الاثنين، 8 يونيو، 2009

سهر الورد

حقوق الطبع محفوظة للمؤلّف
كتاب " ألف "
4
بيروت-دمشق
1998

محمود السيّد



سهر الورد
تجليّات السهروردي في الورد و الدّم
























/قد وُضِع أمامك منذ جئتَ عالمََ الوجودِ سلّم الخلاص.
كنت جماداً، فصرت نباتاً، ثم صرت
حيواناً.
كيف خفي هذا عليك ؟
ثمّ صرت إنساناً.. فانظر أي زهرة صارَ
هذا الجسم الترابي؟
و إذا جاوزت الإنسان تصير، و لا ريب،
مَلَكاً ..
جاوز الملكية أيضاُ، و ادخل ذلكَ البحر،
لتصير قطرتك بحراً هو مائة بحر../
جلال الدين الرومي
المثنوي و الديوان













أوقفني في المدينة، فما رأيت مدينةً،
و رأيت قبوراً شاهقة.
أوقفني في الإنسان، فما رأيت إنساناً، و رأيت رؤوساً تنتعلها الأحذية.
أوقفني في الأبجدية، فرأيت كل
الحروف إلا الألف.
" يا عبد الحروف كلّها مرضى إلا الألف، أما ترى كل حرف مائل، أما ترى الألف قائماً غير مائل. إنمّا المرض الميل للسقام فلا تمل."
من المخاطبات للنفرّي.

1
تعال،
اخرج من دمك، من وجع جسدك، و ادخلنــي
أنا العاشقة الوردة،
أناديك لتمتلئ في نسغي.
هكذا
كما البنفسج يمتلىء بالصمت،
هكذا ...... كما الصمت يمتلىء بالضوء.
آه، ما أبلغه الصمت يسهر في الورد،
فيقوّض الخطابة و الكلام.


ما أبلغه الصمت يسهر في العشق،
مبتدئاً تلاوة النهار:
انهر جسدي لئلا يغويك الضجيج،
ثمّ اقرأني في الغضارة،
تعلّمني في الانخطاف.
سلّم نفسك للورد، فيحفظ دمك الورد:



لا تخف الظمأ فيحتلّك الرمل
لا تخف الجوع فيبتليك الخنوع.
لا تخف القتل فيذلّك القاتل.
و أعطِ جسدك للماء، يشربك الماء فيتدفّق
ماحياً صحارى العطش.


و أعطٍ جسدكَ للتربة، تحتويك التربة،
فتنطق الأشجار لغة ثمارك.
أعطِ جسدك للنار،
فتبشّر النار بزمن يدخل فيه الفقراء الفرح.
أعطِ جسدكَ للوردة،
فأناديك حبيبي،
أستيقظ فيك، و أعلن على الملأ حضوري في حضورك.
نخرج من الكلام و الفرار،
من الأبهة و الاطمئنان،
و نبتدىء اللغة في الصمت،
نبتدىء الحياة بالموت.


في البذرة تتقدّمني بدمك،
في المطر أتقدّمك بدمي.
تحبنّي و أحبك ، و لا كلام يشوّش الوله بيني و بينك
و لا كلام يشوّه جسدينا.
و في التألّق جسدانا لا في الدّم




عالياًُ يرتفع بنا الزنبق الجبلي،
عالياً نرتفع بالسنابل،
و نركض في الأطفال رحابةً، لا حدود لتجليّات
المسرّة فيها.
تقول : يا حبيبتي،
فأنتقل من اللوز إلى طعم اللوز.

أنتقل من الورد إلى عبق الورد،
فتسهر بي.
يا سهر الورد على وجع النهار.
يا سهرَ النهار على العاشقة المحاصرة بكمائن
الجند.
و يا قاتلاً أسماؤه لا تحصى في الافتراس،
أنذرك بميلاد الصباح من الجرح،
العشّاق من الفواجع،
أنذرك بميلاد السوسن من البكاء،
و الورد من الدّم.




( مرة واحدة يموت الجسد، و ليس مرّة واحدة ينبت الدم.
يسري فيتوحّد بالجذور.
و في الجذور يتعلّم لغة الصمت فلا
يملّه الكلام ،
يتعلّم لغة الفعل،
فلا يملّه الصمت)

الدّم
ينبت
في العشب،
و تسلكه البراعم.
به يخرج الماء على الماء،
ليسكن التغيّر و لتحول،
و لا تسكنه المرايا و الطواويس.


لا وقت لديه للضجر، لا وقت للراحة،
لأنّه دائماً في الفصول، في لهفة من لم يصل
لأنّه دائماً في الينبوع، في لذّة من يعطي و لا ينقص،
من يأخذ و لا يزيد.
لأنه دائماً يهاجر من ذاته محتشداً،
و ينبثق في الآخرين متفرّداً.

لأنه دائماً في الشوق،
و يخاف على شوقه من دهشة الوصول.......

2
تعال،
دمك الطريق إلى الورد.
و آن تتجّه إليّ، تتبرّأ من نفسك، فيسقط عنك
الظمأ، كل الظمأ.
آنَ تتقدّم تحتضنك العناقيد، يتصّل جرحك بجرحي
فلا تتعثّر .
آنَ تتقدّم يحتشد الليل ليصدّك عن التقدّم،
لا تخف
ما أن تبدأ حتى يخرج نور منك، يخافه الليل،
و عسكر الليل.



تعال،
قبلما تستبيك الغواية،
و فاجئني بك في النداوة تحت الشفة
و على اتسّاع التأهب في الجسد
فاجئني بأنك خرج الكلام،
خارج الصمت،
لأعرف
فيك
عاشقي.

فاجئني بأنّ اشتياقك أعظم من أن يبرّده جسدي
فاجئني بأنّ جسدي بين يديك يتحرّر كما في الحلم.
فاجئني بدمك في الورد،
فأتعلّم كيف بالورد تقوم لاستشهاد آخر و آخر،
و كيف بالشهادة يحتفل العشق.


أبشرّك بي،
فتبكي من فرح بالولادة.
تبشّرني بك،
فأشتهي اشتهاءً يليق بجسدك المتحرّر
من الجسد.

يتنفسّك دمي، فتبتكرني القبل،
شاسعةً، تحتي بشساعتي الأيائل.
عالية، تتسلقني العصافير.
يتنفسني دمك،
فأنتقل إليك.
ما أجلّني و أنا أبزغ فيك بالجنون،
مبتدئة فيك النار و النهار،
مبتدئة الماء و الفصول.
/ أقول لك: من لا يسهر في الورد،
يسهر في الرماد.
و ليس في الرماد غير كلام،
و الكلام من اللغة،
مثل الرماد من الجمر/



أقول لك:
قبلك كنت في الرماد.
كيف ضللّوني فما عرفتك قبل الآن؟
كيف أكلوا خبزي و أوهموني بالشبع؟
كيف تناهشوا لحمي و أتخموني بالغبار؟
كيف قصفوا أجنحتي،
كيف فصلوا بيني و بين دمي،
بين دمي و بين الورد،
بين الورد و ين العبق،
بين العبق و بين الضوء،
فهبط ليل ثقيل
انهزمت منه اللغة
و ساد الكلام
كيف؟




أقول لك:
قبلك كنت في الكلام، فيك أستعيد اللغة.
/ في اللغة الجسد خارج الجسد /
في اللغة أتوّحد بك، بأقنوم النهار، ضدّ أقاليم الليل.

هل تعرفني الآن؟
أنا الآن لست أنا إلا بك،
عاريةً بلا خجل أطوّق
جسدك بالاشتهاء.
هذا الضيّق جسدي، كم هو رحب و لهاثك يستحّم فيه.
ألا فلتجهر بأني رحابة اشتهائك،
ألا فلأجهر بأنّك رحابة اشتهائي.
و قبلّني تستعد اللغة بكارتها،
يسقط الكلام ، و فحش الاحتشام.


3

يقول الورد:
يسهر بي الدم.
أتمتم باسمك فيلتفت الورد،
يلتفت وَلَهُ الماء،
و إشراق العشب.
تتمتم باسمي،
فتلتفت اللغة في الثمار،
الشهوة في الجذور،
و تلتفت الزنابق.




/ و يحدث ان ألتفت فاراني بك،
و يحدث أن تلتفت فتراك بي/
و أحبّك لأمك لا تندغم بي و تعرف لذّة التفرّد.
و تحبني لأني أعلن العصيان عليك ، و أقيم بيني
و بينك التناقض
أخلع جسدك عنك، و أزينّك بجسدي، فلا تسقط،
و فرحاً نرتفع
بك أنتصر على إقليمية جسدي، و أُسرّ،
و من فرط دهشتي بي، تراني
أحلّق في جسدك.
فهذا الكوكب ضيق على طيراني.
كيف أنام فيك و لا يؤرّقني نداؤك لي؟
كيف تنام فيّ و لا يؤرّقك ندائي لك؟
كيف؟


كيف أسهر فيك ، و يشغلني عنك شوقي إليك،
كيف تسهر فيّ، و يشغلك عني شوقك لي،
كيف؟
كيف أكون الوردة و تكون العبق،
و ليس من يعرف أينا الوردة و أينّا العبق،
كيف؟
كيف تستيقظ فيّ، و أستيقظ فيك، و نظّل في الحلم:
يقطفني فمك، فأتدفق بالثمر،
تشربني، فأنبثق بالينابيع.
تتنزّه بي،
فأزدحم بالحدائق،
بالأطفال و العصافير.
تقبّلني،
فيلبسني البنفسج، و أستبدل جسدي بالأغاني.

4

من فرحك بأنك تقتل و أنت بياض العشق،
إبتدأ الفرح.
و أينما ارتفع شهيد، سقط عني الحزن.
و لفرط
ما فرحت بحزني،
اختلطت الشهادة بالولادة، و الولادة بالشهادة.
حزنت بفرحي،
و فرحت بحزني.
أليس جميلاً فرح الحزن؟ و حزن الفرح؟
و جميلاً أن أرى دمك يبرعم في الورد،
و وجهك يتأرّج فيه الصباح،
ماحياً كل مسافة للموت بيني و بينك.


و في عزّة البكاء على نفسي، أدخل إليك من باب الكتابة،
ألست الطريق؟
كيف أجتاز طريقك إليك؟
و اللغة تبهرني،
و الجسد يخاف بي.
كيف أجتاز طريقك إليّ؟
و الكلام يحاصرني، و يحجبني عنّي الكلام.
أفرح من فرحك، و أبكي حزناً علي.
كيف ألتقيك، و أنا أنا، تأخذني جاذبيّتي،
أنحني للملك، و أوّد لو أصفعه،
أقول نعم ،؟ و أريدها لا،
و مع الجيوش أنهزم ، و أقول انتصرت.
و مع الشعوب، تحتلّني جيوشي، و أقول تحرّرت.
و مع الفقراء أحلم بالخبز، و أقول شبعت.
و مع قاتلي أتآلف، و أسكن الظل من الخنجر.
/ ها أني تأهبّت، أيها القاتل،
فأنجز بي القتل،
اقتلني، و احذرني ، خارج
جسدي/
.................... ....................
تحرّرت من جاذبيتي،
فتعال نرقص.
صرت فرحاً بلا جسم، فتلّمسني بإيقاع جسمك.
هل تسمع ندائي؟





/ من يسمعني يرني / :
تشبهني ذاتي،
و لست ذاتي.
يشبهني جسدي، و لست جسدي،
تشبهني اللغة،
و لست اللغة.
يشبهني الاعتراف، و لست الاعتراف...
( أخجل من قوّتي إذا قُتلت، و أخجل أكثر لو أني قَتَلتُ)*

كيف للنبع أن يكون النبع، .... و هو يرجم الماء؟!
كيف للماء أن يكون الماء،
و هو يرجم
النبع؟!



/ اوقفني بين الماء و النار و قال:
لا تخرج، فإذا حرجت قُتلت ، لا تدخل
فإذا دخلت قَتلت. و تعلّم من الماء
لغة النار، و تعلّم من النار لغة
الماء. ثاقفهما حتى الماء يصير
ناراً، و النار ماء، ثمّ من جسدك
اخرج. فإذا قيل لك: كيف نجوت؟
فهذا هو القاتل. و إذا قيل لك:
كيف رأيت؟ فهذا هو المقتول.
قبّل الأول حتّى يموت، و اصلب
الثاني حتى يقوم/


5
ها أنت،
و ها أنا
قتلوك فأظهروك لي. فأنت الداخل و أنا الخارج،
النسغ و الشجرة.
هل قتلوكَ حقّاً ؟
أم شبّه لهم؟

أيها الحي، يا سهرنا في الدّم.
و سهر الدّم في الورد.

أيّها القيوم في اللغة،
الخارج على سلطة الكلام، و سلطة الموت.
هل أشهد على حضورك؟
و من يشهد على حضور الآخر، النسغ على الشجرة أم الشجرة على النسغ؟
و هل للقاتل أن يفصل بين النسغ و الشجرة؟


قُم أيها السهر العظيم في العشق العظيم.
قُم و لأقتل فيك ، لأصل إليك.
ألا يُذبح العنقود، لتخرج البذرة و تعود للتربة؟
ألا تموت الثمرة، لتحرّر البذرة؟


حرّرني من الثمرة لأكون في البذرة.
حرّرني من الجسد لأكون في التألّق.
حرّرني من الدّم لأكون في الورد.

حرّرني من الورد
لأكون في الإشراق.
في إشراق اللغة، التي هي الولادة.

و دائما الإشراق ولادة، و الولادة إشراق.
نهار في الداخل،
وسط ظلام الخارج.
شمسٌ تمحو جدران السجن، تمحو المسافة بيني و بينك
تحملني اللغة لعناقك،
تبتكرني لأليق بك،
فأرتفع بالنشوة إلى حيث تضيئني بفرحك بي.


يشبه فرحك بي ابتهاج الأشجار ببواكير الثمر.
يُشبه بي الأطفال في الفرح،
العصافير في الرحابة.





يشبه فرحي
لأني أولد بين يديك،
خارج جسدي القشر،
الذي هو للجلاد
( الذين حضورهم في قشورهم يخافون على أجسامهم)


محوت التراجع لئلا أكون إلا في التقدّم.
( ألم تمح دمك، لئلاّ تكون إلا في الإشراق)



أتدفّق فيك من كلّ الجهات.
ثمّ أخرج منك،
لتتدّفق بي،
و بي تسهر في العشّاق القائمين على ولادة الصباح.
أليس بك الخروج من الخوف؟
( أليس الخوف حالة من حالات الموت الذليل؟)

ألا فلنشتعل بسهر لا ينطفئ،
و مزيداً من الغبطة بالجرح.
مزيداً من الفرح،
لنكون.
أليس بالفرح تتغضّر البذرة و ينبثق التبرعم؟
أليس بالفرح يرتعش الغصن، و تطفو نشوة الزهر؟

أليس بالفرح يتسلّق الماء جسد الشمس،
جسد البراري،
و يستبرق في الصهيل؟

أليس بالفرح
تعبر الطيور مسافات الليل
إلى مسافات
النهار؟

أليس بالفرح يبدأ الضوء نقطة في القلب،
نقطة في الوجع،
نقطة في ظلام الارض؟

و تتسّع
لينهزم الليل أمام النهار،
الرمل أمام الغابة،
الجراد أمام العصافير.

كيف نصل نقطة الفرح؟

يقول:
نقطة الفرح تصلها نقطة الدّم،
نقطة بنقطة.






/ أوقفني في الرماد و قال:
كان الرماد جمراً، و ليس
الجمر من رماد.
الجمر من القلب،
اللغة من القلب.
الكلام من الرماد.
و حين يسود الكلام، يسود الرماد، و يبدأ التابوت./

6

من يعلّمني اللغة فلا يضجّ بي الكلام؟
من يعلّمني الإصغاء فلا أرى العازف؟
من يعلّمني العزف فلا أرى نفسي؟
من غيرك يهزمني لأنتصر، يغزوني لأحتلّ
اشتهاءه و يقوم بي.
من أستيقظ به، و يستيقظ بي. و حين نستيقظ معاً
نمتلئ ببعضنا، فلا يرانا الآخرون، لأننا نكون
فيهم، أول الـ" لا"،
أو أول النار في عروش الـ" نعم" و سلطة الضجيج.



أليس الضجيج قتلاً للإصغاء؟
( و من لا يصغي لا يتعلّم، و من لا يتعلّم يفتّنه الوهم.
من يأخذ الظاهر لا يسمع الباطن)
أليس الإصغاء بداية الطريق إلى بداية الوعي؟
أول علامة من علامات الخروج على سلطة الضجيج،
أو
سلطة الظاهر.

كيف تدخل إليّ و يبعدني عنك الكلام ؟
كيف أدخل إليك و تحجبك عنّي الذاكرة؟
كيف نعترف لبعضينا و كلانا لا يصغي للآخر.

أليس الاعتراف لحظة البياض،
و لحظة البياض إغراء بالعشق،
أن أكونك ،
و أن تكونني.

تنبت فيّ،
و أنبت فيك
تناديني يا حبيبتي،

أناديك يا حبيبي .
و من فرط حبي لك،
أخرج عليك،
فلا تتملّكني
و لا تعتادني.

و من فرط حبّك لي، تخرج عليّ،
فلا أمتلكك
و لا أعتادك.

أعصيك، و أتحرّر بك،
تعصيني، و تتحرّر بي.
فبالعصيان لا بالخضوع، بالدهشة لا بالتكرار ،
أبدعك
و تبدعني.

أليس الضجيج تكراراً للخضوع،
و الإصغاء لا يغريه
تكرار...
يا سهر الورد،
أغرتني بك الـ" لا "،
ولادة الضوء،
أو ما يشبه ولادتك.
اليقظة،
أو ما يشبه الإشراق.
علّمني كيف أغمض جسدي و أقرؤك،
كيف أنام و تصحو بي،
كيف أكونك،
و لا أشبهك،
كيف أصل إليك، و لا أصل.

/ أوقفني في الألف و قال:
كلّ الحروف خرجت من ألف، و ليس
بين الحروف ما يشبه الألف.
أوقفني في البذرة و قال:
كلّ البذور يجمعها التشابه، و ليس
ثمر بذرة مثل ثمر أخرى./


7

كيف أغريك بالوعي،
كيف أغريك بالتعرّي،
كيف أغريك بانتصاب القامة،
كيف أغري الميت بأن يقوم،
كيف؟
و الرأس في الحجر و في التسلط، في أصنام تصمّ
الأمكنة بالخضوع.
و الرمل يأمل و يشرب، و يظلّ هو هو الرمل.


كيف أغريك بالسهر وأنت في النوم؟
و من نومك تاريخ طويل
من السبات أو
( الانحطاط)
نوم يحجبك عنك فلا ترى أنّك في النوم.
نوم يقوم بيني و بينك، فنظل على طرفيّ مسافة الانشطار.
نوم ملكي ( يباركه الملوك)
و هذه الجيوش تصونه، لأنها منك و عليك (!)
أليست هي التي تنتزعك من نفسك،
و تنهزم بك
لأنك في
النوم
؟
هل
ينتصر
من هو في النوم
على من هو في اليقظة؟
كيف أغريك باليقظة، و أنت تدمن الخوف من اليقظة؟
كيف أغريك بالخروج على الخوف، مالم تخرج على جسدك؟

ليخرج جسدك على الملك و التملّك.
هكذا ببياضك تغسل مساحة السواد.
هكذا باللغة تندفع
ليسقط الكلام.


هكذا كجمر خارج الرماد.
هكذا كاشتعال أخضر يحرث مطره المدن و القرى،
و لا يطفئه
الخليج
أو المحيط.

هو النوم يقيم سلطة الظلام.
هو الخوف يقيم سلطة القاتل.
و بإشراق القلب يكون النهار.

فتقدّم إلى الداخل،
تقدّم،
من الداخل تمسك بالخارج،
من الحزن تقطف ثمرة الفرح.

تعال،
لأريك أنك أنت و لا في الظلام ، أنت و لا القاتل،
آن تخلع نومك،

آن تخلع خوفك،
سلطة الحياة.

تعال ،
لتكون أنت، لا ما صنعوه منك ، حين
أنت في الطين و الخزف،
لا في النسغ و الدم.
تعال،
هل تخاف أن تُقتل؟
لتقتل مرة، ألا يقتلك الخوف المرّة بعد
المرّة.
ألا يلهو بك القاتل؟
و هو مفترسك ليوم أو غداً، حين يضجر،
أو حين يبطر.
تعال،
تهيّأ بنارك،
احتجب عن جسمك بالعشق،
احتجب عن نفسك بالعفّة،
فلا يراك إلا من هو مثلك ، أو من يحبّك.
و انس أنك كنت،
فلا يشغلك اشتياق إلى ما كنت ، عن اشتياقك
إلى ما ستكون.
انس متعة التملّك،
انس لذّة الاقتناء،
و كن في القلب،
مع النهار لأنّه منك،
و ضدّ الليل لأنّه عليك.


تعال،
و اسهر معي في سهر الورد للصباح.
( من لا يسهر لا يكون في الصباح)
اسهر معي لتقوم مع العشب و تستقبل الرعاة.
لتقوم مع السنابل و تستقبل الشمس.
لتقوم مع العصافير و تستقبل الرحابة.
لتقوم مع الجياد و تستقبل البراري.

لتقوم و تستقبلني،
و أنا لك أقوم عارية إلا من دفء أطعنك به
فينبلج بك العاشق.


تعال،
لآخذك خارج ظلمة الضجيج،
خارج ضجيج الظاهر.
لأعترف بك،
و تعترف بي.
فلا تكون بيني و بينك طريق. و مكون الطريق
لمن يخرج على النوم و يتجّه للسهر.

سهر دائم في القلب،
فلا تموت اللغة.
سهر دائم في الجسد،
يتجدّد به العشق.
سهر الليل، و سهر النهار.


( فلا نهار و الرماد يغلّفنا فلا يرى أحدنا الآخر)

سهر يبعدني عني،
و يبعدك عنك.
يقرّبني مني فيك، و يقرّبك منك فيّ.
و كلمّا هززتك تساقط ثمري.
و كلّما هززتني امتلأت بالثمر.
ليأكل الطفل الذي سرقوا حليبه،
لتأكل الأم التي قدّدها الخوف.
ليأكل الفقير،
كل الفقراء الجائعين في ملكوت
الذهب، و عتبات الفضّة.
أليس ثمرنا الخروج على تسلّط ط الطبقات،
القديمة
و الجديدة،
الصريحة و الممّوهة بزّي الفقراء.
و دائماً القاتل يتمّوه.
هو باسم الفقراء، يزيد بؤس الفقراء،

و يأكل و أتباعه الذهب.
هو باسم النهار، يعمّم الليل،
فلا تراه إلا القصور و المرايا،
الوطاويط، الطواويس و الرخويات.
هو باسم الإشراق؟
يقتل السهروردي.
هو باسم التوحيد،
يقتل الحلاج.
و هو ليس في التوحيد و لا الإشراق. يشرك
و يقتل من يشرك بوحدانيتّه.
هو القاتل يتموّه، يلبس لكل عصر
لبوسه، و يتزيّن بأسماء الجلالة و الفخامة،
السيادة
و السمو...

8
أناديك لأجعلك عدّو نفسك،
عدّو ما أنت كائنٌ فيه.
الأسود
الذي فيك،
و الأسود
الذي حولك.
الأسود الذي يُغريك، و الأسود الذي يضلّك،
فتحسبه الأبيض.
أناديكَ،
لألزمك بنفسك،
فلا تتركها للرماد.
و لألزم نفسك بك، فلا يقودك الوهم.
هل تعرف كيف تأتي ؟

قم من نومك و انتصب، بانتصابك ترى
الحجوم كما هي، لا كما تتراءى للزواحف و الدواب.
و إذا عثرت انهض.
توكّأ دمك و انهض
تنتظرك العقارب لتعثر، فتنقّض عليك،
تنتظرك الأفاعي،
تنتظرك الحراب،
ينتظرك القاتل.
فاصغ لخطواتك، فلا تخذلك،
و اصغ للطريق، فتنفتح لك.
و اصغ لي،
فانضّم إليك.
احتشد بيقظتي،
اشتعل بعطشي،
استنفر بشوقي،
و انضم إليك.


هل أقول،
بك أجتاز الجلجلة بالفرح؟
هل أقول،
يتساقط صليبي حين أنت معي على الطريق؟
هل أقول،
أني أولد بك و أنت تلبسني بلاغة العناق؟
هل أقول، بك تتعاظم قوتي فلا يرهبني طاغوت؟
كيف أقول ما أقول ما لا يشبه الكلام ؟
لتعرف لغة الصمت،
أو لغة الدم،
و تبادلني بها الحديث:
ما يصل اللهفة باللهفة،
ما يصل الفرح بالبكاء.
ما يصل الجنون بالجنون.
قم اسهر بي،
في السرارة لا في الجسد.
في القلب لا في المثول،
سيداً مفطوراً على التحرّر،
سيّداً مفطوراً على السهر في العشق،
لأجل أن يكون لعشق في الإشراق.
هي ذي فاتحة الضوء،
أو
هو ذا وقت السهر:
التأهّب، و ما يشبه الخروج من
الدم.
الاستعداد، و ما يشبه التطهّر.
ا لتقدّم، وما يشبه البزوغ.

و اعتراف نتعرّى به ممّا ليس منّا مذ الولادة.
و تآلف ينسج أسرارنا،
فنتوّحد في السّر،
نتكاثر و نزدحم و لا يبوح بنا الازدحام.


هي ذي الطريق، فلنبدأ.
انس انّك أنت و ابتدئني،
و أنا أنسى أني أنا و أبتدئك.
أتوجّع بك،
و تتوجّع بي.
أليست البداية ولادة، أو شهادة؟
خروج على العجز و الانقراض.
نقيض لطمأنينة هي الهوان،
و لراحة هي الخنوع،
أو القنوط.
و بعيداً عن هذا المهرجان الذي أنت فيه
المهرّج و المتفرّج، اشتعل.

توضّأ باشتعالك،
فلا تكون تحت سلطة الضجيج ،
و ترى ما ليس كنت تراه:
ما يشبه الرجال، و لا رجال.
ما يشبه الحشود، و لا حسود.
ما يشبه الهتاف، و لا هتاف.
ما يشبه الفرح، و لا فرح،
بل الفاجعة تترأرأ في العيون،
و ليس إلاه القائم سلطة الظلام،
و سلطة الكلام،
ليس إلا
الذي يذبحونك، أو يذبحون بك الصباح.

9

كن معي،
بعيداً عن المهرجان و احتفال المفتون بنفسه.
أترى ما أرى؟
إنّه القاتل تحت قبّة الكلام،
أو
الضوضاء المدّججة لحظة اغتيال اللغة.
مساحة مكتظّة بالهزائم و الاستسلام.
( و من يجهل يغنم،
من يغنم يركع،
و من يركع يدخل ملكوت المفتون بنفسه)
اخلع الأقنعة،
ترَ الوجوه الحقيقية للجريمة.
اخلع من هم في الأقنعة،
تر الضياع بالزي البشري، تر
الإفك و هو يتحدث.
و ترالملق و الرياء في وضعيّة
الإصغاء و وضعيّة شاهد زور.
وترَ الأحزاب تتنابذ لتسكن حذاء القاتل،
و ترَ القتلة يتناهبون المناصب و الولائم.

كن معي،
فلا يغويك سراب و يقتلك ظمأ.

لا يغرّر بك ترف، يفقدك انتصاب قمتك،
أو
انتصاب كلمتك.
أليس المهرجان ملتقى الذين فقدوا انتصاب قاماتهم
أو
الذين فقدوا انتصاب كلماتهم،
أو
الذين هم بلا جباه،
في ضجيج السلطة،
و في سلطة الضجيج.


كن معي،
في السهر، لا في النوم.
فأكتشف و إيّاك أسرار النهار،
الشمس التي لا تغيب،
و الوجوه التي يبزغ فيها الصباح.


كن معي،
في النار، لا في الرماد، فأنتصر بك،
و تنتصر بي،
و معاً ننتصر على الوباء.
أيّها الوباء المدلّل،
أيها الفساد المؤدلج ،
أيها الافتراس المتستّر.
أيها القاتل المبجّل،
أيها الكلام الفاتن و الضجيج المفتون.
أيها الفرار المظفّر، و الهزيمة المنتصرة.
أيها النعاس المجيّش للحرب.
تصرخ:
- العدو، العدو.
فيتدّثر النعاس بالكلام و يدخل الحرب.
يتدثّر الفرار بالنوم لئلا تؤرّقه الحرب.
يتدثر النوم بالأوسمة لئلاّ تؤرّقه الحرب.
تتدّثر الأوسمة بالفتنة لئلا تؤرقها الحرب.
تفتن الأوسمة، فتشغل الوطن، بحرب الوطن،
عن حرب العدو.
و يطمئن الفاتن للفتنة،
يطمئن القاتل فيقتل من يصحو من النوم.
من يتأرّق به الوجع.
من يسهر على نزيف الجرح،
من يسهر على الجرح،
من يسهر على النزيف.
من يسهر...
أليس السهر عصياناً يجابه النوم؟
أليس السهر يقظة تتصل بنسغ النهار؟
أليس النهار محواً لظلام يلبسه الفاتن،
لئلا يرى كما هو:
في الاستبداد،
في الفتنة،
و في الفرار.

لا في الحرية،
لا في المحبة،
لا في الإقدام.

10
- لمَ هذا الضجيج ؟
يقول العدو:
" كلما علا ضجيجكم ابتعدتم عنّي،
فوثّقت جذوري و توسّعت"
- لمَ هذه الجيوش؟
يقـــــول العــــدو:
" جيوشكم تحميني منكم"
- من هو القاتل؟
يقول العدو:
" القاتل منكم، و هو لي، يقتلكم
و من اجلي".
كيف أكون و أنتم في السهر لا في النوم؟
كيف أكون و انتم في النهار لا في الظلام ؟
كيف أكون و أنتم في الحرية لا في السجون؟
كيف أكون و انتم في اللغة، لا في الكلام؟
كيف أكون و أنتم في الفعل، لا في المهرجان ؟
كيف أكون و أنتم في العشق و الشهادة.
لا في الملك و التملك؟
كيف أكون و انتم في أقنوم الإشراق،
لا في أقاليم الأحزاب و الملوك؟

11

اوقفني في اليقظة و قال:
أباركك جسداً، فجسدك اشتهاء.
أباركك اشتهاءً، فاشتهاؤك سهر.
أباركك سهراً ، فسهرك عشق.
أباركك عشقاً، فعشقك عصيان.
أباركك عصياناً، فعصيانك تحرّر.
أباركك تحرّراً، فتحرّرك ولادة.

أباركك ما أن تُقتل حتّى تكون،
ما أن تصلب حتى تقوم.
و يقوم فيك الجسد الحي،
الماء الحي
الشجر الحيُّ.
ولهٌ بالنار و الهدم.
ولهٌ بالثلج و الزغف الأول.
ولهٌ يدمّرك ليبنيك، يقتلك ليحييك،
يبعثرك خارج ما أنت عليه، لتكون في الوحدة،
داخل ما أنت تصبو إليه.
ولهٌ يعذبك، فيضيئك الفرح.
وله يغسلك،
ولهٌ ينضّدك،
ولهٌ يثقّفك،
فلا ترى وجودك أجدى من سنبلة،
و لا ترى نجماً أعلى من قدميك.
و في العشب تقرأ السماء،
سفر التكوين،
و سِفر الملوك،
و أيضاً الأناجيل.
و في الماء تقرأ البلاغة،
بلاغة الماء فيك،
و بلاغة الماء في البراعم.
و تعرف أنك لا تكون في السماء و البلاغة إلا
أن تكون في العشب و الماء.
و بالعشب و الماء تكتب أسفارك التي لا سماء
إلا فيها.
تكوينك أنت،
و الملوك، كل الملوك،
في العي و الخاشعة،
لا في الجلالة و المقدرة.

هو العشب سهر الأرض عليك.
هو الماء سهري، لئلا تكون إلا في الجذر و النسغ،
لا في القشر واللحاء.
قلبك النبع يشربه العطاشى، و كلّما شربوا تدّفق.

جسدك الفعل،
أو ما يشبه البزوغ.
دمك الضوء،
أو ما يشبه العاشقة
لحظة اللقاء.
و أينما توجّهت رأيتني،

و أينما توجّهت رأيتك،
و كلنا ليس يكون إلاّ في الآخر.
تقودني لئلا أقع في نفسي، و يحجبني جذعي عنك.
أقودك لئلا تقع في نفسك، و يحجبك جذعك عني.
أقودك، لا لأتقدّمك، بل لأحلّ بك.
تقودني، لا لتتقدّمني، بل لتحلّ بي.
أتوّحد بك، فاكتشف عظمتي و أغتسل
باشتياقك إليّ.
تتوحّد بي، فتكشف عظمتك و تغتسل
باشتياقي إليك.
و معاً ندخل كوكبة الصباح،
ينهض فينا التراب،
و ينهض الشجر.
ينهض الحجر، و تنهض النار.
تنهض العصافير، كل العصافير المسكونة
بالخوف،
كل النهارات المقمّطة بالنزيف.
ما كان يشبه الأطفال،
ما كان يشبه العيون،
ما كان يشبه الأيدي،
ما كان يشبه الجسد،
ما كان يشبهني او يشبهك،
و ليس هو أنا،
و ليس هو أنت.
هل أنا في النوم أنا؟
هل أنت في النوم أنت؟
مسّني بجسدك لئلا أكون إلا في اليقظة.
مسّني لأتوهّج،
و يناديك الورد إلى سهر الورد.
يناديك العنب بي إلى خمر تصحو بها فلا
تنام.
يناديك لزنبق يلتهب في جسدي ما مسّه جسدك.
أناديك لتكون حضور الفعل،
لا حضور الكلام.
حضور الإصغاء،
لا حضور الضجيج.
حضور الماء،
لا حضور الرماد.
أناديك لتكون في الجسد، لا ما يشبه الجسد.
في الدم، لا ما يشبه الدّم.
في الحضور لا ما يشبه الحضور.


12

/ أوقفني في الماء و قال:
أنت النبع، و أنت الغمامة،
و في النوم تكون الرماد،
في السهر أو لك الندى، و ثمّ الطوفان./
بالندى تبزغ البذرة،
/ تعلّمك البذرة الكمون و فعل الصمت /
بالندى يشهق البرعم،
تنفرج التويجات،
تتألق الزهرة إغراءً للقاح.
/ تعلّمك الزهرة التغيّر و فعل التحوّل/
تصير الزهرة ثمرة،
/ تعلّمك الثمرة الفرح بفعل الحب/
تعلّمك الشجرة فطرة الحياة.
يعلمك العصفور نعمة الطيران.
يعلمك العشب شموخ التواضع.
يعلّمك الماء العذوبة و الغضب.
و آن لا تنحني، ينتمي إليك،
يسهر فيك،
و يخرج معك
إلى الطوفان.
طال انتظاري، فأيكما يأتي بالآخر، أنت أم
الطوفان؟
... أبداً تراهم يصنعون الفلك، أيُّ فلك ستحمل
هذا الذهب، هذه الطنافس،
النفائس،
البيارق، الطبول، العروش، المرايا،
و كل هذه الأسلحة....
و أنا بلا فلك،
لا أملك ما يثقلني فوق يديك،
أحبك و انتظر.
أعرف انك ستأتي،
أعرف أنّك في السهر مثلي، و مثلي تتشكّل في
النار والوجع.
يجوّعونك،
فـ/ تأكل من فوق بعدما كنت تأكل من تحت
رجليك/*
يقيّدونك،
يحاصرونك،
و أكثر من مرّة قتلوك، و دائماً تحمل دمي و تأتي،
و دائماً أنا أستقبلك و يخطفني شوقي إليك.
كيف أحبك كلّ هذا الحب، و لا تضيق بي قارّتي.
كيف أشتعل بك كلّ هذا الاشتعال،
و أتألّق نضارة.
كيف أكونك و لا أكونك.
أتوّحد بك و لا أصل إليك.
كيف أنتظرك، و أنت بي.
كيف؟
كيف أمحو الزمان و أدعو لمجالستي،
لمشافهتي
لملامستي،
للطواف بي،
و للبكاء من فرح.
كيف أقول بجسدي
فرحي بك عظيم،
و أنّك الواحد الذي لا يحصى،
العاشق، المعشوق
الذي لا اسم له،
و الذي يأتي بكل الأسماء.
ليس لزمانك زمان،
ليس لمكانك مكان.
و كيفما تموّهت يسقط عنك الحجاب و أراك.
في العشاق أراك، أعرفك و تعرفني،
آكل من راحتيك التوت البري،
و أنسى أنّي آكل و أقبّلك، فتنبت القبل كما
الشقائق في حقل جسدك.

و لحظة،
تضمّني كحمامة، رأسي على كتفيك،
و لا سماء
تتّسع لطيراني،
و لحظة،
أنسى أني في راحتيك، فأسرقك منك،
و أخبّئك مني.
كيف أخبّئك مني و لا أوشي بك لي،
و ماذا أقول عن ورد يتنفّس دمك؟
و ماذا أقول عن ماء أخضر ينبثق من وقع خطاك؟
ماذا أقول عن القبرّات التي ترتفع لترى عينيك؟
ماذا أقول عن البيلسان الذي يتبعك؟
ماذا أقول عن الصعتر و النعناع، و أينما كنت،
يدّل عليك، عبق الصعتر و عبق النعناع.

و لحظة،
أنسى أني أخبّئك مني،
و أختبئ فيك.
كيف اختبئ، و كل ما فيك يستبسل ليفوز بي.
كيف اختبئ بك، و فرحي يفضحني؟
كيف تختبئ فيّ، و فرحك يقنطر كموج.

13
... هو السهر،
و هذا ليل.
ليل كما المقبرة.
ليل كمما المقصلة. ليل كما الملوك، و اشباه الملوك.
ليل لا قمر فيه، و لا قنديل، ولا يراع.
ليل كلام، و ليل نيام.
نيام في الضجيج، كلام هو العتمة، يبايع سلطة
الضجيج، و ضجيج السلطة.
و السهر خروج على سلطة الضجيج.
الزهرة خروج على سلطة الجراد.
الثمرة خروج على سلطة الرمل.
الشجرة خروج الماء إلى الولادة،
و أنا و أنت خروج بالماء إلى الطوفان.
هو في الطوفان نبتدئ إشراق الذي سيأتي
بإشراق الجسد.
و إجلالاً للجسد،
نخرج عليه، نحرّضه ليخرج بالعري و
الفضيحة على الحشمة و الحياء الكاذب.
ندفعه إلى الرقص:
مرّة في النار، و مرّة في الماء.
مرّة في الحلم، و مرّة في الدّم.
مرّة ليغسل عيون من حوله، و مرّة ليغسل عينيه
ممّن حوله.
مرّة ليفرح لأنّه يطير، و مرّة ليبكي لأنّ من
حوله لا يطير.
مرّة ليحطّم الزجاج الأسود في العيون،
و مرّة ليحطّم زجاج نفسه و يتدفّق جنونه
بالعسل،
و عسله بالجنون.
هل يضاهي جسداً في الجنون، جسد من
خزف أو ذهب؟
جسد في الجنون ينتصر،
/ هو العشّاق و الشهداء/
جسد في الخزف يتقهقر،
/ هو الجيوش المهزومة/
جسد في الذهب، هو الليل، و سلطة الليل.
كيف لا أحبّك،
كيف لا تحبّني،
و لا نكون في جسدينا إلا في الجنون.
سهر في الجسد،
سهر في الجنون،
سهر في العشق و الشهادة.
سهر يشغلني بك، فأنسى جسدي و هو
يتشكّل فيك.
سهر يشغلك بي، فتنسى انك وصلت،
و رأيتني أتوسّد سرير لهاثك،
أتدثّر شفتيك،
و أغمض عينيك عليّ، فلا تراني، و تحلم بي.
و أنت تغمض عينيّ عليك، فلا أراك، و أحلم بك.
و ما بينك و بيني
إلا الحلم يزغف في الاشتهاء،
و إلا الاشتهاء يزغف في الحلم.
................
................
أسكرتني فأيقظتني.
ذهب العنب، و أينعت المسرّة.
ذهب الإغراء، و جاء الإشراق.
فلتمحِ المسافة بيني و بينك.
لا نهار في مسافة بيني و بينك.
هي تشبه الفراغ،
إلا أنها الموت.
هي تشبه الانطفاء، إلا أنّها سلطة الرماد.

14

قم اسهر
مع الورد في الدم.
قم اسهر مع الدم في الورد.
قم اسهر في جسدك، ليزدهي بك جسدك،
فلاا بقهرك ليل و لا تضطهدّك سلطة.
قم اسهر لياتمنك السهر على أسراره:
في الجسد
و الحب.
في الجنون و التحرّر.
كيف لك ان تنبت و أنت في الرماد؟
كيف لك ان تحلم و أنت في الضوضاء؟
كيف لك أن تطير أنت في النوم ؟
كيف لك أن تصل دونً ان تتقدّم؟
و إلى متى تتقوقع في خوفك
و يأكلك خوفك؟
إلى متى يزدريك جسدك،
يزدريك فلبك،
يزدريك حذاؤك؟
و خطوة بين الإحجام و الإقدام .
خطوة في الموت ، أو خطوة في الولادة.
خطوة في الليل،
أو خطوة في النهار.
ألا فلتسمع الحجر،
يقول الحجر : أتحرّك في داخلي،
و هذا بشري لا يتحرّك في داخل أو خارج.

ألا فلتسمع الشجرة،

تقول الشجرة: أقف عبر ذاتي و أمتدّ في فضاء
فوق، و في فضاء تحت ، و هذا
بشرّي لا يقف ، و لا فضاء له.
ألا فلتسمع الزهرة،
تقول الزهرة: أعلن اشتهائي، و أتعرّى فرحاً
للقاح. و هذا بشرّي يمارس
اشتهاءه بيده!
ألا فلتسمع الينبوع،
يقول الينبوع : أنبثق و اجابه شمس الظمأ.
و هذا بشرّي يخاف ان ينبثق و يخاف أن يجابه.
ألا فلتسمع العشب،
يقول العشب: لا أبدو ضخماً و عظيماً، و أنا سيّد هذه الارض.
ألا فلتسمع القبرّات،
تقول القبّرات : تلاحقنا البنادق و الكلاب،
و لكنّا نطير،
وكيف الحياة دون أن نطير؟
و أبداً النهر لا يسير في مجراه ، يغيّر و يتغيّر.
و أبداً البذرة في التربة ،
هي اليوم ليست بذرة أمس،
و ليست بذرة غد تغيّر و تتغيّر،
فكيف لا تغيّر و لا تتغيّر ؟
كيف تموت في الخوف،
قبل أن تموت ،
او
يقتلوك
كيف تنسى أنك ليس سلحفاة و تلبس قوقعة السلحفاة؟
كيف تنسى انك ليس من الدواب،
و تمشي على أربع؟
كيف تنّق و لا تنّق؟
كيف تغبّر ، و لا تخرج بغبارك
كيف؟




15

أغمض عينيّ لأراك،
لا أريد أن أراك حجماً، بل فعلاً و بلاغة فعل.
أصّم أذنيّ لأسمعك،
لا أريد أن أسمعك كلاماً، بل دماً.
أتمضمض بالجمر و أحدّثك،
هل تمضمضت و حدّثتني حديث السؤال،
اللغة سؤال عن بلاغة القلب.
النار سؤال عن لذة الاحتراق.
العشب سؤال عن جياد تصهل فيها البراري،
الجرح سؤال عن وطن مساحته النزيف.
الماء سؤال عن طوفان أخضر.
الحب سؤال
عن جسد تجمح فيه الخيول.
و أنا سؤال يجتاحك لئلا تسكن راحة الجواب،
و تكون السؤال الذي يتلوه سؤال.
الومض الذي يأتي بالومض،
الدّم الذي يتصّل بالدم.
اليقظة.
الاستيقاظ،
السهر،
السهر،
السهر...
سهر في السؤال يهزم النعاس.
سهر في الحزن، ليكون الفرح عميماً و مدهشاً.
سهر في الخوف، نعتاده فلا نخاف.
سهر في البحر، فلا يعلّبنا غياب.
سهر في الطفولة.
تسطع بها، و أسطع بها، فلا يحجبني عنك ليل.

ما أقرب دمي إليك،
ما أقرب دمك إليّ،
و ما من كلام يشوّه بسالة التقدّم.
و ين يديك أتأهّب لصيف يقطفني،
ثمّ يقطفني،
و كلّما قُطفت، تسلّقني ثمر يناديك
ليقطف.

كلّما قطفت تذكرت جسدي فيك،
فناديته لأخرج عليك.
ناديته لأحرّضك به عليّ.
لأعبّئك بناري فلا تنطفئ
لأعبّئ جسدي بك فلا يتوزّع، و لا ينهار.
أليس بجسدك يتوّحد جسدي يدخل التألّق؟
أليس بجسدك يتعاظم جسدي فتحضنه الفصول؟

كيفَ لتفاحي أن يتأرّج،
و يشتعل تأرّجه،
و فمك لا يمسّه؟
كيف لعنبي أن يتوهّج و يبّث سكره،
و نفسك لا يصيّف فيه؟
كيف للرّمان، ما أخبئ من رمّان، إن
تسوسح نكهته العصافير، و أنت ما عرفته؟
كيف بعيوني تطّل البحيرات، و ترتفع بي كل هذه
الأجنحة و أنت لا تسكنني،
كيف؟

كيف تلمسني و لا أتغضّر،
كيف تشمّني و لا أتضوّع،
كيف تقبّلني و لا أتكرّز بلقبل
كيف تضمّني و لا أطير،
كيف؟
و ماذا أقول عمّا لك عندي من ولهٍ يهيئني لك،
أشّف به فلا يراني أحد،
أحتجب به عن سواك...؟
يداي ممدودتان إليك، و كلّي نداء:
كن معي، فانتصر عليّ بك،
كن معي، فتنتصر عليك بي.

16

جاء الخوف، احتلّت عساكره البلاد،
و الأرض سبيّة لاهيَ في الحرب، و لا هي في السلك.
و ليل يرمس العيون بالحجارة.
أي طريق أسلك إليك؟
و الطريق كمين، و الخطوة هويّة.
أيُّ الجهات أختار؟
و كل الجهات تحتلّها العواصم للعدو.
أقول: الأطفال، فتلطمني الأشلاء و الدمى
أقول: الرجال، فيحاصرني المسوخ.
أقول: النسوة، فيجرفني دمع أحمر.
أقول البلاد، فأرى السجون،
و ليس ما فيها إلا العشّاق:
العصفور ة السنبلة،
المهرة و الأغاني،
الشمعة و الكتاب،
الزهرة و الندى،
و أنت يا حبيبي.
أعرفت لماذا أحبّك كل هذا الحب؟
لماذا ولهي تأهّب،
لماذا شوقي هجوم،
لماذا لهفتي رمح،
لماذا يلبسني الحزن كشوك
الصبّار،
لماذا يحتلّني الخوف و أتقدّم؟
تصفعني الخوذة و أتقدّم؟
تطعني الحربة و أتقدّم،
يخونني الأصدقاء و أتقدّم،
و لماذا أسهر معك، ولا يحجبني عنك سجّان؟
تسهر معي، و لا يحجبني عنك بعد، و ما بيننا
صباح يتصّل بصباح.
يفاجئك الورد و أنت تهّم بالطلوع إليّ.
يغسلك الورد فلا يراك الحرّاس.
تفاجئ الطريق، فتتوضّأ لك.
تفاجئ البيوت، فتنشرح بك،
تفاجئ الأبواب و النوافذ فتفتح
و تحييك، و تتبعك دهشة،

و يتبعك فرح،
و نسمع
ركض العساكر،
و ركض الليل،
ركض الضجيج و ركض الأسلحة،
ركضاً مذعوراً، كأنّه النفير لحرب،
و لا حرب.
... و أعرف أنّك الطريق إليّ.
أفتح الباب فتدخل،
كما الشهيق تدخلني و أنتعش بك.
كما الفجر تنهمر بي.
كما الدفء تطوّقني يداك.
أعرفتَ لماذا أحبّك كل هذا الحب،
و أخاف عليك مني.
أخاف على الورد من الدم،
و أخاف على الدم من الورد.
أيّنا في الورد؟
و أيّنا في الدم؟

أيّنا الذي جاء،
أيّنا الذي غسله الورد، فما رآه الحراس؟
أينا النداء و الرغبة،
أيّنا الحنو و الاستجابة،
أيّك أنت ، و أيي أنا؟
و ما أراه واحداً...
غلبنا التوّحد يا حبيبي.
17

حزنت
لأنّك تأخرت.
بكيت، فذهب الوهم، أشرق القلب و رأيتك.
هل تنبت البذرة قبل الأوان؟
هل غياب البذرة في التراب موت؟
ذهب الحزن، ففي الخاصرة وجع.
هاتوا ماء الورد، زهر الآس.
هاتوا ما يشبه السرير من تنهّدات
العذارى.
هاتوا ما يشبه المخدّة.
ففي الخارة وجع.
في التربة وجع.
في المياه وجع.
وجع تحبّه الامهات، تحبّه التربة، تحبّه المياه،
تحبّه الجذور و أغصان الشجر.
وجع أحبّه.
فهاتوا الكرز لأزقه لحبيبي.
هاتوا التفاح لأشمّ به حبيبي،
هاتوا العنب، اللوز، زهر النارنج،
و زهر البرتقال.
فالوجع يبشّر بقدوم حبيبي.
قيل لي:
و كيف يخترق حبيبك الحصار و يأتي؟
كيف يخترق الجيوش المعبّأة لقتله، لا للعدو،
و يأتي؟
حزنت،
بكيت،
و أشرق القلب.
و هل السفن تحاصر البحر؟
هل الجيوش تجابه الطوفان؟
و حبيبي لا يأتي إلا في البحر ، و في الطوفان .
لا يأتي قبل أن يتحرّر من نفسه و يصير ماءً.
لا يأتي قبل أن يتحرّر من مائه و يصير ناراً.
لا يأتي حبيبي،
بعد و لا قبل الصباح.
/ لا يأتي قبلي و لا بعدي/.
و الجيوش لا تنهزم أمام حبيبي، لأنها في
الضعف و الرخاوة، بل لأنها تحاربه لتجلس في
الطغيان.
و حبيبي يحارب لئلا تجلس الجيوش في
الطغيان:
الخوذة فوق صدر العصفور.
الحافر على عنق الوردة.
و بالجراد تُهتك الحقول، كل الحقول.
بالرمل تُرّوع الغابة،
و الطاووس حربة تطعن ظهر النهار،
و بالعقرب يحتفي المهرجان!
لا يأتي حبيبي قبلي، لأنّه يسكنني.
لا يأتي حبيبي بعدي، لأنّي أسكنه.
لا يأتي حبيبي بعد و لا قبل الصباح.
يبشّر به الوجع،
يبشّر به همس يتعثّر من خوف.
دمع يتأرجح و لا يسقط،
جرح يتأزّم،
جرح ينزف،
و جمر في العيون.
و العشّاق يسهرون مع حبيبي،
ينتظرون الوقت،
لا قبل و لا بعد الصباح.
يا سهر الورد يا حبيبي.
يا سهر الدّم يا حبيبي.
كيف أبوح باسمك، و أنت لا اسم لك؟
كيف أقول أنّك الماء، و الماء ليس أنت؟
كيف أقول أنّك النار ، و أنت من طفولة
لا من نار.
كيف أقول أنّك الصباح، و الصباح بعض
ما ينبثق منك
في العشق
و إشراق الجسد

كيف أقول لك باللغة لا بالكلام،
و أخاف أن
أبهر فلا أراك.
18

جاء الضجيج، استنفر العشيرة و الطبول،
لقّم بنادقه و أطلق.

فرح الرصاص لأنّه صار الكلام
فرحت العشيرة لأنهّا صارت الرصاص.
فرحت الطبول،
فالإصغاء يشّيعه الضجيج.
تقول له :
رأيت الضجيج يفترس الأطفال و يقهقه
رأيت عشيرته تحتّل المدن ، تحتفل بنصر
الهزيمة.
رأيتها تعجن ضجيجها بصليل العدو
و تصنع خبز الفقراء.
رأيتها تُقسر الفقراء على الإحساس بالشبع
من خبزٍ طحينه الكلام و ملحه زبد.
تقول له:
كيف ينتصر الإصغاء على الضجيج؟
كمون البذرة على عراضة المنابر؟
صمت الفعل على ضوضاء الكلام؟
كيف؟
...................
...................
أتسلّق سهري،
و في الخاصرة وجع.
كيف أصلك قبل الوصول، فلا يكن لوصولي
إليك إلاّ
معنى حبّي لك،
الحلول،
الكمون،
الإصغاء إلى سهرك
المتفرّد،
إلى عزفك المنفرد.
شرقّي هذا العزف و حميمّي،
فرح يبكي من شدّة الفرح.
حزن يقهقه من شدّة الحزن.
شرقيٌّ هذا العزف و فجائعي،
وطن تغزوه جيوشه،
شعب تحتلّه ملله.
شرقيٌ هذا العزف و جنائزيّ،
ليل يمشي في جنازة النهار!
رمل يمشي في جنازة الغابة!
كلام يمشي في جنازة اللغة!
قاتل يمشي في جنازة القتيل!
شرقّي هذا العزف وشاهد على حراب تغرف الدم،
على دم يغرف العيون،
على عيون تغرف الفجائع.
شرقي هذا العزف
يصل دمعي بعينيك، جرحي بمساحات
الألم فيك،
الطعنة بالطعنة،
النزيف بالنزيف.


كييف لي أن أسميّك ، و لا تُشهر بك الأسماء؟
كيف لي أن أناديك : يا حبيبي،

و لا يُرشد إليك النداء؟
كيف أتقدّم مني إليك، منك إليّ، و لا
تُجهرني الإضاءة
لا يدّل عليّ عشب ينمو،
عشب يتأرّج ،
عشب يفرش الطريق.
كيف لي أن أخبّئك كياسمين في عبّي.
كفل قبل الأوان،
و لا يفضحني خوفي عليك.
كيف لي و الليل في كل مكان.
شرقيٌ عزفك يا حبيبي،
الفرح يبكي من شدة الفرح .
الحزن يقهقه من شدّة الحزن.
شرقّي هذا الليل،
شرقّي هذا القتل،
شرقيٌ هذا الضجيج المتجمهر ضدّ العزف،
و ضدّ الإصغاء.
تسأل...
إلى أين تفرّ الزهرة من الضجيج؟
إلى أين تفرّ البذرة من الضوضاء؟
إلى أين أفرّ أنا و أنت من سلطة الكلام،
و كلام الاستبداد؟
يقول:
بفرار الصامتين يتغذّى الضجيج، يقوى و يتسّع.
السهر رفض للفرار،
عصيان على النوم.
الزهرة تسهر في التحوّل.
الزهرة تسهر بهمّ البزوغ.
لا فرار،
بل الخروج بالإصغاء على الأنا،
خروج بالإصغاء على الجسد،
خروج بالفعل إلى الإشراق.
خروج من فضاء الجذور،
إلى فضاء الأغصان.
من فضاء الأغصان إلى فضاء الثمر،
من فضاء الثمر، إلى فضاء العصافير.
الاصغاء خروج بالعشق من الكمون إلى
المواجهة.
خروج يطفح باللقاح،
فتشتهي الأرض بجسد أشهى من جسدها.

تشتهي الخمائل،
تشتهي الينابيع،
تشتهي الغابات،
تشتهي الأعشاب،
أن تكون في جسدك يا حبيبتي.
و أشتهيك يا حبيبتي،
كما يشتهي
الينبوع
السفر بعيداً
عن نفسه
ليرى نفسه
في الغضارة و النماء،
في التجليات العظيمة،
للعشق العظيم.

19

صحوتُ حين قبّلتني،
و حين غسلني العناق،
صحوت على جسدي يحتفي بك.
و من شدّة احتفائه بجسدك،
انشغل بك عنّي،
تحرّر بك منّي.
فما عدت أعرف،
أجسدي الذي فرّ مني إليك،
أم أنا الفررت لأحتفي بجسدي فيك؟

يا سهر الورد يا حبيبي.
آنَ مجيئك، و ما جئتَ.
أأنت الذي تأخرت،
أم الوقت الذي تأخّر؟
- و الوقت لا يأتي قبلك و لا بعدك-
من غيرك الوقت الذي ننتظر؟
من غيرك الذي يلبسه الغمام و يشتعل بالمطر؟
من غيرك الذي يتفوّه باشتهائه الربيع؟
من غيرك الذي ينضج بنفَسه الثمر؟
من غيرك يا حبيبي؟
من غيرك الذي لقدومه أصفّق مع الأطفال؟
من غيرك الذي فرحاً به، أطير مع القبّرات؟
من غيرك يا حيبيبي الذي انساه ليرسمه الحلم،
من غيرك يا حبيبي الذي أمحو،
و كلّما محوت أشرق.
من غيرك يا حبيبي،
من غيرك يا وطني،
الذي ننتظر؟
.........................
.........................
قيل لي:
خدعك الوقت، فحبيبك لن يأتي.
بكيت،
سقط الضجيج،
صحوت،
فعمّ الإصغاء، و انكشفت الرؤيا.
لم تكن شفتي في الظمأ،
لم يكن القلب في الانطفاء،
لم يكن الجسد في النوم.
كنت في الورد،
و السرير حمامة بيضاء
تهمس برائحة السنابل.
/ بحبيبي يأتي الورد،
و وحده رائحة السنابل/
وحده الورد يسهر بي،
يحتجب ليتأهب،
يغيب ليعود،
و هل يتخلّف فصل عن الحضور بأوانه؟
كذلك حبيبي.
هو الآن يتعلّم في كمونه لغة الماء،
و لغة الزبد،
لغة النار،
و لغة البرق،
لغة لحياة،
و لغة الموت،
يتعلّم حبيبي،
لئلا يأخذه الباطن فيغفل عن الظاهر.
و لئلا يغويه الظاهر فيسقط فيه الباطن.
هو الآن في الكمون و يشهد افتراسية الخارج.
هو الآن في الإصغاء و يمتلئ بصحوة الداخل.
هو الآن،
يعبّئ ضوءه بالدم،
يشحذ أقماره في الجسد.
هو الآن،
يتحّد بجرح أكبر منه،
بهمّ يشتعل فيه.

20

يقول الجوع:
أنتظره، و تجيء به السنابل.
يقول العطش:
أنتظره و يجيء به المطر.
يقول الورد:
أنتظره، و يجيء بالدّم.
تقول العاشقات،
الأمهات:
ننتظره، و يجيء،
ربما بعد غد،
ربما غداً.
كيـــــف أكــــونك، و أحبّك كلّ هذا الحبّ،
و أشّك أنّك
تجيء.
و هل تجيء إلا بي،
أنت النسغ و أنا الشجرة.
أنت الشجرة و أنا النسغ.
لا تجيء من الجهات،
و تنبع من القلب.
لا تجيء من الأسماء،
و يعرف اسمك العشّاق و ينادونك:
يا سهر الورد.
لا تجيء من الكلام،
و يعرف اسمك الشهداء و ينادونك:
يا شهيد الإشراق
لا تجيء من الضجيج،
و تعرف اسمك البذور و تناديك:
يا نعمة البزوغ.
لا تجيء من الليل،
و نعرف اسمك و نناديك:
يا صباح النور،
يا صباح الخير،
يا صباح الأطفال،
يا صباح الفقراء.
يا صباح الفل و الزنبق،
يا صباح الوطن.
لا تجيء إلا بي،
و أناديك يا سهر الورد، يا حبيبي
لتخرج مني،
و أخرج منك،
و نلتقي في عيون تنتظرك و تنتظرني...
مرٌ طعم الانتظار يا حبيبي،
و أشدّ مرارة طعمه و الخوف مخالب تنهش اللحم،
و تبتّز الروح
مرٌّ الخبز
مرٌّ العسل،
و الذي يأكل يدّب.
مرٌ الوجع بلا ولادة،
و حلو،
حلوٌ،
حلوٌ،
سهر الميلاد.
فرحٌ يسبح فيه البحر،
فرحٌ تزغرد به أحشاء التربة.
فرحٌ ألاقيك فيه لأعرفك كما لست أعرف.
و كلّما عرفت نسيت.
و كلّما نسيت اشتقت لعرفان آخر.
عرفان خارج الذاكرة، و في الجسد.
خارج الامتلاك، و في القلب.
عرفان لا يعقبه نوم.
عرفان لا ينتهي لراحة.
عرفان أنسّل به إليك،

و أولد فيك.
اقترب منك لأبتعد عنّي.
/ فلا يشوّش جسدي إصغائي إليك/
تقترب منّي، لتبتعد عنك،
/ فلا يشوّش جسدك إصغاءك لي/
عرفان يقضّ جسدك، ليبنيك في جسدي
و يقضّ جسدي فلا تمسّني في اللحم و الدّم
و تلمسني في الغضارة كما في النمو،
في الينبوع كما في الماء،
في نفس العشب، و نفس العشّاق.

في اللهب تتبرّد بي،
في الثمر تتدفأ بحلاوتي.
في الورد تشمّني .
و يشمّ فيك الورد سهر الجسد في الحلم و الطفولة،
في البسالة و الاستشهاد.

يشمّك الورد فيتحرر به العبق.
يشمّك الدّم فيتحرّر به الضوء، و يخرج بجمهورّيته
على الظلمات.....

21

يا سهرنا في الجسد،
يا سهر الورد يا حبيبي.
كيف اخترقك و لا أدميك.
كيف أدميك و لا أجرحك.
كيف أحترق بالشوق،
أترّمد بالانتظار،
و كلّما احترقت غضرّتني.
و كلما ترمّدت، بعثت بي.
و لما اشتدّ الحصار عليّ، تهيّأت بك
لاستبسال أعظم.
أصير موتاً تتجدّد به الحياة.

فأنّى لمستني، لمست النضارة و الاحتراق.
و أنّى قبّلتني، قبّلت الوله و الضراوة.
و أنّى شممتني، شممت الياسمين و مهرة البراري
و أنّى اختطفك وجدي، علوت بك لترى كم
الأرض ضيّقة على جانحي، امرأة في العشق.
كم الأرض ضيقة على جسدي في إشراق الجسد.
أنا البذرة،
الشجرة،
الزهرة،
الثمرة،
و أنت الجذر و النسغ.

لا قضاء لي إلا بك.
لا قضاء لك إلا بي.
لا وطن لنا إلا في العشق.
أعرفت لماذا أفرّ إليك من هذا المهرجان؟
لماذا أمتلئ بك، و أتكاثر فيك؟
لماذا أرسل قامتي في الرمح،
و جسدي في النار؟

لماذا،.....
لماذا أصون عطشي عن ماء ليس منك؟
/ كيف يسموّنه الماء، و هو الرمل
أو ما يشبه الجراد.
السراب،
السراب،
السراب/
إلبسني كعباءة من عشب أخضر،
ليتعلّم الأطفال أبجدية الينابيع،
بلاغة الماء، و جسدك زورق يعبرني.
زدني بمائك،
-عفواً-
زدني بقبّلك لأفيض.
فتغتسل الأرض من يبس،
تغتسل الشمس من رماد،
فينهزم الظلام،
ينهزم الرمل،
و عساكر الرمل.

زدني بقبلك لأفيض،
فيتعمّم صباحي.
يتأيّل أريجي،
تتحرّر خيولي،
و تنتصر الألف...
كيف أكون كلّ هذا الاشتهاء، و لا يكون بي
الصباح.
كيف أكون كلّ هذا الوله، و لا يقوم بقيّوميتي
البحر.
كيف أكون كل هذا الجسد، و لا يأ كل خبزي
الفقراء.
كيف أكون كلّ هذه الأمومة، و لا يخرج أطفالي
بالنهار على الليل.
كيف أكون و تكون حبيبي،
و يغلبنا النوم و الظلام.
ألا، فليقم بك التأهّب:
ما كان وردة كأنها الدم.
ما كان سنبلة كأنها الجرح.
ما كان شجراً موجوعاً باليبس.
ما كان حجراً مسكوناً بالألم.
ألا،
فليقم بك الرميم،
ما ملت و اغتسل بالموت من شقاءٍ
كان فيه:

الأيام في الرماد.
الفصول في العنوسة.
الأنثى في الحلي و الخزائن.
الذكر في التسلّط و التملّك.


ألا،
فليقم بك البحر:
الأطفال، أو النوارس المحجورة عن
الطيران.
الفقراء أو الدلافين المدجّنة.
البنات، أو الموجات المعلّبة.
الفتيان، أو المراكب الموقوفة للطحالب.
الرجال، أو ما في السجون و المنافي.

ألا،
فليقم بك الطوفان،
بسالتك و بسالة الماء في الغضب.
بسالتي و بسالة العشق بي.


/ أوقفني في السهر،
فتأهّبت في الورد
و الشوك.
تأهّبت في التراب و الماء.
انبثقت ناراً في كل غصن.
انبثقت من كلّ دم.
و في الحجر بزغ جمري.
و جاء النداء من كلّ الجهات.
فبأيّها أكون؟



قال لي:
من سهر لا تحيّره الجهات،
فالإشراق من قلب، لا من صوب/

22
دمك الورد.
دمك الشقائق،
و بتنفسّك يتنفّس الصباح.
جسدك دفاتر النهار،
حقول القمح.
و قامتك ألف الأبجدية، رمح الفقراء.
و أنت من البحر، و من البحر يأتي الطوفان:
ماء من فوق،
ماء من تحت،
ماء من كلّ الجهات.

ماء يغسلني فيك، فأنسى أني ولدت قبل الآن.
ماء يغسلك فلا تُرى إلاّ في العشق و الشهادة.
ماءٌ يتذكّر أنّه منك فيرسمك
مرّة كالغمام،
و مرّة كالينبوع.
ماءٌ لا ينسى أنّه منّي، فيرسمني
جسداً في الاشتهاء.
جسداً يشكلّه الطيران،
فتعرف لعاشقة،
الوجه الذي لا يغيب،
ضوء الأيام،
و فيض الثمر.


و .... تعرف بي،
حلماً يستيقظ في الأصابع، و يتسلّقني عاريةً
إليك.
كيف قرّبتني، و حين لمستك لمست غضارتي فيك؟
كيف أبعدتني، و حين ناديتك إلتفت
اشتعالك بي؟
يا ولهي القيّوم،
أيّها المقتول الحيّ.
أيها الغامض المعلن السرّي.
أيها التأهّب،
الاستعداد.
أيّها العاشق الذي يغزوني لأنتصر، يحتلّني لأتحرّر.

/ و كلّما غزوتني أكثر، أسّست
سيادتي فيك.
و كلّما احتلّيتني أكثر، تحرّرت
منك و مني/.
و كلّما تقدّمت بي في الموت، تقدّمت بي في الحياة.
هل الموت بذرة الحياة،
أم
الحياة بذرة الموت؟

كيف ألبس جسدي ليليق بك و أنت قي
الاستشهاد،
لحظة الموت العظيم،
و الحياة العظيمة.
لحظة الضوء في الجسد،
و الجسد في الضوء.
لحظة يعترف الصباح، أنّه من نقطة في دمك.
لحظة يعترف الورد، أنّه بلاغة الجرح فيك.
لحظة تعترف السنابل،
العناقيد،
و ثمر متوهّج،
بما لك فيها من نعمة النضوج.

كيف تكون كلّ هذه السنابل و ليس من بيادر.
كيف يكون كل هذا العنب، و لا نبيذ يغسل ظمأ
الجرار، و ظمأ الشفاه.
كيف يكون كلّ هذا الثمر، و يشتهي الطفل ثمرة
تشبه الكرز،
أو
تشبه التفّاح.



كيف تكون كلّ هذه المدن،
كلّ هذه القرى،
كل هذه البلاد،
و لا عصفور يطير،
و لا ضفدع ينّق.

كيف كلّ هذا الدّم، و لا يأتي أوان الورد؟
كيف تكون العاشقة في السهر، العاشق في السهر
و لا يكون الجسد.
لا يكون في الجسد صباح
و لا تكون في الصباح قبّرة،
لا يكون ندى، لا تكون زنبقة.


كيف أقرؤك
في وجوه الفقراء،
و لا تغلب لغتك الكلام.
ألا يغلب الماء العطش؟
/ أم هذا زمن يغلب فيه العطش الماء؟
و يدّعي الرمل أنّه الحقول.
و يدّعي الليل أنّه النهار.
و لكثرة ما يردّد الضجيج كلام الرمل و كلام الليل،
ينكر الضجيج انّه الضجيج،
و يدّعي أنّه اللغة./
نسّني الكلام،
نسّني اللغات،

فلا أكون إلا فيك.
يرّتلك جسدي، فيقوم فيك الجمع بصيغة الفرد.
و فك يتوّحد الباطن و الظاهر،
يتوحّد الماء و النار،
الذكر و الأنثى.
و يتبعك نخيل، هو لعصيان.
يتبعك سروٌ، هو المجابهة.

يتبعك حجرٌ كان حجراً و صار يشبه الجرح.
( وصل الجرح أقصاه. هو الآن أكبر
من الوطن، أكبر من الملايين،
يشتعل نزيفه و يطفح دمه بالحرائق)
أيها المعشوق الجرح.
أيها السّر العظيم.
ما يشربه القلب فيفرح.
ما يغسل وجع الجذور،
فلا تكون إلا النضارة،
ما يغسل الرماد،
فلا يكون إلا لهب و جمر.
ما يغسل الغبار،
فلا يكون إلا ما هو في التألّق،
أو
في التأرّج.
ما يغسلنا من خوف.
ما يغسلنا من ضجيج.
ما يغسلنا من عدّوٍ فينا.
ما يصل الجرح بالجرح.
ما يصل الدم بالورد.
ما يصل الورد بالصّباح.
ما يصل الصباح بأجنحة الأطفال،
و فضاء العصافير.
ما يصلنا بوحدة الجسد.
يؤرّقني،
يوجعني،
آه كم يوجعني الانتظار يا حبيبي،
فتعال.

ما قالوا عن السهر وردي


يقول د. عبد الرحمن بدوي أن السهروردي المقتول قال أن العالم عالم قهر، القهر للإنسان تحت سلطان قوة مستورة جبّارة.
و إنّه عالم سلب يضع الحدود في وجه كل اتساع أمام الممكنات فلا تلبث ان ترتد إلى سرابها.. و في هذا السرداب تتفجّر عيون الخطيئة، لكن الوجود خطيئة، و تضطرم الشهوات، لكنّ الشهوة سرّ الحياة، و يسود اللامعقول، و لكنّ اللامعقول هو المنطق الأكبر...
و هذا اللامعقول الأكبر من معايير و قيم إن صلحت للأنذال فلا تصلح للممتازين الحريصين على التفرّد و تحقيق المعنى الصحيح المليء للحرية...
يرى الأب جومس نوجالس أنّ الخاصيّة الأولى لإنتاج " السهروردي " العلمي متمثّلة على وجه التركيز في آية قرآنية هي:

" الله نور السماوات و الأرض، مثل نوره كمشكاة قيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب درّي، يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية، يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء"
سورة النور
فكلّ شيء يصبّ في النور الإلهي، نور الأنوار
الذي تنبع منه شلالات الضوء و تشّع في الآفاق اللانهائية، دون أن تكّف في أي لحظة عن العودة إلى مصدرها الأصلي بقوّة جذبه الاشراقيّة، فالسهروردي لا يعتقد إلا بوجود حكمة واحدة، هي التي تمدّ كل التقاليد الصوفية، التي لم تنقطع على مرّ التاريخ الإنساني، بغذائها الدائم من العباقرة، و لهذا ينبغي أن نذهب باحثين عنها عندهم جميعاً كي نستفيد من الضوء الذي يتألّق منهم...

يكتب الدكتور حسن حنفي عن حكمة الاشراق، و يخلص على القول:
ليس صحيحاً إذن ما يراه بعض المستشرقين من أنّ حكمة الإشراق إن هي إلا تفسير لمثل أفلاطون، لأنّ للسهروردي موقفاً نقدياً منها. و المثل نفسها ليست خاصّ’ بأفلاطون، لأنّ للسهروردي موقفاً نقدياً منها. و المثل نفسها ليست خاصّة بأفلاطون بل موجودة في كلّ تصوّر إشراقي كوني للعالم كما أنّ الحقيقة و المجاز ليس لهما أي مضمون أفلاطوني بل هما أحد المفاتيح اللغوية في نظرية التفسير الصوفيّة و الموجودة في كل تصوّف إسلامي أو غيره في نظرية المثل النوريّة الثابتة و يضع بدلها نظرية الصور المعلّقة التي تجمع بين النور و الظلمة.
و كذلك ينقد السهروردي أفلاطون لاعتماده على منهج النقل لأنّ منهج النقل معارض للمنهج الذوقي الذي يأتي منه العلم مباشرة إلى القلب دون حاجة إلى رواية، و في ذلك يقول الصوفية للفقهاء " أخذتم علومكم من ميت إلى ميت و أخذنا علومنا من الحيّ الذي لا يموت"

أو كما يقول ابن عربي" عن قلبي، عن ربي، أنّه قال"...

في الكتاب التذكاري لشيخ الاشراق الصادر عن الهيئة العامّة للكتاب- القاهرة – 1974 يكتب الدكتور سيّد حسين نصر:

إلا أنّ شيخ الإشراق إشراقه لا يقتصر على شرق دون غرب، أو يستطيع مكان أن يحصره و يختصّ به دون سائر الجهات، فهو كلي مشاع في عالم الفكر عامة، و في هذا النطاق الذي تجتازه المآذن المكبّرة بأصواتها، المتلاحقة بين الدقيقة و الأخرى ، و هذا لأنه أولاً: أول من رفا بأنامله العارفة و خيوط أفكاره النورانيّة ثوب الفلسفة و لاءم شقيها فجمع الميراثين المختلفين شرقاً و غرباً في حجر الإسلام.
و لأنّه ثانياً: أول حكيم يعانق بروحه قمم الفكر الشامخة في آفاق الحقيقة فوق سحب القول، و هناك يتوافر له الامكان في ربط الكلام و الفكر الإنساني بالكلام و الفكر الإلهي، فيربط الحكمة بالقرآن الكريم بأمتن العرى و أجمل الوشائج، فلا تراه في فقرة من أثر من آثاره إلا متدرّجاً صاعداً حتى يتوّج مسيرته الفكرية بالآية القرآنية مستشهداً بها في جلالها و عظمتها.

و لأنّه ثالثاً: صالح الإنسان نع نفسه و جمع شقيّه إلى بعضهما فأحيا الرابطة العميقة بين العقلو العرفان، أو بمعنى آخر بين النطق و العشق، ثمّ أنّه قدّم لنا هذا التآلف و الانسجام بين العقل و العرفان و الدين، في آثاره الجميلة بطريقة لا تقصر في الإعلان عن روعتها في كل كلمة تقبّلها عين القارئ أو تعانقها روحه بذراعي فكره وقلبه.
و أخيراً و ليس آخراً و لأنّ السهروردي هو الذي جعل الفلسفة

الإسلامية إسلاميّة بالمعنى الأعمق عمّا كانت عليه من قبله.


" ليس لحكمة الإشراق عند السهروردي و الاشراقيين أي معنى جغرافي أو فلكي نسبة إلى شروق الشمس أو هبوط النجم في مقابل الغرب، غروب الشمس أو هبوط لنجم، يمثل ذلك صوراً ذهنية، لا تعني حكمة الإشراق إلا معنى نفسياً خالصاً، أي إشراق النفس و حضور العلم الكشفي بل أنّ حكمة الإشراق لا تعني ما قاله هيجل عن " معرفة الصباح" أو ما قاله يعقوب بوهيمه ، عن " جوهر الفجر" فكل الصور حسيّة مجازيّة للدلالة على الإشراق الروحي.

و لا يعني الإشراق أيضاً المعنى الفلسفي الخالص كما هو الحال عند هيدجر، أي الكشف عن الوجود، أو كشف الوجود، بل هو انكشاف الحقيقة في النفس، فالإشراق لا يتحدّث عن مادّة المعرفة أو موضوعها بقدر ما يتحدّث عن منهجها..." فحكمة الإشراق منهج بالرغم من أنّ السهروردي لا يستعمل اللفظ، بل يستعمل لفظ " طريقة" و هو اللفظ المفضّل عند الصوفيّة يدلّون به على الطريق إلى الله.

د. حسن حنفي عن كتاب " شيخ الاشراق" شهاب الدين السهروردي.
يكتب الدكتور عثمان يحي عن "السهروردي" فيقول:

من مظاهر الأصالة في التفكير السهروردي بل من أبرز هذه الأصالة على الإطلاق، هو جمعه الموفّق المحكم بين الفلسفة و التصوّف، أو بتعبير أدق: بين البحث النظري و الاختبار الروحي. فبحسب النظرية السهروردية أنّ المجهود الفكري للنفس الانسانية، لا يحقّق الغاية المرجوّة، التي هي المعرفة التامة، إلا بالتجربة الداخلية و الذوق الباطني.

كما أنّ الاختبار الروحي، بدوره، لا يزدهر و يرسخ، و ينتج ثمراته المطلوبة غلا إذا قام على أساس ثابت من العلم و الفلسفة.

إنّ الكمال المطلق لرجل الفكر و الروح، هو في هذا " الزواج السعيد الأبدي" بين مطالب العقل، التي هي المعرفة الكليّة و مطالب القلب، التي هي المحبّة الشاملة، و سبيل المعرفة: العلم و الفلسفة. و طريق المحبة: التصوّف و الإحسان.













لمحة عن السهروردي

" ولد شهاب الدين بن حبش السهروردي في عام 549هـ/1155م في مدينة" سهرورد" الواقعة في الشمال الغربي من إيران. و المدينة آنذاك كانت مزدهرة إبّان الاضطرابات المغولية.
" درس في حداثته الباكرة في مراغة بأذربيجان ثمّ قدم أصفهان و تركها ليمضي بضع سنوات بتركيا. ثمّ انتقل إلى سوريا، و بدأت مأساته و انتهت في قلعة حلب. و كان له من العمر ست و ثلاثون سنة.

" و جاء ذكر السهروردي بصورة مفصّلة في طبقات لأطباء لابن أبي أصيبعة / ص 652/ الذي ولد بعد مقتل السهروردي باثنتي عشرة سنة في دمشق. و يعتبر الكتاب من أوثق المصادر التي تحدّثت عن الشيخ الشهيد.
" بقول الكتاب: كان أوحد أهل زمانه في العلوم الحكميّ’ جامعاً للفنون الفلسفية بارعاً في الأصول الفلكية، مفرط الذكاء، جيّد الفطرة فصيح العبارة لم يناظر أحد إلا بزّه...
" و في كتاب ابن أبي أصيبعة قصص عن السهروردي تشبه تلك التي تروى عن الحلاج، و كلّها توحي بالهالة القدسية التي نسجت حول شخصيّة السهروردي في ذلك العصر.

" ناظر فقهاء حلب و لم يجاره أحد فكثر تشنيعهم عليه، و عملوا محاضر بكفره و سيرّوها إلى الملك الناصر صلاح الدين فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتاباً يقضي بقتل" السهروردي" و ذلك بأواخر سنة 586 هـ.
" و يذكر ابن أبي أصيبعة أنّه وجد مكتوباً على قبره بظاهر مدينة حلب.
قد كان صاحب هذا القبر جوهرةً
مكنونة قد براها الله من شرف فلم تكن تعرف الأيام قيمته
فردّها غيرةً منه إلى الصدف
" استضاف " شيخ لجبل " سنان راشد الدين السهروردي في مصياف و حذرّه من لؤم " علماء!" الجهل و الجاهلية، و ما يدبّره كيدهم له..
و كان اللقاء الأخير بين الشيخين..
* ...
و أرواحهم في رعشة من جسومهم و أكثر دنياهم عنا وبال
و ما حصلوا من علمهم طول عمرهم سوى قولهم في الكتب قيل و قالوا
فكم قد رأينا من رجال و دولة فمالوا جميعاً مسرعين و زالوا
و كم من جبال قد علتها ضبابة فزالت سريعاً و الجبال جبال.
_من قصيدة لشيخ الجبل سنان_
إشارات
" قصدت أن تكون هذه الجملة على سياق/ أخجل منّي لأني لم أمت و كنت أخجل أكثر لو أني متّ/ لسمير الصايغ من " مقام القوس و أحوال السهم" للدلالة على أحد الإشكالات المتأزّمة" للصوفيّة الجسدية" مع الظاهر.. و هو ما يتواصل، سريّاً، مع الأقنوم الأول. القتل. في" مونادا دمشق" .

** قول لمحي الدين بن عربي.
صدر عن دار الف للكتابة الجديدة
و النشر الفني
رواية
حارس الخديعة
خالد خليفة- بيروت 1993
-قصص-
الانقلاب الصيفي
أحمد اسكندر سليمان – بيروت – دمشق 1994
-شعر-
تأبين البحر
عهد فاضل- بيروت – دمشق 1995
أقليات الرغبة
أكرم قطريب- بيروت- دمشق 1998
أنوثة الإشارة
خضر الآغا – بيروت – دمشق 1998
الصامت لديّ
ميّاسة دع – بيروت – دمشق 2000
كتاب العشق
إشراقيّة العشق لجنوبي
بيروت – دمشق 2000
محمود السيّد
- نصوص –
سهر الورد
نص بتجليّات السهروردي في الورد و الدّم
دمشق بيروت 1998
تتويج العشب
نص احتفالي بآلاء الجسد و إشراقاته
دمشق – بيروت 1998
محمود السيّد
-النشر الفني-
منحوتاتي الناطفة
دمشق – بيروت 2002
همام محمود السيّد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق