عن العمل المنزلي...

بمملكة في بلاد الشمال

أنت... سيدة المطعم الغجري...

ألم تبصري كيف طاف المغنّون حولك؟

كيف رأونا عروسين،

بين زهور النحاس وأطباقه وغصون الظلال

ليلة...

ثم تمضين...

شاحبة...

في القطار الأخير إلى برشلونه(35)

لقد انعكس ميل الحداثة الشعرية إلى الدرامية،إذاً، في النمذجة الفنية والبناء الدرامي، وهو مايؤكد محاولتها الجادة التعبير الفني عما استجّد من حاجات جمالية، لم يعد بالإمكان انعكاسها بالشكل الغنائي الصرف، على نحو يعادلها فنياً. ومما يجب ذكره، أخيراً، أن الميل إلى الدرامية، في الشعر العربي، كان قد بدأ، بشكل أولي، مع الرومانتيكية العربية، "وليس عجيباً أن تظهر لدى شعرائنا الرومانتيكيين بدايات درامية. لأن معنى التجربة الشعرية وأفقها قد اتسع على أيديهم واصطبغ بغير قليل من الجدية في معاناة الحياة"(36).

3ـ الكلية:

إن الكلية هي السمة الثالثة من سمات الوعي الجمالي الحداثي، ولها علاقة وثيقة بكلّ من التجادلية والدرامية. إذ إن الوعي الذي يرى العالم في وحدته القائمة على التناقض وتبادل التأثير، لايمكنه أن يتعامل مع الظواهر والأشياء بوصفها وحدات جزئية ذات كينونة مستقلة متمايزة، أي لايمكنه إلا أن يراها في إطارها الكلي. وكذا هي الحال بالنسبة إلى سمة الدرامية التي تفترض رؤية الظاهرة في تحولها من حالة إلى أخرى، من خلال الصراع، ومن خلال علاقاتها بالظواهر الأخرى، وهو مايعني رؤية كلية أيضاً. والحق أن هذه السمات الثلاث ترتبط فيما بينها بعلاقة جدلية، يصعب النظر إلى واحدة منها بمعزل عن الثانية. مما يؤكد الاتساق والانسجام في الوعي الحداثي، ويؤكد أيضاً أن هذا الوعي متكامل في طريقة تعامله الجمالي مع الواقع والعالم.

تفترض الكلية، إذاً، النظر إلى الظاهرة في جوانبها المختلفة والمتعددة، وفي ارتباطها بالظواهر الأخرى. فلاتؤخذ معزولة، أو يؤخذ جانب منها فحسب، ومن هنا فإن الكلية تفترض تقويماً جمالياً كلياً. إذ إن الرؤية الكلية للظاهرة تنعكس في تقويم جمالي كلي بالضرورة، وقد يقال، في هذا المجال، إن الكلية، على النحو المذكور، هي سمة البحث العلمي، لاسمة الوعي الجمالي.

لاشك في أن هنالك اختلافاً كبيراً بين الكلية في البحث العلمي، والكلية في الوعي الجمالي. ففي حين أن الأول يتجه إلى وعي العلاقات والسمات الكلية التي تنظم الظاهرة، في ذاتها من جهة، وفي محيطها من جهة أخرى، وذلك بأدوات معرفية مجردة، وبذهنية علمية منطقية، تسعى إلى تحويل الظاهرة الحية إلى قانون نظري مجرد. فإن الثاني ـ الوعي الجمالي الحداثي ـ يتجه إلى وعي الظاهرة بسماتها وعلاقاتها وذلك بأدوات حسية فنية، وذهنية انفعالية تصويرية، وهو مايعني رصد الأثر الانفعالي الناجم عن الظاهرة، لارصد الظاهرة، كما هي، مثلما يفترض في البحث العلمي. ومن هنا فإن الوعي الجمالي لايقوم على فهم الظواهر، كما هي عليه، بل يقوم على فهمهما، في تأثيرها الإنفعالي ـ الجمالي في الذات الإنسانية، بمعنى أن الوعي الجمالي ليس وعياً موضوعياً، وإنما هو وعي ذاتي ـ أنفعالي. ولذلك من الخطأ أن نبحث عن الواقع الموضوعي، كما هو، في الفن، والصحيح هو البحث عن ذلك الواقع في تشكّله الذاتي. فليس ثمة حقائق موضوعية في الفن. بل ثمة حقائق فنية، وربما الأصح أن نقول إن ثمة ظواهر فنية. فالفن ينتج ظواهر، كما أنه يحيا على الظواهر، حسبما يقول هيغل(37).

وباتصاف الوعي الحداثي بالكلية يكون قد افترق مرة ثالثة عن الوعي الكلاسيكي العربي في صفته الجزئية التي ظهرت واضحة فيما يسمّى بالأغراض الشعرية؛ وظهرت أيضاً في شكل القصيدة القائم على أبيات، كل منها يشكل جزئية متكاملة غير منقوصة؛ كما ظهرت في التقويمات الجمالية الجزئية لبعض الأعضاء الأنثوية، وبعض الحيوانات والنباتات وبعض الأفعال والحالات الاجتماعية والنفسية، حيث يمكن التوكيد أن الوعي الكلاسيكي قد اصطبغ بالجزئية، في مجمل نشاطه الجمالي، وقلّما يميل إلى الكليّة في الرؤية والرؤيا والتقويم والتأثير الانفعالي، أي في نشاطه الجمالي، وانعكاسه الفني.

لقد انعكست الكلية، في غير مستوى من مستويات النص الشعري الحداثي. فبدا هذا النص وكأنه يسعى إلى الإحاطة والشمول، في كل مايتناوله أو يتعرض له. ولأن المجال لايسمح برصد كل مستويات النص، فإننا نكتفي بالحديث عن اثنين منها فقط، جرياً على عادتنا في هذا المبحث. أما هذان المستويان، فهما: الموضوع الفني والتقويم الجمالي.

آ ـ الموضوع الفني:

لقد تغيرت العلاقة الجمالية بين الذات المبدعة وموضوعها الفني تغيراً كبيراً، في شعر الحداثة، عما كانت عليه من قبل في الشعر الكلاسيكي، فقد كانت المحاكاة هي الأساس في تلك العلاقة. على حين أصبحت، في شعر الحداثة، قائمة على الخلق. فلم يعد الموضوع سوى محرّض جمالي، تنطلق منه الذات المبدعة إلى الخلق بما يتلاءم وطبيعة التحريض، وبما يتلاءم أيضاً وطبيعة الاهتمامات الذاتية. ومن هنا، فإن الموضوع، من حيث هو موضوع ناجز، قد غاب عن شعر الحداثة، ليحضر بدلاً منه تحريضه الجمالي. بل يمكن القول إن ماحضر هو التحريضات الجمالية لعدة موضوعات متشابكة ومتناغمة، في الوقت نفسه. ولهذا فقد تراجع شعر الموضوع إلى الخلف، وتصدّر شعر التجربة POETRY OF EXPERIENCE. إذ إن شعر الموضوع يفترض شعوراً محدداً واضحاً مرتبطاً بموضوعه، أما شعر التجربة فينطوي على مشاعر وحالات وموضوعات متعددة ومتنوعة. وهو ماينسجم ومفهوم التجربة عامة حيث تتداخل المشاعر والموضوعات فيما بينها تداخلاً شديداً، بسبب طبيعة التجربة التي تنصهر فيها الموضوعات والمشاعر، لتغدو كلاً موحداً(38).

إن النص الشعري الحداثي لايعالج عادة، موضوعاً محدداً، وإنما يعالج تجربة روحية أو نفسية أو اجتماعية أو كلها معاً ـ وهو الأعمّ الأغلب ـ وبذلك فإن الميل إلى الكلية قد دفع بالنص الشعري إلى أن يكون نص تجربة، لانص موضوع. مما أدى به إلى تجاوز ثنائية الذات والموضوع، وتجاوز الشعور المحدّد، وإلغاء الأغراض الشعرية المعهودة. وقد يبدو أن شعر الحداثة لم يعد ينتج، جراء ذلك التحول، معرفة جمالية بالموضوع. لأنه اكتفى من الموضوع بتحريضه الجمالي فحسب. غير أن واقع الحال يؤكد عكس هذا. فالميل إلى التعبير عن التجربة قد جعل من المعرفة الجمالية، في شعر الحداثة، تتسع لتشمل عدة موضوعات ومشاعر في آن معاً. وبهذا فإن المعرفة الجمالية المتحصلة من قصيدة التجربة هي معرفة كلية تشتمل على كلّ مايتعلق بالمحرض الجمالي. سواء أكان ذلك موضوعاً أم شعوراً أم وعياً، من دون أن يعني هذا انفصالاً فيمابينها، أو بروزاً لجانب دون آخر. فالتجربة هي الكلّ المتناغم المتكامل الذي لايمكن تجزيئه إلى وحدات مستقلة. وإذا ما أردنا أن نحافظ على استخدام مصطلح الموضوع، في شعر الحداثة، فإنه لامناص من فهمه فهماً مختلفاً، بحيث لايحيل على الواقع الموضوعي، وإنما يحيل على التجربة التي أصبحت هي الموضوع الفني في شعر الحداثة. وغني عن البيان أن هذا التحول لاينسجم وسمة الكلية فحسب. بل ينسجم أيضاً وسمة التجادلية بما تعنيه من تبادل التأثير وانتفاء الاستقلالية، عن العناصر والجوانب.

ولكن ينبغي الإشارة إلى أن الرومانتيكية العربية كانت قد خطت الخطوة الأولىفي تجاوز الموضوع الواقعي من حيث كونه قابلاً للمحاكاة؛ ومالت باتجاه الموضوع النفسي الذي يقترب من التجربة. غير أن الفرق بين التجربة والموضوع النفسي يبقى قائماً، وفحواه أن هذا الموضوع ينحصر في إطار الطبيعة النفسية الخاصة بالفرد، في حين أن التجربة أعمّ وأشمل، وهي قابلةلمجمل الموضوعات، على اختلاف مصادرها وطبائعها، ولمجمل الأنماط النفسية والروحية والاجتماعية. ونعتقد أن الأمثلة الشعرية المثبتة في هذا البحث تؤكد ماذهبنا إليه وتغني عن التمثيل على ذلك.

ب ـ التقويم الجمالي:

من البدهي، في علم الجمال، أن الفن بعامة تقويم جمالي للظواهر والأشياء، من منظور المثل الأعلى للفنان. فهو، بهذا المعنى ، تقويم ذاتي. غير أن هذا التقويم الذاتي لاينشأ بمعزل عما هو موضوعي في تلك الظواهر. بل إنه ينشأ من خلال العلاقة بها، وعبر طبيعة التأثير الذي تخلّفه في الذات التي لاتقوّم، ولاتتأثر هي الأخرى بمعزل عن مثلها الأعلى وذوقها الجمالي. ولأن المثل الأعلى والذوق والوعي والحاجة ومكانة الظواهر بالنسبة إلى الإنسان، كلاً منها يتغير، فإن تغيُّر التقويمات الجمالية يغدو أمراً محتوماً. إذ إنها نتاج تلك الجوانب مجتمعة. ومن هنا لاغرابة في أن نشهد اختلافاً في التقويمات الجمالية، من بيئة إلى أخرى . بل من فرد إلى آخر أيضاً، فيما يخص التقويمات الجزئية.

نقول ذلك، تمهيداً للحديث عن التقويم الجمالي، في شعر الحداثة. حيث إن هذا الشعر قد تمخّض عن تقويمات جمالية مختلفة، بشكل واضح، عن تلك التي تمخض عنها الشعر العربي الكلاسيكي والتقليدي المعاصر. سواء أكان ذلك بطبيعة التقويم. أم بتنوعه وتعدّده، أم بعلاقاته بكلّ من الموضوع والذات.

فمن المعلوم أن طبيعة التقويم، في الشعر الكلاسيكي، غالباً ماتكون طبيعة حسية، فيما يتعلق بالظواهر الطبيعية. وقد ظهر ذلك في الصورة الفنية في ذلك الشعر، كما ظهر في دفاع النقد العربي القديم عن حسية الصورة(39).

ومن جهة ثانية، فإن ذلك الشعر غالباً مايطرح قيمة جمالية واحدة لموضوعه الفني، وما مصطلح الأغراض الشعرية إلا دليلاً على هذا. فكلّ غرض يختصُّ بقيمة محددة. فالجمال للغزل، والتراجيدية للرثاء، والبطولية للفخر والمديح، أما الهجاء فله القبح والكوميدية. وقلما تتداخل هذه القيم في موضوع واحد. غير أنها قد تتعدّد في النص الواحد، بشكل تراكمي، مع توالي الأغراض الشعرية. ومن جهة ثالثة، فإن التقويم، في ذلك الشعر، ينهض من احترام الذات لصفات الموضوع الفيزيائية والاجتماعية. ممايدفعها إلى محاكاته فنياً، والإخلاص له في إعادة إنتاجه جمالياً. وقد ظهر ذلك في كثرة الصفات المشتركة التي يراها الشعر العربي الكلاسيكي لهذا الموضوع أو ذاك، كالصحراء والناقة والأطلال والفرس والخمرة والمرأة والحرب والفارس...إلخ. وقد ظهر أيضاً في دفاع النقد العربي القديم عن صفات الموضوع، والهجوم على الشعراء الذين يقصّرون أو يغيّرون في ذلك، ولو بدرجات محدودة. ولعل في تتبّع الآمدي للأخطاء التي يرى أن أبا تمام قد وقع فيهاً دليلاً واضحاً على هذا(40). ولاشك في أن هذا التتبع يحيل على موقف جمالي يرى ضرورة أن يكون الشعر محاكاة للموضوع الواقعي، من منظور المثل الأعلى السائد. ومن الطريف، هنا، أن ماكان الآمدي قد رآه صفة سلبية، في شعر أبي تمام، تراه الحداثة ، شعراء ونقاداً، صفة إيجابية، جعلت من أبي تمام الشاعر الأثير بالنسبة إلى الحداثة، وهو مايعني تناغم شعر أبي تمام والوعي الجمالي الحداثي.

لقد طرحت الحداثة الشعرية تصوراً جديداً للتقويم الجمالي، فأصبح ذا طبيعة معنوية محمولة على عناصر حسية. وهو ماانعكس في الصورة الفنية ذات العناصر الحسية والإيحاء المعنوي؛ وانعكس أيضاً في التعامل الرمزي مع الأشياء، فبدت ذات طبيعة معنوية، على الرغم من كونها حسية في واقعها الموضوعي، أو بدت حسية على الرغم من معنويتها في ذلك الواقع. ولاشك في أن هذا ينسجم ومنطق التحريض الجمالي الذي تتبناه الحداثة الشعرية. بمعنى أن أثر الموضوع الواقعي هو الذي يتمّ التعبير عنه، لا الصفات العامة لهذا الموضوع. ولأن ذلك الأثر يمكن أن يكون حسياً، مثلما يمكن أن يكون معنوياً، فقد تمّ النظر إلى الموضوع من خلال أثره. وهو ماأدى إلى تحسيس المعنوي، كما أدى إلى تحويل المعنوي إلى حسي، على أن الأمر مرتبط، في نهاية المطاف، بطبيعة الأثر لاطبيعة المؤثّر.

ولأن الحداثة الشعرية تسعى إلى طرح التجربة لاطرح الموضوع، ولأن التجربة تتداخل فيها الموضوعات والانفعالات والمشاعر والرؤى، فقد ظهرت التقويمات الجمالية في النص متداخلة ومتعددة ومتصارعة. وقلّما نلحظ نصاً حداثياً يطرح قيمة جمالية واحدة. بل إن التداخل والتعدد والتصارع في التقويمات من صفات النص الشعري الحداثي عامة. وقد لانبالغ في القول بأن الصورة الفنية الواحدة قد تنطوي أحياناً علىعدة تقويمات. وقد مرَّ بنا سابقاً الحديث عن صورة محمود درويش (مشت الخيول على العصافير الصغيرة فابتكرنا الياسمين). ورأينا كيف تعددت التقويمات وتصارعت. ولابأس من الإشارة، في هذا المجال، إلى أن ذلك يتلاءم والوظيفة الجمالية ـ المعرفية المزدوجة للصورة الفنية، في شعر الحداثة، حيث أصبحت الصورة انعكاساً للتجربة، ولابد للعاكس من أن يمثّل المعكوس، بدرجة ما من الدقة والموضوعية.

وكي يتوضح المنطق التقويمي الحداثي، نتوقف عند ثلاثة من المقاطع الشعرية ذات الحالات والأنماط المختلفة.

يقول صلاح عبد الصبور، في قصيدة بعنوان "البحث عن وردة الصقيع":

أبحث عنك في ملاءة المساء

أراك كالنجوم عاريه

نائمة مبعثره

مشوقة للوصل والمسامره

ولاقتراح الخمر والغناء

وحينما تهتّز أجفاني/ وتفلتين من شباك رؤيتي المنحسره

تذوين بين الأرض والسماء

ويسقط الإعياء

منهمراً كالمطره

على هشيم نفسي الذابلة المنكسره

كأنه الإغماء.(41)

ويقول محمود درويش، في قصيدة "بيروت":

تفاحة للبحر، نرجسة الرخام

فراشة غجرية، بيروت. شكل الروح في المرآة

وصف المرأة الأولى، ورائحة الغمام

بيروت من تعب ومن ذهب، وأندلس وشام

فضة. زبد. وصايا الأرض في ريش الحمام

وفاة سنبلة. تشرُّد نجمة بيني وبين حبيبتي بيروت

لم أسمع دمي من قبل ينطق باسم عاشقة تنام على دمي...وتنام...(42)

ويقول مريد البرغوثي، في قصيدة "رنة الإبرة":

تطريز ثوبك صامت...ويقولُ

الأخضر المبحوح ناي ناعم

مسُّته كفٌّ الريح والراعي

وأزرقه دفوف حولها شُعل وأحمره طبولُ

ومنمنمات رسومه همس وإصغاء

وغامقها به نعَس

وفاتحها له نفَس وفاجرها خجولُ(43)

على الرغم من أن هذه المقاطع متباينة في الأسلوب والحالة المرصودة والإيحاء، فإنها تصدر جميعاً من منطق تقويمي جمالي موحّد . فثمة الطبيعة المعنوية للتقويم، وتداخل التقويمات، والتعامل مع الأشياء من خلال تحريضها الجمالي ـ الانفعالي.

ففي المقطع الأول الذي يمكن أن يحيل على المعاناة الوجودية أو على المعاناة الفكرية ـ الفلسفية أو كلتيهما معاً، نلحظ أن الذات تعاني بحثاً مريراً عن الفكرة المنشودة أو المثل الأعلى، في الأشياء الغامضة(ونشير إلى أن بقية مقاطع القصيدة تتابع البحث عن الفكرة في مجالات الحياة كافة). فترى الفكرة عارية، نائمة، مبعثرة، ولكن تراها أيضاً راغبة في التجسّد(الوصل)، وفي الانتشار الجميل (الخمر والغناء). غير أن الذات سرعان مايصيبها الإعياء، وكأنها مااستطاعت تحمّل مارأت أو حمله واعتناقه، فتذوب الفكرة، وتعود الذات إلى ما كانت عليه من ذبول وانكسار، في غياب المثل الأعلى أو الفكرة المنشودة.

نلحظ أن محور المقطع محور معنوي، في الأساس ، ولكنه تجسد بعناصر حسية، مثل الملاءة والمساء والنجوم والخمر والغناء والشباك والهشيم. إلا أن دلالات هذه العناصر ذات طبيعة معنوية بحت. فلايمكن طبعاً أن يبحث الشاعر عن المثل الأعلى في ملاءة المساء، بالمعنى الحرفي للتركيب بل ليس ثمة ملاءة للمساء أصلاً. كما لايمكن أن يتشوّق المثل الأعلى إلى الوصل والمسامرة أو الخمر والغناء. وعلى الرغم من أن هذه الإشارة تبدو ساذجة، في تلقي الشعر، إذ من البدهي أن ينهض الشعر من المجاز، إلا أننا أردنا منها أن تشير إلى العملية التي تنظم هذا المقطع، وهي تحسيس المعنوي، وإعطاء الحسي منحى معنوياً، في الوقت نفسه.

وذلك على النحو التالي:

 




معنوي = حسي = معنوي

 

فكرة شكل دلالة

وبهذا النحو، يكون المقطع قد حافظ على طبيعته المعنوية، كما يكون أيضاً قد حافظ على عناصر الصورة الحسية. إذ إن الحسي هو الحامل الجمالي للمعنوي في الفن عامة. حتى فيما يسمّى بالفن التجريدي فإن الحسية هي الحامل لأشكاله التجريدية.

واضح من المقطع أن الشاعر لم يهدف إلى محاكاة شيء أو موضوع ما، وإنما عبّر عن الأثر الذي تركته فيه الفكرة، بحالتها المرصودة، وهو أثر متعدد متنوع، أدى إلى تقويمات متعددة متنوعة. ففي البدء، نلحظ الفكرة خارقة الجمال (كالنجوم)، ثم نلحظها مؤسية (مبعثرة)، ثم تغدو ذات جمال أليف هادئ (الوصل والمسامرة)، فذات جمال لذيذ صاخب (الخمر والغناء)، ثم نلحظها مأساوية(تذوين)، وينتهي المقطع بطرح قيمة المعذب، من خلال الإعياء المنهمر والنفس الذابلة المنكسرة. وبهذا، فإن المقطع قد طرح ثلاثة تقويمات جمالية: الجميل بأشكاله المتعددة، والمأساوي، والمعذب. ولاتتكامل التجربة، في هذا المقطع، إلا عبر العلاقة بين هذه التقويمات.

أما المقطع الثاني، مقطع درويش، فإنه أكثر تعقيداً، وأكثر غنى على صعيد المنطق التقويمي الحداثي، من دون أن يعني هذا حكماً فنياًعلى أحد المقطعين. حيث تتوالى الصور الفنية، حول بيروت، بشكل يبدو فيه المقطع جملة من الصور المتلاحقة والمتزاحمة والمتناقضة التي تتمحور جميعاً حول تعميق الإحساس بأن بيروت هي مدينة المتناقضات. إنها الكلُّ الرائع الجميل القائم على التناقض. فهي، بحسب قراءتنا التي لن تخلو مما هو ذاتي وعياً وذوقاً، تلك الفتاة الرائعة الحسن والمنذورة للموت فداء للآخرين ـ ينبغي أن نتذكر، هنا، الأساطير والحكايا حول تقديم أجمل الفتيات كأضحية للبحر أو النهر الهائج ـ وهي الجمال المتحجر الصلد (نرجسة الرخام )، وربما تكون الجمال الحيوي الطالع من الصلادة؛ وهي الحيوية والعفوية والحرية والاحتراق (الفراشة = الحيوية والاحتراق. والغجرية = العفوية والحرية)؛ وهي العدم أو الذي لاتمكن معرفته (شكل الروح في المرآة)؛ وهي الجمال المتخيّل جراء الشهوة (وصف المرأة الأولى)، وهي الألفة المصحوبة بالدهشة (رائحة الغمام)، وهي الخبوُّ والبريق (تعب وذهب)، وهي التراجيدية والبطولية (أندلس وشام)، وهي الشيء الثمين والشيء الذي لاقيمة له (فضة وزبد) وهي الرسوخ المستقرُّ في الحيوية والحرية (وصايا الأرض في ريش الحمام)، وهي موت الجمال المخصب (وفاة سنبلة)، وهي الضياع والتوهان (تشرُّد نجمة). تلك هي بيروت التي يتعشقها الشاعر، وتنعم بالراحة على دمه (تنام على دمي)

نلحظ من ذلك أن كل صورة، في المقطع، هي تقويم جمالي. وقد تشتمل الصورة على تقويمين معاً، بشكل يمكن القول فيه إن المقطع ينطوي على خمسة عشر تقويماً، وهي عدد الصور الجزئية فيه. وهذه الصور أوالتقويمات لاتحاكي بيروت بل ترصد التحريض الجمالي لبيروت في الذات الشعرية. وهو مايعني إنتاج معرفة ببيروت وبالذات في علاقتهما معاً.

ومن اللافت للنظر في هذا المقطع، أنه لاوجود لأي عنصر معنوي يدخل في تركيب الصور الفنية. فكل عناصرها حسية، كالتفاحة والبحر والنرجسة والرخام والفراشة والرائحة والريش....إلخ، حتى الروح، وهي معنوية، تم النظر إليها حسياً (شكل الروح). أي ليس ثمة محاولة لتحسيس المعنوي، فبيروت حسية،، وعناصر الصورة حسية كذلك. غير أن دلالات الصور معنوية بحت، ولاوجود فيها للحسية إطلاقاً. وفي هذا تكمن المفارقة الفنية. إذ نتحصل على المعنوي مما هو حسي . ومن البدهي أن هذا لم يكن له أن يحدث، لو لم يكن التحريض الجمالي هو الأساس في التعبير... فأثر الحسي ليس بالضرورة حسياً فقط بل إن فيه بعداً معنوياً، وقد يكون الأثر المعنوي أوضح وأعمق من الأثر الحسي... فالضرب قد يؤثر في الكرامة تأثيراً أكبر وأدوم وأعمق، مما يؤثر في الجسم.

وعلى الرغم من أن المقطع ينطوي على صور وتقويمات جزئية مختلفة ومتناقضة إلاأن التقويم العام الذي يطرحه هو تقويم إيجابي. ويتلخص بعلاقة التناغم والتداخل والانسجام بين كلِّ من الذات وبيروت المتناقضة (عاشقة تنام على دمي). ولعل هذا من الشروط الأساسية في الفن عامة. إذ ينبغي أن يقدم العمل، في نهاية المطاف، طرحاً منسجماً متسقاً يخلو من التناقض في الرؤيا والتقويم، وإلا فإنه يفتقد إلى الشرعية الفنية. حيث يغدو أمشاجاً متنافرة، لاكلاً موحداً.

ويطرح المقطع الثالث، مقطع البرغوثي، تشكيلاً شعرياً للزيّ الفلكلوري للمرأة الفلسطينية، بلونه الأساسي الغائب (الأسود) والمعروف لدى المتلقي العربي، وبألوانه التجميلية كالأخضر والأزرق والأحمر، وبخيوطه ومنمنماته الزخرفية. وقد أراد الشاعر من ذلك أن يكون الثوب الفلسطيني تمثيلاً للتاريخ الفلسطيني ذي الخلفية المأساوية. وكأن اللون الأسود هو تلك الخلفية، أما الألوان الأخرى فهي نوعية ردّات الفعل الفلسطيني عبر التاريخ. بمعنى آخر: إن ذلك الثوب يمثل تاريخ فلسطين بحدادها (الأسود)، وأحزانها الدفينة (الأخضر المبحوح) وأفراحها وأهازيجها ( وأزرقه دفوف )، ونضالها ومقاومتها (وأحمره طبول )، وحياة أبنائها العاطفية (همس وإصغاء)، وميل القوى البارزة إلى الخمول (وغامقها به نعس )، وحيوية القوى غير البارزة (وفاتحها به نفس)، وقيمها التي تبتذل التفاخر بالعيب والفجور (وفاجرها خجول).

ولايختلف هذا المقطع عن المقطع الثاني، من حيث الدلالة المعنوية المتحصّلة مما هو حسي. ولكنه يختلف عنه من حيث إن الثوب لايعني نفسه بقدر مايمثل تاريخاً محدداً، في حين أن بيروت هي المعنية في المقطع السابق. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن بيروت المصوّرة توحي بإيحاءات معنوية حصراً. أما الثوب فيمكن أن يوحي معنوياً، بالإحالة على سواه، ويمكن أن يوحي حسياً أيضاً، وذلك فيما إذا نظرنا إلى الثوب على أنه لايعني سواه بل يعني نفسه حصراً وهذا ممكن في إحدى القراءات التي ترى أن الشاعر لم يهدف إلى غير التشكيل الشعري للثوب الفلكلوري. أي أنه نقل الثوب المحسوس بصرياً إلى ثوب محسوس سمعياً. ويختلف هذا المقطع، من جهة ثالثة، عن سابقه، في أنه يرصد الانسجام الحاصل من الاختلاف والتناقض (بين الأخضر والأزرق والأحمر، وبين الغامق والفاتح). في حين أن سابقه ليس معنياً برصد الانسجام. بل هو يرصد الاختلاف والتناقض فحسب، في بيروت؛ ويرصد من جهة أخرى الانسجام بين الذات وبيروت المتناقضة التي قد لاتوحي بالانسجام، بحسب المقطع.

إن الاختلاف في التعامل مع الأشياء، في شعر الحداثة، لايحيل على الاختلاف في طبيعة التحريضات الجمالية للأشياء، في الذات المبدعة فحسب. بل يحيل أيضاً على انتفاء النمطية الواحدة أو الموحّدة في الطرح الفني. فعلى الرغم من أن للحداثة وعياً جمالياً موحداً، إلا أنها لاتنطوي على نمطية فنية واحدة، ومااشتمال الحداثة على عدة تيارات شعرية إلا دليل على ذلك. صحيح أن هنالك نواظم مشتركة، ولكن هنالك أيضاً فوارق ملحوظة بين تلك التيارات ولا شك في أن كلّ ذلك ينسجم ومفهوم الجمال الذي يُشترط فيه التميّز والحرية والحيوية، بحسب الوعي الحداثي.

* إشارة أخيرة:

وهكذا نلحظ أن الوعي الجمالي الحداثي هو وعي تجادلي درامي كليّ، يختلف اختلافاً جذرياً عن الوعي الكلاسيكي العربي الذي هو وعي تكاملي غنائي جزئي. وهو ماأدى إلى تلك الاختلافات الواضحة، على صعيد الشكل الفني بين كلّ من شعر الحداثة والشعر العربي الكلاسيكي. غير أنه لابد من الإشارة، في هذا المجال، إلى أمرين هامين. الأول منهما أن هذا الاختلاف في طبيعة الوعي لايعني أن هنالك تطوراً. بل هنالك تحوّل أو تبدّل فحسب. إذ إن التطور يشير إلى أن ثمة أفضلية في اللاحق على السابق. وهو ماليس له مصداقية في تاريخ الفن عامة. فليس صحيحاً أن الفن الحديث أفضل من الفن القديم؛ كما ليس صحيحاً أن شعر الحداثة أفضل من الشعر العربي الكلاسيكي، وليس العكس صحيحاً بالضرورة. لقد كان الشعر العربي الكلاسيكي تلبية لحاجات جمالية متأصلة، وتعبيراً عن وعي جمالي يتلاءم وتلك الحاجات من جهة، ويتلاءم من جهة أخرى والمرحلة التاريخية التي ظهر فيها. وتلك هي الحال بالنسبة إلى شعر الحداثة الذي جاء أيضاً تلبية لحاجات جمالية جديدة، لم تكن موجودة من قبل، أو على الأقلّ: لم تكن لها تلك الأهمية التي تستدعي شكلاً فنياً جديداً ومختلفاً. ولكن إذا كانت المفاضلة بين شعر الحداثة والشعر العربي الكلاسيكي خاطئة ومغلوطة، إذ إن لكلّ منهما بيئته وحاجته ووعيه؛ فإن للمفاضلة بين شعر الحداثة والشعر التقليدي شرعيتها العلمية النقدية. فهما ينتميان إلى بيئة اجتماعية واحدة، ويتفاضلان في التعبير الجمالي عنها.

أما الأمر الهام الآخر، فهو أن اتصاف النص الشعري بسمات الوعي الحداثي لايؤدي حتماً إلى اتصافه بالفنية، إذ إن هذه مرهونة بطبيعة النص الشعري لابطبيعة الوعي الذي يصدر عنه. بمعنى آخر: إذا لم يكن النص راقياً على الصعيد الفني، فإن تلك السمات لن تنقذه من الرداءة أو الهبوط.

إن شعراء هذه المرحلة أو تلك قد لايتفاوتون، على صعيد الوعي الجمالي، غير أنهم يتفاوتون، بالضرورة على صعيد تمثيله فنياً. ولاشك في أن الشاعر الأرقى فنياً هو في الوقت نفسه الأكثر تمثيلاً للوعي الجمالي.

لقد أدى اتصاف الوعي الحداثي بتلك السمات، إلى بروز ظاهرة الغموض في شعر الحداثة عامة ـ بدرجات متفاوتة بين النصوص طبعاً ـ حتى بدا أن الغموض لازمة من لوازم الحداثة الشعرية. وقد طرح النقد الأدبي المعاصر، في تسويغ هذه الظاهرة، عدة تفسيرات. منها "أن طبيعة الرؤيا الحديثة هي المصدر الحقيقي لما يشكوه البعض من غموض الشعر الحديث، فليس التلاعب بالأوزان أو اللغة أو الصور هو "السرّ" الكامن وراء هذا الغموض، وإنما هي الرؤيا المأساوية القاتمة في جوهرها العميق"(44). ومنها مايعيد الغموض إلى ثلاثة أسباب، وهي اعتماد الشاعر على ثقافته، وموقف الرؤية، وشخصية الفكر والتعبير الشعريين(45). ومنها مايربطه بالتفكير الشعري عامة، لابالتعبير الشعري، من جهة ومن جهة أخرى يربطه بطبيعة اللغة المجازية في الشعر. وهو مايعني أن الغموض من طبيعة الشعر عامة. ولايتميز الشعر الحديث من غيره في ذلك إلا في كونه قد أعطى الغموض أهمية لم تكن له من قبل(46) ومن التفسيرات أيضاً مايذهب إلى ربط الغموض بمفهوم النص الغائب إذ "يجب على أي دارس يعالج الغموض في النص الشعري أن ينظر إلى قضية النص الغائب (الإحالة)... حتى يمكنه ضبط عملية القراءة الصحيحة لغوامض الدلالة"(47). مما يؤدي إلى أن الغموض يرتبط بالنص، بقدر مايرتبط بالمتلقي. ولعل ارتباطه بالثاني هو الذي يجعل منه إشكالياً، فـ "نظراً لغياب الاهتمام النقدي بالنص الغائب، ومعالجة مشكلاته وضحالة الخلفية المعرفية للجمهور العربي، يصبح الغموض الدلالي إشكالاً حقيقاً"(48)

وعلى الرغم من أهمية الرؤيا والتفكير الشعري والعمق الثقافي في بروز ظاهرة الغموض، في شعر الحداثة، إلا أن ثمة جانباً أساسياً مفقوداً، في تلك التفسيرات، وهو طبيعة الوعي الجمالي الحداثي، ولاسيما في سمته التجادلية وسمته الكلية.

ولقد توضح من مسار هذا المبحث أن الوعي الحداثي أكثر تعقيداً وتركيباً واتساعاً وعمقاً من الوعي الكلاسيكي. فلا شك في أن الوعي الذي يتعامل مع الظواهر من منظور الجزئية والاستقلالية والثبات، سوف يكون أقل تعقيداً وعمقاً...من ذلك الوعي الذي يتعامل معها من منظور الكلية والتجادلية والحيوية. أي أن الطبيعة المعقدة المركبة للوعي الحداثي هي المصدر الأول لظاهرة الغموض في النص الشعري الحداثي الذي لم يكن إلا تعبيراً فنياً عن تلك الطبيعة. غير أن ذلك لايعني بالضرورة أن كل غموض نلحظه في هذا النص أو ذاك، مصدره طبيعة ذلك الوعي. فقد لايصدر النص عن وعي جمالي أصلاً بل عن وعي فكري ـ فلسفي بحت، وهو مايؤدي إلى الانحراف عن الوعي الجمالي عامة، ومن ثَمَّ عن الفن. وقد يصدر أيضاً عن لعب مجاني باللغة، مما يعني انعدام الإحالة على ذلك الوعي، فيغدو مصدر الغموض هو اللعب اللغوي المجاني. وكأننا نقول بذلك إن ثمة غموضاً لا جمالياً، في بعض نصوص الحداثة الشعرية. ونمثّل لذلك بمقطعين لكل من أدونيس، وفايز خضور، يمثل المقطع الأول انحرافاً إلى الوعي الفكري ـ الفلسفي، ويمثل الثاني اللعب اللغوي المجاني:

يقول أدونيس:

ثدي النملة يفرز حليبه ويغسل الإسكندر

الفرس جهات أربع ورغيف واحد

والطريق كالبيضة لابداية له(49)

ويقول فايز خضور:

العفن الأزرق هدّب أنفاق السمّار، ومازالت

توغل، توغل أقدام التيار

تنتظر الشصّ الأسود في كبريت الفجر المطفأ

وحواكير الصفصاف الأسيان تحرّش أستار

التابوت العائم(50)

فقد يبدو غموض المقطع الأول ناتجاً من الطبيعة المعقدة المركبة للوعي الحداثي. غير أن الأمر ليس كذلك البتة. إذ إنه ناتج من التعامل الذهني لا الجمالي مع الأشياء من جهة ومع اللغة من جهة أخرى. فالنملة بدأبها المتواصل تعلّم الإسكندر المقدوني كيفية الخروج من الإحباط الذي تخلّفه فيه صعوبة الطريق ـ طريق الفتوحات. أو إنها تفرز حليبها وتغسله من اليأس الذي يوحي إليه بأن الطريق لايكاد ينتهي. فهو كالدائرة (كالبيضة) التي لابداية ولانهاية لها. وما يعمق هذا اليأس أن العالم واسع بجهاته الأربع (الفرس جهات أربع) في حين أن الإسكندر المقدوني لايملك سوى عمر واحد (رغيف واحد). فكيف له، إذاً، أن يوزّع هذا الرغيف على تلك الجهات؟. أو كيف يتمكن من ترويض فرسه ـ العالم ـ برغيف واحد فحسب؟. ولكن على الرغم من ذلك فإن الحكمة التي يفيدها الإسكندر من النملة تؤكد قدرة الإنسان على صنع مايبدو له مستحيلاً.

ولقد أراد أدونيس، من كل ذلك، أن يؤكد إمكانية الإنسان في اكتشاف هذا الوجود معرفياً، على الرغم مما يكتنفه من أسرار لاتكاد تنتهي. وغني عن البيان أن هذا الطرح هو طرح فكري ـ فلسفي بحت، لاعلاقة له بالوعي الجمالي سواء أكان حداثياً أم كان غير ذلك. أما مايبدو من تصوير غرائبي في هذا المقطع، فليس له قيمة جمالية البتة. إذ لم ينتج أساساً من تعامل جمالي. بل من تعامل ذهني مع الأشياء وعلاقاتها. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإننا لانرى في هذا التصوير غرائبية بكل ماتعنيه الكلمة من معنى. فالصورة الفنية الأولى التي تقرّر أن (ثدي النملة يفرز حليبه ويغسل الإسكندر) تدخل في تناصٍٍ INTERTEXTUALITY مع أحد الأمثال الشعبية التي تصف علاقة البخيل بما حوله، أما المثل فهو:"حلاب النملة". وقد أفاد منه أدونيس ـ ربما بشكل غير واع ـ لتبيان أن على المعرفة أن تستنفد الأشياء في أدق جوانبها، كما لاينبغي أن ننسى علاقة الإسكندر بالنملة، في إحدى الحكايات الشعبية الخاصة به.

أما الصورة الثانية، في هذا المقطع، وهي (الفرس جهات أربع ورغيف واحد)، فهي لاأكثر من تحويل بسيط في الشيء الواقعي، نتج من التداخل بين الفرس والعالم. فبدلاً من القول: إن الفرس بقوائم أربع ورأس واحد، فقد قيل: الفرس جهات أربع ورغيف واحد. ولاشك في أنه لو قيلت الجملة الأولى، لما كانت إلا سطحية لامعنى لها في الشعر، ولكننا أردنا من ذلك أن هذا المقطع لايقوم على الغرائبي بالمعنى الدقيق للكلمة. بل يقوم على تعامل ذهني ـ فلسفي لاجمالي. ولهذا لم نلحظ فيه تلك الطبيعة الجمالية المعقدة والمركبة، وإن بدا أنه غامض معقد، من حيث التعبير اللغوي.

أما مقطع فايز خضور فيقوم على تخييل سائب لاينظمه إلا الناظم الموسيقي اللغوي. حيث تدخل المفردات في علاقة اعتباطية، لاتصدر عن تجربة أو همٍّ شعري كما لاتطرح أية فكرة أو شعور أو رؤيا متسقة. إذ إن المجانية في التعامل اللغوي والصوري هي الأساس في هذا المقطع، وهو ماجعل منه مجرد لعب فانتازي لاينبض بأي دفق جمالي.

إن الغموض الذي يتصف بشرعية جمالية هو ذلك الصادر من الطبيعة المعقدة والمركبة في الوعي الحداثي، وليس من الطرح الذهني أو التخييل السائب. وقد لانبالغ إذا ماذهبنا إلى أن نصيب الغموض اللاجمالي في شعر الحداثة لايقلّ عن نصيب الغموض الجمالي فيه. ولاغرابة في ذلك، إذ إن الحداثة، شأنها شأن أية حركة شعرية أخرى، تنطوي على تفاوت ـ قد يكون حاداً ـ على صعيد المستوى الفني، للشعراء من جهة، وللنصوص من جهة أخرى.

إن للحداثة نسقاً جمالياً محدداً يقتضي بالضرورة نسقاً محدداً في التلقي الفني. وأي تعامل مع شعر الحداثة، من منظور التلقي التقليدي، لن يؤدي، بأية حال، إلا إلى استغلاق النص واتهام الحداثة، من ثم، بشتى الإتهامات. لعلّ أقلّها نفي مفهوم الشعرية POETICS عنها.

إن حداثة النص تتطلب حداثة في التلقي، تماماً مثلما أن حداثة الوعي تتطلب حداثة النص. ومن هنا، فإن لدور المتلقي أهمية كبرى في تحديد درجة الغموض في هذا النص الحداثي أو ذاك. فقد يبدو نصٌّ ماغامضاً. بل مبهماً، بالنسبة إلى متلق ذي وعي تقليدي، وقد يبدو غموضه شفافاً بالنسبة إلى متلق ذي وعي حداثي. غير أن هذا التفاوت في درجات الغموض بالنسبة إلى أنواع التلقي، لايعني عدم أهمية النص في تحديد الغموض. فإذا لم يكن الغموض موجوداً في النص وجوداً موضوعياً، فلامعنى للاختلاف حول درجة حضوره. إن انعكاس الغموض في ذوات المتلقين هو الذي تختلف درجاته بحسب وعي المتلقي وطبيعته. وبهذا المعنى، فإننا نرى أن الغموض صفة موضوعية من صفات الحداثة الشعرية، بسبب تعبيرها عن وعي جمالي معقد مركب، ولكن درجات الغموض ترتبط بذاتية المتلقي. فالغموض في النص الحداثي، إذاً، موضوعي ، أما درجاته فذاتية.

وتنبغي الإشارة، في هذا المجال، إلى أن ربط الغموض بمفهوم النص الغائب خاصة، فيه الكثير من مجانية الصواب. إذ إن عدم معرفة النص الغائب لايؤدي إلى غموض النص بالنسبة إلى المتلقي. بل يؤدي إلى عدم استيعابه استيعاباً نقدياً متكاملاً. وكما نعلم فإن التلقي الفني يختلف عن التعامل النقدي، فقد نتلقى نصاً شعرياً بشكل فني راق، من دون أن نعرف أن هذا النص يدخل في علاقة تناصيّة مع نص غائب آخر. ومن البدهي أن على الناقد أن يكتشف العلاقة، فيما إذا وجدت، بين نصه المنقود والنصوص الغائبة، ولكن الناقد لايكون بذلك متلقياً فحسب، بل يكون دارساً وباحثاً. وبهذا المعنى فإن ربط الاستيعاب النقدي المتكامل بمعرفة النص الغائب أمر مشروع جداً. ولكن ربط الغموض به، فيه الكثير من الخطأ العلمي. وماذلك إلا لأن النص الشعري عامة، ينبغي أن يشكِّل كياناً قائماً بذاته، على الرغم من إحالاته النصية.

إن الفن في نهاية المطاف، تعبير عن وعي جمالي ذي طبيعة محددة. وإذا لم نفهم هذه البدهية، فإن تحويل الفن إلى شكل سياسي أو فلسفي أو أخلاقي أو ديني، يغدو أمراً محتوماً؛ كما يغدو من المحتوم أن نبحث عن أسباب غير جمالية في دراسة نشأة هذه الظاهرة الفنية أو تلك، وهو ماحصل مع بعض النقاد في دراسة الحداثة الشعرية العربية.

إن ماتوصّل إليه هذا المبحث من سمات الوعي الحداثي، ليس بالضرورة نهائياً. فقد تتمخض الأبحاث النقدية عن سمات أخرى مختلفة، أو تقترح تعديلاً ما، لما توصّل إليه.. فهو يبقى في النتيجة، محاولة نقدية، نرجو أن تكون دقيقة مع الإشارة إلى أن دراستنا لهذه السمة أو تلك، من خلال بعض الجوانب الفنية، لايعني أن هذه لاتشمل الجوانب الأخرى. بل إن لتلك السمات جميعاًمنعكسات في مجمل الجوانب الفنية، وماقمنا به هو نوع من التمثيل لا الحصر. ومن جهة أخرى، لم يكن لهذا المبحث إلا أن يستفيد من الحركة النقدية النشطة التي صاحبت الحداثة الشعرية. ولكن من منظور علم الجمال الذي لاينقطع البتة عما ينجزه النقد الأدبي.

 

 

 

الهوامش:

1ـ المرعي، د. فؤاد: الجمال والجلال، دار طلاس، دمشق، ط 1، 1991، ص:89.

2- SELDEN RAMAN , AREADERS GUIDE TO CONTEMPORARY LITERAY THEORY, LONDON: 1988. P. 38.

3ـ راجع: كليب، د. سعد الدين: مفهوم الكمال في الفكر العربي الإسلامي. مجلة "المعرفة" السورية. العدد: 371، دمشق، 1994، ص:10.

4ـ هذه إحدى النتائج التي توصلنا إليها، في كتابنا المخطوط : البنية الجمالية في الفكر العربي الإسلامي. فصل: القيم الجمالية، فقرة: الجمال.

5ـ أدونيس: الآثار الكاملة: م:2 دار العودة، ط2،1971، ص:174.

6ـ راجع : شكري، د. غالي: شعرنا الحديث إلى أين؟. دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط2، 1978, ص: 23 ـ 30.

7ـ راجع: إبراهيم، د.زكريا: الفنان والإنسان، مكتبة غريب، القاهرة، د/تا، ص: 152ـ 156.

8ـ راجع: المعداوي، أحمد: البنية الإيقاعية الجديدة للشعر العربي. مجلة "الوحدة" العدد: 82/83. الرباط، 1991، حيث يعرض الدارس لتلك المحاولات مبيناً مافيها من قصور أو مغالطة.

9ـ خضر، مصطفى: المرثية الدائمة. وزارة الثقافة، دمشق،1984،ص :21

10ـ شمس الدين، محمد علي: لاتنم هذه الليلة. مجلة الكرمل، العدد: 6، نيقوسيا، قبرص، 1982،ص: 167.

11ـ الحيدري، بلند: ديوانه، دار العودة، بيروت، ط2، 1980، ص: 265.

12ـ المعداوي: المرجع السابق، ص:72.

13ـ ابن خلكان: وفيات الأعيان. جـ: 2. د/تا، ص: 98. في ترجمة مظفر بن إبراهيم العيلاني.

14ـ المعداوي: المرجع السابق، ص:72.

15ـ الجاحظ: البيان والتبيين، جـ:1.تح: عبد السلام هارون: لجنة التأليف والترجمة والنشر،القاهرة، 1948، ص: 288ـ289

16ـ المعداوي: المرجع السابق، ص: 70 ـ 71.

17ـ فاخوري: محمود: موسيقا الشعر العربي. منشورات جامعة حلب، 1978، ص:46.

18ـ راجع : اليافي، د. نعيم: تطور الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1983، ص: 364ـ 365.

19ـ اليافي، د. نعيم: الصورة في القصيدة العربية المعاصرة، مجلة "الموقف الأدبي" العدد:255/256، دمشق، 1992، ص: 30.

20ـ درويش: محمود: ديوانه، م:2، دار العودة، بيروت،ط3، 1980، ص:487.

21ـ حجازي، أحمد عبد المعطي: كائنات مملكة الليل، دار الآداب، بيروت،ط: 1، 1978، ص: 52.

22ـ حاوي، خليل: ديوانه، دار العودة، بيروت، ط:2، ص:45.

23 - ADRONO , THEODOR ; AESTHETIC THEORY. LONDON ; 1985. P. 248

24ـ اليافي: الصورة في القصيدة العربية المعاصرة، ص: 26.

25ـ بيلنسكي، ف. غ: نصوص مختارة، تر: يوسف حلاق، وزارة الثقافة، دمشق، 1980، ص:83.

26ـ السياب، بدر شاكر : ديوانه، م:، دار العودة، بيروت 1971، ص: 274.

27ـ الماغوط، محمد: الآثار الكاملة. دار العودة ، بيروت،ط:2،1982،ص: 45.

28ـ يوسف: سعدي: الأعمال الشعرية 1952 ـ 1977. دار الفارابي، بيروت، 1979. ص:121

29ـ راجع: اليافي : الصورة في القصيدة العربية المعاصرة، ص: 23ـ 24.

30ـ عمران، محمد: اسم الماء والهواء، وزارة الثقافة، دمشق، 1986، ص: 18ـ 19.

31ـ إسماعيل،د. عز الدين: الشعر العربي المعاصر، دا ر العودة ، بيروت، ط:3، 1981، ص:248.

32ـ نفسه، ص:276ـ 277.

33ـ حجازي: المصدر السابق، ص:47ـ 48.

34ـ يوسف، المصدر السابق، ص: 144ـ 146.

35ـ نفسه، ص:145

36ـ إسماعيل: المرجع السابق، ص:268.

37ـ هيغل: المدخل إلى علم الجمال، تر: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط:2 ، 1980، ص:27.

38ـ راجع في ذلك : لانغيوم، روبرت: شعر التجربةـ المونولوج الدرامي في التراث الأدبي المعاصر. تر: علي كنعان وعبد الكريم ناصيف. وزارة الثقافة، دمشق، 1983، ص: 43ـ88

39ـ راجع قصبجي، د. عصام: نظرية المحاكاة في النقد العربي القديم، دار القلم العربي، حلب، ط1، 1980، ص: 102.

40ـ راجع: الآمدي: الموازنة، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العلمية، بيروت.د/تا، ص: 123ـ 226 (فصل: أخطاء أبي تمام في اللفظ والمعنى).

41ـ عبد الصبور، صلاح: شجر الليل، دار العودة، بيروت، ط2 1977، ص: 13ـ 14.

42ـ درويش، محمود: حصار لمدائح البحر، دار العودة، بيروت، ط2، 1985، ص: 89.

43ـ البرغوثي، مريد: رنة الإبرة، مجلة الكرمل،العدد: 35، نيقوسيا، قبرص، 1991، ص:142.

44ـ شكري: المرجع السابق، ص: 12.

45ـ راجع: اليافي، د. نعيم: الشعر العربي الحديث، وزارة الثقافة، دمشق، 1981، ص: 155ـ 156.

46ـ راجع: إسماعيل: المرجع السابق، ص: 187ـ 194.

47ـ رماني، إبراهيم : النص الغائب في الشعر العربي الحديث، مجلة "الوحدة" العدد: 49، الرباط، 1988، ص: 53.

48ـ نفسه، ص: 60.

49ـ أدونيس: المصدر السابق، ص: 177.

50ـ خضور، فايز: ديوانه، م: 1. دار الأدهم، د/تا، ص: 150.

* - لقد فضّلنا استخدام مفردة التجادل على الجدل DIALECTIC. وهما بمعنى واحد اصطلاحياً. إلا أن مفردة التجادل تنطوي لغوياً على مانقصده هنا. وهو معنى المشاركة، وتبادل التأثير، والتداخل. وذلك لوزنها الصرفي "التفاعل" الذي يحيل على ذلك.

* ـ لن نتحدث في هذه الفقرة، إلا عن الإيقاع الناجم من الوزن، وذلك لإمكانية الكلام عليه بعامة. أما تلك الإيقاعات الناجمة من التناغم اللغوي والصوري والانفعالي، فهي إيقاعات نصية حصراً، ولايمكن التعميم فيها.

*- قد يقال، هنا، إن موضوعية الشعر الغنائي العربي، ولاسيما الوصفي منه، أوضح من أن يشار إليها. ولاشك في أن هذا صحيح. غير أن هذه الموضوعية تتأتى عبر الذات الفردية، ولاتتأتى بوصفها معادلاً موضوعياً للموقف الذاتي.

*- سيأتي الحديث موسّعاً عن هذا الأسلوب في الفصل الرابع المعنون بـ"جمالية النموذج الفني في شعر الحداثة".

 

 

الفصل الثالث جمالية الرمز الفني في شعر الحداثة

تأسيس نظري:‏

إذا كانت المدرسة الرمزية SYMBOLISM قد جعلت من التعبير الرمزي هو الشكل الأوحد للتجربة الجماليةفي الفن؛ فإن ذلك لايعني أن الرمز بوصفه شكلاً من أشكال التعبير الجمالي، لم يكن له وجود أو أهمية في الفن من قبل. كما لايعني أن شعر الحداثة العربية يمكن أن ينضوي تحت المدرسة الرمزية، لاتكائه الكبير على التعبير الرمزي، أو لإفادته التقنية من هذه المدرسة، بحسب مايذهب إليه بعض النقاد (1). إذ يؤكدون أن هذا الشعر ينتمي مدرسياً إلى الرمزية. وهم، في هذا التأكيد، ينسون أن التصنيف المدرسي ينبغي أن ينطلق من تحديد هذا المستوى الفني أو ذاك، كما أسلفنا سابقاً.‏

ولتعميق هذه المقولة، نشير إلى أن التعامل الرمزي، في تلك المدرسة، لم يكن أسلوباً فنياً فحسب. بل كان أيضاً موقفاً جمالياً وفلسفياً من العالم، وقد تبدّى هذا في الأطروحات الاجتماعية والأخلاقية والفنية، لتلك المدرسة التي ترى "أن الواقع لايصلح أن يكون منطلقاً للفن، فالمثال هو المطمح. والجمال وحده هو الموضوع"(2). ومن ذلك، لم يكن مالارميه ـ أحد أهم الشعراء الرمزيين ـ يهدف من الجمال إلا إلى الجمال (3). وليس هذا فحسب. بل إن سعيه الدؤوب إلى الجمال المثالي قد جعله يحلم ، لمدة عشرين عاماً، بأن ينتج شعراً صافياً من دون أن ينتج إلا القليل من الشعر(4). وقد تطرّف مالارميه، بوصفه ممثلاً للرمزية ، في الاهتمام بما هو تقني، إلى الحد الذي يمكن فيه أن تتم المصالحة بين جماليات الشعر الصافي ـ كما ظهرت عنده ـ وبين الجماليات الكلاسيكية المتكلفة(5). ولم يكن الأساس في ذلك إلا الرغبة الجامحة في الوصول إلى الجمال المثالي المطلق الذي يحيل على الواقع ولايتدنّس بسلبياته. ومايصحّ على مالارميه يصحّ على غيره من شعراء المدرسة الرمزية، من مثل بودلير ورامبو اللذين لم يكونا أقل نزوعاً إلى الجمال المثالي من مالارميه، ولم يكونا أيضاً أكثر غزارة منه على صعيد الإنتاج الشعري.‏

إن هذا النزوع إلى الجمال المثالي هو الذي يسوِّغ دعوة المدرسة الرمزية إلى مقولة الفن للفن.‏

حيث لاينبغي أن يحيل الفن على سواه، إذ الهدف من الجمال هو الجمال، فحسب وغني عن البيان أن مفهوم الجمال، هنا، يعني ما هو تقني ، مثلما يعني ماهو مثالي مجرد.‏

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن لقب "المنحط" DECADENT الذي كان الشاعر الرمزي يكرّم نفسه وأصدقاءه به، كان في أساسه موقفاً سلبياً حاداً من عالم مادي مبتذل. أي "كانت بدعة الانحطاط وسيلة يحمي بها المرء (أي الشاعر الرمزي) نفسه من تفاهة البرجوازية وبلادة عالم يستسلم أكثر فأكثر للاتجاه الصناعي(6)". وكأن الانحطاطDECADENCE هو الوجه الآخر للجمال المثالي.... بمعنى أن الشاعر الذي يسعى إلى هذا النوع من الجمال، سوف يكون ممتناً، إذا ماوُصِف بالانحطاط، في واقع مبتذل خال من الجمال. فعدم الانحطاط يبدو للشاعر الرمزي انغماساً في القبح السائد. ولهذا فإن افتخاره بالانحطاط هو في أساسه رفض للواقع بقيمه وعلاقاته، مثلما هو دفاع عن الجمال المثالي الذي لم يتلوّث بالنفعية البرجوازية التي لاينجو منها شيء أو قيمة. ومن هنا، فإن طرح الرمزية لمقولة الفن للفن لاينسجم والجمال المثالي الذي تسعى إليه فحسب، بل ينسجم أيضاً ورفض الجوهر القيمي للبرجوازية ألا وهو النفعية. وكما يقول سارتر، فإن البرجوازية "لاتفهم العمل الأدبي على أنه خلق مجاني مجرّد . بل على أنه خدمة مأجورة"(7).‏

ولهذا فإن رفض ذلك الجوهر قد أدى إلى الارتفاع بالجمال إلى ماهو مثالي مجرد، مثلما أدّى إلى نفي النفعية عن الفن. حتى قال غوتييه " كل فنان يهدف إلى ماسوى الجمال فليس بفنان"(8).‏

أما أوسكار وايلد، فإنه يصفح " عن صاحب الفن المفيد إذا أدرك أن فنه ليس جميلاً"(9).‏

فالرمزية إذاً، موقف اجتماعي ـ جمالي، قبل أن تكون أسلوباً فنياً، أو الأصحّ أن هذا الموقف هو الذي انعكس بشكل فني رمزي. ولهذا فإن أي حركة شعرية لاتتلاءم في أطروحاتها الاجتماعية والجمالية، مع أطروحات تلك المدرسة، لايمكن لنا أن نعدّها منتمية إليها أو منضوبة تحتها، وإن تكن قد أفادت من منجزاتها التقنية. فالتشاكل في الأسلوب الفني لايؤدي بالضرورة إلى التشاكل في الموقف الجمالي. مع العلم أن هذا الموقف هو الأساس في التباين المدرسي في الفن.‏

نقول ذلك، على الرغم من كونه بدهية في الدرس الجمالي للفن. غير أن هذه البدهية كثيراً مايتمُّ تناسيها، حين يذهب بعض النقاد إلى تصنيف شعر الحداثة العربية تحت هذه المدرسة أو تلك، ولاسيما الرمزية.‏

إن إطلاق مصطلح التيار الرمزي على شعر الحداثة يغفل أن ثمة تعارضاً. بل تناقضاً، على صعيد الموقف الإجتماعي ـ الجمالي، بين كل من الرمزية وشعر الحداثة.‏

فالواقع هو المجال الحيوي الذي يتحرك فيه هذا الشعر، وهو المعنيّ بالتقويم والتغيير، لا المثال أو الجمال المجرد، كما هي الحال في الرمزية. ولهذا فإن شعر الحداثة قد زجَّ بنفسه في أتون الصراع الاجتماعي، رافضاً أن ينكفئ على ماهو ذاتي أو شكلي أو وهمي . أي أن لهذا الشعر وظيفة اجتماعية ـ جمالية ذات مضمون ثوري تغييري. وهو مايعني أن صفة "الثوري" هي التي يفخر بها الشاعر الحداثي، لا صفة "المنحطّ". وذلك بصرف النظر عن طبيعة تلك الثورية. وهل هي طبيعة سياسية أو فكرية أو قيمية.‏

لقد طبعت صفة الثورية شعر الحداثة بطابع صدامي مع كل مايتنافى والقيم الجمالية التي يدافع عنها أو يسعى إلى طرحها. ولهذا لاغرابة في أن تتصدّر قيمة البطولي HEROIC لائحة القيم المطروحة. إذ إن البطولي هو المعادل الجمالي للثوري. ولاغرابة أيضاً في أن يتصّف الجمال، في شعر الحداثة، بطابع صدامي. بل حتى مفهوم المغترب المعذب الذي كثيراً مانواجهه في هذا الشعر، لايقوم على ماهو وجودي، كما في الرمزية، وإنما يقوم على ماهو اجتماعي وسياسي وقيمي ذو طابع صدامي أيضاً. والحقيقة أن دراسة القيم الجمالية التي طرحها شعر الحداثة تؤكّد بمالايدع مجالاً للشك أن هذا الشعر على تناقض مع الرمزية بوصفها موقفاً اجتماعياً ـ جمالياً. غير أن هذا التأكيد لاينفي إفادة هذا الشعر من الرمزية بوصفها أسلوباً فنياً.‏

يمكن تعريف الرمز الفنيARTISTIC SYMBOL بأنه صورة الشيء محوّلاً إلى شيء آخر، بمقتضى التشاكل المجازي، بحيث يغدو لكلٍّ منهما الشرعية في أن يستعلن في فضاء النص. فثمة، إذاً، ثنائية مضمرة في الرمز. وهذه الثنائية تحيل على تقويمين جماليين متماثلين. مع الإشارة إلى أن هذا التماثل هو الأساس في التحويل الذي يجريه المبدع. أي هو الأساس في جعل الثنائية واحدية في الرمز. ولابأس من الإفادة من تعريف مؤلفي نظرية الأدب للرمز، على أنه "موضوع يشير إلى موضوع آخر. لكن فيه مايؤهّله لأن يتطلب الانتباه إليه لذاته ، كشيء معروض"(10).‏

إن للرمز الفني عدة سمات إذا انتفت عنه، انتفى كونه رمزاً، وتحوّل إلى أن يكون مجرد إشارة أو علامةMARK أما تلك السمات فهي: الإيحائية، والانفعالية والتخييل، والحسية، والسياقية(11). إن سمة الإيحائية تعني أن للرمز الفني دلالات متعددة، ولايجوز أن يكون له دلالة واحدة فحسب، وإن يكن هذا لايمنع من أن تتصدر إحدى الدلالات.‏

إن تعدد الدلالات ينهض من الكثافة الشعورية والمعنوية التي يعبر عنها الرمز، ويقوم عليها. أي أن الإيحائية إذ تكون سمة للرمز، تكون أيضاً سمة للتجربة الجمالية من حيث الكثافة والعمق والتنوع. ولهذا فإن المجانية أو الاعتباطية في طرح الرموز، لن تؤدي، بحال من الأحوال، إلى إيحائية ذات وظيفة جمالية ـ تعبيرية. فالإيحاء الجمالي هو إيحاء مكثف ممتلئ بموضوعه، يؤدي وظيفة يعجز عنها التناول المباشر للتجربة أو للظواهر والأشياء.‏

أما سمة الانفعالية، فتعني أن هذا الرمز هو حامل انفعال لاحامل مقولة. وهو بذلك يختلف عن الرموز الدينية والمنطقية والعلمية والعملية التي هي مقولات ومفاهيم، لاانفعالات وأحاسيس.‏

ومن البدهي أن هذه السمة تأتي من طبيعة التجربة الجمالية التي هي طبيعة انفعالية بالضرورة. ولهذا فإن الرمز الفني لايلخّص فكرة أو يعبّر عن رأي ، أو يطرح موقفاً فكرياً؛ وإنما يكثف انفعالاً، ويعبر عن تجربة.‏

وتعني سمة التخييل أن الرمز نتاج المجاز لانتاج الحقيقة. ولهذا فإن ثمة تناولاً مجازياً للظواهر والأشياء، بحيث تتحول عن صفاتها المعهودة، لتدخل في علاقة جديدة مختلفة عن سياقها الواقعي. غير أن هذا التحول محكوم بطبيعة الأثر الجمالي الذي تخلفه الظواهر والأشياء في الذات المبدعة. بمعنى أن التخييل لاينبغي أن يكون سائباً، في الرمز، من الكينونة الواقعية. وهذا ليس خاصاً بالرمز وحده. بل هو أساس التخييل في الفن عامة. وذلك كما يؤكد ادورنوADORNO حيث يرى أن الانفلات المطلق من الكينونة الواقعية. لن يؤدي إلا إلى تخييل مجاني رخيص ومحدود القيمة(12).‏

وتحيل سمة الحسية على أن هذا الرمز يجسّد ولايجرّد، بخلاف الرموز الأخرى، أي أن التحويل الذي يتم في الرمز لاينهض بتجريد الأشياء من حسيتها بل ينقلها من مستواها الحسي المعروف إلى مستوى حسي آخر، لم يكن لها من قبل أو لم نعهده فيها. وهو مايتلاءم وصفة الحسية التي يتصف بها الفن عامة. غير أنه لابدّ من الإشارة إلى أن الحسية في الرمز لاتتنافى والإيحائية المعنوية فيه. فقد تكون عناصر النص الشعري كلها حسية، إلا أن دلالاته معنوية. إذ إن المعنوي، في الفن، لايمكن إلا أن يتبدّى حسياً.‏

أما سمة السياقية التي يتّسم بها الرمز الفني، من دون الرموز الأخرى، فتعني أن هذا الرمز لا أهمية له خارج السياق الفني. إن السياق هو الذي يعطيه أهميته وكينونته المتميزة، ومضمونه الجمالي. ومن ذلك، فإن الظاهرة الطبيعية الواحدة يمكن أن يتولّد منها عدد غير محدود من الرموز الفنية، بحسب عدد الآثار أو التحريضات الجمالية، فلاغرابة، إذاً، في أن يتناقض رمزان، على الصعيد الجمالي والإيحائي، وهما من كينونة واقعية واحدة، وفي الوقت نفسه يكون لكلٍّ منهما الأهمية ذاتها.‏

إن هذا الرمز، بارتباطه بالسياق الفني، متغيّر ومتجدّد دائماً، من حيث المضمون. فكل سياق يفرض مضموناً خاصاً به. ولايجوز التعامل مع الرمز الفني بمعزل عن سياقه، وكأن له كياناً عاماً مشتركاً بين النصوص الشعرية كافة، أو كأن الكينونة الواقعية ينبغي أن تفرض كينونة رمزية محدّدة.‏

إن سمة السياقية هي إحدى السمات الخاصة بالرمز الفني، حيث نلحظ أن الرموز الأخرى هي رموز غير سياقية. أي أن لها معنى محدداً، بمعزل عن السياق الذي ترد فيه، وذلك بسبب كونها مقولات مع