الخميس، 11 يونيو، 2009

كتاب روائع الطب الإسلامي

 

روائع الطب الإسلامي

 

الجزء الثاني

[العبادات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع]

 

تأليف

العلامة الدكتور الطبيب

محمـد نزار الـدقر

اختصاصي بالأمراض الجلدية والتناسلية والعلاج التجميلي

 دكتور " فلسفة " في العلوم الطبية كاتب متخصص في الطب الإسلامي

 

 

 

أخوتي الشباب ساهموا معنا في ترجمة الكتاب إلى اللغات العالمية

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الكتاب فقط للقراءة يمنع نسخ الكتاب أو الاقتباس لأغراض تجارية كما يمنع نشر الكتاب على موقع آخر

 يسمح فقط بنسخ الكتاب على ورق  وتداوله لغرض العلم والتعليم

 

 

 

 

 

بين يدي الكتاب

الحمد لله الذي هدانا لإتباع هذا الدين القويم،والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد r،الذي بلغنا هذه الشريعة الغراء التي لم تترك أمراً صغيراً كان أم كبيراً في حياة البشر إلا ونظمته بما يليق بعظمة الخالق سبحانه،المنزل لهذه الشريعة التي تصلح لكل زمان ومكان،وبما فيه من السعادة لكل من اتبعه في دنياه ولنصل به إلى بر الأمان في أخراه.

لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان على هذه الأرض ومن ثم جعله خليفته فيها وسخر له كل ما فيها.وخلافة الإنسان في الأرض،إنما تتحقق بحسن عمارتها وإصلاحها وحمايتها.ومن أجل ذلك منح الله سبحانه وتعالى الإنسان من المؤهلات من عقل وجسد قوي ما يمكنه من أداء هذه المهمة،وأنزل الشريعة تلو الشريعة حتى يتمكن الإنسان من حفظ هذه الضرورات لتستقيم خلافته وفق المعطيات التي وضعها الخالق المصور لهذا الكون.

وهكذا فإن حفظ النفس وسلامتها وصحة الجسد ملحظ هام أعتبره الفقهاء أحد مقاصد الشريعة الغراء والتي نزلت من أجلها.ومن خلال البحث المنصف نجد أن تشريعات الإسلام كلها تولي هذا المقصد "حفظ البدن وصحته" مكانة خاصة،لا بل نجده ركناً أساسياً في معظم هذه التشريعات.ومن هنا نفهم كيف جعل النبي r نعمة الصحة والعافية تلي نعمة الإيمان في الأهمية،وذلك فيما رواه الصديق tعن النبي r قوله:"سلوا الله اليقين والمعافاة فما أوتي أحد بعد اليقين خيراً من العافية".

وتتطابق نظرة الإسلام للصحة مع المفهوم الحديث لها.فالصحة في مفهوم الطب الحديث ليست مجرد الخلوّ من العاهات أو الأمراض،بل أن يتمتع الفرد برصيد من القوة في وظائف أعضائه تجعله يتحمل ما قد يتعرض له من مسببات كثير من الأمراض وهذا تطابق معجز حقاً مع ما قال به نبي الرحمة r:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف".

والإسلام يهتم بصحة الفرد قبل أن يتخلق إذ يطلب انتفاء الشريك (الزوج أو الزوجة) الصالح لإنتاج ذرية سليمة،مصداق ذلك ما يرويه ابن عباس tعن النبي r قوله:"تخيروا لنطفكم" ثم إنه حث على الرضاعة الطبيعية وإطالتها قدر الإمكان ليحصل الوليد على عناصر المناعة اللازمة والتي لا تعطيها الرضاعة الصناعية "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين". ودعا إلى تنشئة بدنية قوية وفيه إلى رياضات هي أسُّ هذه التربية مثل السباحة والرماية وركوب الخيل. وحتى ساعات اللهو عند المسلم موجهة لخيره وتنمية لقوته. يقول r :"كل ما يلهو به المسلم باطل إلا رميه بقوس وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق" والطب الإسلامي إن قرر بعض الأمور العلاجية كنوع من التوجيه للأمة لأمور تنفعها بوحي من السماء،كما في قوله تعالى عن العسل "فيه شفاء للناس" وقول النبي r :"عليكم بهذه الحبة السوداء فإن فيها شفاء من كل داء".فهو –أي الطب الإسلامي- طب وقائي يعمل على حماية صحة الفرد ويحافظ على صحة المجتمع كله.قال تعالى :"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".

وهو أول نظام صحي عالمي أقرَّ الحجر الصحي عند حدوث الأوبئة كالطاعون والكوليرا ووضع له قواعد راسخة أقرها الطب الحديث.فقد روى الشيخان عن النبي r قوله:"إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به من قبلكم فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً منه وإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوا عليه".والذي يعرف أهمية الحجر الصحي في حياة الأمم يعرف عظمة ما جاء به النظام الصحي الإسلامي منذ قرون.

والإسلام دعا إلى النظافة إذ هي قمة الحضارة وجعل الطهارة شرط لصحة أهم عباداته من صلاة وطواف فقال النبي r :"الطهور شطر الإيمان". واهتم بنظافة الفم الذي هو عضو التواصل،كما هو مدخل معظم الجراثيم إلى البدن وربط بوضوح بين نظافة الفم ورضا الرحمن فقال r :"السواك مطهرة الفم مرضاة للرب".

وآداب الطعام مفخرة من مفاخر الهدي النبوي العظيم، حرص من خلالها على أن يتناول المسلم طعاماً نظيفاً خالياً من أي تلوث.فأمر بالأكل باليد اليمنى،وأمر بتغسيل اليدين قبل الطعام وبعده،وأمر بعدم الإسراف في الطعام وعدم إدخال الطعام على الطعام،وجعل سبحانه من أهم أهداف البعثة المحمدية أن يحل لأمته الطيب النافع وتحريم الخبيث الضار.قال تعالى معدداً أهداف بعثة محمد r :"ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث".

هذا وإن تحريم الخمر والتدخين والمخدرات يمكن اعتباره أهم منجزات شريعتنا الغراء في مجال الطب الوقائي،إذ أن إلتزام المجتمع المسلم باجتناب هذه الخبائث يقيه من الوقوع في براثن العديد من الأمراض المهلكة وحماية الأجنة من التشوهات ووقاية الأفراد من الحوادث.

ومن أجل بناء أسرة متينة وحمايتها صحياً واجتماعياً حرم الإسلام الزنا واللواط وغيرها من الفواحش التي هي المصدر الرئيسي لانتشار الأمراض الزهرية وعلى رأسها،الإيدز (غول القرن العشرين)،والتي أنبأنا عنا رسول الله r محذراً من غوائلها حيث قال :"وما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم".

ومن أجل صحة المجتمع وحماية البيئة،ونظراً لكون البراز أكبر مصدر لتلوثها الجرثومي فقد جاء حديث رسول الله r يأمر المسلمين بالالتزام بأهم إجراء وقائي لحفظ صحة المجتمع المسلم ومنع سراية الأمراض فيه وهو قوله r :"اتقوا الملاعن الثلاث:البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل".

ووضع الإسلام القواعد الأساسية للوقاية من الحوادث والتي كثيراً ما تؤدي إلى إزهاق الأرواح،ضمن أوامر محددة وواضحة من أجل سلامة الفرد في المجتمع المسلم فقد "نهى رسول الله r عن النوم على سطح غير محجور عليه".كما نهى الأعرابي الذي جاء يسأله أن يترك ناقته هكذا دون عقال توكلاً على الله فقال r :"اعقلها وتوكل". ونهى رسول الله أن يترك أحد النار مشتعلة وينام عنها قائلاً :"لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون" متفق عليه.

وبعد هذا فقد نظم الإسلام مهنة الطب ووضع قواعد الممارسة الطبية التي يجب أن يلتزم بها كل من الطبيب ومريضه،كل هذا من أجل صلاح البدن وسلامة الفرد.وهكذا فقد اعتبر الشارع مهنة الطب من فروض الكفاية التي إن لم يقم بها أحد من أهل بلد مسلم أثم أهل البلد كلهم.وخلص هذه المهنة المقدسة مما خالطها من السحر والخرافة والكهانة فقد قال r :"تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء إلا الهرم".

ومنع الإسلام غير الأطباء من ممارسة أي عمل طبي محملاً إياهم أي نتائج تصدر عنهم وهذا مصداق قول النبي r :"من تطبب ولم يكن معروفاً بالطب فأصاب نفساً فما دونها فهو ----".وكان عليه الصلاة والسلام يأمر أتباعه باختيار من هو [أطب] للحال الذي تناسبه.كما دعا الشارع أهل العلم بالطب للبحث عن أسباب المرض واكتشاف ما يجهلونه من وسائل العلاج إذ هو r القائل :"ما أنزل الله من داء إلا أنزل له الشفاء،علمه من علمه،وجهله من جهله،فإذا أصاب دواء الداء شفي بإذن الله".

وهكذا يتبين لكل ذي بصيرة أن الطب الإسلامي ممارسة نوعية للطب تنبثق من التفسير الإسلامي لرسالة الإنسان في الأرض والحكمة الإلهية من استخلافه،وتعتمد على نظرة حفظ الضرورات الخمس التي أجمع علماء المسلمين على أنها مقصد هام من مقاصد الشريعة.

وفي دراستنا لمباحث الطب الإسلامي التزمنا المصطلحات الفقهية المعتمدة وأصدرناها في سلسلة ميسرة للقارئ العادي تحت اسم "روائع الطب الإسلامي" وخصصنا الجزء الأول منها [القسم العلاجي] وفيه مباحث حول وجوب التداوي وحكم التداوي بالمحرمات وأدب الطبيب وفقهه في الشرع الإسلامي ثم عددنا حسب الترتيب الهجائي في مفردات الأدوية النبوية والأطعمة التي نوه إليها الشارع معتمداً على النصوص الثابتة الصحيحة وأجمل ما قال فيها الأولون ثم نذكر أبحاث الطب الحديث حول كل مفردة.وختمنا الكتاب بمبحث حول الطب الروحاني.

أما الجزء الثاني من روائع الطب الإسلامي فكان تحت عنوان [العبادات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع] ذكرنا فيه ما فرضه الشرع من عبادات على المسلم من طهارة (الوضوء والغسل والاستنجاء) وصلاة وصيام وحج وزكاة،وفصلنا في حكمها مما ذكره أهل العلم الأجلاء ،ثم انتقلنا إلى ما أثبته أطباء الشرق والغرب من منافع جلية يستفيد منها الفرد المسلم من التزامه بهذه العبادة،ومن ثم ما ينعكس من أمور على المجتمع المسلم كله.

أما الجزء الثالث من روائع الطب الإسلامي فعنوانه [المحرمات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع] فقد فصلنا فيه الأدلة الشرعية على تحريم الخمر والتدخين والمخدرات،ولحم الخنزير والميتة والدم،والزنى والشذوذ الجنسي،ثم انتقلنا في كل فصل إلى الويلات والأمراض المهلكة التي تعاني منها البشرية التي لم تلتزم بأوامر الله في هذه المحرمات.

وبين أيدينا اليوم [الجزء الرابع من روائع الطب الإسلامي] ذكرنا فيه بإسهاب الآداب الإسلامية من هدي نبوي وتوجيه قرآني يلتزم به المسلم في أدائه لأعماله اليومية من طعام وشراب ونوم وقيلولة ولهو ورياضة وغيرها،ومن خصال الفطرة التي فطر الله البشر عليها،وأثر ذلك من أثار صحية إيجابية تبدو جلية في صحة الفرد وما ينعكس بعد ذلك على مجتمعه من قوة وبناء متين.ندرس كل ذلك من خلال خمسة فصول :

الفصل الأول:في آداب الطعام والشراب وأثرها في صحة الفرد والمجتمع.

الفصل الثاني:في آداب النوم وأثرها في صحة الفرد والمجتمع.

الفصل الثالث:في خصال الفطرة وأثرها في صحة الفرد والمجتمع.

الفصل الرابع:في الرياضات المسنونة وأثرها في صحة الفرد والمجتمع.

الفصل الخامس:التدبير النبوي في ضبط تصرفات الإنسان الانفعالية وأثر ذلك في صحته.

راجياً المولى القدير أن ينفع بكتابنا هذا من يقرأه وأن يدعو لنا أن نتم هذه السلسلة من روائع الطب الإسلامي التي نحن بصددها حتى نخرج الجزء الخامس حول آداب النكاح الإسلامية وأثرها في صحة الفرد والمجتمع والله ولي التوفيق.

 

دمشق العاشر من جمادى الآخرة 1419هـ والموافق تشرين الأول 1998م.

المؤلف محمد نزار الدقر


الفصل الأول

الآداب الإسلامية في الطعام والشراب

وأثرها في صحة الفرد والمجتمع

ويضم الأبحاث التالية :

البحث الأول:أسس تدبير الطعام والشراب في الشريعة الإسلامية.

6-              القاعدة القرآنية الأولى:حل الطيبات وتحريم الخبائث.

7-              القاعدة القرآنية الثانية:وكلوا وأشربوا ولا تسرفوا.

البحث الثاني:الهدي النبوي في تدبير الطعام والشراب.

1-              غسل اليدين قبل الطعام وبعده.

2-              جلسة الطعام.

3-              التسمية قبل الطعام والأكل باليمين مما يلي الأكل.

4-              النهي عن الشرب والأكل واقفاً.

5-              الشرب مصاً ثلاث دفعات.

6-              النهي عن النفخ في الشراب.

7-              النهي عن الشرب من ثلمة القدح.

8-              النهي عن الشرب من في السقاء.

9-              ألا يعيب طعاماً قط.

10-         الاجتماع على الطعام.

11-         المضمضة بعد الطعام.

12-         عدم الأكل من الخبز المرقق المنخول.

13-         النهي عن أكل الطعام الحار.

14-         عدم النوم بعد الطعام.

15-         الأمر بلعق الأصابع والصفحة.

16-         تغطية الإناء وإيكاء السقاء.

17-         تقديم العشاء على العشاء.

18-         ما يقوله إذا فرغ من طعامه.

المبحث الأول

أسس تدبير الطعام والشراب في الشريعة الإسلامية:

لقد نجح النظام الإسلامي في ميدان التدريب الصحي الذي فرضه على بني البشر ليسعدوا به(1)، فقد كانت معظم الأمراض التي يصاب بها الناس _ومازالت_ في عصرنا الحديث ترجع إلى الحرمان الشديد ونقص الغذاء،أو إلى الإفراط في تناول الطعام والشراب والإسراف فيهما، وقد جاء الحل الإسلامي العظيم المعجز وفي ثلاث كلمات من كتاب الله عز وجل حين قال:(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا).وأمر بالصيام شهراً في السنة للحفاظ على سلامة وكيان أجهزة البدن وأعضائه.

وجاءت الدراسات الطبية لتثبت أن مرضى القلب يستطيعون أن يعيشوا طويلاً بعيداً عن المضاعفات الخطيرة إذا هم اعتدلوا في طعامهم وشرابهم ومن ثَمَّ فقد أمر الإسلام الأغنياء بإخراج زكاة أموالهم(2)لإنقاذ ملايين الجائعين من خطر البؤس والفقر والمرض والموت.

وجاءت القاعدة الثانية القرآنية صرخةً مدويةً يؤكد علماء اليوم أنها الحل الأمثل لحل مشاكل العصر الصحية والتي جعلها سبحانه وتعالى من أهداف بعثة النبي الأميrوهي قوله تعالى:(ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) فكان تحريم الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير،وما ألحق بها اليوم من خبائث العصر من مخدرات وسجائر وسواها وهي هي من أهم أسباب الأمراض والعجز والموت والمهالك في عصرنا الحديث (3).

وجاء الهدي النبوي بآداب يتدبر بها المسلم أمر طعامه وشرابه،وهي علاوة على أنها أضفت على حياته الاجتماعية مسحة جمالية وسلوكيةً رائعةً،فقد نظم بها الشارع تناول الوجبات وكميّاتها وطريقة تناولها فيما يتّفق مع ما وصل إليه الطب الحديث الوقائيّ وعلم الصحة،لا بل سبقه إلى ذلك بقرون عدة،فلا يأكل المسلم حتى يجوع، وإذا أكل لا يصل إلى حدً التخمة من الشبع،إذ" بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"،وعلى قاعدة"ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه" كما نهى الشارع عن إدخال الطعام على الطعام أو أن يأكل بين الوجبات……الخ.

واتفاقاً مع الأهمية الصحية لطريقة تناول الطعام والشراب،وعلاقة ذلك بصحة البدن،فقد حدّد الطبيب الأول ورسول الحقِّ  rالوضعية المثلى للجلوس على الطعام،ونهى عن وضعياتٍ قد ينجم عنها بعض الأذى،كأن يأكل المرء أو يشرب واقفاً أو متكئاً. وندب إلى أن يتحدَّث الإنسان على طعامه لإدخال السرور على المشاركين مما يزيد في إفراز العصارات الهاضمة ويساعد على الاستفادة المثلى من الطعام. ودعا إلى تقديم العَشاء على العِشاء،وإلى أن يشرب كوب الماء على دفعتين أو ثلاث،وأن يمصّه مصَّاً لا أن يعبَّه ويكرعه لما في ذلك من أثرٍ سيء على المعدة والجهاز الهضميِّ عموماً.

وإذا كان الطبُّ الحديث قد اكتشف الجراثيم الممرضة والطفيليات المهلكة للإنسان في أواخر القرن الماضي،وبين أن تلوث الطعام والشراب بها هو من أهم أسباب إصابة الإنسان بعدد من الأمراض الخطيرة كالكوليرا والتيفوئيد والزحار(الزنطارية)والسل المعوي والديدان والتهاب الكبد وغيرها،ومن ثَمَّ فقد وضع علم الطب الوقائي عدداً من القواعد الصحية على الإنسان أن يلتزم بها ليضمن نظافة الطعام والشراب وسلامتهما من التلوث الجرثومي. فإن ديننا الحنيف قد وضع تلك التعاليم وأمر أتباعه الالتزام بها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً(4).

والحق يقال أن التعاليم النبوية في تدبير الطعام والشراب كانت قمة في الدقة العلمية،وقمة في حرص المشرع العظيم على سلامة أتباعه ووقايتهم من شر الوقوع في براثن المرض.فقد أمر عليه الصلاة والسلام أن بغطى إناء الطعام وتوكأ قرب الشراب فلا يترك مكشوفاً للذباب والتراب،كما نهى عن أن يشرب من في الإناء أو أن ينفخ في الشراب حرصاً على سلامته من التلوث،وأمر بغسل اليدين قبل الطعام وبعده،وأمر بالأكل باليمين،ونهى عن الأكل باليسار التي خصصها للاستنجاء وغير ذلك من الأعمال الملوِّثةِ،كل ذلك ليضمن سلامة الطعام وعدم تلوثه بالجراثيم كما سنرى.

كما حرص المشرع على عدم تلويث مياه الشرب،فنهى أن يغمس المستيقظ من النوم يده في الإناء قبل أن يغسلها،فإن" أحدكم لا يدري أين باتت يده"،كما منع التبرز أو التبول قرب موارد المياه وفي ظل الناس ومكان تجمعاتهم،بل شدّد في تحريم هذه الأفعال(3)حتى عدها من مسببات اللعن. فقد صح عنه r قوله:"اتقوا الملاعن الثلاث:البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل" كما" نهى رسول الله r أن يبال في الماء الراكد"-رواه البخاري ومسلم-.

 

القاعدة القرآنية الأولى:حلّ الطيبات وتحريم الخبائث

وهي القاعدة الأهم في نظام التغذية في الإسلام وقد فصلنا في الحديث عنها في الجزء الثالث من كتابنا "روائع الطب الإسلامي "عندما تحدثنا عن المحرمات في الإسلام،ولا بدّ هنا ونحن نذكر آداب الطعام والشراب أن نذكِّر بأهمية هذه القاعدة التي وضعها الشارع لحماية الفرد في المجتمع المسلم مما يمكن أن يصيبه من أمراض مهلكة عند تناوله "الخبيث" من الطعام أو الشراب.   

وإذا كانت النصوص القرآنية والنبوية قد بينت بشكل صريح تحريم بعض الأطعمة والأشربة لخبثها كالخمر والميتة والدم ولحم الخنزير وكل ما هو متلوث بنجاسة،فإن أشربة أخرى كالتبغ والحشيش والمخدرات الأخرى وغيرها مما لم يكن معروفاً في العلم وقت التنزيل،فلم تنـزل نصوص خاصة بها،ولكن المشرع سبحانه لم يترك الناس في حيرة من أمرهم،فقد وضع ميزاناً دقيقاً يمكن علماء الأمة في كل زمان ومكان أن يزنوا كل مستحدث فقال بكل وضوح كلمة وضعها كقانون علمي ثابت فيه كل الحكمة وفيه كل الخير للبشرية وهي قوله تعالى:" الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث" فلم يحرم الإسلام شيئاً من المطعومات أو المشروبات إلا لضرر ينجم عنها أو لخبث محقق فيها،مصداق قوله تعالى:" يسألونك ماذا أحلَّ لهم قل أحل لكم الطيبات".وإنه لمن عظيم الإعجاز الإلهي أن تتوافق موازين الشرع وموازين الطب في تحريم هذه الخبائث.

فالبدن يحتاج في نشاطه الحياتي لأغذية تبني الجسم وترمم ما هدم منه كالبروتينات والدسم، كما يحتاج لأغذية لتوليد الطاقة أي التي تولد الحرارة الغريزية وتؤمن عمل الأعضاء كالقلب والتنفس والهضم،لذا أوجب الإسلام تناول الحد الأدنى أو الضروري من الطعام والشراب،حفاظاً على الحياة ودفعاً للهلاك. وما عدا قدر الضرورة يباح تناوله ما لم يكن مسستقذراً ولا ضاراً ولا متنجساً ولا متعدياً على حقوق الغير وما لم يصل إلى حدِّ الإسراف.

وإذا كان للأغذية مصدرين كبيرين:فهي حيوانية أو نباتية فمن الأمثل صحياً أن يناوب بين تلك الأنواع دون أن يقصر نفسه على أحدهما(5).ومن المعجز حقاً أن نجد سلوك النبي الأميr في طعامه متوافقاً تماماً مع مبدأ علم الصحة هذا. وهذا ما يؤكده ابن القيم الجوزية(6)عن طعام النبيr إذ يقول:"فلم يكن من عادتهr حبس النفس على نوع واحد من الغذاء لا يتعداه إلى سواه وكانrيحسن الجمع بين الأغذية في تناولها وإصلاح تأثير بعضها على الآخر.ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن جعفر"  رأيت رسول اللهr يأكل الرطب بالقثاء" …

وإذا كانت الأغذية النباتية أقل سمية من الحيوانية،لكن الاقتصار عليها يسبب فقر الدم بنقص الهيولين وفقدان الفيتامين ب12،كما أن الاقتصار على البروتين النباتي يجعل البدن يقصر في تركيب الأنسجة والتي لا بد لاكتمالها من توفر البروتينات الحيوانية.وليس لمسلم أن يحرم على نفسه بعض الطيبات مما أحلّه الله بنية التقرب إليه.قال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحلّ الله لكم"المائدة_9،وقال تعالى:" قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"الأعراف_32.

والنبات المأكول حلال كله ما لم يعرض له عارض من سرقة أو نجاسة وما لم يثبت ضرره لسمية فيه، أو لكونه مسكراً أو مفتراً(7)،وذلك لعموم قوله تعالى:" يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً".

أما المصدر الحيواني للغذاء فقد حرم النص القرآني تناول الميتة والدم ولحم الخنـزير،وجاء في السنة التي اعتمدها جمهور الفقهاء تحريم أكل الحيوانات المفترسة كالوحوش من أسدٍ ونمرٍ وذئبٍ وفهدٍ (وكل ماله ناب مفترس من السباع)،وكذا الطيور الجارحة،أي ذوات المخلب من الطير كالصقر والباز والنسر.لما رواه عبد الله ابن عباس قال:" نهى رسول اللهrعن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير" رواه مسلم.

كما حرمت لحوم الكلاب لما يرويه رافع ابن خديج عن النبيrقوله:"الكلب خبيث  ثمنه" رواه مسلم.كما يحرم عند الجمهور أكل لحوم الحمر الأهلية لما رواه الشيخان عن جابر رضي الله عنه" أن النبيr نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل ". كما حرمت الضفادع للنهي عن قتلها.كما يحرم أكل حشرات الأرض كالثعبان والعقرب والفأرة وسواها لاستخباث الطباع السليمة لها وللأذى أو السمية التي قد يلحقها بعضها للإنسان ولما تنقله من عوامل الأمراض الفتاكة لبني البشر كالطاعون والتيفوس وسواها(7). والأشياء الضارة التي يثبت ضررها ولا نصَّ في تحريمها،والسموم في غير التداوي، كلها حرام لعموم النص" ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" ولقولهr:"لا ضرر ولا ضرار".

صدق الله،فما حرَّم علينا إلا كل خبيث ضار،وما أباح لنا إلا الطيب النافع إلا أنه من الواجب على المسلم أن يتحاشى تناول ما حرم الله من المطعومات أو المشروبات طاعةً لله عز وجل،أدرك العلة من التحريم أم لم يدرك، مُسَلِّمَاً بأن تلك المحرمات إنما حرمها الخالق المصور،العليم بما يضرُّ هذا الإنسان _الذي خلقه بيده_ وبما ينفعه تصديقاً لقوله تعالى:"ويحلُّ لهم الطيبات ويحرِّم عليهم الخبائث" ومن أراد أن يعرف التفاصيل عما اكتشفه الطب الحديث من آفات وويلات من تناول اللحوم المحرمة وغيرها من الخبائث فيستطيع الرجوع إلى كتابنا عن"  المحرمات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع"،وهو الجزء الثالث من سلسلة روائع الطب الإسلامي.

 

القاعدة القرآنية الثانية:وكلوا واشربوا ولا تسرفوا

إن الإنسان شره بغريزته،يسرف في الأكل والشرب،وخاصة أيام كهولته.و يقدّر ما يتناوله الإنسان عادة من طعام وشراب بثلاثة أضعاف ما يحتاجه إليه.ولا يشك العلم أبداً أن أكثر الراحلين ابتساراً  من عالم الدنيا إلى عالم القبور هم منتحرون بأفواههم وبما أسرفوا بما دخل في أجوافهم من طعامٍ وشراب.وإن في القاعدة الإلهية العظيمة" وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" سِرُّ التمتع بحياة يسيطر فيها نعيم الصحة والهناء(8).فالإسراف خطر طباً وحرام شرعاً لعموم النص(7).

وإذا كان الطعام والشراب لذة،فإنما جعلها الله سبحانه فيها لإرواء الميل الغريزي لتناولهما بغاية الحفاظ على الحياة واستمرارها،كما أن التلذذ بالطعام ينبه أعمال الهضم الغريزية وإفراز العصارات الهاضمة حتى يتم التمثل بشكل جيد.ومن الخطأ الفادح أن يجعل الإنسان من اللذة غاية في طعامه وشرابه مما يجعله يسرف في استدعائها وينحرف في طريق إروائها وهذا ليس من صفات المؤمن في شيء.وقد أكد القرآن الكريم أن الوقوف عند التلذذ بالطعام والشراب والتمتع بهما إنما هو من صفات الكافرين الجاحدين(9)،وذلك مصداق قوله تعالى:" والذين كفروا يتمتعون و يأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم" _الأحقاف_20.

وتؤكد السنة المطهرة هذا المعنى وتنهى عن الإسراف في الطعام،وأن على المسلم أن يكتفي منه بما يقيم الأود ويحفظ الصحة والقوة من أجل السعي على الرزق والتقوي به على عبادة الله رب العالمين.فقد روى البخاري أن رجلاً كان يأكل كثيراً فأسلم فكان يأكل قليلاً،فذكر ذلك لرسول الله rفقال:" المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء".وقد ذكر ابن الأثير(10)تعليقاً على هذا الحديث:هو تمثيل لرضى المؤمن بالقليل اليسير من الدنيا وحرص الكافر على الكثير منها،ثم قال:والأوجه أن يكون هذا تحضيضاً للمؤمن على قلة الأكل وتحاشي ما يجره الشبع من قسوة القلب وطاعة الشهوة.

من هنا نفهم دعاء النبيr:" اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" رواه الشيخان. كما حذر سيدنا عمر بن الخطاب tمن النهم والبطنة فقال:"إياكم والبطنة في الطعام والشراب فإنها مفسدة للجسم مورثة للسقم،مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح للجسد وأبعد عن السرف وإن الله تعالى ليبغض الحَبْرَ السمين وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه"·.

يقول الإمام الغزالي:" ومن مضار الشره اشتداد المعاصي وخاصة الشهوة الجنسية،فإذا منعت التقوى صاحبها من الزنى فلا يملك عينه،فإذا ملك عينه بغض الطرف فلا يملك فكره فتخطر له الأفكار الرديئة وحديث النفس بأسباب الشهوة وما يتشوش به مناجاته".

عن المقداد بن معد يكرب أن النبي(r) قال:"ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه.بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه،فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"·.

يقول ابن القيم (6):"مراتب الغذاء ثلاثة أحدها مرتبة الحاجة والثانية مرتبة الكفاية والثالثة مرتبة الفضيلة،فأخبر النبي(r) أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته ولا تضعف،فإن تجاوزها فليأكل بثلث بطنه وهذا من أنفع ما للبدن وما للقلب فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب فإذا أورد عليه الشراب ضاق عن النفس وعرض عليه الكرب والتعب".

وفي معرض شرحه للحديث يقول د.الكيلاني(12):"يشكل الجزء العلوي من المعدة جيب ممتلئ بالهواء يقع تحت الحجاب الحاجز وكلما كان ممتلئاً بالهواء كانت حركة الحجاب الحاجز فوقه سهلة كان التنفس ميسوراً،أما إذا امتلأ هذا الجيب بالطعام والشراب تعرقلت حركة الحجاب الحاجز وكان التنفس صعباً كما أن الصلب لا يستقيم تماماً إلا إذا كانت حركة المعدة مستريحة ولا يتم ذلك إذا أتخمت بالطعام،فصلى الله على طبيب القلوب والأبدان.

أما د.محمود فؤاد معاذ(13)فيرى أن كلمة" يقمن صلبه" هي من أبلغ ما نطق به النبي العظيم(r)معنىً وعلماً.فالنبي(r)حث على الإقلال من الطعام،ولكن إلى حد يقمن صلبه وحنى لا تكون مخمصة فرب مخمصة شر من التخم.والمرء حسبه أن يتناول ما يقيم الصلب،أي ما يعطيه القوة الكافية للقيام بمجهوداته.

وعن جابر tأن رسول الله(r)قال:" طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية"··.

فالنبي(r)يحذر من السرف في الطعام وأن شبع الواحد هو قوت الاثنين يكفيهم ويقيم أودهم(12)،وهو ينصح أن يكون ثلث المعدة فقط للطعام ولو حافظ المسلمون اليوم على هذه الوصية لحموا أنفسهم من كثير من الأمراض،ولما تعبت معداتهم من هضم الطعام الفائض فتقل الفضلات و ينشط البدن و يصفو الدم و يتوقد الذهن.

وعن أنس بن مالك tأن النبي(r) قال:" إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت"·.

فمن أخلاق المسلم كبح جماح نفسه ووقايتها من الإسراف المذموم،فيعطيها حيناً من مشتهياتها المباحة،ويمنعها حيناً،لا تحريماً للطيبات ولكن ترويضاً لها للتمكن من قيادة زمامها.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:تجشأ أبو جحيفة عند رسول الله(r) فقال له:"أقصر عنا من جشائك ،إن أطول الناس جوعاً يوم القيامة أكثرهم شبعاً في الدنيا"··.وعن عمران بن الحصين أن رسول الله(r)قال:"إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون من بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن"···.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم"····.

وعن أبي هريرة tقال:"ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض" رواه البخاري.

إن المربي الناجح هو الذي يجسد أقواله أفعالاً تحتذى وهذه هي روعة التعاليم النبوية التي رافقها سلوك عملي وحلول واقعية من حياته(r):فهذا محمد(r)ما شبع من طعام ثلاثة أيام متتالية،وكان يجلس لطعامه جلسة المتحفز للقيام بعد أن يتناول ما يقيم صلبه،وما أكل خبزاً مرققاً ولا وضع على سفرته السكرجة(من مقبلات وسواها) ليعلمنا بسلوكه الطريقة الأمثل لتنفيذ القاعدة الإلهية في الطعام والشراب "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا".

الآثار الصحية السيئة للإسراف في الطعام والشراب:

يؤدي الشره(14)وتناول كمية كبيرة من الطعام تزيد عن طاقة تحمل المعدة إلى ما يسمى بالتخمة والتي تفضي إلى عسرة الهضم وكثرة الغازات وأوجاع الشرسوف واحتقان الكبد والتخمة الشديدة يمكن أن تؤدي إلى توسع المعدة الحاد التي تسبب ضغطاً شديداً على القلب مما يعيق العود الوريدي إليه فتحصل عسرة في التنفس واضطراب في ضربات القلب وتسوء حالة المريض وقد تنتهي بالموت(9).

والتخمة المزمنة تؤدي(13)(14)وتناول كمية كبيرة من الطعام تزيد عن طاقة تحمل المعدة إلى ما يسمى بالتخمة والتي تفضي إلى عسرة الهضم وكثرة الغازات وأوجاع الشرسوف واحتقان الكبد والتخمة الشديدة يمكن أن تؤدي إلى توسع المعدة الحاد التي تسبب ضغطاً شديداً على القلب مما يعيق العود الوريدي إليه فتحصل عسرة في التنفس واضطراب في ضربات القلب وتسوء حالة المريض وقد تنتهي بالموت(9).

والتخمة المزمنة تؤدي(13)إلى تمدد المعدة والأمعاء وإلى ضمور في بطانتها وغددها المفرزة للعصارة الهضمية،فيحصل الإمساك المزمن وعسرات الهضم والانسمام الغذائي المزمن وما ينجم عنه من وهن عصبي.والإسراف في الطعام يسبب عند المستعدين عدداً كبيراً من أمراض التغذية كالبدانة والنقرس والداء السكري،كما تزيد عندهم نسبة الإصابة بأمراض القلب وقصوراته.

فالطعام الزائد عن حاجة الجسم يتراكم على شكل دهون تترسب تحت الجلد وحول الأمعاء وفي الكبد وحول القلب حيث تحدث عبئاً كبيراً عليه،وتتصلب العروق ويرتفع الضغط الدموي وتكثر الجلطات والفوالج،وتتعب الغدد فيحدث الداء السكري عدا عن تعب الكلى بتكليفها فوق طاقتها من عمليات تصفية الدم وطرح الفضلات،هذا عدا عما ذكرناه من تمدد المعدة وآفات الجهاز الهضمي(12).

إن كثرة الأكل والشرب يعقبها كسل في النفس وبلادة في الفكر وميل إلى النوم الذي هو خسارة ومضيعة لأوقات يمكن أن تكون نافعة في دنيا الإنسان وأخرته(9).

يقول القاضي عياض:إن كثرة الأكل والشرب دليل النهم والحرص،والشره مسبب لمضار الدنيا والآخرة جالباً لأدواء الجسد وخثار النفس(ثقلها وعدم نشاطها).ويقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:الشبع يثقل البدن ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة.

وقد أكدت أبحاث نشرتها المجلة الطبية العربية(9)أن الإفراط في التغذية عند الأطفال واليفع تؤدي علاوة على زيادة الوزن،إلى النضج المبكر والذي يؤدي إلى البلوغ المبكر.

وتحصل البدانة نتيجة الإفراط في تناول أنواع الطعام المختلفة وخاصة عند أبناء الطبقة المترفة وأصحاب الوظائف الكسولة،وهي تؤهب لحدوث أمراض خطيرة في القلب والذبحة الصدرية والداء السكري وارتفاع الضغط الدموي وتصلب الشرايين وغيرها.

فعلى المسلم أن يعتدل في طعامه وشرابه وأن يحافظ على وزنه المثالي· قدر المستطاع،وخاصة إذا كان عنده استعداد وراثي للسمن.فعلى هؤلاء أن يضعوا برنامجاً خاصاً لطعامهم(12) فيحددوا ما يأكلوه من نشويات وسكريات،ويمتنعوا قدر الإمكان عن تناول المواد الدهنية ذات الحموض المشبعة كالدهن والشحم والسَّمن،ويستبدلوا بها مواد دهنية غير مشبعة كزيت الزيتون وزيت الذرة أو عباد الشمس،وأن يكثروا في طعامهم من السلطات والخضار،ويمكنهم تناول ملعقة كبيرة من النخالة أو خل التفاح قبل الطعام،ويستبدلوا بالسكر السكارين للتحلية ويأكلوا الخبز الأسمر وأن يكثروا من صيام النفل فيكون لهم به خيري الدنيا والآخرة.

وأحب أن أشير هنا إلى أن معتاد الإسراف في الطعام يحتاج إلى التدرج في تقليل وجبته حتى يعود إلى حد الاعتدال(9)،ولقد أشار الإمام الغزالي(11)إلى ذلك حين قال:"فمن اعتاد الأكل الكثير وانتقل دفعة واحدة إلى القليل لم يحتمله مزاجه وضعف وعظمت مشقته،فينبغي التدرج إليه قليلاً قليلاً فينقص بمقدار قليل متزايد من طعامه المعتاد".

وهناك أمراض تنجم عن الإسراف في تناول مادة غذائية معينة(بروتين،دسم،سكر)لفترة طويلة.فالإسراف في تناول السكر الأبيض وما يصنع منه من حلويات يضر بالجسم ضرراً بالغاً وذلك للميل العجيب في السكر للاتحاد بالكلس.

فعندما يزيد الكلس في الدم عن حد معين فإن المقدار الفائض يتحد ببعض الأنسجة ويضطر الدم إلى أن يعوض ما فقده منه فيأخذه من العظام والأسنان مما يؤدي إلى نخر الأسنان وضعف العظام(15)،كما أن تخمر بقايا السكريات في الفم يؤدي إلى النخر أيضاً.وإن الإفراط في تناول النشويات عموماً يؤدي إلى البيلة السكرية وإلى تحول الفائض منها إلى شحوم(البدانة).

أما الإفراط في تناول الدسم فإنه يؤدي إلى تخلون الدم وإلى فرط دسم الدم وشحوم البدن مما يؤدي إلى البدانة وإلى تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم وتشحم الكبد وإلى العديد من آفات القلب الخطيرة.

أما الإسراف في تناول البروتينات من لحم وبيض وحليب وسواها فإن فضلاتها السامة تتراكم في البدن وتعرضه للإصابة بالرمال الكلوية،أو بالإصابة بالنقرس(داء الملوك)،وإلى قصور الكلي وارتفاع الضغط وتصلب الشرايين أيضاً.


المبحث الأول

الهدي النبوي في تدبير الطعام والشراب

غسل اليدين قبل الطعام وبعده:

يستحب للمسلم غسل اليدين قبل الطعام وبعده لحديث سلمان الفارسي tأن رسول الله r قال:"بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده"·.وقد فسر العلماء وضوء الطعام بغسل اليدين.

وعن أنس بن مالك tقال:سمعت رسول الله  rيقول:" من أحب أن يكثر الله خير بيته فليتوضأ إذا حضر غذاؤه وإذا رفع" رواه ابن ماجة والبيهقي.

وعن أبي هريرة tأن النبيrقال:"من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومنَّ إلا نفسه"··،والغمر:ريح اللحم وزهومته.

وعنه أيضاً عن النبي r قوله:"إن الشيطان حساس لحّاس فاحذروه على أنفسكم من بات وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومنَّ إلا نفسه"···.

وعن أبي سعيد tعن النبي r قوله:" من بات وفي يده ريح غمر فأصابه وضح فلا يلومنَّ إلا نفسه"····،والوضح:البرص.

ولا تخفى الحكمة الصحية من هذا الهدي النبوي(16).ففي حياة الإنسان اليومية كثيراً ما يصافح شخصاً مريضاً أو حاملاً لجراثيم ممرضة أو يلمس أشياء ملوثة بجراثيم خطيرة فهو يجلس لطعامه غير عالم أن بين أنامله خطراً كامناً ينتظر ذلك الطعام فيلوث لقمة يبتلعها ليصاب بذلك المرض،وأكثر الأمراض انتشاراً عن ذلك الطريق هي الكوليرا والتيفوئيد والزحار.هذا وإن الجلد(17) يحتوي على سطحه على أثلام وأخاديد،وإن ما يفرزه من دهن وعرق يساعد على التصاق تلك الجراثيم وبيوض الطفيليات بالجلد وحفظها بين ثناياه.

ويأتي الهدي النبوي بالأمر بغسل اليدين قبل الطعام متوافقاً مع بدهيات الطب الحديث الوقائي ليسلم طعامه من عوامل التلوث والمرض.أما غسل اليدين بعد الطعام فلأن بقاياه التي تلوث الأنامل يمكنها إذا بقيت أن تتفسخ وأن تشكل ضمن حرارة الجسم وسطاً ملائماً لتكاثر الجراثيم واستحالتها إلى خطر داهم وهذا الخطر هو الذي حذر منه النبيr في كثير من أحاديثه التي أوردناها.

ويعلق د.الراوي(17)على قولهr:"من أراد أن يكثر خير بيته"،أن غسل اليدين قبل الطعام يدخل البركة على الإنسان كما قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام,وأن البركة هنا هي _بركة العافية_ وهي الكنـز الذي لا يفنى والكرم الإلهي الذي لا يقدر بثمن.وأن غسل اليدين قبل الطعام إجراء حاسم للوقاية من الفقر كما ورد في الأثر" الوضوء قبل الطعام بركة وينفي الفقر وبعده ينفي اللمم"·.

 

جلسة الطعام في الهدي النبوي :

عن أبي جحيفة tقال:"لا آكل متكئاً" رواه البخاري.

و عن أنس tقال :"رأيت النبي r جالساً مقعياً يأكل تمراً" رواه مسلم.

و قد ورد عن أبي بن كعب في صفة طعام النبي r :" أن النبي r كان يجثو على ركبتيه و كان لا يتكئ"··.

وعن عبد الله بن بسر tقال كان لرسول الله r قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا و سجدوا للضحى أتي بتلك القصعة و قد ثرد عليها فالتفوا حولها،فلما كثروا جثا رسول الله r فقال له أعرابي :ما هذه الجلسة ؟ فقال  r:إن الله جعلني عبداً كريماً و لم يجعلني جباراً عنيداً،ثم قال: كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها"···،وجثا يجثو:جلس على ركبتيه.

وعن أنس بن مالك tقال:"لم يأكل النبيr على خوان قط وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات" رواه البخاري،وفي رواية للترمذي:قيل لقتادة فعلام كانوا يأكلون؟ قال على السفر،والسُّفَر:جمع سُفرة وهو ما يوضع على الأرض ليؤكل عليه.

قال ابن القيم(6) :و قد فسر الاتكاء بالتربع، و فسر بالاتكاء على الشيء و هو الاعتماد عليه و فسر بالاتكاء على الجنب. و الأنواع الثلاثة من الاتكاء:فنوع منها يضر وهو الاتكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطعام عن هيئته و يعوقه عن سرعة نفوذه الى المعدة فيضغطها فلا يستحكم فتحها للغذاء. و أما النوعان الآخران فمن جلوس الجبابرة المنافي للعبودية و لهذا قال r :"آكل كما يأكل العبد".و كان يأكل وهو مقع،والإقعاء أن يجلس للأكل متوركاً على ركبتيه و يضع بطن قدمه اليسرى على ظهر القدم اليمنى.و هذه الهيئة أنفع هيئات الأكل لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي. وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائل التي تحت الجالس فيكون المعنى:أما إذا أكلت لم أقعد متكئاً كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام،لكني آكل بُلْغة كما يأكل العبد".

  و يرى د.إبراهيم الراوي(18 ) أن الجهاز الهضمي يحتاج إلى كمية كبيرة من الدم ليستطيع القيام بما يلزم لاستقبال الطعام الوارد و التهيؤ لهضمه لذا كان الإجراء الطبي الصحيح لذلك وجوب الجلوس و ثني الساقين تحت الجسم لحصر الدم في منطقة الجهاز الهضمي،مع وضع الساق اليسرى منثنية و اليمنى مرتكزة على القدم لجعل المعدة حرة طليقة بعيدة عن أي ضغط مسلط باتجاهها من الخارج.و هذا هو أصح حالة لعمل الجهاز الهضمي.كما يجب الامتناع عن الحركة و السير أثناء الطعام لمنع ذهاب الدم إلى العضلات في وقت يكون جهازه الهضمي في أمس الحاجة إليه. وهذا الوضع"  جلسة الطعام" التي طبقها أستاذ البشرية سيدنا محمدr وهو أصح و أسلم في حالة الجلوس على الأرض حول السفرة من استعمال الكراسي حول مائدة الطعام.

  و حول الأكل متكئاً يقول د.الراوي أن الاتكاء يسبب التشنج و الاضطراب و التقلص في عضلات البلعوم فلا يستطيع الإنسان بلع اللقمة في ارتياح و لذة،كما أنه يحدث ارتخاءً في عضلات البطن فلا تستطيع المعدة استقبال الطعام بشكل صحيح. ولأن المعدة تكون بوضعها الصحيح في حالة انتصاب الجذع وارتكازه على الأرض دون لجوئه إلى الارتكاز الجانبي في حالة الاتكاء.

  أما د.غياث الأحمد فيرى أن الجلوس على المقعدة(التربيع) يؤدي إلى انبساط المعدة و إلى أن تأخذ المعدة مجالاً واسعاً فتزيد قابليتها لأخذ الطعام و المزيد منه.أما الإقعاء بنصب الساقين أو أحدهما مما يضيق حيز المعدة و يقلل اتساعها مما يؤدي بها إلى الامتلاء بمقدار أقل من الطعام حيث يشعر المرء بالشبع بآلية انعكاسية فيقل مطعمه ولا يصاب بالتخمة.

 

 التسمية قبل الطعام والأكل باليمين مما يلي الآكل :

عن عمر بن أبي سلمة tقال:كنت غلاماً في حجر رسول الله r وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله r : يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" ،رواه البخاري و مسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:كان رسول اللهr يأكل طعاماً في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقالr :أما أنه لو سمى لكفاكم"·.

عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن أصحاب رسول الله r قالوا:يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع ؟ قال:"لعلكم تفترقون ؟ قالوا:نعم. قال: فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله  يبارك لكم فيه"··.

و عن جابر بن عبد الله tأن النبيr قال:"لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال" رواه مسلم ،وفي رواية له عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما،قولهr:"إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه و إذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله و يشرب بشماله".

و عن سلمة بن الأكوع أن رجلاً أكل عند رسول اللهr بشماله فقال له r :"كل بيمينك قال:لا أستطيع ،ما منعه إلا الكبر فقالr:لا استطعت قال سلمة:فما رفعها إلى فيه" رواه مسلم.

و من حديث طويل رواه عبد الله بن بسر tأن النبي r أتي بقصعة قد ثرد فيها فقال عليه الصلاة و السلام:"كلوا من جوانبها و دعوا ذروتها يبارك فيها" و عن أنس tأن النبيr قال :"اذكروا اسم الله و ليأكل كل رجل مما يليه" رواه البخاري. وعن عبد الله بن عباس tأن النبيr قال:"البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافته ولا تأكلوا من وسطه"···.

التسمية أول الطعام تربط المسلم بالرزاق المنعم وتخلق فيه حالة من الطمأنينة تذكره بأن الرزق من عند الله ولا شك أن الذي يأكل وهو بحالة نفسية من الراحة والرضا فإن تمثل الطعام في بدنه ومن ثَمَّ فإن استفادته منه تكون أعظم مما لو كان قلقاً متوتراً أثناء تناوله لطعامه(16).فالتوتر والقلق يؤديان إلى عسر الهضم وإلى عدد من أمراض السبيل الهضمي والتي تقلل الاستفادة من الطعام المتناول.

وأما تخصيص اليد اليمنى(16) للأمور الكريمة من أكل وشرب ومصافحة وغيرها، و تخصيص اليسرى للأمور المستقذرة من استنجاء و رمي للأقذار  فهي لا شك تنظيم نبوي كريم يمكن اعتباره من أسس النظافة و الصحة الشخصية،و ينسجم مع مبادئ الطب الوقائي الحديث للوقاية من العدوى و تقليل عوامل سراية المرض.

أما أن يأكل المرء مما يليه من قصعة الطعام فهو ولا شك هدي نبوي إلى خلق كريم تتجمل به الجماعة المسلمة و ينم عن أدب اجتماعي جم رفيع هو من تعاليم من وصفه المولى مخاطباً إياه (وإنك لعلى خلق عظيم). ولعل من حكمته أنه يقلل خطر انتقال الأوبئة فيما لو كان بعض الآكلين حملة لجراثيم مهمة.

النهي عن الشرب و الأكل واقفاً :

عن أبي سعيد الخدري t"أن النبي r زجر عن الشرب قائماً" رواه مسلم. و عن أنس و قتادة رضي الله عنهما عن النبيr "أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً"،قال قتادة:فقلنا فالأكل ؟ فقال:ذاك أشر و أخبث" رواه مسلم و الترمذي. و عن أبي هريرة tأن النبيr قال:"لا يشربن أحدكم قائماً فمن نسي فليستقئ" رواه مسلم.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:"سقيت رسول الله r فشرب وهو قائم" رواه البخاري ومسلم.

وعن أنس بن مالك tقال:"نهى رسول الله r عن الشرب قائماً وعن الأكل قائماً وعن المجثمة والجلالة والشرب من فَيِّ السقاء"·.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"رأيت رسول الله r يشرب قائماً وقاعداً"··.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :"كنا نأكل على عهد رسول الله r ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام" رواه الترمذي وقال صحيح غريب.

وعن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها"أنها أرسلت إلى النبي r بقدح  لبن وهو واقف عشية عرفة فأخذه بيده فشربه" وزاد مالك بن النضر"على بعيره" رواه البخاري.

أحاديث شريفة بعضها ينهى عن الشرب واقفاً وبعضها يجيزه،فهل أن فيها ناسخ ومنسوخ؟.

يقول الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم:ليس في هذه الأحاديث _بحمد الله تعالى_ إشكال ولا ضعف بل كلها صحيحة والصواب فيها أن النهي محمول على كراهة التنـزيه.وأما شربه r قائماً فبيان للجواز فلا إشكال ولا تعارض.وهذا الذي ذكرناه يتعين إليه المصير وأما من زعم نسخاً فقد غلط غلطاً فاحشاً.

وقال الحافظ ابن حجر معلقاً:وهذا أهم المسالك وأسلمها وأبعدها عن الاعتراض،وقد أشار الأثرم إلى ذلك فقال:إن ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد والتأديب لا على التحريم،وبذلك جزم الطبري والخطابي وغيرهما.

أما من الناحية الصحية،فنحن مع الدكتور عبد الرزاق الكيلاني(12) أن الشرب وتناول الطعام جالساً أصح وأسلم وأهنأ وأمرأ حيث يجري ما يتناوله الآكل والشارب على جدران المعدة بتؤدة ولطف.أما الشرب واقفاً فيؤدي إلى تساقط السائل بعنف إلى قعر المعدة ويصدمه صدماً،وإن تكرار هذه العملية يؤدي مع طول الزمن إلى استرخاء المعدة وهبوطها وما يلي ذلك من عسر هضم.وإنما شرب النبي واقفاً لسبب اضطراري منعه من الجلوس مثل الزحام المعهود في المشاعر المقدسة،وليس على سبيل العادة والدوام.كما أن الأكل ماشياً ليس من الصحة في شيء وما عرف عند العرب والمسلمين.وما ذكر في الحديث الغريب عن ابن عمر tعن أكلهم ماشين وهم ذاهبون إلى الجهاد أو لأمر هام لم يستطيعوا معه الجلوس لتناول الطعام إنما هو وصف لحالة خاصة على غير العادة والاستمرار،أو أن أكلهم ماشين أنهم يأكلون على ظهور إبلهم وهي ماشية بهم فهذا مشي للإبل ولكنه جلوس لهم.وإن حديث "من نسي فليستقيء" دليل على تشنيع النبي  rلهذا الفعل،وإنما فعله r حتى لا يحرج أمته في أمور حياتهم اليومية والتي تقوم على عدم التكلف،فيكون مفهوماً لأصل السنة الشرب والأكل جلوساً،ولا حرج من فعله قائماً في ظروف خاصة.

ويرى الدكتور إبراهيم الراوي(19) أن الإنسان في حالة الوقوف يكون متوتراً ويكون جهاز التوازن في مراكزه العصبية في حالة فعالية شديدة حتى يتمكن من السيطرة على جميع عضلات الجسم لتقوم بعملية التوازن والوقوف منتصباً.وهي عملية دقيقة ومعقدة يشترك فيها الجهاز العصبي_العضلي في آن واحد مما يجعل الإنسان غير قادر للحصول على الطمأنينة العضوية التي تعتبر من أهم الشروط المرجوة عند الطعام والشراب،هذه الطمأنينة يحصل عليها الإنسان في حالة الجلوس حيث تكون الجملة العصبية والعضلية في حالة من الهدوء والاسترخاء وحيث تنشط الأحاسيس وتزداد قابلية الجهاز الهضمي لتقبل الطعام والشراب وتمثله بشكل صحيح.

ويؤكد د.الراوي أن الطعام والشراب قد يؤدي تناوله في حالة الوقوف(القيام) إلى إحداث انعكاسات عصبية شديدة تقوم بها نهايات العصب المبهم المنتشرة في بطانة المعدة،وإن هذه الانعكاسات إذا حصلت بشكل شديد ومفاجئ فقد تؤدي إلى انطلاق شرارة النهي العصبي الخطيرة Vagal Inhibation  لتوجيه ضربتها القاضية للقلب ،فيتوقف محدثاً الإغماء أو الموت المفاجئ.كما أن الاستمرار على عادة الأكل والشرب واقفاً تعتبر خطرة على سلامة جدران المعدة وإمكانية حدوث تقرحات فيها حيث يلاحظ الأطباء الشعاعيون أن قرحات المعدة تكثر في المناطق التي تكون عرضة لصدمات اللقم الطعامية وجرعات الأشربة بنسبة تبلغ 95٪  من حالات الإصابة بالقرحة.كما أن حالة عملية التوازن أثناء الوقوف ترافقها تشنجات عضلية في المرئ تعيق مرور الطعام بسهولة إلى المعدة ومحدثة في بعض الأحيان آلاماً شديدة تضطرب معها وظيفة الجهاز الهضمي وتُفقد صاحبها البهجة والاطمئنان عند تناوله لطعامه وشرابه.

 

الشرب مصاً على ثلاث دفعات:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه"أن رسول الله  rكان يتنفس إذا شرب ثلاثاً" رواه الشيخان.وفي رواية قوله:"كان رسول الله  rيتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول إنه أروى وأبرأ وأمرأ".

وعن معمر بن أبي الحسين مرسلاً أن النبي r قال:"إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصاً ولا يعب عباً فإن الكباد من العب"·،وعبَّ عبَّاً: شرب الماء دفعة واحدة والكباد مرض في الكبد.

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي r قال:"مصُّوا الماء مصاً ولا تعبوا عباً فإن الكباد من العب"·· وعن عطاء بن أبي رباح مرسلاً أن النبي r قال:"إذا شربتم فاشربوا مصَّاً"···.

وعن أبي هريرة t"أن النبي r كان يشرب في ثلاثة أنفاس،إذا أدنى إلى فيه يسمي الله وإذا أخره حمد الله يفعل ذلك ثلاثاً"····.

فالهدي النبوي في شرب الماء أن يقسم المرء شرابه إلى ثلاثة أجزاء يتنفس بينها،مبعداً الإناء عن فيه وعن نفسه وقاية له من التلوث،وان يمص الماء مصاً _أي ببطء_ لأنه أهنأ وأمرأ وأبرأ لداء العطش.قال النووي كان يتنفس في الشراب ثلاثاً أي أثناء شربه.وقال المنذري(20) وهذا محمول على أنهr كان يبعد القدح عن فيه في كل مرة ثم يتنفس.

يقول د.النسيمي(9):وفي تقسيم الإنسان شرابه إلى ثلاثة أقسام فوائد أهمها تذوق الماء والشراب ليدرك مدى صلاحيتها للشرب ودرجة حرارتها وما قد طرأ عليها من فساد أو تغير بمواد قد تكون سامة،فيحجم عن الشرب قبل فوات الأوان بشربها دفعة واحدة،وكثيراً ما تأذى أناس أو ماتوا بتجرعهم سائلاً ضاراً أو ساماً بطريق الخطأ إذ ظنوه ماءً.وفي المص وتقسيم الشراب البارد إلى جرعات بعدٌ عن تنبيه العصب المبهم تنبيهاً شديداً،هذا العصب الذي يبطئ القلب،فإذا تنبه بعنف كأن يكون الماء أو الشراب الوارد بارداً كثيراً فقد يؤدي تناوله بسرعة(عباً)إلى توقف القلب بالنهي العصبي وقد يحدث الموت فجأة.

ويؤكد د.الراوي(21) هذا المعنى في مشاهدة له في القصر العدلي لشاب رياضي سقط ميتاً عند هجومه على كوب من الماء البارد وشربه بشره دون تأنٍّ دفعة واحدة.

والذي يشرب الماء دفعة واحدة يضطر أن يتنفس في الإناء وهذا منهي عنه عدا عما فيه من الأضرار.كما ينقل عن الكتب الطبية المدرسية معالجتها لبعض الآفات العصبية للمريء والسبيل الهضمي علاجاً فيزيائياً يتضمن إعطاء السوائل بجرعات صغيرة متكررة تحدث تنبيهات تنشط الأعصاب والعضلات الحلقية في جدار المريء وحيث ينتج عن ترويضها هذا العلاج الشافي.

وينقل د.النسيمي(9)وصية أخرى من الطب الحديث للمصابين بالوذمات بالإقلال من شرب الماء وتعليمهم لدفع الشعور بالعطش أن يقسموا ماء الشرب إلى جرعات صغيرة حيث يتناولوا جرعة صغيرة كلما شعروا بالعطش وهذا يعطي شعوراً أكبر بالري،ولأن الري الحقيقي لا يحصل إلا بعد امتصاص الماء فإذا عب الإنسان الماء بسرعة فلا يرتوي إلا بعد تناول الكؤوس العديدة والكثيرة مما يؤدي إلى تمدد المعدة واضطراب الهضم.

ويرى د.الكيلاني(12) أن الذي يشرب الماء دفعة واحدة يضطر إلى كتم نفسه إلى أن ينفد كوب الماء لأن تقاطع طريقي الماء والهواء عند البلعوم يمنع أن يسيرا معاً وعندما يكتم المرء نفسه طويلاً ينحبس الهواء في الرئتين ويضغط على جدران أسناخها والتي تتوسع بالتدريج مع استمرار هذه العادة حتى يصاب بانتفاخ الرئة والتي يمكن أن تؤدي إلى القلب الرئوي وقصور القلب،وقد ينعكس ذلك مع الوقت على الكبد فتتضخم وتصبح مؤلمة وتنتشر الوذمات في البدن.

النهي عن النفخ في الشراب أو التنفس فيه:

عن أبي سعيد الخدري tقال:"نهى رسول الله r عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب"·.

 

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:" نهى رسول الله r أن يتنفس في الإناء أو أن ينفخ فيه"·.

وعن أبي قتادة tأن رسول الله r قال:"إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء" رواه البخاري.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه"أن النبي r نهى عن النفخ في الشراب" فقال رجل:القذاة أراها في الإناء،قال: أهرقها"··.

وعن أبي المثنى الجهني قال: كنت عند مروان بن الحكم فدخل عليه أبو سعيد فقال له مروان:أسمعت رسول الله r ينهى عن النفخ في الشراب ؟ قال نعم،فقال رجل لرسول الله r: إني لا أروى من نفس واحد فقال r :" فأبن القدح عن فيك ثم تنفس" أخرجه مالك في موطئه.

قال ابن القيم (6):"وأما النهي عن النفخ في الشراب فإنه يكسبه من فم النافخ رائحة كريهة يُعاف لأجلها لا سيما إذا كان متغير الفم ،وبالجملة فأنفاس النافخ تخالطه".

والحقيقة أن هذا هدي نبوي كريم فيه أدب رفيع ،فالنفخ في الطعام والشراب خروج  على الآداب العامة ومجلبة للازدراء. أما من الناحية الطبية (21) فإن هواء الزفير مفعم بغاز الفحم وفضلات الجسم الطيارة والتي تكثر نسبتها عند المصابين بالتسمم البولي (الأوريميائي) أو الانسمام الخلوني (السكريين) وما النفخ إلا اختلاط لهذه الفضلات بالطعام والشراب ومن ثم إعادتها إلى الجسم عند تناوله لتؤدي فعلها السمّي.

ومن هنا نفهم المعجزة النبوية الخالدة بنهي النبي r عن تبريد الطعام أو الشراب بالنفخ عليه وقاية للإنسان من مخاطر المرض.

 

النهي عن الشرب من ثلمة القدح :

عن أبي سعيد الخدري tقال:"نهى رسول الله r عن الشرب من ثلمة القدح"··· ؛وثلمة القدح مكان انكسار قطعة من حافة القدح.

قال المناوي·:وجاء في رواية أنها-أي الثلمة - مقعد الشيطان.وقال ابن الأثير··:وحديث النخعي أنه r كره الشرب من ثلمة القدح وقال أنها كفل الشيطان، أراد أنها ركب الشيطان لما يكون عليها من الأوساخ.

يقول ابن القيم(6) "إن الشرب من ثلمة القدح فيه عدة مفاسد أحدهما أن يكون على وجه الماء من قذى أو غيره يجتمع إلى الثلمة،والثاني أنه ربما يشوش على الشارب فلا يتمكن من حسن الشرب،والثالث أن الوسخ والزهومة تجتمع في الثلمة ولا يصل إليها الغسل كما إلى الجانب الصحيح،الرابع أن الثلمة محل العيب في القدح وهي أردأ مكان فيه فيجب تجنبه،والخامس أنه كان في الثلمة شق يجرح فم الشارب".

وفي الحقيقة فإننا لا يمكن أن نزيد شيئاً على ما أورده ابن القيم من حكم للنهي النبوي عن الشرب من ثلمة القدح غير أن رواية "أنها مقعد للشيطان" أو "كفل للشيطان"  قد تكون من التعابير النبوية المعجزة لمفاهيم علمية حديثة عن وجود تجمع هائل للجراثيم والطفيليات في ثلمة القدح وحيث يصعب تطهيرها تماماً.

 

النهي عن الشرب من في السقاء :

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال :"نهى رسول الله r عن الشرب من في السقاء".

 رواه البخاري،وفي السقاء:فمه والسقاء كل ما يجعل فيه ما يسقى كالقربة والجِرار.

وعن أبي سعيد الخدري tقال :"نهى رسول الله r عن اختناث الأسقية:أن يشرب من أفواهها" رواه مسلم وقال الراوي إنما نهي عنه لأنه ينتنها فإن إدامة الشرب هكذا مما يغير ريحها.

وعن أبي هريرة tقال:"نهى رسول الله r أن يشرب من السقاء والقربة" رواه البخاري ومسلم،وإنما نهي عن الشرب من في السقاء من أجل ما يخاف من أذى عساه يكون فيه لا يراه الشارب حتى لا يدخل جوفه فاستحب أن يشرب من إناء ظاهر يبصره.

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"نهى رسول الله r أن يشرب من في السقاء لأن ذلك ينتنه"

رواه الحاكم.

وعن كبشة الأنصارية رضي الله عنها قالت:"دخل عليَّ رسول الله r فشرب من في قربة معلقة".

رواه الترمذي وقال حديث صحيح.

قال النووي·:النهي عن الشرب من في السقاء للتنـزيه لاحتمال وجود شيء من الهوام في الماء لذلك إذا غطي فم الجرة أو ربط فم القربة فلا مانع من الشرب من فمها،لكن الأولى ألا يشرب من في السقاء امتثالاً للأمر النبوي.

 وقد جمع العلماء·· بين أحاديث جواز الشرب من في القربة وأحاديث المنع جواز الشرب وأن النهي وأن النهي إنما هو للتنـزيه.

يقول د.الكيلاني (12) فالإناء إن لم يكن شفافاً (من الزجاج) وكانت فوهته مفتوحة فقد يسقط فيه شيء من الهوام أو القذى أو الحشرات من عقرب وسواه،فإذا شرب من فم السقاء فإن هذه قد تدخل جوفه فتؤذيه،كما أنه بعد انتهاء الشرب وخاصة إذا كان الشارب مريضاً فقد يعود ريقه مع ما يحمله من جراثيم إلى فم السقاء ويصبح خطراً على الشاربين.

 

النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة :

عن حذيفة بن اليمان tأنه سمع النبي r يقول :"لا تلبسوا الحرير والديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة" رواه البخاري.

وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي r قال :"الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر بطنه في نار جهنم" رواه البخاري.

هذا ولم أجد أحداً من الباحثين ذكر حكمةً صحيةً لهذا الأمر التعبدي. ولعل من الحكمة دعوتهr إلى عدم التبذير وعدم الكبرياء ولأن في غيرهما من المعادن ما يفي الغرض،وأيضاً حتى لا توجد أزمة نقدية باستعمال ما خصص لها من ذهب وفضة في غير موضعه···.

 

 

ألا يعيب طعاماً قط :

عن أبي هريرة عنه رضي الله قال :"ما عاب النبي r طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه"  رواه البخاري ومسلم.

والحق أن هذا هو التصرف الصحي السليم فتناول الطعام المشتهى يساعد على هضمه واستقلابه والاستفادة منه بالشكل الأمثل (16).

 

الاجتماع على الطعام:

عن جابر بن عبد الله tأن النبي r قال : "أحب الطعام ما تكاثرت عليه الأيدي" وفي رواية "ما كان على ضفف"·.

وعن وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده tقال: قالوا يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع ؟ قال:"تجتمعون على الطعام أو تتفرقون" قالوا نتفرق قال :"اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه"··.

وفي الحديث إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت،حصلت معها البركة فتعم الحاضرين. وهذا علاج نبوي كريم عندما شكى إليه الصحابة الكرام من الجوع وعدم الشبع.

 

المضمضة بعد الطعام :

عن سويد بن النعمان قال :"خرجنا مع رسول الله r إلى خيبر فلما كنا بالصهباء دعا بطعام،فما أُتي إلا بسويق،فأكلنا،فقام إلى الصلاة فتمضمض ومضمضنا" رواه البخاري.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما "أن رسول الله r شرب لبناً فدعا بماء فمضمض وقال:إن له دسماً" رواه البخاري ومسلم.

وفي هذا الهدي النبوي حفظ لصحة الأسنان ووقايتها من النخر والتسوس،ذلك أن بقايا الطعام في الفم وبين ثنايا الأسنان يمكن أن تتخمر وتتفسخ متحولة ضمن الفم إلى مزرعة جرثومية خطيرة يمكن أن تترعرع فيها الجراثيم وتتكاثر بسهولة مؤدية إلى حالات مرضية قد تكون وخيمة العواقب،ومن أجل هذا أيضاً كما سنرى شرع استعمال السواك.

 

 

 

 

عدم الأكل من الخبز المرقق المنخول:

عن سهل بن سعد "أن النبي r كان يأكل خبز الشعير غير منخول".

وعن أبي حازم قال سألت سهل بن سعد tهل أكل رسول الله r النقي ؟ فقال:ما رأى رسول الله  r النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه. فقلت: هل كانت لكم في عهد رسول الله r مناخل ؟ فقال: ما رأى رسول الله r منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله.فقلت :كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول ؟ فقال :"نطحنه وننفخه فيطير منه ما يطير وما بقي ثرَّيناه فأكلناه" رواه البخاري.

وعن أنس بن مالك tقال:"ما أكل النبي  r على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق وفي رواية وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات" رواه البخاري.

وعن أم أيمن رضي الله عنها أنها غربلت دقيقاً فصنعته للنبي r رغيفاً فقال: ما هذا ؟ قالت طعام كنا نصنعه بأرضنا فأحببت أن أصنع لك منه رغيفاً فقال r: ردّيه فيه ثم اعجنيه"·.

وعن أنس tقال: "ما رأى النبي r رغيفاً محوراً بواحد من عينيه حتى لحق بالله"·· رواه ابن ماجه.

النقي:الدقيق الأبيض،وثرَّيناه:بلَّلناه بالماء،والخوان هو طاولة الطعام،أما السكرجة فهي الإناء الذي توضع فيه الكوامخ والمقبلات،والمحور الني ينخل مرة بعد مرة.

يقول د.الكيلاني (12):لقد رفض رسول الله r الرغيف الأبيض ذو الدقيق المنخول ورغب في الأسمر المصنوع من الدقيق الكامل غير المنخول،حدث هذا منذ 14 قرناً وعرف الطب الحديث اليوم أهمية النخالة وفائدة إضافتها إلى الخبز في منع حدوث سرطان الكولون الذي كثرت حوادثه في المجتمعات المتحضرة التي تأكل الخبز الأبيض وصارت أكياس النخالة تباع اليوم ليؤكل منها مع الطعام لمنع حدوث الإمساك المزمن وللوقاية من سرطان القولون.

كما صار الخبز الأسمر مرغوباً به عند من يهتم بالصحة هذا عدا عن أن الاقتصار على الخبز الأبيض قد يؤدي إلى نقص في عنصر الزنك في الجسم والذي يؤدي إلى الشيخوخة المبكرة.

 

النهي عن أكل الطعام الحار :

عن أبي هريرة t"أن النبي r كان لا يأكل الحار ويقول إنه غير ذي بركة وأن الله لم يطعمنا ناراً" رواه البيهقي بإسناد صحيح.

وعن جابر tأن النبي r قال:"أبردوا بالطعام الحار فإن الحارَّ غير ذي بركة"···.

وعن أبي هريرة t"أن النبي r أُتي بصفحة تفور فرفع يده منها وقال:إن الله لم يطعمنا ناراً"····.

 

وعن صهيب tقال :"نهى رسول الله  r عن أكل الطعام الحار حتى يمكث"·.

وعن خولة بنت قيس رضي الله عنها "أن النبي  r دخل عليها فصنعت له حريرة (وفي رواية خريزة) فلما قدمتها إليه فوضع يده فيها فوجد حرَّها فقبضها ثم قال يا خولة إنا لا نصبر على حر ولا نصبر على برد"··.

أما من الناحية الطبية فإن الأطعمة والأشربة الحارة جداً يمكن أن تؤدي كثيراً إلى حروق تبدو غالباً (24) في قبة الحنك أو المنطقة الشفوية. وتعزو الكتب الطبية المدرسية (25) كثرة حدوث السرطانات في القسم العلوي من جهاز الهضم وخاصة سرطان المريء إلى الاعتياد على شرب المشروبات شديدة الحرارة ولا سيما الشاي.

 

عدم النوم بعد الطعام مباشرة:

عن عائشة رضي الله عناه أن النبي r قال:"أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة ولا تناموا عليه فتقسوا قلوبكم"···.

وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن رسول الله r قال:"أكل العباد ونومهم عليه قسوة في قلوبهم"····.

قال الحرَّاني:والقسوة اشتداد التصلب والتحجر،وقال الغزالي (11) وفيه يستحب ألا ينام بعد الشبع فيجمع بين غفلتين فيعتاد الفتور ويقسو قلبه ولكن ليصَلِّ أو يجلس يذكر الله فإنه أقرب إلى الشكر،وكان الثوري رحمه الله إذا شبع ليلة أحياها.

وتذكر كتب الطب الوقائي (22) أن النوم يوجب البطء في جميع الأفعال الحيوية في البدن والهضم من جملتها،فالنوم بعد الطعام يربك الهضم ويؤدي إلى عسرات وكثرة الغازات،كما أنه من الملاحظ (23) أن معظم حالات الذبحة الصدرية تأتي بعد وجبة ثقيلة والنوم بعدها مباشرة. فيجب ترك فترة تقرب من ساعة تفصل بين انتهاء الطعام والنوم الطويل حتى تكون المعدة قد انتهت تقريباً من هضمه.

 

 

 

 

الأمر بلعق الأصابع والصفحة :

عن جابر t"أن النبي r أمر بلعق الأصابع والصفحة وقال:إنكم لا تدرون في أيِّ طعامكم البركة" رواه مسلم.

وعن أبي هريرة tأن النبي r قال:"إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أيتهن البركة" رواه مسلم والترمذي.

وعن جابر tأن رسول الله r قال:"إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان،ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أيِّ طعامه البركة" رواه مسلم.

وعن كعب بن مالك tقال: "رأيت رسول الله r يأكل بثلاث أصابع فإن فرغ لعقها"  رواه مسلم.

قال القاضي عياض:إن المراد بذلك هو عدم التهاون بالطعام القليل وإن محله فيما لم يحتج إلى غسل الماء مما ليس فيه دسم ولا زهومة فإن احتاج كان الغسل أولى.

وقال الخطابي:عاب قوم أفسد عقولهم الترف فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع  أو الصفحة هو جزء من أجزاء ما أكلوه،وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذراً لم يكن الجزء اليسير منه مستقذراً.

ويعلق د. الأحمد (16) فيقول:والحق أن وسيلة الأكل في تلك الأيام كانت الأصابع،واليوم فهل يعيب على الآكل أن يلعق ملعقته ؟.

 

تغطية الإناء وإيكاء السقاء :

عن أبي حميد السّاعدي tقال: "أتيت النبي  r بقدح من لبن النقيع ليس مخمراً فقال رسول الله  r:" ألا خمرته ولو تعرض عليه عوداً" قال أبو حميد:إنما أمرنا بالأسقية أن توكأ ليلاً وبالأبواب أن تغلق" رواه مسلم. وتخمير الإناء تغطيته لئلا يسقط فيه شيء وأوكأت الإناء إذا شددته.

وعن جابر tأن النبي r قال:"غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل بها وباء،لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء" رواه البخاري ومسلم.

إن تغطية آنية الطعام والشراب لحمايتها من الغبار والذباب ومن أجل منع التلوث الجرثومي وانتشار الأمراض السارية تعتبر من أهم قواعد الطب الوقائي الحديث،وإنه لمن المعجز حقاً أن يأمر النبي r بهذا الهدي الصحي العظيم،وأن يخبر بإمكانية انتقال الوباء بهذه الطريقة قبل اكتشاف الجراثيم والعوامل الممرضة بأكثر من 14 قرناً.

 

 

 

 

تقديم العَشاء على صلاة العِشاء :

عن أنس بن مالك tعن النبي r أنه قال:"إذا وُضِع العَشاء وأُقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء" رواه البخاري.

إن هذا الحديث عبارة عن قاعدة شرعية جليلة،الحكمة منها أن المصلي الخاوي البطن يبتعد عن الخشوع فينقر صلاته مستعجلاً فلا يحقق المراد من الصلاة. فالنبي r ينصح المسلمين وخاصة في شهر الصيام أن يبدؤوا بالطعام أولاً ثم يصلوا بعد ذلك كي يتسنى لهم الخشوع في صلاتهم.

أما التعليل الطبي لهذا الأمر النبوي (12) فإن الطعام منذ أن يوضع وتظهر روائحه فإن العصارات الهاضمة تبدأ بالإفراز ومنها اللعاب كما تسيل عصارة المعدة منتظرة وصول الطعام إليها وفيها من الحموض والخمائر ما فيها،فإذا تأخر وصول الطعام إليها فقد تؤثر هذه العصارة المتدفقة على جدران المعدة أو في جدران البصلة العفجية محدثة فيها التقرحات،وقد يصاب المرء بعد ذلك بضعف إفراز العصارة المعدية إذا وجدت أن التنبيهات كانت تأتيها خاطئة ويصاب المرء بعسرة الهضم.

 

ما يقوله المسلم إذا فرغ من طعامه:

عن أبي أمامة tأن النبي r إذا رفع مائدته قال:"الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنىً عنه" رواه البخاري.

وعنه أيضاً أن النبي r إذا فرغ من طعامه قال:"الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين"·.

وعن أنس بن مالك tأن النبي r قال:"من أكل طعاماً فقال:الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غُفر له ما تقدم من ذنبه"··.

 

  

مراجع البحث

1-              د.إبراهيم الراوي عن مقالته "نظرة إلى نظام الإسلام في التغذية" مجلة حضارة الإسلام العدد9 لعام 1967.

2-     د.محمد نزار الدقر: "روائع الطب الإسلامي" ج2 [العبادات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع] دمشق،دار المعاجم،1997.

3-     د.محمد نزار الدقر: "روائع الطب الإسلامي" ج3 [المحرمات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع] دمشق،دار المعاجم،1997.

4-              د.أحمد شوقي الفنجري :"الطب الوقائي في الإسلام.

5-              د.أحمد حمدي الخياط :"فن الصحة".

6-              ابن قيم الجوزية :"الطب النبوي".

7-              د.وهبة الزحيلي :"الفقه الإسلامي وأدلته".

8-              د.أحمد شوكت الشطي :"نظرات في الغذاء والطعام" عن حضارة الإسلام العدد 8 لعام 1962.

9-              د.محمود ناظم النسيمي :"الطب النبوي والعلم الحديث".

10-         ابن الأثير الجزري :"جامع الأصول في أحاديث الرسول r".

11-         الإمام الغزالي :"إحياء علوم الدين".

12-         د.عبد الرزاق الكيلاني :"الحقائق الطبية في الإسلام"-دار القلم-دمشق-1996.

13-         د.محمود فؤاد معاذ :"محمد والطب" مقالة في مجلة لواء الإسلام السنة2،ك2 لعام 1949.

14-         د.هشام الخطيب :"الوجيز في الطب الإسلامي"،دار الأرقم-عمان-1985.

15-         د.محمد وصفي :"القرآن والطب"-القاهرة،1960.

16-         د.غياث الأحمد : الطب النبوي في ضوء العلم الحديث".

17-         د.إبراهيم الراوي :"استشارات طبية في ضوء الإسلام"حضارة الإسلام العدد 5/6 لعام 1976.

18-         د.إبراهيم الراوي :"وضعية الجسم عند تناول الطعام"،حضارة الإسلام العدد 9/10 لعام 1976.

19-         د.إبراهيم الراوي : "النهي عن الشرب قائماً"حضارة الإسلام العدد 1 / 2 لعام 1967.

20-         الحافظ المنذري :"الترغيب والترهيب"تحقيق د.مصطفى عمارة-بيروت 1968.

21-         د.إبراهيم الراوي :استشارات طبية في ضوء الإسلام. حضارة الإسلام ع4 لعام 1966.

22-         د.أحمد حمدي الخياط :"الطب الوقائي والاجتماعي" ،دمشق،1380هـ.

23-         د.محمود طللوزي :"في رحاب الطب النبوي والعلم الحديث"،دمشق 1994.

24-   د.كولبي ومجموعته Colby etal عن كتابه Color Atlas Of ozal Pathol ط3 الصادر عن Lippincotts في فلادلفيا U.S.A. .

25-         د.زياد درويش :"أمراض جهاز الهضم"،دمشق 1994.


الفصل الثاني

الآداب الإسلامية في النوم

وأثرها في صحة الفرد والمجتمع

ويضم الأبحاث التالية :

المبحث الأول :الآية الكونية العظمى في تعاقب الليل والنهار.

المبحث الثاني : بورك لأمتي في بكورها.

المبحث الثالث : مفاهيم علمية حول النوم.

المبحث الرابع : الأعمال المستحبة قبل النوم.

1-              طعام العشاء.

2-              تدابير وقائية قبل النوم.

3-              الوضوء قبل النوم.

4-              أوعية النوم.

5-              اضطجع على شقك الأيمن.

المبحث الخامس : اضطرابات النوم

1-              الشخير.

2-              الأرق.

3-              الرؤى والأحلام.


المبحث الأول

الآية الكونية العظمى في تعاقب الليل والنهار :

سبحان من خلق كل شيء فأبدعه،وصور كل شيء في هذا الكون فأتقنه،خلق الإنسان على الأرض ويسَّر له كل الظروف المناسبة لحياته عليها،وجعل فيما حوله آيات بينات باهرات ليهتدي بها في حياته على الطريق القويم(1)،ولعل تعاقب الليل والنهار بهذا النظام المحكم من أهم هذه الآيات. قال تعالى:(وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكوراً) الفرقان،و(الخلفة) كما ذكر القرطبي كل شيء بعد شيء وكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه،ومنه خلفة النبات وهو الورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف. (لمن أراد أن يذَّكّر) أي يتذكر فيعلم أن الله لم يجعله عبثاً فيعتبر في مخلوقات الله تعالى ويشكره على نعمه(2).

وقوله تعلى:(وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً)  النبأ.

وصف سبحانه الليل باللباس تشبيهاً له من حيث أنه يستر الأشياء ويغشاها (3)،وقال القرطبي (2) يعني ستراً للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن.

قوله (سباتاً) أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال،وأصل السبات من التمدد،وقيل للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون وفي التمدد معنى الراحة. وقوله (وجعل النهار نشوراً) من الانتشار للمعاش والعمل (2).

فالله سبحانه -جلت قدرته- جعل الليل لباساً يستتر به الإنسان عن عالم العمل ليفتحها على عالم الأمل،والنوم فطرة الإنسان منَّ الله بها عليه،ولا يمكن لبشر أن يظلَّ مستيقظاً لا ينام فتلك صفة الواحد القهار لا يشاركه فيها أحد فهو الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم (4).

وقوله تعالى:(ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً) النمل.

قال الرازي (5) لما قال (جعلنا الليل ليسكنوا فيه) فَلِمَ لم يقل والنهار لتبصروا فيه ؟،وجوابه لأن السكون في الليل هو المقصود من الليل أما الإبصار في النهار فليس هو المقصود بل هو وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية.

وقوله تعالى:(ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله) الروم.

تذكر أبحاث طبية حديثة(6) أن الغدة الصنوبرية الواقعة تحت الدماغ تقوم بإفراز مادة الميلانونين،ويزداد إفراز هذه المادة في الظلام بينما يثبط نور الشمس إفرازها،وقد وُجد أن للميلانونين تأثير مباشر على النوم.وفي الحقيقة فإنه لحدوث النوم يلزم زوال جميع التنبيهات الخارجية من سمع وبصر والتي تنتقل عن طريق حواسه إلى الدماغ وعندما تخف تلك التنبيهات أو تنعدم تخف وظائف الدماغ المتوقفة عليها ويحصل النوم،فسبحان من جعل الليل سكناً.

تهيئ للإنسان الظروف المناسبة للسكن والراحة والنوم(6) .وإن تعاقب الليل والنهار هي آية من نواميس الحياة التي سخرها الخالق –جلّت قدرته- لخمة هذا الإنسان،كما قال تعالى:"وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) إبراهيم.

إن تعاقب الليل والنهار يعتبر ضرورة أساسية لنمو الحياة على الأرض.وإنه لمن المحال –علمياً- أن تستمر الحياة مع نهار سرمدي أو ليل سرمدي،وإنه لمن المستحيل أن تتعاض الحقائق العلمية مع النص القرآني.انظر إليه قوله تعالى:(قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من غله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون.قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تنظرون.ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) القصص.

إنّ تخصيص النهار للمعاش والعمل والسعي ،وتخصيص الليل للنوم والسكن هو حقيقة علمية كونية أكدت جميع البحوث الطبية الحديثة صحتها،وإن محاولة الإنسان مخالفة سنة الكون هذه بأن ينام في النهار ويسعى على رزقه في الليل يعرض صحته لنكسات وأذيات كبيرة (6).

وينقل الدكتور حسان شمسي باشا فقرات (7) من بحث هام أجري في جامعة هارفرد الأميركية تؤكد أن العمل الليلي يشكل مصدر خطر صحي في العالم المتحضر اليوم يشمل ازدياد العقم والأرق،كما يترافق بنقص في قدرة الإنسان على إنجاز عمله بشكل تام،ونقص في تيقظه،مما يؤدي إلى نقص معدل الإنتاج وزيادة معدل الحوادث.

فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعمل في الوقت الذي تخلد فيه الكائنات الأخرى للنوم،ثم هو يحاول أن ينام في الوقت الذي يبلغ فيه استيقاظه الغريزي ذروته.

ويؤدي هذا السلوك إلى إحباط النظام الطبيعي لساعته الحيوية (البيولوجية)· هذه المشكلة تشمل الملايين العاملين في المناوبات الليلية والمسافرين كثيراً عبر القارات،وإن استمرار عملهم لفترة طويلة ليلاً مع عدم إمكانية تكييف ساعاتهم الحيوية مع تغير نظام حياتهم اليومي يؤدي إلى نقص في القدرة على الإنجاز مع ازدياد الحوادث الناجمة عن التعب والإعياء.

ولعل الدكتور الراوي (8) والذي يعتبر الرائد في أبحاث الإعجاز الطبي في القرآن هو أول من أشار إلى الإعجاز العلمي في قوله تعالى:(وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً) فأكد أن قوانين الطب تمنع الاستمرار في العمل الليلي بصورة دائمة وتفرض وجوب المناوبة على الأعمال بصورة دورية بين الليل والنهار إن لم يجد المرء العمل النهاري الدائم،وإن الاستمرار على العمل ليلاً والنوم نهاراً له خطر بالغ على كافة أجهزة البدن وخاصة الجهاز العصبي،وأن النوم الليلي يعتبر كغذاء مشبع لهذا الجهاز،قادر على إعادة الحيوية والفعالية العضوية للحجر الدماغية.

وتؤكد الأبحاث الطبية المعاصرة (8) أن نور الشمس يبقي على الجهاز العصبي وإن نام صاحبه بحالة من التوتر الحاد وليست له القدرة على الاسترخاء الوظيفي الضروري لراحته،مما يؤدي -مع استمرار نومه نهاراً- لتعرض الجسم للسقم والضعف والانهيار. وإن الظلام يعتبر من أهم العناصر التي تحتاجها الجملة العصبية أثناء النوم ليتم ترميمها وأن النوم العميق الذي لا بدَّ منه لراحة الأعصاب لا يحصل إلا مع هدوء الليل وظلمته. وهنا نقف خاشعين أمام عظمة القرآن البليغ في قوله تعالى):هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً) يونس.

ودلَّت الأبحاث الحديثة أيضاً (8) أن الضوء الأحمر ضارٌّ بالجهاز العصبي أثناء النوم،وأشعة الشمس عند شروقها قريبة من اللون الأحمر،لذا كان النوم في ساعات الصباح وقت الشروق- منافياً لقواعد الصحة العامة،وأن العمل ليلاً والنوم نهاراً إذا استمر طويلاً،يتعرض البدن للاضطرابات العصبية وانهيار الصحة العامة،وأن النوم النهاري يخالف الطبيعة الإلهية التي فرضت على النهار الحركة والضوضاء والشمس،والتي تتعارض كما رأينا مع شروط النوم العميق،ثم إن الهروب الدائم من الشمس في النهار للنوم في غرفة مظلمة يعرِّض الإنسان لخطر الإصابة باضطراب تمثل الكلس في العظام نتيجة فقدان الفيتامين د الذي تكونه أشعة الشمس في الجلد،كما أن أشعة الشمس ضرورية لقتل الكثير من الجراثيم وللوقاية من العديد من الأمراض المهلكة (8).

 

النوم والموت :

ينفصل النائم عما حوله تماماً بكل مداركه وكأنه ميت،والقرآن الكريم يشبه النوم بالموت في مواقع عدة.فقد قال تعالى:(الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) الزمر.

يقول فخر الدين الرازي (5) المقصود من الآية أن الله تعالى يتوفى الأنفس عند الموت وعند النوم إلا أنه يمسك الأنفس التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى أي إلى وقت ضربه لموتها. فالله سبحانه يتوفى الأنفس التي يتوفاها عند الموت،يمسكها ولا يردها إلى البدن. أما الأنفس التي يتوفاها عند الموت فيردها إلى البدن إلى البدن عند اليقظة وتبقى هذه الحالة إلى أجل مسمى وهو وقت الموت.

وفي هذا يقول الدكتور النسيمي (9) يتوفى الله نفس الإنسان فيميته بعد أن يستوفي ساعات عمله ورزقه المسجل أنه سيحدث في يقظته بين نومين،فيدعه في النوم شبه الميت من انعدام الوعي والإدراك،أي أن الله سبحانه يقبض تلك الأنفس عن التصرف أثناء النوم ويطلقها في اليقظة بالتصرف وذلك حتى يأتي أجلها المحدد.

وبذلك يمكن فهم قوله تعالى:(وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون) الأنعام.


المبحث الثاني

بورك لأمتي في بكورها

 

عن صخر الغامدي عن النبي r أنه قال:"اللهم بارك لأمتي في بكورها"·.

وفي رواية عن أبي هريرة tقال،قال r:"بورك لأمتي في بكورها"··

وعن عبد الله بن مسعود tقال: "ذكر عند النبي r رجل فقيل ما زال نائماً حنى أصبح ما قام إلى الصلاة فقال r بال الشيطان في أذنه" رواه البخاري في صحيحه.

يدعو النبي عليه الصلاة والسلام أن يبارك الله سبحانه في عمل أمته أول النهار فهو أبرك الأوقات وأكثرها ملاءمة للعمل والإنتاج وحيث يكون الهواء أصفى وأنعش،فقد ثبت أن الصباح الباكر هو خير الأوقات للعمل والدراسة إذ ينشط الدماغ وتستعد الأعضاء للعمل بهمة وجد،وإن الأمم الصناعية الأكثر تقدماً في العالم هي الأمم التي تستيقظ باكراً وتذهب إلى عملها. ولقد غفل كثير من المسلمين عن دعوة النبي r إلى الاستيقاظ المبكر رغم أن ديننا الحنيف قد فرض علينا صلاة الصبح حيث نستيقظ مع الفجر ورغَّب في التهجد لكي ننعم براحة النفس وصحة الجسم بالقيام في الثلث الأخير من الليل (10).

وتؤكد الباحثة الفرنسية نيريس دي (11) أن عبارة "النوم المبكر والاستيقاظ المبكر يجعل الإنسان صحيحاً وغنياً وحكيماً"  و"إن ساعة النوم قبل منتصف الليل تساوي ثلاث ساعات بعده" فيها بعض الحقيقة،ولقد تبين أن 70٪ من نومنا العميق غير الحالم يحدث خلال الثلث الأول من الليل،وعندما نتجاوز النوم قبل منتصف الليل فإننا نفقد كثيراً من نومنا العابر غير الحالم.

ويرى الدكتور الراوي (12) أن ريح الصبا التي تهب في ساعات الفجر لها تأثير لطيف يحس به الإنسان ويستذوق حلاوته حيث يكون الهواء المشبع بالأوزون،وقد تبين أن لهذا الغاز تأثيرات رائعة على الجملة العصبية والمشاعر النفسية والنشاط العضلي والفكري،كما أن أروع الإنتاجات الصوتية والتلحين الجميل سجلت وقت الفجر الباكر ،وهكذا فإن قارئ القرآن الكريم يحس بقابلية عجيبة وقت الفجر من حيث نقاوة الصوت وصفائه والقدرة على التلحين الجميل،هذا عدا عما فيه من خشوع وصفاء. وقد أشار القرآن الكريم إلى سر هذه المعجزة العلمية عند قوله تعالى:(وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً) الإسراء.

ويتابع الدكتور الراوي (12) قوله:وفي الحديث النبوي المعجز "بورك لأمتي في بكورها" إشارة إلى سبق علمي عن تأثير ريح الصبا على إنتاج الإنسان العقلي والعضلي خاصة وقد أمر بالقيام إلى صلاة الفجر في الغلس ليستنشق الهواء المشبع بالأوزون وليبعث في أجهزته كلها الطاقة والفعالية والصحة الوفيرة،والعلماء اليوم ينصحون الذين يرغبن دوام شبابهم وحيويتهم بالنهوض المبكر مؤكدين أن المعمرين الذين يتمتعون بقوة الشباب وصلوا إلى هذا العمر المديد المشحون بالحيوية بسبب استيقاظهم المبكر واستمتاعهم بريح الصبا كل يوم.

ويؤكد مؤلفا كتاب (مع الطب في القرآن) (6) هذه الحقائق عن فوائد الاستيقاظ المبكر،ويضيفا أن هذا الاستيقاظ يقطع النوم الطويل الذي يعر       ض المسنين للإصابة بالعصيدة الشريانية وخناق الصدر وكثرة حدوث الجلطة القلبية،ويضيفا أن أعلى نسبة للكورتيزون في الدم هي وقت الصباح الباكر حيث تبلغ 7-22 مكغ/ مل من الدم،وأخفض نسبة لها تكون في المساء ومن المعروف أن الكورتيزون هو الهرمون الهام في البدن والذي يعمل على رفع فعاليات الجسم وتنشيط استقلاباته بشكل عام،ويختم المؤلفان بحثهما بقولهما"  وهكذا نجد أن المسلم الملتزم بدينه هو إنسان فريد بالفعل يستيقظ مبكراً لاستقبال يومه الجديد بهمة ونشاط وحيث تكون إمكاناته الذهنية والعضلية في أعلى مستوى مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج في المجتمع.. وإن تعمم هذه الظاهرة في المجتمعات الإسلامية تظهر منها مجتمعات متميزة تدب فيها الحياة منذ مطلع الفجر".

وإذا كان على المسلم أن يستيقظ مبكراً قبيل صلاة الفجر فلا بد من أن ينام مبكراً ليؤمن حق جسده من الراحة والنوم،وهذه هي دعوة النبي r في تربيته لأصحابه الذين ما عرفوا سهر الليالي الذي عليه أمتنا اليوم. فعن أبي برزة t"أن رسول الله r كان يكره النوم قبل العِشاء والحديث بعدها" رواه البخاري ومسلم،وعن جابر tأن النبي r قال:"إياك والسَّمر بعد هدأة الرِّجل فإنكم لا تدرون ما يأتي الله في خلقه".

يقول الحافظ العسقلاني (13) وأصل السمر من لون ضوء القمر لأنهم كانوا يتحدثون فيه،والمراد بالسمر ما كان في أمر مباح لأن المحرم حرام في كل الأوقات. وكان رسول الله r يكره النوم قبل العِشاء لأنه قد يؤدي إلى إخراجها عن وقتها،ويكره السَّمر بعدها لأنه قد يؤدي إلى النوم عن صلاة الفجر أو عن قيام الليل.

لكن العلماء استحبوا السهر أو السمر في أمور ضرورية كمؤانسة ضيف أو مداعبة زوجة أو مذاكرة علم أو للتشاور في أمور المسلمين. فعن عمر بن الخطاب t"أن النبي r كان يسمر هو وأبو بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معهما" رواه الترمذي وحسنه.


المبحث الثالث

مفاهيم علمية حول النوم

جمع الدكتور حسان شمسي باشا (7) في كتابه معلومات قيمة وهامة حول ماهية النوم وأنواعه والوظائف الصحية التي يقدمها للعضوية،نقتطف منها ما يحتاجه القارئ لفهم هذا الحدث الهام في حياته،رابطاً إياه مع الآية الكونية العظمى في تعاقب الليل والنهار،نعمة بعد نعمة،مذكراً بقوله تعالى:(و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها).

 

فما هو النوم :

النوم حالة طبيعية متكررة يتوقف فيها الكائن الحي عن اليقظة وتصبح حواسه معزولة نسبياً عمَّا يحيط بها من أحداث.

يقول الدكتور شابيرو·:من الغريب حقاً أننا لا نعلم إلا القليل جداً عن وظيفة نشاط جسمي نقضي فيه ثلث عمرنا ويرجح أن وظيفته الرئيسية إعطاء الجسم الوقت الكافي ليستعيد قواه،والحقيقة أن الذين ينامون نوماً كافياً وعميقاً هم أكثر نشاطاً أثناء النهار. وينام الإنسان لفترات أطول في مراحل الحياة التي تتميز بسرعة النمو كمرحلة الطفولة والمراهقة،كما يحتاج الإنسان لفترة نوم أطول أثناء المرض.

ويقول كل من ف.كريك و ج.متشيسون·· أن النوم ضروري لكي ينسى الدماغ بعض الأفكار التي يجدها متطفلة،وأنه لو لم يحدث ذلك لشحن الدماغ بذكريات لا تطاق،ولأدى ذلك إلى الهلاوس والهذيان في يقظته.

ويربط البرفسور ك.إيفانس··· بين الدماغ والحاسب الآلي (الكمبيوتر) فالحاسب بعد استعماله طويلاً يحتاج إلى فترة من الزمن لا يشحن فيها بأي معلومات يقوم أثنائها بعملية إعادة البرمجة. وهكذا فإن الدماغ يقوم خلال النوم بتصفية حساباته والتخلص من المعلومات غير الملائمة،ويعتقد عالم النفس مورتون شاتزمان أن إحدى وظائف النوم الهامة هي حل المشكلات والمعضلات،فكثير من العلماء يجد الحلول لمشكلة أعضلت عليه خلال النوم.

ويؤكد العلماء· أن للنوم الهادئ وظيفة مصححة ومرممة وشافية للدماغ إلا أننا لا نعلم طبيعة النوم هذه،أما النوم الحالم فيلعب دوراً مجدِّداً وأساسياً يمكن الدماغ من القيام بوظائفه على أكمل وجه أثناء اليقظة.

وللنوم نوعان :

آ- النوم الهادئ (التقليدي) ويشكل الجزء الأعظم من النوم وتكون أمواج الدماغ الكهربائية فيه أبطأ وأكثر عمقاً مما هي عليه في اليقظة،ويتباطأ نشاط الدماغ وعمليات الاستقلاب في البدن إلى أدنى مستوى لها،وينخفض الضغط ويتباطأ القلب وترتخي العضلات،ويمر الإنسان فيه بأربع مراحل :

أولاها النعاس ثم دور النوم الخفيف ثم دور النوم العميق وهو النوم المريح حقيقة،ثم دور الأمواج البطيئة حيث تصل سعة أمواج الدماغ الكهربائية إلى أقصى ارتفاع لها مع بطئها الشديد.

وتتابع مراحل النوم الهادئ الأربعة واحدة تلو الأخرى،وبعد تسعين دقيقة يدخل المرئ ولفترة وجيزة في نوع آخر من النوم هو النوم الحالم،وتلخص دائرة المعارف البريطانبية وظيفة النوم الهادئ بأنه النوم الذي يعطي الراحة والسكينة للجسم وتعويضه ما خسره في يقظته وترميم ما بلي منه وخرب،إذ يزداد أثناءه إفراز هرمون النمو وإنتاج البروتين.

ب_ النوم الحالم (المتناقض) ويتميز بحدوث حركة العين السريعة وتشبه أمواج الدماغ فيها تلك التي نجدها في اليقظة،وترتفع حرارة الدماغ ويزداد جريان الدم فيه والنعوط عند الرجال،وكثيراً ما حل العباقرة مشاكلهم الفكرية أثناء هذا النوع من النوم. يقول ابن سينا:"ومهما أخذني أدنى نوم كنت أرى المسائل بأعيانها في نومي واتضح لي الكثير من المسائل".

والإنسان يمر في كل 90 دقيقة تقريباً بأدوار يتكرر فيها كلا النوعين من النوم.

 

التبدلات الوظيفية للجسم خلال النوم :

تنخفض حرارة الجسم حرارة البدن لأن الدم ينقص توارده إلى العضلات وانتشاره في الجلد،كما يزداد التعرق ،لذا فالجو الحار الرطب يؤرق النائم،ومن ثم من الخطأ الجسيم أثناء النوم تشغيل المراوح الكهربائية لأن تيار الهواء البارد يسبب له مع غزارة عرقه العديد من التناذرات المرضية.

والنوم يعتبر من وجهة النظر الطبية فترة راحة للبدن لأن جملة وظائف الأعضاء تبطؤ فيه فيقل النبض ويبطؤ التنفس

وينخفض الضغط ويقل استهلاك الأوكسجين في العضلات مما يتيح نوعاً من الوقاية ضد أمراض القلب والشرايين.

ويقل أثناء النوم تكون الفضلات وليستطيع البدن التخلص من فضلاته التي تراكمت أثناء النهار،كما يقل إدرار البول وإفراز اللعاب.

وترتخي العضلات أثناء النوم مع وجود تحرك تلقائي في الأطراف في أوقات معينة لتقليب الجسم بصرف النظر عن عمق النوم وشفافيته،وتتعطل نسبياً كافة الحواس عدا حاسة السمع فإنها تبقى عاملة مع خفة الاستجابة للأصوات لذا فالصوت العالي يوقظ النائم،وما الضرب على آذان أهل الكهف إلا لمنع وصول الأصوات من الوصول إليهم لئلا يستيقظوا حتى يصلوا أجلهم المحدد.

ونجد في النوم أمناً وأماناً من القلق والخوف لذا فقد غشى الله جنود المسلمين بالنعاس أمنة لهم في غزوة بدر،وربط على قلوبهم ليبعد عنهم القلق والخوف وقد كانوا قلة أمام أعدائهم،قال تعالى:(إذ يغشيكم النعاس أمنة منه).

 

كم نحتاج من النوم (7) :

قد تكون الإجابة عن هذا السؤال مستحيلة كما ترى دائرة المعارف البريطانية،لكننا نعلم أن هناك فوارق بين الناس في مدة النوم التي يحتاجونها،فمعظم البالعين ينامون من 6_9 ساعات في اليوم،أما المولودين حديثاً من الرضع فينامون حوالي 16 ساعة،وتنخفض هذه المدة مع نهاية السنة الأولى،ومع نهاية السنة الثانية فإن مدة النوم تصبح من 9_12 ساعة،وتنخفض عند الشيوخ لتصل إلى 6 ساعات فقط.

وذكر بعض الباحثين (7) أننا نمر كل 27 أو 28 يوماً بيومين أو ثلاثة تقل حاجتنا إلى النوم فيها،ويبدو أن ذلك له علاقة بدورة القمر حيث تقل حاجة الإنسان إلى النوم في الليالي التي يكون القمر فيها بدراً.

كما تختلف حاجة الإنسان إلى النوم من وقت لآخر،فالبدن يحتاج إلى نوم أطول بعد القيام بأعمال جسدية شاقة أو أعمال ذهنية كبيرة،وفي حالة الاكتئاب،وتقل الحاجة إلى النوم عندما يكون الإنسان سعيداً هانئاً لا يشغل باله شيء،أو وهو منغمس في أعمال يستمتع بها.

 

الحرمان من النوم

النوم حاجة ضرورية حيوية لكل من الإنسان والحيوان،وتدل تجارب (4) أجريت على الكلاب،أن الحيوان لا يمكن أن يعيش بلا نوم،فقد أعطيت مجموعة كاملة من الكلاب غذائها بالكامل وحرمت من النوم،في حين حرمت مجموعة أخرى من الغذاء وتركت لتنام،فماتت الكلاب التي حرمت من النوم بعد خمسة أيام،أما الكلاب التي حرمت من الغذاء وتركت لتنام فقد قاومت الجوع أكثر من 20 يوماً.

ويؤكد العالم ديكسون· أن الحرمان من النوم يقتل الإنسان بسرعة أكبر من الجوع،وأن الحرمان من النوم لفترة محدودة يؤدي إلى التعب (7) وفقد القدرة على التركيز واضطراب في المزاج ونظم القلب وتخطيط الدماغ،أما إذا تجاوزت فترة الحرمان أسبوعاً واحداً فقد يصاب الشخص بالهلاوس والهذيان،وقد ثبت أن معظم حوادث السيارات تقع في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه السائق في أعمق فترات النوم.

 

 

 

 

 

القيلولة:

عن أنس بن مالك tأن النبي r قال :"قيلوا فإن الشياطين لا تقيل"··.

وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي r قال :"استعينوا بطعام السحر على الصيام وبقيلولة النهار على قيام الليل"···.

والقيلولة كما جاء في لسان العرب هي نومة في منتصف النهار،والمقيل: الموضع،وقال الأزهري أن القيلولة والمقيل عند العرب الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معه نوم،وقال المناوي في فيض القدير: وعمل السلف والخلف على أن القيلولة مطلوبة لإعانتها على قيام الليل.

عن أنس tأن النبي r قال:"قيلوا فإن الشياطين لا تقيل"···.

وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي r قال:"استعينوا بطعام السحر على صيام النهار وبقيلولة النهار على قيام الليل"····.

والقيلولة،كما جاء في لسان العرب،هي نومة نصف النهار،والمقيل:الموضع وقال الأزهري:القيلولة والمقيل عند العرب ،الإستراحة نصف النهار وإن لم يكن معه نوم،وقال المناوي في فيض القدير:وعمل السلف والخلف على أن القيلولة مطلوبة لإعانتها على قيام الليل.

وقال الغزالي في الإحياء:"وإنما تطلب القيلولة لمن يقوم الليل ويسهر في الخير فإن فيها معونة على التهجد،كما أن السحور معونة على صيام النهار.

فالقيلولة من غير قيام الليل كالسحور من غير صيام النهار".

ويقول عالم النفس الفرنسي جورج دوفرو(7):قد تكون الراحة النهارية،بنوم او بغير نوم ضرورية للتكيف مع النشاط المبذول أثناء العمل،وتتماشى مع إيقاع دورة الأيام في اتعاقب بين مراحل الفعل والإنفعال التي نجدها في النوم.فالقيلولة ليست شذوذاً عن القاعدة،ويبدو أنها تلبي حاجة جسدية تنكرها علينا القيود الاجتماعية.

 

النوم كما تحدث عنه كتب الطب النبوي :

يقول العلامة ابن قيم الجوزية (15):"النوم حالة للبدن يتبعها غور الحرارة الغريزية والقوى إللا باطن البدن … وللنوم فائدتان جليلتان:إحداهما سكون الجوارح و راحتها مما يعرض لها من التعب،والثانية هضم الغذاء ونضج الأخلاط لأن الحرارة الغريزية تغور في وقت النوم إلى باطن البدن فتعين على ذلك أن يبرد ظاهره فيحتاج النائم إلى فضل وثار … وأنفع النوم أن ينام على الشق الأيمن ليستقر الطعام بهذه الهيئة في المعدة استقراراً حسناً،وكثرة النوم على الجانب الأيسر مضر بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه فتنصب إليه المواد.

وأردأ النوم على الظهر،ولا يضر الإستلقاء عليه للراحة من غير نوم،وأردأ منه أن ينام منبطحاً على وجهه .. والنوم في الشمس يثير الداء لبدفين،ونوم الإنسان بعضه في الشمس وبعضه في الظل رديء".

…"ومن تدبّر نومه ويقظته r وحده أعدل نوم وانفعه للبدن،فإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ في أول النصف الثاني،فيقوم ويستاك ويتوضأ ويصلي ما كتب الله له،فيأخذ البدن والأعضاء والقوى حظها من النوم والراحة ومن الرياضة مع وفور الأجر وهذا غاية صلاح القلب والبدن.ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه،ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه،فينام إذا دعته الحاجة إلى النوم على شقه الأيمن،ذكراً الله تعالى حتى تغلبه عيناه،غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب،وكان له ضجاع من أدم حشوه ليف وكان يضطجع على الوسادة ويضع يده تحت خده".


المبحث الرابع

الأعمال المستحبة قبل النوم:

طعام العشاء

عن انس بن مالك tأن النبي r قال:"تعشّوا ولو بكف من حشف فإن ترك العشاء مهرمة وفي رواية مفسدة"· والحشف التمر الرديء.

وعن جابر tأن النبي r قال:"لاتدعوا العشاء ولو بكف من تمر فإن تركه مهرمة"··.

وتناول العشاء ضروري من الناحية الطبية (16).ففي تجارب أجريت على البشر تبين أن التقلصات المعدية تبدو مزعجة أثناء النوم عندما تكون المعدة خاوية،وتزداد الأحلام المزعجة،وتقلبات النائم وحركاته في فراشه مما يدل على عدم حصوله على الراحة والإطمئنان التي هي مرجوة من النوم.

وإذا كان الحديث النبوي منبهاً إلى أهمية تناول العشاء،لكنه يعتبر (1و16) أيضاً دعوة واضحة إلى عدم الإكثار من الطعام عند العشاء وإتخام البطن به،فالعشاء الثقيل مضر جداً قبيل النوم.

يقول ابن قيم الجوزية:"إن من وصايا الأطباء لمن أراد حفظه الصحة أن يمشي بعد الطعام وله مائة خطوة وألا ينام عقبه فإنه مضر جداً،وقال مسلموهم:أو يصلي بعده".وذكر  أنه نفسي القلب رواه ابو نعيم.وينصح الأطباء اليوم بعدم النوم قبل مضي ساعتين على العشاء.


تدابير وقائية هامة قبل النوم

إن النائم كما هو معلوم - يكون في غفلة كاملة عما يحيط به من أمور. وقد أوصى النبي عليه الصلاة و السلام بجملة من التدابير ندب كل مسلم أن يفعلها قبل نومه، حماية و صيانة له من التعرض أثناء نومه من أخطار محتملة قد تؤدي به إلى التهلكة منها:

ما رواه أبو موسى الأشعري tقال: احترق بيت في المدينة على أهله من الليل فحدث بشأنهم رسول الله   r فقال: " إن هذه النار عدو لكم فإذ ا نمتم فأطفئوها عنكم" رواه البخاري .

وما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي r قال :"لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون" متفق عليه.

وما رواه جابر tأن النبي   r قال " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم وغلقوا الأبواب وأوكوا الأسقية وخمروا الطعام و الشراب "رواه البخاري (أوكوا الأسقية :شدوا فم القرب ،وخمروا الطعام أي غطوه ).

وما روي عن جابر أيضاً أن النبي r قال:"خمروا الآنية وأجيفوا الأبواب وأطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيل فأحرقت أهل البيت" رواه البخاري والفويسقة الفأرة وأجيفوا أغلقوا.

يقول الدكتور عبد الرزاق الكيلاني (1): إن النبي r لم يترك أمراً من أمور الدنيا والآخرة إلا أمر أمته بخير ما يعلمه لهم ويحذرهم من شر ما يعلمه.ولقد كان الناس يستضيئون بفتيلة يغمسونها في الزيت أو الدهن ،فإذا نام أهل البيت وتركوا المصابيح أو الفتيلة مشتعلة فقد تجرها فأرة فتحرق البيت……و آنية الطعام إذا بقيت مكشوفة فقد تقع فيها الهوام والغبار والحشرات وهذا كله ضار  لذ ا فقد دعت السنة النبوية إلى تغطية آنية الطعام والشراب وشد فم القرب، والى غلق الأبواب ليلا على المنازل لحماية أهلها من شياطين الإنس والجن ومن اللصوص وغيرهم . وان الإنسان المنصف ليعجب من دقة التوجيه النبوي وحرصه على حفظ مصالح الناس وجعل ذلك من صميم تعاليم الشريعة المطهرة .

وعن جابر بن عبد الله tأن رسول الله  rقال: " إذ ا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فان الشياطين تنتشر حينئذ. فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم ، و أغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله فان الشيطان لا يفتح بابا مغلقا "رواه البخاري .

نعم ! لقد اهتم الإسلام بصحة أتباعه والتنشئة السليمة لأطفالهم وحمايتهم من التشرد والضياع فمتى أقبل الليل فعلى الصبيان ألا يبقوا خارج منازلهم ، وإلا تولتهم شياطين الإنس والجن فأغوتهم وقد يصبحون لصوصا أو مجرمين ، وقد يرغمون على ارتكاب الفواحش ،والليل يستر عليهم ذلك والشياطين تجيد الإغواء في الظلام ،لذ ا أهاب النبي r بالمسلمين أي يكفوا أطفالهم بالليل ليحفظوهم من الانحراف . فهذا هدى معلم الخير سيدنا محمد r منذ أكثر من 14 قرنا ، وهذه إحصائيات الغرب اليوم التي تؤكد أن في الولايات المتحدة وحدها يهرب مليون طفل من منازلهم سنويا، ربعهم على الأقل لا يعودون إليها . وفي مدينة لندن يفر كل يوم 2500 من المراهقين تحت سن 18 من منازلهم .

ومنها ما رواه جابر tقال : "نهى رسول الله r أن ينام الرجل على سطح غير محجور عليه " أي غير محاط بحاجز أو جدار . ( رواه الترمذي وهو حديث صحيح )

وهذا أيضا من الهدي النبوي الرائع في المحافظة على سلامة المسلمين والاهتمام بشؤونهم ، صغيرها وكبيرها ، فهو r ينهى عن النوم على السطح غير المحاط بجدار يحفظ النائم من السقوط والهلاك فيما لو قام من نومه وسار والنوم ما يزال غالبا عليه (1و10).

ومنها ما رواه أبو هريرة tأن رسول الله r قال : "اذا أوى أحدكم الى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فانه لا يدري ما خلفه عليه " متفق عليه .

وهذا أيضا هدي نبوي كريم يمنع من الإصابة من أذى محقق لو كان الفراش قد خبأ حشرة أو عقربا أو غيره ، فكان هذا الإجراء الذي أمر به الشرع إجراء سلامة ضروري لكل من يريد النوم وخاصة في البيوت القديمة والريفية وفي خيام المعسكرات وسواها .

 ومنها ما رواه أبو هريرة tقال : قال رسول الله r:"إذا كان أحدكم في الشمس فقلص عنه الظل فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم" رواه أبو داود وفيه ضعف . لكن له شاهد بسند صحيح عن أبي عياض عن رجل من الصحابة قال : " نهى رسول الله أن يجلس بين الضح والظل وقال مجلس الشيطان " ( صححه الحاكم ووافقه  الذهبي …... والضح هو ضوء الشمس ). وكذا ما رواه بريدة بن الحصيب أن رسول الله r نهى أن يقعد الرجل بين الظل والشمس"·.

يقول د.الكيلاني (10) "فأمر البدن لا يستقيم إلا إذا سار العضو على وتيرة واحدة في جميع أعضائه ، ففي ضوء الشمس ، عدا عن الأشعة المرئية هناك الأشعة الحمراء التي تسخن الأعضاء ، والأشعة فوق البنفسجية التي تبيغ الجلد وتحمره . فإذ ا حصل ذلك في جزء من البدن دون الجزء الآخر ، و دونما حاجة إلى ذلك ، تشوش الدوران واضطربت وظائف الأعضاء وهذا ما يحصل عند الجلوس أو النوم بين الظل والشمس .

 

الوضوء والنوم :

تؤكد أبحاث علم الصحة (16) أن على المرء -إن أراد النوم الهادئ- أن يغتسل قبل أن ينام ، أو أن يغسل وجهه ويديه وأن ينظف أسنانه بالمعجون والفرشاة.وهذه أمور تتوافق مع الهدي النبوي فعن البراء بن عازب tأن النبي r قال:"إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة … الحديث " رواه البخاري .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النبي r إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه ثم توضأ وضوءه للصلاة" رواه البخاري .كما حض النبي r في أحاديث كثيرة على استعمال السّواك والذي يؤكد استعماله عندالنوم(1) .

أدعية النوم :

يقول ابن القيم (17):" لما كان النائم بمنزلة الميت وكان محتاجا الى أن يحرس نفسه ويحفظها مما يعرض لها من طوارق الآفات ،وكان فاطره تعالى هو المتولي لذلك وحده ،علم النبي r النائم أن يقول كلمات التفويض والالتجاء   والرغبة والرهبة ليستدعي به كمال حفظ الله له وحراسته لنفسه وبدنه ، وأرشده إلى أن يستذكر الإيمان وينام عليه فإنه ربما توفاه الله في المنام ، فإذا كان الإيمان آخر كلامه دخل الجنة . فتضمن هذا الهدي مصالح القلب والبدن والروح في النوم واليقظة والدنيا والآخرة " .

 عن أنس tأن رسول الله r إذا أوى إلى فراشه قال : " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي " رواه مسلم .

وعن أبي هريرة tقال: قال رسول الله r … فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن وليقل:  سبحانك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " رواه الشيخان .

وعن البراء بن عازب tأن رسول الله  r قال : " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللهم إني أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت واجعلهن آخر كلامك فان متّ متّ على الفطرة " رواه الشيخان .

وتستحب قراءة آية الكرسي لحديث طويل أخرجه البخاري عن أبي هريرة،كما تستحب قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين لما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيها فقرأ (قل هو الله أحد) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بما من رأسه ووجهه وما أقبل من جسده،يفعل ذلك ثلاث مرات" رواه البخاري.

اضطجع على شقك الأيمن :

إن الاستلقاء أو الاضطجاع على الفراش يمكن أن يكون على البطن أو على الظهر أو على أحد الشقين الأيمن أو الأيسر فما هي الوضعية الأمثل من أجل عمل الأعضاء ؟                                     

فحين ينام الشخص على بطنه كما يقول د.ظافر العطار (18) يشعر بعد مدة بضيق في التنفس لأن ثقل كتلة الظهر العظمية تمنع الصدر من التمدد والتقلص عند الشهيق والزفير كما أن هذه الوضعية (16) تؤدي إلى انثناء اضطراري في الفقرات الرقبية والى احتكاك الأعضاء التناسلية بالفراش مما يدفع إلى ممارسة العادة السرية.كما أن الزلة التنفسية الناجمة (10) تتعب القلب والدماغ.ولاحظ بحث أسترالي (19) ارتفاع نسبة موت الأطفال المفاجئ إلى ثلاثة أضعاف عندما ينامون على بطونهم نسبة إلى الأطفال الذين ينامون على أحد الجانبين.

كما نشرت مجلة التايم· دراسة بريطانية مشابهة تؤكد ارتفاع نسبة الموت المفاجئ عند الأطفال الذين ينامون على بطونهم.

ومن المعجز حقاً توافق هذه الدراسات الحديثة مع ما نهى عنه معلم الخير سيدنا محمد r فيما رواه أبو هريرة tقال : "رأى رسول الله r رجلا مضطجعاً على بطنه فقال إن هذه ضجعة يبغضها الله ورسوله" رواه الترمذي بسند حسن.

وما رواه أبو أمامة tقال:"مر النبي r على رجل نائم في المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله وقال :قم واقعد فإنها نومة جهنمية"··.

أما النوم على الظهر فإنها تسبب كما يرى الدكتور العطار (18) التنفس الفموي لأن الفم ينفتح عند الاستلقاء على الظهر لاسترخاء  الفك السفلي . لكن الأنف هو المهيأ للتنفس لما فيه من أشعار ومخاط لتنقية الهواء الداخل ، ولغزارة أوعيته الدموية المهيأة لتسخين الهواء . وهكذا فالتنفس من الفم يعرض صاحبه لكثرة الإصابة بنـزلات البرد والزكام في الشتاء ،كما يسبب جفاف اللثة ومن ثم إلى التهابها الجفافي ،كما أنه يثير حالات كامنة من فرط التصنع أو الضخامة اللثوية .وفي هذه الوضعية أيضاً فإن شراع الحنك واللهاة يعارضان فرجان الخيشوم ويعيقان مجرى التنفس فيكثر الغطيط والشخير كما يستيقظ المتنفس من فمه ولسانه مغطى بطبقة بيضاء غير اعتيادية إلى جانب رائحة فم كريهة. كما أنها تضغط على ما دونها عند الإناث فتكون مزعجة كذلك (20) وهذه الوضعية غير مناسبة للعمود الفقري لأنه ليس مستقيماً وإنما يحوي على انثناءين رقبي وقطني كما تؤدي عند الأطفال إلى تفلطح الرأس إذا اعتادها لفترة طويلة(1) .

أما النوم على الشق الأيسر فهو غير مقبول أيضا (1) لأن القلب حينئذ يقع تحت ضغط الرئة اليمنى ،والتي هي أكبر من اليسرى مما يؤثر في وظيفته ويقلل نشاطه وخاصة عند المسنين.كما تضغط المعدة الممتلئة عليه فتزيد الضغط على القلب والكبد -الذي هو أثقل الأحشاء- لا يكون ثابتا بل معلقا بأربطة وهو موجود على الجانب الأيمن فيضغط على القلب وعلى المعدة مما يؤخر إفراغها .   

فقد أثبتت التجارب التي أجراها غالتيه وبواسيه (20) أن مرور الطعام من المعدة إلى الأمعاء يتم في فترة تتراوح بين2.5-4.5ساعة إذا كان النائم على الجانب الأيمن ولا يتم ذلك إلا في 5-8ساعات إذ ا كان على جنبه الأيسر .

فالنوم على الشق الأيمن هو الوضع الصحيح (18) لأن الرئة اليسرى أصغر من اليمنى فيكون القلب أخف حملا وتكون الكبد مستقرة لا معلقة والمعدة جاثمة فوقها بكل راحتها وهذا كما رأينا أسهل لإفراغ  ما بداخلها من طعام بعد هضمه…كما يعتبر النوم على الجانب الأيمن من أروع الإجراءات الطبية التي تسهل وظيفة القصبات الرئوية اليسرى في سرعة طرحها لإفرازاتها المخاطية هكذا ينقل الدكتور الراوي (21) ويضيف قائلاً: إن سبب حصول توسع القصبات للرئة اليسرى دون اليمنى هو لأن قصبات الرئة اليمنى تتدرج في الارتفاع إلى الأعلى حيث أنها مائلة قليلاً مما يسهل طرحها لمفرزاتها بواسطة الأهداب القصبية أما قصبات الرئة اليسرى فإنها عمودية مما يصعب معه طرح المفرزات إلى الأعلى فتتراكم تلك المفرزات في الفص السفلي مؤدية إلى توسع القصبات فيه والذي من أعراضه كثرة طرح البلغم صباحا هذا المرض قد يترقى مؤديا إلى نتائج وخيمة كالإصابة بخراج الرئة والداء الكلوي وإن من أحدث علاجات هؤلاء المرضى هو النوم على الشق الأيمن.

من هنا يتبين لنا أن النوم على الجانب الأيمن هو الصحيح من الناحية الطبية والذي تتمتع فيه كافة الأجهزة بعملها الأمثل أثناء النوم،وهو أيضا القدوة الحسنة لنبي هذه الأمة ومعلمها كل خير سيدنا محمد  rحين قال:" إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن.."رواه مسلم .

وإن تعليمات النبي الأعظم وهديه في النوم تمثل قمة الإعجاز الطبي حين تنهى وبشكل جازم عن الوضعية الأكثر سوءاً وهي النوم على البطن وتندب للنوم على الجهة الأصح (اليمنى) وتسكت عن جهتين أخريتين أقل سوءاً رحمة بنا وحتى تفسح لنا حرية التقلب في النوم دون حرج أو مشقة.

 

تتمة مراجع البحث

6-              د.عبد الحميد دياب وأحمد فرفور :"مع الطب في القرآن الكريم".

7-              د.حسان شمسي باشا :"النوم ولأرق والأحلام بين الطب والقرآن"،دار المنارة،جدة،1991.

8-              د.إبراهيم الراوي :"استشارات طبية في ضوء الإسلام"،حضارة الإسلام،المجلد 11،العدد 3 لعام 1970.

9-              د.محمود ناظم النسيمي :"الطب النبوي والعلم الحديث"،مؤسسة الرسالة،بيروت،1986.

10-         د.عبد الرزاق كيلاني :"الحقائق الطبية في الإسلام"،دار القلم،دمشق،1996.

11-         د.نيريس دي :"الأحلام،تفسيرها ودلالتها،القاهرة،عالم الكتب.

12-         د.إبراهيم الراوي :"استشارات طبية"،حضارة الإسلام،المجلد14،العدد10 لعام ،1974.

13-         الحافظ ابن حجر العسقلاني :"فتح الباري شرح صحيح البخاري".

14-         د.سمير إسماعيل الحلو :"الليل نومه وقيامه"،دار التراث،المدينة المنورة،1992.

15-         الإمام ابن قيم الجوزية :"الطب النبوي"،تحقيق عبد القادر أرناؤوط.

16-         د.أنور حمدي :"النوم أسراره وخفاياه"،المكتب الإسلامي،بيروت،1986.

17-         الإمام ابن قيم الجوزية :"زاد المعاد من هدي خير العباد"،تحقيق الأرناؤوط.

18-         د.ظافر العطار :"اضطجع على شقك الأيمن"،مجلة طبيبك،ك1،1968.

19-         المجلة الطبية العربية :"أوضاع النوم الخاطئة"،العدد 196،لعام 1993.

20-         د.أحمد حمدي الخياط :"فن الصحة والطب الوقائي"،جامعة دمشق.

21-         د.إبراهيم الراوي :"النوم على الجهة اليمنى"،حضارة الإسلام،المجلد 16،العدد9/10،1975.

22-         د.أنور حمدي :"كي تنام سعيداً"،المكتب الإسلامي،بيروت،1987.

23-         د.إبراهيم الراوي :"المعجزات الطبية في القرآن"،حضارة الإسلام،المجلد14،العدد6،عام1973.

24-         ابن الأثير الجزري :"جامع الأصول في أحاديث الرسول".

25-         محمد علي الصابوني :"قبس من نور القرآن الكريم".

26-         د.قتيبة سالم الحلبي :"النوم-الأرق-الأحلام"،مطبعة سفير،الرياض،1988.


الفصل الثالث

خصال الفطرة في الهدي النبوي

وأثرها في صحة البدن

ويضم المباحث التالية :

المبحث الأول:

1-              الفطرة تعريفها وما ورد فيها.

2-              الإستحداد.

3-              قص الشارب وإعفاء اللحى.

4-              المضمضة والاستنشاق والإستنثار.

5-              غسل البراجم.

6-              انتقاص الماء /الاستنجاء/

7-              تقليم الأظافر.

المبحث الثاني : السواك بين الطب والإسلام.

1-              السواك لغة.

2-              الهدي النبوي في السواك.

3-              فقه السواك.

4-              الإستياك ونظافة الفم وأثره على الصحة العامة.

5-              المسواك.

المبحث الثالث : الختان بين موازين الطب والشريعة.

1-              التعريف اللغوي.

2-              الختان عبر التاريخ.

3-              الختان في السنة.

4-              الحكم الفقهي في الختان.

5-              الختان ينتصر.

6-              الحكم الصحية في ختان الذكور.

7-              ختان البنات.


المبحث الأول

الفطرة تعريفها وأهم خصالها:

"الفطرة" في الأصل تعني ما يميل الإنسان إليه بطبعه وذوقه السليم (1).

والإسلام كله يكون بهذا دين الفطرة،وتعاليمه كلها هي سنن الفطرة (2). لكن رسول الله r قد خصَّ فيها مجموعة من السنن والتعاليم سمّاها "سنن الفطرة" لإرتباطها ببدن الإنسان ووظائفه الحياتية.

هذه السنن ما رواه أبو هريرة t قال:سمعت النبيr  يقول :"خمس من الفطرة (وفي رواية الفطرة خمس) الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط" رواه البخاري ومسلم.

وما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي r قال :"عشرٌ من الفطرة:قص الشارب واستنشاق الماء والسواك وإعفاء اللحية ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء وقص الأظافر وغسل البراجم قال الراوي ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة" وانتقاص الماء يعني الاستنجاء رواه مسلم وابن خزيمة في صحيحه. وقال القاضي عياض:لعل العاشرة الختان لأنه مذكور في حديث (الفطرة خمس).

وكما ورد في حديث الإسراء والمعراج عندما خَيَّر جبريل عليه السلام النبي r ،تاركاً الخمر وشارباً اللبن،فقال جبريل:الحمد لله الذي هداك للفطرة" رواه البخاري ومسلم.

قال ابن الأثير · "الإنسان يولد على نوع من الجبلة والطبع المهيء لقبول الدين،فلو ترك الأمر عليها لإستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها،وإنما يعدل من يعدل لآفة من البشر والتقليد".

وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه (3) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى:"وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن".قال:"ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد.في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد تقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء".

قال أبو شامة (4):"الفطرة هي الخلقة المبتدئة،أي أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها. والاستحداد استعمال الموس في حلق الشعر،والبراجم مفاصل الأصابع أو العقد التي على ظهرها،والمراد بها الموضع التي تتجمع فيها الأوساخ من البدن".

وقد فسر كثير من العلماء "الفطرة" التي وردت الأحاديث النبوية بأنها "السنة أي الطريقة التي جاء بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.وقد أمر الله سبحانه نبيه المصطفى محمد r بالإقتداء بهم في قوله تعالى:"فبهداهم اقتده".

يقول الإمام النووي (5):"جزم الماوردي وأبو اسحق بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث : الدين.وقال البيضاني:الفطرة المرادة هنا هي السنة القديمة التي إختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع وكأنها أمر جبلي فطروا عليه".

وخصال الفطرة كلها،التي حث عليها الإسلام بدعوة صريحة من نبي الرحمة،وإيّاً كان تفسير العلماء لكلمة الفطرة،فإنها تنضوي تحت عنوان "النظافة" والذوق السليم. وسنتناولها في بحثنا هذا بالتفصيل مع المنافع الصحية والاجتماعية التي يحصل عليها المسلم عند التزامه بها في حياته الدنيا.وسنفرد لكل من الختان والسواك بحثاً مستقلاً لأهميتها.

ولقد نبه ابن حجر (5) إلى أنه يتحصل من مجموع ما ورد من آثار صحيحة في خصال الفطرة أنها خمسة عشر خصلة وهي الختان والسّواك والاستحداد 0حلق العانة) وتقليم الأظافر ونتف الإبط قص الشارب وإعفاء اللحية والإنتضاح وغسل البراجم والمضمضة والاستنشاق والاستنثار والاستنجاء وفرق الشعر وغسل الجمعة.

 

الاستحداد :

يقول الإمام النووي (6):"الاستحداد هو حلق العانة وسمي استحداداً لاستعمال الحديدة (الموس أو الشفرة). وهو سنة،والمراد به نظافة ذلك الموضع.والأفضل فيه الحلق،ويجوز بقص الشعر أو نتفه.والمراد بالعانة الشعر النابت حول الذكر أو الفرج وما يلحق به الشعر حول الدُّبر.وأما وقت حلقه فالمختار أنه يضبط بالحاجة،وطوله،فإذا ما طال حُلِقَ.

عن عبد الله بن عَمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال:"من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب" رواه البخاري.

وعن أنس بن مالك t قال:"وقَّت لنا رسول الله r في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة" رواه مسلم.

إنّ ناحية العانة وما يحيط بالقبل والدبر،منطقة كثيرة التعرق والإحتكاك ببعضها البعض،وإنه إن لم يُحلَق شعرها تراكمت عليه مفرزات العرق والدهن،وإذا ما تلوثت بمفرغات البدن من بول وبراز صعب تنظيفها حينئذ،وقد يمتد التلوث إلى ما يجاورها فتزداد وتتوسع مساحة النجاسة،ومن ثَمَّ يؤدي تراكمها إلى تخمرها فتنتن وتصدر عنها روائح كريهة جداً،وقد تمنع صحة الصلاة إن لم تنظف وقلع عنها النجاسات. وفي حلق شعر العانة أيضاً وقاية من الإصابة بعدد من الأمراض الطفيلية المؤذية كقمل العانة الذي يتعلق بجذور الأشعار ويصعب حينئذ القضاء عليها. كما يخفف الحلق من إمكانية الإصابة بالفطور المظنية.لذا سن الإسلام حلق العانة والأشعار حول الدبر كلما طالت تأميناً لنظافتها المستمرة ولأنها من اكثر مناطق الجسم تعرضاً للتلوث والمرض (4و7).

نتف الآباط :

قال النووي (6): وأما نتف الإبط فهو سنة بالاتفاق والأفضل فيه النتف لمن قوي عليه ويجوز بالحلق وغيره.ويرى العلامة ابن حجر (5) أن الهدي النبوي بنتف شعر الإبط وليس بحلقه لأن النتف يضعف التعرق تحت الآباط.

ويؤكد د.الكيلاني (4) أن النتف يضعف إفراز الغدد العرقية والدهنية.وإن الاعتياد عليه(أي بالنتف) منذ بدء نموه ودون أن يحلقه أبداً يضعف الشعر أيضاً ولا يشعر المرء بأي ألم عند نتفه.والمقصود بالنتف أن يكون باليد ويمكن إزالته أيضاً بالرهيمات المزيلة للشعر.

وفي الحقيقة فإن نمو الأشعار تحت الإبطين بعد البلوغ يرافقه نضوج غدد عرقية خاصة تفرز مواد ذات رائحة خاصة إذا تراكم مع الأوساخ والغبار أزنخت وأصبح لها رائحة كريهة (4)،وإن نتف هذه الأشعار يخفف إلى حد كبير من هذه الرائحة،ويخفف من الإصابة بالعديد من الأمراض التي تصيب تلك المنطقة كالمذح والسعفات الفطرية والتهابات الغدد العرقية (عروسة الإبط) والتهاب الأجربة الشعرية وغيرها،كما يقي من الإصابة بالحشرات المتطفلة على الأشعار كقمل العانة (7و8) .

قص الشارب وإعفاء اللحية :

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي r قال:"احفوا الشارب وأعفوا اللحى" رواه البخاري.

وعن أبي هريرة t قال : قال رسول الله r :"جُزّوا الشوارب وأرخوا اللحى،خالفوا المجوس" رواه البخاري ومسلم.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي r قال:"من الفطرة قص الشارب" رواه البخاري.

وعن أنس بن مالك t قال:"وقت لنا رسول الله r في قص الشارب … ألا نترك أكثر من أربعين ليلة" رواه مسلم.

وعن زيد بن أرقم t أن رسول الله r قال:"من لم يأخذ من شاربه فليس منا" رواه النسائي وأحمد،ورواه الترمذي عن المغيرة بن شعبة وقال حديث حسن صحيح.

قال النووي(6):"وأما قص الشارب فسنة أيضاً.وأما حدُّ ما يقصه فالمختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله.وأما روايات احفوا الشوارب فمعناها ما طال على الشفتين،وإعفاء اللحية توفيرها وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشارع عن ذلك".

إن قص الشارب سنة بالاتفاق،إنما يرى الشافعية والمالكية التقصير أي قص الزائد عن الشفة العليا،بينما يرى الحنفية استئصال الشارب كله،والحنابلة مخيرون بين هؤلاء وهؤلاء (9).

ومن الناحية الطبية فإن الشوارب إذا ما طالت ثلوثت بالطعام والشراب وأصبح منظرها مدعاة للسخرية وقد تكون سبباً في نقل الجراثيم (4و8). وعندما يقص المسلم شواربه يبدو بمظهر التواضع والإرتياح خلافاً لما يخلفه إطالة الشارب وفتله من مظهر الكبر والجبروت (8).

وسنة الإسلام في قص الشوارب تتفق مع ما دعا إليه الطب،بقص ما زاد عن حدود الشفة العليا فقط وهو ما كان عليه جمع من الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير،وهو ما ذهب إليه الشافعي ومالك،وإن عدم إزالة الشارب بقصه فقط تتفق مع الطب الوقائي،فالشارب خلق للرجل،وهو المهيأ للعمل وطوارئ البيئة ووجود الشارب يحمي الرجل من طوارئ البيئة وفي تصفية الهواء الداخل عبر الأنف إلى الرئتين،وهذا بالطبع أنفع وأسلم.

أما اللحية فقد دعا الإسلام إلى إعفائها وعدم حلقها:وقد ذهب المالكية والحنابلة إلى حرمة حلقها وقال الحنفية بكراهة التحريم وأفتر الشافعية بالكراهة (9).

ومن الناحية الصحية فإن د.عبد الرزاق كيلاني (4) يرى أن عمل الرجل يؤدي إلى كثرة تعرضه لأشعة الشمس والرياح الباردة والحارة والذي يؤثر سلبياً على الألياف المرنة والكلاجين الموجودين في جلد الوجه ويؤدي إلى تخربهما شيئاً فشيئاً إلى ظهور التجاعيد والشيخوخة المبكرة.وقد خلق الله [المصور] اللحية في وجه الرجل للتخفيف من تأثير هذه العوامل ،ولم يخلقها للمرأة لأنه سبحانه خلقها للعمل في البيت بعيداً عن تأثير الأشعة الشمسية وتقلبات الرياح.

من هنا نرى النتيجة الرائعة للهدي النبوي العظيم في أن وجه الملتحي أكثر نضارة وشباباً من وجه حليق اللحية،كما أن وجه المرأة المحجبة أكثر حيوية ونضارة من وجه السافرة مهما تقدمت بها السن.هذا عدا عما يسببه حلق اللحية اليومي من تهيج للجلد وتخريب لأنسجته،وعلاوة عما في حلق اللحية من تشبه الرجل بالمرأة وقد "لعن رسول الله r المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" كما روى عبد الله بن عباس في صحيح البخاري.

 

المضمضة والاستنشاق والاستنثار:

عن عبد الله الصنايجي أن النبي r قال:"إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر خرجت الخطايا من انفه"· .

وعن علي بن أبي طالب t"أنه دعا بوضوء فمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى ثم قال:هذا طهور نبي الله r" ··.

فالمضمضة هي إدخال الماء إلى الفم وإدارته فيه ثم طرده وهي سنة في الوضوء والغسل عند الشافعية والمالكية،ويرى الحنابلة وجوب المضمضة في الوضوء،أما الحنفية فيرون وجوبها في الغسل فقط،وقد كان هدى النبي r أيضاً أن يتمضمض بعد الطعام وخاصة إذا كان دسماً.فقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما "أن رسول الله r شرب لبناً فمضمض وقال:إن له دسماً" رواه البخاري.

ويتم بالمضمضة نظافة الفم وإزالة بقايا الطعام منه،وأما الغرغرة وهي المبالغة بالمضمضة (وهي مندوبة أيضاً) فتنظف الحلق والبلعوم. وإن تراكم البقايا الطعامية فب الفم يجعلها عرضة للتخمر وتصبح بؤرة مناسبة لتكاثر الجرايم مما قد يسبب إلتهابات في اللثة والقلاع ونخر الأسنان وغيرها من إلتهابات جوف الفم،ومن ثم إلى إنتقالها إلى السبيل الهضمي وما ينتج عنه من إضطرابات هضمية وتعفنات يصدر عنها رائحة الفم الكريهة (10).

أما الاستنشاق فهو إدخال الماء إلى الأنف،والاستنثار إخراجه منه بعد استنشاقه،وهما سنة مؤكدة في الوضوء والغسل عند جمهور الفقهاء عدا الحنابلة الذين قالوا بوجوبه فيهما.وقد روي عن أبي هريرة tأن النبي r قال:"إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر" رواه مسلم. كما أن ذلك مندوب عند القيام من النوم.

ويعمل الاستنشاق والاستنثار كلاهما معاً على التخلص مما تراكم في الأنف من مواد مخاطية،وما إلتصق بها من غبار وجراثيم مما يؤدي إلى تجديد طبقة المخاطية وتنشيطها لتقوم بوظيفتها الحيوية على أتّم وجه. فإذا ما علمنا أن أكثر الأمراض إنتشاراً بين الناس كالزكام والأنفلونزا وإلتهاب القصبات إنما تنتقل إلى الإنسان عن طريق الرذاذ الذي يخرج من المريض،بواسطة الهواء الذي يمر عبر الأنف أدركنا أهمية الدعوة النبوية للالتزام بعمل الاستنشاق والاستنثار مع كل وضوء.

 

غسل البراجم:

البراجم جمع "برجمة" وهي المفصل الظاهر من مفاصل الأصابع،وقيل الباطن منها. ورجح النووي [في الجموع] أن البراجم جميعاً هي مفاصل الأصابع كلها وهي التي تجتمع فيها الأوساخ. وقال الغزالي (5):"كانت العرب لا تغسل اليدين عقب الطعام فيجتمع في تلك الغضون وسخ فأمر بغسلها".

وقد أدخل العلماء في هذا الباب كل اعقد التي تكون مجتمعاً للوسخ سواء كانت في ظهور الأصابع أو في باطنها،في اليدين أو في القدمين،وألحقوا بها ما يجتمع من الوسخ في مناطق الأذان وغيرها (2). ولذا فقد جاءت السنة المطهرة فأمرت بتعهد هذه الأماكن بالغسل والتنظيف فأمر النبي r بتخليل الأصابع في الوضوء،وتدليك البدن وخاصة في الثنيات وتعهدها بإيصال الماء إليها أثناء الغسل حتى تتم نظافة البدن والتي هي في الحقيقة جزء لا يتجزأ من طهارة المسلم وعبادته،وصلى الله على نبي الرحمة القائل:"الطهور شطر الايمان" رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

 

انتقاص الماء :

وفسره العلماء بأنه "الاستنجاء"· ،وهو أيضاً "الانتضاح" :من نضح الفرج بالماء. وهو من خصال الفطرة وسنن الهدى العظيمة التي دعانا إليها المصطفى r، وتعني إزالة النجس من غائط وبول ودم ومذي وسواها،من القبل أو الدبر. وهو واجب عند جمهور الفقهاء لقوله سبحانه و تعالى:)والرجز فاهجر).

والأصل في الاستنجاء أن يكون بالماء، لما روي عن أنس بن مالك tقال :"كان رسول الله r إذا خرج لحاجته تبعته .وأنا غلام- ومعنا إداوة من ماء،يعني يستنجي به" رواه البخاري ومسلم.

ويجوز الاستنجاء بحجر ونحوه وكل شيء قالع (كالمحارم الورقية اليوم) ولا بد منها بثلاث مسحات على الأقل (إن حصل الانقاء) وإلا زاد رابعاً فأكثر. وقد أجمع فقهاء الأمة على ان الأفضل الجمع بين الحجارة (المحارم الورقية)وبين الماء في الاستنجاء.

ولا شك بأن الهدي النبوي بتعليم الأمة قواعد الاستنجاء،إنما هو إعجاز طبي وسبق صحي في مجال الطب الوقائي سبق بها الإسلام كافة الأنظمة الصحية في العالم وتنسجم مع متطلبات الصحة البدنية في الوقاية من التلوث الجرثومي والحد من انتشار الأمراض السارية. فما يخرج من السبيلين من بول وغائط يعتبر من أخطر الأسباب لنقل العدوى بالأمراض الجرثومية والطفيلية فيما إذا أهملت نظافتها (10). لذا دعت السنة النبوية إلى الاهتمام بطهارتها وجعلت ذلك مدخلاً للعبادة الصحيحة عند المسلمين.

تقليم الأظافر :

التقليم لغة هو القطع،وهو تفعيل من القّلْم،وكلما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قلمته. وشرعاً هو إزالة ما يزيد على ملامس رأس الأصبع من الظفر،وهو سنة مؤكدة.

وقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال:"من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب" رواه البخاري.

أما توقيت قصّ الأظافر فقد ورد عن أنس بن مالك tقال:"وقَّتَ لنا رسول الله r في قص الشارب وتقليم الأظافر ألا نترك أكثر من أربعين ليلة" رواه مسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي r قال :"من قلّم أظافره يوم الجمعة وقي من السوء إلى مثلها"·.

فالسنة النبوية تضع حدين (12) لتوقيت قصّ الأظافر،حدٌّ أعلى لا يزيد عنه المسلم في ترك أظافره وهو أربعين يوماً حيث نهى أن تطول أكثر،وحدٌّ أدنى -أسبوع- رغب فيه المسلمين بقص أظافرهم لتكون زينة يوم الجمعة ونظافته.

والمعتمد عند الإمام أحمد بن حنبل استحبابه كيفما احتاج إليه. وقال النووي (5): يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص والضابط،الحاجة إليها،كما في جميع خصال الفطرة.

الموانع الشرعية لإطالة الأظافر : إن عدم قصّ الأظافر وتركها تطول لتصبح (مخالب) بشرية، سواءاً كان ذلك إهمالاً،أو جهلاً،أو كان متعمداً على أنه تقليد (أو موضة) هو خصلة ذميمة مخالفة لسنن الفطرة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.

فالأظافر الطويلة قد تكون سبباً في منع وصول ماء الوضوء إلى مقدم الأصابع،وفيها تشبه وتقليد لأهل الكفر والضلال،وتطبيع للمسلمين بطابع الحضارة الغربية،وفيها أيضاً نزوع إلى الطبيعة الحيوانية وتشبه بالوحوش ذوات المخالب،كما أنه عمل لا يقبله الذوق الإسلامي الذي تحكمه شريعة الله ونظرتها التكريمية للإنسان –الذي هو خليفة الله في الأرض- هذا علاوة على أن ما ينجم من أضرار صحية من حراء إطالة الأظافر،يجعلها تتعارض مع القاعدة الشرعية [لا ضرار ولا ضرار] والتي جاءت لتحافظ على سلامة البشر.

 

 

 

عن قيس بن أبي حازم قال:" صلى رسول الله r صلاة" فأوهم فسها،فسئل فقال: مالي لا أوهم ورفع أحدكم بين ظفره وأنملته"·. ومعناه أنكم لا تقصون أظفاركم ثم تحكون بها أرفاغكم فيتعلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ،وقال أبو عبيد:أنكر عليهم طول الأظافر وترك قصّها.

وفي بحث طريفة قدمه د.يحي الخواجي ود.أحمد عبد الأخر في المؤتمر العالمي للطب الإسلامي (12) آكدّاً فيه أن تقليم الأظافر يتماش مع نظرة الإسلام الشمولية للزينة والجمال.فالله سبحانه خلق الإنسان في أحسن تقويم،وجعل له في شكل جمالي أصابع يستعملها في أغراض شتى،وجعل لها غلافاً قرنياً هو الظفر يحافظ على نهايتها. وبهذا التكوين الخلقي يتحدد الغرض من الظفر ويتحدد حجمه بألا يزيد على رأس الأصبع ليكون على قدر الغرض الذي وجد من أجله.ومن جهة أخرى فإن التخلص من الأوساخ وعوامل تجمعها يعتبران من اهم أركان الزينة والجمال،وإن كل فعل جمالي لا يحقق ذلك فهو وردود على فاعله.

وإن تقليم الأظافر بإزالة الأجزاء الزائدة منها يمنع تشكل الجيوب بين الأنامل والأظافر والتي تتجمع فيها الأوساخ،ويحقق بذلك نظرة الإسلام الرائعة للجمال والزينة.

الأضرار الصحية الناجمة عن إطالة الأظافر: تحمي الأظافر نهايات الأصابع وتزيد صلابتها وكفائتها وحسن أدائها عند الإحتكاك أو الملامسة،وإن الجزء الزائد من الظفر والخارج عن طرف الأنملة لا قيمة له ووجوده ضار من نواح عدة لخصّها الزميلان خواجي وعبد الآخر في عاملين أساسيين:

الأول : تكون الجيوب الظفرية بين تلك الزوائد ونهاية الأنامل والتي تتجمع فيها الأوساخ والجراثيم وغيرها من مسببات العدوى كبيوض الطفيليات،وخاصة من فضلات البراز والتي يصعب تنظيفها،فتتعفن وتصدر روائح كريهة ويمكن أن تكون مصدراً للعدوى للأمراض التي تنتقل عن طريق الفم كالديدان المعدية والزحار والتهاب الأمعاء،خاصة وأنّ النساء هُنّ اللواتي يحضرون الطعام ويمكن أن يلوثن بما يحملن من عوامل ممرضة تحت مخالبهن الظفرية.

الثاني : إن الزوائد (المخالب) الظفرية نفسها كثيراً ما تحدث أذيات Injuries بسبب أطرافها الحادة قد تلحق الشخص نفسه أو الآخرين وأهمها إحداث قرحات في العين والجروح في الجلد أثناء الحركة العنيفة للأطراف خاصة أثناء الشجار وغيره. كما أن هذه الزوائد قد تكون سبباً في إعاقة الحركة الطبيعية الحرة للأصابع،وكلما زاد طولها زاد تأثيرها على كفاءة أصابع اليد أشد،حيث نلاحظ إعاقة الملامسة بأطراف الأنامل وإعاقة حركة الانقباض،وكذا تقييد الحركات الطبيعية للإمساك والقبض وسواها (12) .

وهناك آفات تلحق الأظافر نفسها بسبب إطالتها،منها تقصف الأظافر بسبب كثرة اصطدامها بالأجسام الصلبة أو احتراقها،ذلك أن طولها الزائد يصعب معه التقدير والتحكم في البعد بينها وبين مصادر النار،كما أن تواتر الصدمات التي تتعرض لها الأظافر الطويلة تنجم عنها إصابات ظفرية غير مباشرة كخلخلة الأظافر أو تضخمها لتصبح مشابهة للمخالب Onchogrophosis أو زيادة تسمكها Onychausis أو حدوث أخاديد مستعرضة فيها أو ما يسمى بداء الأظافر البيضاء(12).

وتؤكد الأبحاث الطبية (4) أن الأظافر الطويلة لا يمكن أن نعقم ما تحتها ولا بد أن تعلق بها الجراثيم مهما تكرر غسلها لذا توصي كتب الجراحة أن يعتني الجراحون والممرضات بقص أظافرهم دوماً لكي لا تنتقل الجراثيم إلى جروح العمليات التي يجرونها وتلوثها.

وهكذا تتضح لنا روعة التعاليم النبوية في الدعوة إلى قص الأظافر كلما طالت،واتفاق هذه التعاليم مع مقررات الطب الوقائي وقواعد الصحة العامة والتي تؤكد أن إطالة الأظافر تضر بصحة البدن.

غسل الجمعة :

عن أبي سعيد الخدري tأن النبي r قال :"غسل الجمعة واجب على كل محتلم" رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي هريرة tأن النبي r قال :"حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده" رواه البخاري ومسلم.

دعا نبي الرحمة r المسلمين إلى الاغتسال في كل مناسبة يجتمعون فيها كصلاة الجمعة والعيدين والوقوف بعرفة وغيرها من المناسبات. وبذلك يلتقي المسلمون وهم في أتم نظافة وطهر ولا يشم من أحدهم روائح العرق والثياب الكريهة وهذا –وإيم الله- قمة الحضارة الإنسانية (10). هذا عدا عن أن الحرص على نظافة الجلد أمر ضروري صحياً كي يؤدي هذا العضو وظائفه الهامة في طرح السموم من البدن عن طريق التعرق. ولإقرار التوازن الحروري للبدن،والشعور بما يحيط به عن طريق حاسة اللمس.

وقد فصلنا الفوائد الصحية من الغسل في الجزء الثاني من كتابنا "روائع الطب الإسلامي" وأكدنا فيه عظمة الإسلام في محافظته على صحة الفرد والمجتمع عندما دعا المسلمين إلى الاغتسال،بل وفرضه عليهم في العديد من المناسبات كغسل الجنابة وطهارة المرأة من الحيض.


مراجع بحث خصال الفطرة

1-    د.محمود طلوزي :"في رحاب الطب النبوي والعلم الحديث"،دار الرواد،حلب،1994.

2-    د.محمد علي البار :"الختان"،دار المنارة،جدة،1994.

3-    الإمام ابن جرير الطبري :"تفسير الطبري".

4-    د.عبد الرزاق الكيلاني :"الحقائق الطبية في الإسلام"،دار القلم،دمشق،1996.

5-    ابن حجر العسقلاني :"فتح الباري على صحيح الإمام البخاري".

6-    الإمام النووي :"شرح صحيح مسلم".

7-    د.عادل بربور وزملاؤه :"الطب الوقائي في الإسلام"،دمشق،1992.

8-    د.غياث الأحمد :"الطب النبوي في ضوء العلم الحديث".

9-    د.وهبة الزحيلي :"الفقه الإسلامي وأدلته".

10-                        د.محمد نزار الدقر :"روائع الطب الإسلامي ج2،العبادات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع"،دار المعاجم،دمشق،1995.

11-                        د.محمود ناظم النسيمي :"الطب النبوي والعلم الحديث"،دار الرسالة،بيروت،1991.

12-                        د.يحيى الخواجي و د.أحمد عبد الأخر :"المؤتمر العالمي الرابع للطب الإسلامي"،الكويت،نوفمبر،1986.

13-                        ابن الأثير الجزري :"جامع الأصول في أحاديث الرسول" تحقيق الأرناؤوط.

14-                        الإمام جلال الدين السيوطي :"الجامع الصغير وزيادته".

 

 


المبحث الثاني

السِّواك بين الطب والإسلام

السواك لغة :

قال النووي (1) :"السِّواك لغة بكسر السين،ويطلق على الفعل،وهو الاستياك وعلى الآلة التي يُستاك بها والتي يقال لها "المسواك" أيضاً،يقال:ساكَ فاهُ يسوكه،فقد استاك،وهو مشتق من ساك الشيء إذا دلكه وجمعه سُوُك".

وينطبق التعريف على عود أو فرشاة يدلك به الأسنان لتذهب الصفرة وغيرها.

الهدي النبوي في السواك

عن أبي هريرة tأن النبي r قال :"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة وفي رواية عند كل وضوء (صلاة)"رواه الشيخان.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله r قال :"عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم ومرضاة للرب" رواه البيهقي،ورواه البخاري عن عائشة بلفظ :"السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" ورواه ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه.

وعن تمام بن العباس رضي الله عنهما أن النبي r قال :"مالي أراكم تأتوني قلحاً ؟ استاكوا" رواه الإمام أحمد في مسنده،والقلح ترسبات صفراء في الأسنان.

وعن أنس tأن النبي r قال :"لقد أكثرت عليكم بالسِّواك" رواه البخاري،وأكثرت عليكم أي بالغت في طلبه منكم،أو في إيراد الأخبار في الترغيب فيه.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي r قال :"ركعتان بالسِّواك أفضل من سبعين ركعة بدون سواك"·.

وعن حذيفة بن اليمان tأنه قال :"كان رسول الله r إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسِّواك" رواه البخاري ومسلم،والشوص الغسل والتنقية والدلك والإمرار على الأسنان.

وعن عائشة رضي الله عنها "أن النبي r كان يوضع له وَضوءه وسواكه فإذا قام من الليل تخلّى ثم استاك" أخرجه أبو داود،ولفظه عند ابن ماجه :"كنا نعد لرسول الله r ثلاثة آنية مخمرة من الليل،إناء لطهوره وإناء لسواكه وإناء لشرابه"  ،ولفظه عند مسلم :"وكان أهله r يعدون له سواكه وطهوره"…

وعن عائشة رضي الله عنها قالت :"كان النبي r إذا دخل بيته بدأ بالسواك" رواه مسلم.

وعن أبي بردة عن أبيه قال :"أتيت النبي r فوجدته يستن بسواك في يده ويقول:أُع أُع والسواك في فمه كأنه يتهوع ".رواه البخاري واستن:استاك،وتهوع:تقيأ.

والسواك،كم علمنا،من خصال الفطرة فقد ثبت فيما رواه الإمام مسلم عن النبي r قال :"عشر من الفطرة … وعدّ منها السِّواك".

وعن سمرة tأن النبي r قال :"طيِّبوا أفواهكم بالسواك فإنها طرق القرآن" رواه ابن ماجه وقال السيوطي:حديث حسن،وصححه الألباني ·.

 

فقه السِّواك

تحصل مشروعية الاستياك (2) بكل شيء خشن يصلح لإزالة بقايا الطعام والصفرة التي تعلو الأسنان والرائحة المتغيرة في الفم كعود الأراك أو الزيتون،أو عود شجرة النيم (نيجريا) وغيرها،ويكره من عود لا يعرف حتى لا تكون منه مضرة كأن يكون في الشجرة سمٌّ أو غيره.

قال النووي (4) :"ويستحب أن يُستاك بعود أراك،وبأيِّ شيء استاك مما يزيل التغير،حصل السواك،كالخرقة الخشنة والسُّعد والأشنان.والمستحب أن يُستاك بعود متوسط،لا شديد اليبس يجرح،ولا رطب لا يزيل،وأن يُستاك عرضاً لا طولاً،وأن يُمر السِّواك على طرف لسانه وكراسي أضراسه إمراراً لطيفاً.

واختلف في الإصبع إن كانت تُجزئ عن السِّواك أم لا.قال النووي (1) :"وأما الإصبع فإن كانت لينة لم يحصل بها السِّواك بلا خلاف وإن كانت خشنة ففيها أوجه،والصحيح المشهور لا يحصل لأنها لا تسمى سِواكاً ولا في معناه،وقيل يحصل لحصول المقصود وبهذا قطع القاضي حسين والبغوي،والروياني في البحر".

ولا شك أن استعمال الفرشاة والمعجون هو من السِّواك،ومن مميزاتها أنه يمكن أن ينظف بها الإنسان باطن أسنانه بسهولة،وفي المعجون مواد منظفة ومطهرة.

وأما حكم السِّواك فقد قال النووي (3) :"السِّواك سنة وليس بواجب في حال من الأحوال بإجماع من يعتدُّ به في الإجماع ".وذكر ابن قدامة في كتابه [المغني] أن اسحق بن راهويه وداود الظاهري قالا بوجوب السِّواك لأنه مأمور به،والأمر يقتضي الوجوب.لكن الجمهور استدلّوا بأنه سنة وليس بواجب بقول النبي r :"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسِّواك" رواه البخاري.

والسِّواك مستحب في كل وقت،ويتأكد عند الوضوء والصلاة وتلاوة القرآن وعند تغير الفم بسبب طعام أو نوم،وعند دخول البيت.وقال الشافعية والحنابلة بأنه غير مستحب للصائم بعد الزوال،وكرهه بعضهم لأنه يزيل خلوف الصائم الذي هو عند الله أطيب من ريح المسك.وردّ كثير من العلماء على القائلين بالكراهة.وأن السواك مستحب للصائم،كغيره،في أول النهار وفي آخره،معتمدين على ما رواه عامر بن ربيعة tقال :"رأيت رسول الله r يُستاك وهو صائم" رواه الترمذي وابن خزيمة وصححه،ورواه البخاري معلقاً وقال:قال ابن عمر :"يُستاك أول النهار وآخره".

قال ابن القيم (4) :"يستحب السِّواك للمفطر والصائم وفي كل وقت لعموم الأحاديث الواردة فيه،ولحاجة الصائم إليه،ولأنه مرضاة للرب،ومرضاته مطلوبة في الصوم أشدّ من طلبها في الفطر،ولأنه مطهرة للفم والطهور للصائم أفضل أعماله،وليس لله غرض في التقرب إليه بالرائحة الكريهة وإنما ذكر طيب الخلوف عند الله يوم القيامة حثاً منه على الصوم،لا حَثّاً على إبقاء الرائحة الكريهة،بل الصائم أحوج إلى السِّواك من المفطر،وأيضاً فإن السِّواك لا يمنع طيب الخلوف – الذي يزيله – عند الله يوم القيامة،بل يأتي الصائم يوم القيامة وخلوف فمه أطيب من المسك على صيامه،ولو أزاله بالسِّواك،كما أن الجريح يأتي يوم القيامة ولون دم جرحه لون الدم،وريحه ريح المسك وهو مأمور بإزالته في الدنيا … وقد أجمع الناس على أن الصائم يتمضمض وجوباً واستحباباً والمضمضة أبلغ من السِّواك".

ومن الناحية الطبية فإن رأي الجمهور في استياك الصائم أقرب لقواعد الصحة والطب الوقائي،ونحن مع الدكتور النسيمي (5)،أن أهم مناسباته عند الاستيقاظ من النوم لأن بعض التنخرات تحدث في الفم خلال النوم،كما تترسب بعض المركبات من اللعاب محدثة القلح على الأسنان بسبب ركودة اللعاب أثناء النوم،لذا رأينا أن النبي r إذا قام من الليل ليتهجد يشوص فاه بالسواك.

ويشرح الإمام النووي (3) كيفية الاستياك كما جاءت في هدي النبوة:"والمستحب أن يُستاك عرضاً ولا يُستاك طولاً لئلا يدمي لحم أسنانه،وأن يمر بالسِّواك على طرف أسنانه وكرسي أضراسه وأن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن" ويضيف:"ويستحب أن يُستاك عرضاً في ظاهر الأسنان وباطنها.وأما جلاء الأسنان بالحديد وبردها بالمبرد فمكروه لأنه يضعف الأسنان ويفضي إلى انكسارها،ولأنه يخشنها فتتراكم الصفرة عليها".

عن ربيعة بن أكثم أن النبي r "كان يستاك عرضاً ويشرب مصاً" رواه البيهقي في سننه.

وعن عطاء بن رباح أن رسول الله r قال :"إذا شربتم فاشربوا مصاً وإذا استكتم فاستاكوا عرضاً" أخرجه البيهقي وأبو داود.

يقول د. محمد علي البار :"هذه الأحاديث وغيرها مما نص على الاستياك عرضاً كلها ضعيفة لأنها مرسلة [سقط منها الصحابي]،ولكن ما هو المقصود بالاستياك عرضاً ؟

إن أطباء الأسنان يقولون إن اتجاه الفرشاة في تنظيف الأسنان العلوية يجب أن يكون من الأعلى إلى الأسفل وعكس ذلك لتنظيف أسنان الفك السفلي،أي من أسفل إلى أعلى،وأطباء الأسنان يسمّون ذلك "الاستياك طولاً "، أي بالنسبة لمحور السن.فهل ما ورد في الأحاديث وكلام العلماء "عرضاً" يختلف عنه،أم أنه نفس المقصود مع اختلاف التعبير ؟ إن الطول والعرض يعتمد على تحديد المحور فإن قصد محور الفم كان الاستياك عرضاً هو ذاته ما ذكره الأطباء المحدثون".

ويقول ابن القيم (6):"إن السِّواك متى استعمل باعتدال جلى الأسنان،وأطلق اللسان ومنع الحفر وطيب النكهة ونقى الدّماغ،وأن فيه عدة منافع:يطيب الفم ويشد اللثة ويعين على هضم الطعام،ويسهل مجاري الكلام،وينشط للقراءة والذكر والصلاة،ويطرد النوم ويرضي الرب ويكثر الحسنات"… كما ينقل صاحب مغني المحتاج "أنه يسهل النـزع ويذكّر الشهادة عند الموت".

الاستياك ونظافة الفم وأثرها على الصحة العامة

إن الفم بحكم موقعه كمدخل للطعام والشراب،وباتصاله بالعالم الخارجي،يصبح مضيفة لكثير من الجراثيم (6)،والتي نسمّيها "الزمرة الجرثومية الفموية" ومنها المكورات العنقودية والعقدية والرئوية،والعصيات اللبنية،والعصيات الخناقية الكاذبة،والملتويات الفوهية والفنسانية وغيرها.هذه الجراثيم تكون بحالة عاطلة عند الشخص السليم ومتعايشة معه،لكنها تنقلب ممرضة مؤذية إذا ما أهملت نظافة الفم،أو طرأ عليها ما يضعف مقاومة البدن (5)،وخاصة إذا بقيت ضمن الفم،وبين الأسنان،فضلات الطعام والشراب.فإن هذه الجراثيم تعمل على تفسخها وتخمرها،وتنشأ عنها روائح كريهة،وهذه المواد تؤذي الأسنان كذلك محدثة فيها النخور،أو إلى تراكم الأملاح حول الأسنان محدثة فيها [القلح] أو إلى التهاب اللثة وتقيحها [الرعال].كما يمكن لهذه الجراثيم أن تنتقل بعيداً في أرجاء البدن محدثة التهابات مختلفة كالتهاب المعدة أو الجيوب أو القصبات،وقد تحدث خراجات في مناطق مختلفة من الجسم (7)،وقد تؤدي إلى انسمام الدم أو تجرثمه وما ينجم عن ذلك من أمراض حمَّوية عامة.

وأهم ما يجب العناية به في الفم الأسنان.فللأسنان وظائفها الهامة،ولأمراضها أثر كبير على الصحة العامة،هنا يأتي دور السِّواك،الذي له أهميته القصوى في تخفيف البلاء الناجم عنها.فاللعاب الراكد يحتوي على أملاح بصورة مركزة،فإذا وجد سطحاً بعيداً عن حركات التنظيف الطبيعية كحركة اللسان،أو الاصطناعية كالسواك،فإن هذه الأملاح تترسب،وخاصة في الشق اللثوي،وفي عنق الأسنان،مكونة غشاوة رقيقة جداً،تتكثف شيئاً فشيئاً مكونة ما يسمى باللويحات السنية.وعندئذ تفعل الجراثيم فعلها متفاعلة مع بقايا الطعام وخاصة السكريات الموجودة في الفم مكونة أحماضاً عضوية تقوم بإذابة المينا ثم العاج ويتسع النخر مع استمرار إهمال نظافة الفم (2).

ويتكون القلح أيضاً نتيجة عدم تنظيف الأسنان،وهو عبارة عن رواسب مثل فحمات وفوسفات الكلس والمغنـزيوم،مع المخاط اللعابي وفضلات طعامية تتوضع كلها فوق حافة اللثة وفي الثلم اللثوي وعلى عنق الأسنان،تتصلب مع مرور الزمن مشكلة القلح وهذا مصداق كلام النبي r المعجز "مالي أراكم قلحاً ؟ استاكوا".

ويؤكد د. محمد علي البار (2) أن إهمال نظافة الفم يؤدي إلى التهاب اللثة والتهاب محيط السن [الحَفَر]،والتي تزداد مع تقدم العمر مؤدية إلى فقدان الأسنان فقداناً أبدياً،وإلى إصابة العظم السنخي وضموره،كما يمكن أن تنتقل الجراثيم منها إلى الجيوب الأنفية وإلى الأوعية الدموية المتصلة بالدماغ مما ينذر بحدوث "خراجات في الدماغ أو التهاب في السحايا" أو غيرها من المضاعفات الخطيرة.

ويؤكد هذا المعنى د. عبد الله السعيد (8) قائلاً :"أن أمراض الأسنان قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة.فالجيوب اللثوية الملأى بالصديد،تندفع منها الجراثيم إلى الدم ومنه تتوضع في أماكن مختلفة من العضوية مؤدية إلى التهاب في المفاصل،أو في شبكة العين أو في الرئتين،وقد تحدث صمامات القلب الخ…

كما أن آفات الأسنان كثيراً ما تعرقل عملية المضغ،وإن عصارات الأمعاء لا تقوم بواجبها في هضم الطعام إن لم يكن ممضوغاً بشكل جيد،مما يؤدي إلى عسرة الهضم.عدا عما تقوم به الأسنان من وظيفة جمالية لها أثرها الفعال على نفسية كل إنسان،ولسلامتها أهمية في النطق وفقدها يؤدي إلى اضطرابه".


الهدي النبوي في نظافة الفم والأسنان

يقول د. محمود العكام في تقديمه لكتاب "السِّواك في ميزان الصيدلة (9)": "للإسلام ثنائية رائعة تنسحب قواعدها وأسسها على كل ما يليه ويحكمه ويعنى به.إنها ثنائية المظهر والمخبر،والمبنى والمعنى،ورعايتها معاً دون إفراط من أحدهما على حساب الآخر.وحين يتوجه الإسلام إلى الفم طالباً لصاحبه من أجل تنظيفه وتطهيره دائماً،فلأن الفم محلٌّ ومبنى،ومظهر للكلمة الطيبة التي يدعو إليها الإسلام أساساً للدين.وشتان بين كلمة طيبة تصدر عن محلٍ ومبنىً ومظهر أنيق ومطهر،وبين أخرى تنبعث من فِيٍّ ذي إهمال له،يختلط طيبها مع رائحة يرفضها الإنسان السويُّ طبعاً وفطرةً".

فالبشرية قبل الإسلام لم تعرف طرقاً معقولة لتنظيف أفواههم.فقد استعملوا أساليب،علاوة على قذارتها ،فإنها تلوث الأسنان وقد تضر بها.

فمنذ عهد الرومان وحتى العصور الوسطى انتشرت عادة المضمضة بالبول (10)،حيث كانت نبيلات الرومان يفضلن البول الآتي من إسبانيا،فإن لم يتيسر استعضن عنه ببول الثيران.وكان بعض أطباء أوربا يوصون بمضغ قلب حية أو ثعبان أو فأرة مرة كل شهر من أجل نقاء أسنانهم (6).

وفي هذه الأجواء،جاء الإسلام ليأمر أتباعه بمجموعة من الوصايا تفوق كل ما توصل إليه الطب الحديث من أمور للوقاية من نخر الأسنان والمحافظة على صحة الفم ونظافته , فأنّى للويحة السنية التي تسبب نخر الأسنان وتقيحات اللثة أن تتشكل لدى مسلم يلتزم بالسِّواك عند وضوئه وصلاته،وعند قيامه من النوم،وبعد طعامه ؟ وأنّى لبقايا الطعام أن تبقى في طعامه وتتخمر وهو يتمضمض عند وضوئه وغسله وبعد طعامه،كما بحثنا ذلك في فضل الوضوء ؟

وعدا عن ذلك،فنبي الرحمة r اهتم كثيراً بما يبقى في الفم من بقايا طعامية وأمر بإزالتها وبيّن خطرها على الأسنان.فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال :"إن فضل الطعام الذي يبقى في الأسنان يوهن الأضراس"·.

كما أمر النبي r بالتخلل بعد الطعام،وهو استعمال عيدان دقيقة ينظف بها ما علق من بقايا الطعام بين الأسنان.فعن عمران بن حصين أن رسول الله r قال:"تخللوا على إثر الطعام وتمضمضوا فإنه مصحة للناب والنواجذ"··.

وعن أبي هريرة tأن النبي r قال :"من أكل فليتخلل،فما تخلل فليلفظ،وما لاك بلسانه فليبلع"···.

ومن الهدي النبوي المعجز في صحة الأسنان أنه r كما صحّ في الحديث "لم يأكل خبزاً مرققاً قط" وهو الخبز المنخول الأبيض،فالنبي r كان يأكل الخبز غير المنخول فقشور الحبوب[ النخالة ] تحتوي على الفيتامينات وعلى مادة الفيتات Phytate وهي عبارة عن فوسفات عضوية لها دور وقائي هام ضد نخر الأسنان (2)،فسبحان من علمه [إن هو إلا وحي يوحى].

وهكذا تتضافر التوجيهات النبوية في المحافظة على صحة الفم والأسنان وحمايتها من القلح والنخر وسواها.والبون شاسع بين من يقوم بهذه التعاليم بدافع العقيدة يبتغي بها وجه الله،وبين من يقوم بها لمجرد النظافة.وإن المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر،ورغم عدم التزامها الكامل بتعاليم نبيّها،فهي – بالنسبة لموضوع نخر الأسنان – أفضل حالاً من الدول الصناعية الكبرى.ولو اهتمت الدول الإسلامية بحث العلماء وخطباء المساجد على أن يقوموا بدورهم في التوعية الصحية وتبليغ المسلمين توجيهات نبيهم – سيدنا محمد r – في الحث على السِّواك ونظافة الفم،لاختفت،أو كادت تختفي حالات نخر الأسنان من مجتمعاتهم.فاتباع سنة المصطفى r تؤدي – بلا ريب – إلى سعادة الدنيا والآخرة،وإلى التمتع بحياة صحية - بدنية وعقلية - سليمة علاوة على الفوز برضا الرحمن وثوابه.

 

المسْواك

أصح ما ورد في السنة أن النبي r استاك بسواك من أراك.وشجرة الأراك Saluadora Persica من الفصيلة الأراكية Saluadoraceae وهي شجيرة دائمة الخضرة تنمو في المناطق الحارة في عسير وجيزان من الأراضي السعودية وفي مصر والسودان وفي غور الساعاد (قرب القدس) وفي اليمن وجنوب أفريقيا والهند وغيرها.لها ثمر في حجم حبة الحمص يدعى "الكباث" لونه أخضر،يحمر ثم يسْود عند تمام نضجه،حلو الطعم،حاذق،يمكن أن يؤكل،الكباث مدور وطارد للريح،يؤخذ السِّواك من جذورها ومن أغصانها الصغيرة (11).

وعيدان الأراك مغطاة بطبقة فلينية،تليها طبقة قشرية ثم تأتي بعد ذلك الألياف الدقيقة الناعمة التي تتباعد وتتفرق عند دقّ نهايات العيدان ونقعها بالماء بعد إزالة الطبقة القشرية.وفي المركز أشعة مخية تفصل بين الألياف تحتوي خلاياها على بلورات السيليس والحماضات وحبيبات النشاء،وهي العناصر الفاعلة في المسواك.هذه العناصر تتبدّد بعد أيام من استعماله،لذا تقطع الألياف المستعملةكل بضعة أيام ويصنع من نهاية العود فرشاة جديدة وهكذا يتجدد السِّواك ولا تتراكم فيه الأوساخ (6و12).

وقد أوردت مجلة "المجلة" الألمانية الشرقية في عددها الرابع [1961] مقالاً للعالم رودات – مدير معهد الجراثيم في جامعة روستوك – يقول فيه (13) :"قرأت عن السِّواك الذي يستعمله العرب كفرشاة للأسنان في كتاب لرحّالة زار بلادهم،وقد عرض للأمر بشكل ساخر،اتخذه دليلاً على تأخر هؤلاء القوم الذين ينظفون أسنانهم بقطعة من الخشب في القرن العشرين.وفكرت ! لماذا لا يكون وراء هذه القطعة الخشبية حقيقة علمية ؟ وجاءت الفرصة سانحة عندما أحضر زميل لي من العاملين في حقل الجراثيم في السودان عدداً من تلك الأعواد الخشبية.وفوراً بدأت أبحاثي عليها،فسحقتها وبللتها،ووضعت المسحوق المبلل على مزارع الجراثيم،فظهرت على المزارع آثار كتلك التي يقوم بها البنسلين"… وإذا كان الناس قد استعملوا فرشاة الأسنان من مائتي عام فقط فلقد استخدم المسلمون السِّواك منذ أكثر من 14 قرناً.

ولعل إلقاء نظرة على التركيب الكيمائي لمسواك الأراك يجعلنا ندرك أسباب الاختيار النبوي الكريم،والذي هو في أصله،وحي يوحى.

وتؤكد الأبحاث المخبرية الحديثة (9،13،14) أنه يحتوي على العفص بنسبة كبيرة وهي مادة مضادة للعفونة،مطهرة،قابضة تعمل على قطع نزيف اللثة وتقويتها،كما تؤكد وجود مادة خردلية هي السنجرين Sinnigrin ذات رائحة حادة وطعم حراق تساعد على الفتك بالجراثيم.

وأكد الفحص المجهري لمقاطع المسِّواك وجود بلورات السيليكا وحماضات الكلس والتي تفيد في تنظيف الأسنان كمادة تزلق الأوساخ والقلح عن الأسنان.وأكد د. طارق الخوري (18) وجود الكلورايد مع السيليكا وهي مواد تزيد بياض الأسنان،وعلى وجود مادة صمغية تغطي الميناء وتحمي الأسنان من التسوس،وإن وجود الفيتامين ج وثري ميتيل أمين يعمل على التئام جروح اللثة وعلى نموها السليم،كما تبين وجود مادة كبريتية تمنع التسوس (2).

وفي بحث قدمه د. محمد رجائي المصطيهي وزملاؤه (15) بينوا فيه احتواء المسواك على مادة شبه قلوية يمكن أن تكون السلفارورين،وعلى الثري ميتيل أمين،ونسبة عالية من الكلورايد والفلوريد والسيستوستيرول،وعلى كمية قليلة من الصابونين و الفلافونيد،وأثبتوا لمحاليل الأراك تأثيراً موقفاً لنمو الجراثيم،لوجود مادة كبريتية،ولأن الثري ميتيل أمين يخفض الأسّ الهدروجيني،مما يجعل فرص نمو الجراثيم قليلة،كما أن السيستوسترول  يعمل مع الفيتامين ج على تقوية الشعيرات الدموية المغذية للثة وعلى حمايتها من الالتهاب.

وفي بحث قدمه د. عبد الرحيم محمد مع البروفسور جيمس ترنر (16) أكدوا فيه أهمية الكبريت والسيستروسترول الموجودتان في السواك كمواد قاتلة للجراثيم،وعلى وجود ثاني فحمات الصوديوم وأهميتها في تنظيف الأسنان (2).وأكد بحث آخر (6) وجود مادة عطرية ذات رائحة مستحبة تطغى على الرائحة الكريهة التي يمكن أن توجد في الفم.

وفي قسم العلوم السنية في جامعة الملك سعود (9) أجريت دراسة حول تأثير مادة البنـزيل إيزو تيوسيانات التي تمَّ عزلها من جذور الأراك على فيروس الحلأ البسيط.

وأشارت النتائج أن لهذه المواد خواصَّ قاتلة لهذا الفيروس وبتركيز 133.3 مكروغرام/مل،مما يشير إلى إمكانية السيطرة على إصابة الفم بالحلأ البسيط عند استعمال السِّواك وفي الوقاية من نكسه المتكرر.

وأثبتت دراسة حديثة (1988) أجريت في جامعة أنديانا الأميركية،أن لهذه المادة [بنـزيل إيزو تيوسيانات ] أثراً مهماً في تثبيط المكورات العقدية،وربما تكون مفيدة في خفض فرص حصول النخور السنية (9) …

والباحثون الذين درسوا السواك يفضلونه على فرشاة الأسنان (6و9) فهو يقوم مقام فرشاة ومعجون بآن واحد،فهو (فرشاة) بأليافه الدقيقة الجيدة والمناسبة للتنظيف،وهو (معجون) بما فيه من مواد مطهرة،وأخرى زالقة ومنظفة كبلورات السيليس والحماضات،ومواد صمغية وعطرية وغيرها.

فالمسواك كمنظف آلي يزيل بقايا الطعام من بين الأسنان ويزيل القلح،ويمتاز عن الفرشاة بإمكانية تحضيره بالقساوة والثخانة المناسبين،وذلك بواسطة تفريق أليافه قليلاً أو كثيراً،كما يمتاز بعدم تخريشه للثة.

وهكذا يمكننا اعتبار المسواك،الفرشاة الطبيعية المثالية،والمزودة بمعجون ربّاني،من موادّ مطهرة،ومنظفة تفوق ما تملكه معاجين الأسنان الصناعية من مواصفات،ولعل أهمها أن المعجون المطهر لا يستمر تأثيره أكثر من 20 دقيقة ثم يرجع الفم إلى حالته العادية،لكن من المنتظر بعد استعمال السِّواك ألا يعود مستوى الجراثيم الفموية إلى حالته إلا بعد ساعتين على الأقل (17).


مراجع البحث

1-     الإمام النووي:"المجموع - شرح المهذب".

2-     د. محمد علي البار:"السِّواك" – دار المنارة – جدّة – 1994.

3-     الإمام النووي :"شرح صحيح مسلم" دار الفكر – بيروت – 1972.

4-     الإمام ابن القيم الجوزية :"زاد المعاد من هدي خير العباد".

5-     د. محمود ناظم النسيمي :"الطب النبوي والعلم الحديث" – بيروت – 1987.

6-     صلاح الحنفي :"السِّواك" رسالة جامعية – جامعة دمشق – 1962.

7-     د. عبد الرزاق كيلاني :"الحقائق الطبية في الإسلام" – دمشق – 1996.

8-     د. عبد الله السعيد :"صحة الفم والأسنان" مكتبة المنارة – الأردن – 1982.

9-     د. علي الرغبان وزملاؤه:"السِّواك في ميزان الصيدلة" دار فصلت – حلب – 1997.

10-     د. أحمد شوكت الشطي :"رسالة في تاريخ الطب".

11-     د. محمد نزار الدقر:"روائع الطب الإسلامي ج1" القسم العلاجي – دار المعاجم – دمشق – 1994.

12-      د. أبو حذيفة إبراهيم محمد :"السواك أهميته واستعماله" طنطا – 1987.

13-      د. غياث الأحمد :"الطب النبوي في ضوء العلم الحديث".

14-      د. عبد الله عبد الرزاق السعيد :"السواك والعناية بالأسنان" جدة – 1982.

15-      د. محمد رجائي المصطيهي وزملاؤه :"استعمال السِّواك لنظافة الفم وصحته" المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي – الكويت 1981.

16-      د. عبد الرحيم محمد و د. جيمس ترنر :"مقالة عن السواك في مجلة

 Odento-Stomatol Tropica, 1983, N4.

17-      د. عزت أبو شعر :"السِّواك" رسالة جامعية – دمشق 1974.

18-      د. طارق خوري :"مقالة عن السواك" مجلة

Khoory T.:"Clinical Preventive Dentistry, 1983,5(4)".


الختان

بين موازين الطب والشريعة

التعريف اللغوي :

الختان بكسر الخاء اسم لفعل الخاتن ويسمى به موضع الختن أيضاً (1) ومنه الحديث النبوي [إذا التقى الختانان وجب الغسل] والأقلف من لم يختتن.والقلفة والغرلة بمعنى واحد وهي الجلدة التي تقطع والتي تغطي الحشفة عادة،ويسمى الختان في حق الأنثى "خفضاً". وختان الرجل هو الحرف المستدير على أسفل الحشفة وأما ختان المرأة فهي الجلدة كعرف الديك فوق الفرج تعرف بالبظر،وهو عضو انتصابي عند المرأة مثل القضيب لكنه صغير الحجم ولا تخترقه قناة البول.

الختان عبر التاريخ :

تشير المصادر التاريخية إلى أن بعض الأقوام القديمة قد عرفت الختان.وفي إنجيل برنابا (2) إشارة إلى أن آدم عليه السلام كان أول من اختتن وأنه فعله بعد توبته من أكل الشجرة ولعل ذريته من بعده تركوا سنته حتى أمر الله سبحانه نبيه إبراهيم عليه السلام بإحيائها.

وقد وجدت ألواح طينية ترجع إلى الحضارتين البابلية والسومرية [3500 ق.م] ذكرت تفاصيل عن عملية الختان (3)،كما وجدت لوحة في قبر عنخ آمون [2200 ق.م] تصف عملية الختان عند الفراعنة وتشير إلى أنهم طبقوا مرهماً مخدراً على الحشفة قبل الشروع في إجرائها،وأنهم كانوا يجرون الختان لغرض صحي.

واهتم اليهود بالختان (4) واعتبر التلمود من لم يختتن من الوثنيين الأشرار فقد جاء في سفر التثنية:" اختتنوا للرب وانزعوا غرل قلوبكم يا رجال يهوذا وسكان أورشليم ".

أما في النصرانية فالأصل فيها الختان،وتشير نصوص من إنجيل برنابا إلى أن المسيح قد اختتن وأنه أمر أتباعه بالختان،لكن النصارى لا يختتنون (5).

أما العرب في جاهليتهم فقد كانوا يختتنون اتباعاً لسنة أبيهم إبراهيم.وذكر القرطبي(6) إجماع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من اختتن.فقد ورد عن أبي هريرة tأن النبي r قال:" كان إبراهيم أول من اختتن،وأول من رأى الشيب وأول من قص شاربه وأول من استحد"i.

وقد فصل ابن القيم (7) في ختان النبي r على ثلاثة أقوال،ويرى أنها كلها تعتمد على أحاديث ضعيفة،أو أنه ليس لها إسناد قائم أو أن في إسنادها عدة مجاهيل مع التناقض الكبير في متونها.فالقول الأول وهو أن النبي r ولد مختوناً،فهو علاوة على ضعف إسناده،فهو يتناقض مع حديث صحيح اعتبر فيه النبي r أن الختان من الفطرة ،ذلك أن الابتلاء مع الصبر مما يضاعف أجر المبتلى وثوابه،والأليق بحال النبي r ألا يُسلب هذه الفضيلة.والقول الثاني أن المَلَكَ ختنه حين شق صدره لا يصح له إسناد مطلقاُ،والأرجح القول الثالث وهو أن جده عبد المطلب ختنه على عادة العرب وسماه محمداً وأقام له وليمة يوم سابعه.

الختان في السنة النبوية المطهرة :

دعا الإسلام إلى الختان دعوة صريحة وجعله على رأس خصال الفطرة البشرية،فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة tأن النبي r قال:"الفطرة خمس:الختان و الاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط".

وجاءت دعوة الإسلام إلى الختان متوافقة مع الحنيفية –ملة إبراهيم عليه السلام،فكان الختان– كما أورد القرطبي عن عبد الله بن عباس – من الكلمات التي ابتلى بها إبراهيم رَبُّه بهن فأتمهن وأكملهن فجعله إماماً للناس.كما ورد عن النبي r ما يؤكد امتداحه لفعل إبراهيم هذا،فقد ورد عن أبي هريرة tأن النبي r قال:"اختتن إبراهيم بعدما مرت عليه ثمانون سنة،اختتن بالقدوم" رواه البخاري ومسلم،والقدوم آلة صغيرة،وقيل هو موضع بالشام.

وعن موسى بن علي اللخمي عن أبيه قال:" أمر الله إبراهيم فاختتن بقدوم فاشتد عليه الوجع فأوحى الله عز وجل إليه،عجلت قبل أن نأمرك بالآلة،قال:يا رب كرهت أن أؤخر أمرك" أخرجه البيهقي بسند حسن.

وعن شداد بن أوس tأن النبي r قال:"الختان سنة للرجال،ومكرمة للنساء" أخرجه أحمد في مسنده والبيهقي وقال حديث ضعيف منقطع.

وعن كثيم بن كليب عن أبيه قال:جاء رجل إلى النبي r فقال قد أسلمت فقال النبي r"ألق عنك شعر الكفر واختتن" أخرجه أحمد وأبو داود،وقال السيوطي بضعفه وفي إسناده مجهولان ( نيل الأوطار )،وقد أورده ابن حجر في التلخيص ولم يضعفه ولكن برواية : "من أسلم فليختتن".

 

الحكم الفقهي في الختان :

يقول ابن القيم (7):اختلف الفقهاء في حكم الختان،فقال الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد هو واجب،وشدد مالك حتى قال:من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته.ونقل كثير من الفقهاء عن مالك أنه سنة حتى قال القاضي عياض:الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة،لكن السنة عندهم يأثم بتركها فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض والندب.وقال الحسن البصري وأبو حنيفة:لا يجب بل هو سنة،ونقل عنه قوله:قد أسلم مع رسول الله r الناس:الأسود والأبيض فما فتش أحداً.

وخلاصة القول:ذهب الشافعية وبعض المالكية بوجوب الختان للرجال والنساء.

وذهب مالك وأصحابه إلى أنه سنة للرجال،ومستحب للنساء،وذهب أحمد إلى أنه واجب في حق الرجال وسنة للنساء،وذهب أبو حنيفة إلى أنه سنة،لكن يأثم تاركه … ويتابع ابن القيم"ولا يخرج الختان عن كونه واجباً أو سنة مؤكدة،لكنه في حق الرجال آكد لغلظ القلفة ووقوعها على الإحليل فيجتمع تحتها ما بقي من البول،ولا تتم الطهارة المطلوبة في كل وقت والواجبة في الصلاة إلا بإزالتها ".

ويقول النووي (8):"ويجب الختان لقوله تعالى:(أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً). ولأنه لو لم يكن واجباً لما كشفت له العورة،لأن كشف العورة محرم،فلما كشفت له العورة دل على وجوبه".

ويعد ابن القيم المواضع التي يسقط فيها وجوب الختان:منها "أن يولد الرجل ولا قلفة له،وضعف المولود عن احتماله بحيث يخاف عليه من التلف،وأن يسلم الرجل كبيراً ويخشى على نفسه منه،والموت فلا ينبغي ختان الميت باتفاق الأمة ولأن النبي r قد أخبر أن الميت يبعث يوم القيامة بغرلته غير مختون فليس ثمة فائدة من ختنه عند الموت".

وهنا يأتي دور الطب إذ يحدد أمراضاً (3) تمنع حاملها من أن يعمد إلى ختانه.منها إصابة الطفل بالتهاب الكبد الإنتاني ( اليرقان ) أو إصابته بأحد الأمراض النـزفية كالناعور أو نقص الفيتامين ك،أو عندما يكون مصاباً بأحد الأمراض المنتقلة بالجنس كالإفرنجي والإيدز،ففي هذه الحالات يجب معالجة المولود حتى يتم شفاؤه أو إعداده بشكل يكفل سلامته قبل إجراء الختان.

وقد اتفق الجمهور على عدم ثبوت وقت معين للختان،لكن من أوجبه من الفقهاء جعلوا البلوغ "وقت الوجوب" لأنه سن التكليف،لكن يستحب للولي أن يختن الصغير لأنه أرفق به ". وقال النووي باستحباب الختان لسابع يوم من ولادته لما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:"عقَّ رسول الله r عن الحسن والحسين رضي الله عنهما وختنهما لسبعة أيام"i،إلا أن يكون ضعيفاً لا يحتمله،فيؤخره حتى يحتمله ويبقى الأمر على الندب إلى قبيل البلوغ،فإن لم يختتن حتى بلوغه وجب في حقه حينئذ.

وفي هذا يقول ابن القيم (7):"وعندي يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختوناً فإن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به". وقال النووي (8):"وأما الرجل الكبير يسلم فالختان واجب على الفور إلا أن يكون ضعيفاً لا يحتمله بحيث لو ختن خيف عليه،فينتظر حتى يغلب على الظن سلامته".

يقول د. محمد علي البار (5) أن الأبحاث الطبية أثبتت فائدة الختان العظمى في الطفولة المبكرة ابتداءً من يوم ولادته وحتى الأربعين يوماً من عمره على الأكثر،وكلما تأخر الختان بعدها كثرت الالتهابات في القلفة والحشفة والمجاري البولية.

وفي حكمة الختان يقول ابن القيم (7):" … فشرع الله للحنفاء صيغة الحنيفية وجعل ميسمها الختان.. هذا عدا ما في الختان من الطهارة والنظافة والتزين وتحسين الخلقة وتعديل الشهوة التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات،فالختان يعدلها ولهذا تجد الأقلف من الرجال والقلفاء من النساء لا يشبع من الجماع.والحكمة التي ذكرناها في الختان تعم الذكر والأنثى وإن كانت في الذكر أبين والله أعلم ".

وأما في بيان القدر الذي يؤخذ في الختان فقد ذكر النووي (8) أن الواجب في ختان الرجل قطع الجلدة التي تغطي الحشفة كلها فإن قطع بعضها وجب قطع الباقي ثانياً.ويستحب أن يقتصر في المرأة على شيء يسير ولا يبالغ في القطع.

الختان ينتصر :

في عام 1990 كتب البروفيسور ويزويل (18):" لقد كنت من أشد أعداء الختان وشاركت في الجهود التي بذلت عام 1975 ضد إجرائه،إلا أنه في بداية الثمانينات أظهرت الدراسات الطبية زيادة في نسبة حدوث التهابات المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين،وبعد تمحيص دقيق للأبحاث التي نشرت،فقد وصلت إلى نتيجة مخالفة وأصبحت من أنصار جعل الختان أمراً روتينياً يجب أن يجري لكل مولود ".نعم ! لقد عادت الفطرة البشرية لتثبت من جديد أنها الفطرة التي لا تتغير على مدى العصور،وأن دعوة الأنبياء من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى سيدنا محمد r ليتحلى المؤمن ويتخلق بخصال الفطرة هي دعوة حق إلى سعادة البشر جميعاً.

 

الحكم الصحية من ختان الذكور:

أثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن أمراضاً عديدة في الجهاز التناسلي بعضها مهلك للإنسان تشاهد بكثرة عند غير المختونين بينما هي نادرة أو معدومة عند المختونين (1).

أولاً:الختان وقاية من الالتهابات الموضعية في القضيب:فالقلفة التي تحيط برأس القضيب تشكل جوفاً ذو فتحة ضيقة يصعب تنظيفها،إذ تتجمع فيه مفرزات القضيب المختلفة بما فيها ما يفرزه سطح القلفة الداخلي من مادة بيضاء ثخينة تدعى"اللخن Smegma "،وبقايا البول والخلايا المتوسفة والتي تساعد على نمو الجراثيم المختلفة مؤدية إلى التهاب الحشفة،أو التهاب الحشفة والقلفة الحاد أو المزمن والتي يصبح معها الختان أمراً علاجياً لا مفر منه (5) وقد تؤدي إلى التهاب المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين.

وتؤكد دراسة د. شوبن (9) أن ختان الوليد يسهل نظافة الأعضاء الجنسية ويمنع تجمع الجراثيم تحت القلفة في فترة الطفولة،وأكد د. فرغسون (4) أن الأطفال غير المختونين هم أكثر عرضة للإصابة بالتهاب الحشفة وتضيق القلفة Phemosis من المختونين.

ثانياً:الختان يقي الأطفال من الإصابة بالتهاب المجاري البولية:وجد جنـز برغ (4) أن 95٪من التهابات المجاري البولية عند الأطفال تحدث عند غير المختونين.ويؤكد أن جعل الختان أمراً روتينياً يجرى لكل مولود في الولايات المتحدة منع من حدوث أكثر من 50 ألف حالة من التهاب الحويضة والكلية سنوياً عند الأطفال.وتؤكد مصادر د. محمد علي البار (5) الخطورة البالغة لالتهاب المجاري البولية عند الأطفال وأنها تؤدي في 35٪ من الحالات إلى تجرثم الدم وقد تؤدي إلى التهاب السحايا والفشل الكلوي.

ثالثاً:الختان والأمراض الجنسية:أكد البروفيسور وليم بيكرز (10) الذي عمل في البلاد العربية لأكثر من عشرين عاماً،وفحص أكثر من 30 ألف امرأة،ندرة الأمراض الجنسية عندهن وخاصة العقبول التناسلي والسيلان والكلاميديا والتريكوموناز وسرطان عنق الرحم.ويُرجع ذلك لسببين هامين:ندرة الزنى وختان الرجل.

ويرى آريا وزملاؤه (5) أن للختان دوراً وقائياً هاماً من الإصابة بكثير من الأمراض الجنسية وخاصة العقبول والثآليل التناسلية.كما عدد فنك (11) Fink أكثر من 60 دراسة علمية أثبتت كلها ازدياد حدوث الأمراض الجنسية عند غير المختونين.

وأورد د. ماركس Marks J (4) خلاصة 3 دراسات تثبت انخفاض نسبة مرض الإيدز عند المختونين،في حين وجد سيمونس وزملاؤه أن احتمال الإصابة بالإيدز بعد التعرض لفيروساته عند غير المختونين هي تسعة أضعاف ما هو عليه عند المختونين.أليس هذا بالأمر العجيب (4) ؟ حتى أولئك الذين يجرؤون على معصية الله يجدون في التزامهم بخصلة من خصال الفطرة إمكانية أن تدفع عنهم ويلات هذا الداء الخبيث،لكن لا ننكر أن الوقاية التامة من الإيدز تكون بالعفة والامتناع عن الزنى.

رابعاً:الختان وقاية من السرطان:يقول البروفيسور كاو دري (12):" يمكن القول وبدون مبالغة بأن الختان الذي يُجرى للذكور في سن مبكرة يخفض كثيراً من نسبة حدوث سرطان القضيب عندهم،مما يجعل الختان عملية ضرورية لا بد منها للوقاية من حدوث الأورام الخبيثة ".وقد أحصى (13) د. أولبرتس [1103] مرضى مصابين بسرطان القضيب في الولايات المتحدة،لم يكن من بينهم رجل واحد مختون منذ طفولته.

وفي بحث نشره د. هيلبرغ وزملاؤه (14) أكدوا فيه أن سرطان القضيب نادر جداً عند اليهود،وعند المسلمين حيث يُجرى الختان أيام الطفولة الأولى.وإن أبحاثاً كثيرة جداً تؤكد أن الختان يقي من السرطان في القضيب.وتذكر هذه الأبحاث أن التهاب الحشفة وتضيق القلفة هما من أهم مسببات سرطان القضيب،ولما كان الختان يزيل القلفة من أساسها،فإن المختونين لا يمكن أن يحدث عندهم تضيق القلفة،ويندر جداً حدوث التهاب الحشفة.وقد ثبت أن مادة اللخن (4و5) التي تفرزها بطانة القلفة عند غير المختونين والتي تتجمع تحت القلفة لها فعل مسرطن أيضاً.فقد أثبتت الأبحاث أن هذه المادة تشجع على نمو فيروس الثآليل الإنساني HPV الذي ثبت بشكل قاطع أثره المسرطن.

أما الدكتور رافيتش (15) فيؤكد على دور الختان في الوقاية من أورام البروستات،على الرغم من أنه لا توجد دلالة قاطعة تثبت ذلك،غير أنه في المؤتمر الذي عقد في مدينة دوسلدورف الألمانية عن السرطان والبيئة،أشير إلى العلاقة السلبية بين سرطان البروستات الذي يصيب الرجال وبين الختان،وأن الرجال المختونين أقل تعرضاً للإصابة بهذا السرطان من غير المختونين.وفي نفس المؤتمر كشف النقاب أيضاً عن أن النساء المتزوجات من رجال مختونين هن أقل تعرضاً للإصابة بسرطان الرحم من النساء المتزوجات من رجال غير مختونين.

من هنا نفهم أن دور الختان لا يقتصر على حماية الرجل "المختون" من الإصابة بالسرطان بل يظهر تأثيره الوقائي عند زوجات المختونين أيضاً.وهكذا يؤكد د. هاندلي (16) أن الختان عند الرجال يقي نساءهم من الإصابة بسرطان عنق الرحم،وذكر أن الحالة الصحية للقضيب والتهاباته تشكل خطراً على المرأة يفوق الخطر الذي يتعرض له الرجل نفسه.

وقد وجد الباحثون (5) أدلة على اتهام فيروس الثآليل الإنساني HPV بتسبب سرطان القضيب لدى غير المختونين،وسرطان عنق الرحم عند زوجاتهم إذ أنهن يتعرضن لنفس العامل المسرطن الذي يتعرض له الزوج.

نخلص من ذلك إلى القول بأن عدم إجراء الختان في سن الطفولة المبكرة يؤدي إلى ظهور مجموعة من العوامل،منها وجود اللخن ( مفرز باطن القلفة )،وتجمع البول حولها ومن ثم تعطن وتنامي فيروس الثآليل الإنساني وغيره من العوامل المخرشة والتي تؤدي في النهاية إلى ظهور سرطان القضيب عند الأقلف عند تجاوز عمره الخمسين وحتى السبعين عاماً.وبانتقال تلك المخرشات إلى عنق الرحم عند زوجته أمكن أن يؤدي عندها إلى الإصابة بسرطان عنق الرحم أو سرطان الفرج.

وإن عملية التنظيف للقلفة لدى غير المختونين لوقايتهم من السرطان،كما يدعو إلى ذلك بعض أطباء الغرب،هي عملية غير مجدية على الإطلاق – كما يؤكد البروفسور ويزويل (5) – فهو يقول بأنه ليس هناك أي دليل على الإطلاق على أن تنظيف القلفة يمكن أن يفيد في الوقاية من السرطان والاختلاطات الأخرى المرتبطة بعدم إجراء عملية الختان.

ونحن - مع الدكتور محمد علي البار – نرى أن الطب الحديث يؤيد،وبقوة – ما ذهب إليه الشافعية من استحباب الختان في اليوم السابع،ولحد أقصى [يوم الأربعين] من ولادة الطفل.وإن ترك الطفل سنوات حتى يكبر دون أن يختن،يمكن – كما رأينا – أن يؤدي إلى مضاعفات خطرة هو في غنى عنها.

ختان البنات :

عن أنس بن مالك tأن النبي r قال لأم عطية – وهي ختانة كانت تختن النساء في المدينة:" إذا خفضت فأشمّي ولا تُنهكي،فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج"i وفي رواية قول النبي r:" إذا ختنت فلا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل"ii.

وعن شداد بن أوس أن النبي r قال:" الختان سنة للرجال،مكرمة للنساء ".

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:دخل النبي r على نسوة من الأنصار فقال:" يا معشر الأنصار اختضبن غمساً واخفضن ولا تُنهكن فإنه أحظى عند أزواجكن وإياكن وكفر المنعمين"i والمنعم هنا هو الزوج،ويقال لختان المرأة:الخفض والإعذار.وقوله [أشمّي] من الإشمام وهو كما قال ابن الأثير:أخذ اليسير في خفض المرأة،أو اتركي الموضع أشم،والأشم المرتفع،[ولا تُنهكي] أي لا تبالغي في القطع،وخذي من البظر الشيء اليسير،وشبه القطع اليسير بإشمام الرائحة،والنهك بالمبالغة فيه،أي اقطعي من الجلدة التي على نواة البظر ولا تستأصليها.

ونقل ابن القيم (7) عن الماوردي قوله:" وأما خفض المرأة فهو قطع جلدة في الفرج فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل النواة،ويؤخذ من الجلدة المستعلية دون أصلها ".هذه النواة هي البظر،والجلدة التي عليها،وهي التي تقطع في الختان،والتي شبهها الفقهاء بعرف الديك والمسماة بالقلفة،والتي تتجمع فيها مفرزات اللخن ( مفرزات باطن القلفة ) مثل ما يحدث في الذكر عندما تكون تلك القلفة مفرطة النمو،لذا أمرت السنة المطهرة بإزالتها.وجمهور فقهاء المسلمين على أن الأمر للندب أو الاستحباب،عدا الشافعية الذين قالوا بوجوبه.

يقول د. محمد علي البار (5):هذا هو الختان الذي أمر به المصطفى r.وأما ما يتم في مناطق من العالم من أخذ البظر بكامله،أو البظر مع الشفرين الصغيرين،أو حتى مع الشفرين الكبيرين أحياناً،فهو مخالف للسنة ويؤدي إلى مضاعفات كثيرة.وهو الختان المعروف بالختان الفرعوني،وهو على وصفه، لا علاقة له مطلقاً بالختان الذي أمر به النبي r.لذا فإن الضجة المفتعلة ضد ختان البنات لا مبرر لها،لأن المضاعفات التي يتحدثون عنها ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما:مخالفة السنة،وإجراء العملية دون طهارة مسبقة ومن قبل غير ذوي الخبرة من الجاهلات.فالختان الشرعي له فوائده،فهو اتباع لسنة المصطفى r وطاعة لأمره،خاصة وأنه من شعائر الإسلام،وفيه ذهاب الغلمة والشبق عن المرأة وما في ذلك من المحافظة على عفتها،وفيه وقاية من الالتهابات الجرثومية التي تتجمع تحت القلفة النامية ".

أما د. حامد الغوابي (17) فيقول:".. فانظر إلى كلمة ( لا تنهكي ) أي لا تستأصلي،أليست هذه معجزة تنطق عن نفسها،فلم يكن الطب قد أظهر شيئاً عن هذا العضو الحساس [البظر]،ولا التشريح أبان عن الأعصاب التي فيه،لكن الرسول r الذي علمه الخبير العليم،عرف ذلك الأمر فأمر بألا يستأصل العضو كله ".

ويتابع د. الغوابي كلامه عن فوائد ختان البنات:" تتراكم مفرزات الشفرين الصغيرين عند القلفاء وتتزنخ ويكون لها رائحة كريهة وقد يؤدي إلى التهاب المهبل أو الإحليل،وقد رأيت حالات كثيرة سببها عدم إجراء الختان عند المصابات.والختان يقلل الحساسية المفرطة للبظر الذي قد يكون شديد النمو بحيث يبلغ أكثر من 3 سنتمترات عند انتصابه فكيف للرجل أن يختلط بزوجته ولها عضو كعضوه،ينتصب كانتصابه ".

ويرد د. الغوابي على من يدعي أن ختان البنات يؤدي إلى البرود الجنسي عندهن،بأن البرود الجنسي له أسباب كثيرة،وأن هذا الإدعاء ليس مبنياً على إحصاءات وشواهد بين المختتنات وغير المختتنات،طبعاً إلا أن يكون ختاناً فرعونياً أدى إلى قطع البظر بكامله.ثم ينقل عن البروفسور هوهنر – أستاذ أمراض النساء في جامعة نيويورك – بأن التمزقات التي تحدث في المهبل أثناء الوضع تحدث بروداً جنسياً بعكس ما كان منتظراً،في حين أن الأضرار التي تصيب البظر نادراً ما تقود إلى البرود الجنسي.

ومن فوائد الختان (17) منعه من ظهور تضخم البظر أو ما يسمى بإنعاظ النساء،وهو إنعاظ متكرر أو مؤلم مستمر للبظر،كما يمنع ما يسمى نوبة البظر وهو تهيج عند النساء المصابات بالضنى يرافقه تخبط بالحركة وغلمنة شديدة وهو معند على المعالجة.

وفي المؤتمر الطبي الإسلامي (4) عن الشريعة والقضايا المعاصرة [القاهرة 1987] قدمت فيه بحوث عن خفاض الأنثى،أكد فيه د. محمد عبد الله سيد خليفة أضرار الختان الفرعوني وتشويهه للأماكن الحساسة من جسد الأنثى،وأن الخافضة هنا تُنهك إنهاكاً شديداً فتزيل البظر بكامله والشفرين إزالة شبه تامة مما ينتج عنه ما يسمى بالرتق وهو التصاق الشفرين ببعضهما.وأكد ذلك د. محمد حسن الحفناوي وزملاؤه من جامعة عين شمس وبينوا أن أضرار ختان الأنثى ناتج عن المبالغة في القطع الذي نهى عنه نبي الرحمة r أو عن إجراء الخفض بأدوات غير عقيمة أو بأيد غير خبيرة،وليس عن الختان الشرعي نفسه.

وخلاصة القول يتضح لنا أن الحكمة الطبية من الختان،الذي دعت إليه الشريعة الإسلامية،تظهر عند الرجال أكثر بكثير مما تظهر عند النساء،ونستطيع القول أنه في البلاد ذات الطقس الحار كصعيد مصر والسودان والجزيرة العربية وغيرها،فإنه يغلب أن يكون للنساء بظر نام يزيد في الشهوة الجنسية بشكل مفرط،وقد يكون شديد النمو إلى درجة يستحيل معها الجماع،ومن هنا كان من المستحب استئصال مقدم البظر لتعديل الشهوة في الحالة الأولى،ووجب استئصاله لجعل الجماع ممكناً في الحالة الثانية وهذا الرأي الطبي يتوافق مع رأي الجمهور من فقهاء الأمة الذين أوجبوا الختان على الرجال وجعلوه سنة أو مكرمة للنساء مصداقاً لتوجيهات نبي الأمة r.


مراجع البحث

1-       د. محمد نزار الدقر:مقالة"الختان بين الطب والإسلام" مجلة حضارة الإسلام 14 رمضان 1393 هـ.

2-       د. عبد السلام السكري:" ختان الذكر وخفاض الأنثى"الدار المصرية للنشر 1989.

3-       د. عبد الرحمن القادري:" الختان بين الطب والشريعة"ابن النفيس،دمشق 1996.

4-       د. حسان شمسي باشا:أسرار الختان تتجلى في الطب الحديث"مكتبة السوادي،جدة 1991.

5-       د. محمد علي البار:" الختان" دار المنارة – جدة 1994.

6-       الإمام القرطبي:" الجامع لأحكام القرآن"أو ما يسمى بتفسير القرطبي.

7-       ابن القيم الجوزية:" تحفة المودود في أحكام المولود ".

8-       الإمام النووي "المجموع".

9.  Schoen: New England J. of Medicine, 1990, 322.

10. Pikers W.: Med. Dijest Jour. April, 1977.

11. Fink A.J: Circumcision, Mountion View, California, 1988.

12. Cowdry E.V.:"Cancer Cells ", London, 1958.

13. Wolbrats A.L.: "Circumcision and Penile Cancer"Lancet, 1, 1932.

14. Helberg D. et al"Penile Cancer"Brit. Med. J. 1987, 8.

15. Ravich A. "Cancer of Prostate" Act. Len. Internet. Cancer, v3, 1952.

16. Handley W.S.:"Prevention of Cancer" Lancet, 1, 1936.

17- د. حامد الغوابي:"ختان البنات" لواء الإسلام – العدد 7و10 ،م11-1957.

18- البروفيسور ويزويل عن مجلة :Amer. Family J. Physician آذار 1990.


الفصل الرابع

الرياضات المسنونة

وأثرها في صحة الفرد والمجتمع

 

 

ويضم الأبحاث التالية :

المبحث الأول : الرياضة في الإسلام تهدف إلى القوة.

المبحث الثاني : رياضي المشي.

المبحث الثالث : رياضة الجري.

المبحث الرابع : الرماية.

المبحث الخامس : اللعب بالحراب وفن المبارزة.

المبحث السادس : ركوب الخيل.

المبحث السابع : المصارعة.

المبحث الثامن : السباحة.


الرياضة المسنونة وأثرها في صحة الفرد والمجتمع

المبحث الأول

الرياضة في الإسلام تهدف إلى القوة

إن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى،والقيام بمهمة الخلافة فيالأرض تحتاج إلى جهد وطاقات جسدية،حتى يتم أداؤها على الوجه الأكمل(1).لذا حضت التربية النبوية الكريمة على بناء الفرد المسلم على أساس من القوة:

عن أبي هريرة tأن رسول الله  r قال:"المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير،إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" رواه مسلم.

ومن أجل بناء الأمة القوية،إمتدح اللهY  ،الملك صاحب الجسد القوي،القادر على تحمل الشدائد،وجعل موهبته من العلم والقوة سبباً لترشيحه للملك:قال تعالى:"قال إن الله إصطفيه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم".

كما وصف الله سبحانه كرام أنبيائه بقوله عنهم:"أولوا العزم من الرسل".ولما رأت إبنة شعيب مظاهر القوة عند سيدنا موسى عليه السلام قالت لأبيها-كما جاء في سياق القصة في القرآن الكريم:"إن خير من إستأجرت القوي الأمين".

وهكذا نرى كيف ربط الإسلام (3) قوة الإيمانبالإهتمام بقوة الأبدان،والغاية من القوة (4) أن تكون الأمة المحمدية مرهوبة الجانب،منيعة محمية،عزيزة كريمة.وهذا أمرٌ من الله سبحانه لقادة الأمة الإسلامية:قال تعالى:"وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة".

والرياضة في الإسلام موجهة نحو غاية،تهدف إلى القوة،وهي في نظر الشارع وسيلة لتحقيق الصحة والقوة البدنية لأفراد الأمة،وهي مرغوبة بحق عندما تؤدي إلى هذه النتائج على أن تُستر فيها العورات وتحترم فيها اوقات الصلاة.

وإذا كان رسول الله  r قد دعا إلى ممارسة رياضة معينة كالرمي والسباحة وركوب الخيل،تهدف جميعها إلى تحقيق الهدف الذي أشرنا إليه.وقد تبنى الإسلام حتى في صلب عباداته (2) ما يشجع على تحقيق أفضل مزاولة للتربية البدنية:

فنحن إذا تمعنا في حركات الصلاة (2) نجد أنها تضمنت تحريك جميع عضلات الجسم ومفاصله،وهي حركات تعتبر من أنسب الرياضات للصغار والكبار،للنساء والرجال،لدرجة انه لا يستطيع أي خبير من خبراء التدريب الرياضي أن يضع لنا تمريناً واحداً يناسب جميع الأفراد والأجناس والأعمالر ويحرك كل أعضاء الجسم في فترة قصيرة،كما تفعل الصلاة (5).وأكدت الدراسات الطبية (4) أن حركات الصلاة من أنفع ما يفيد الذين أجريت لهم عمليات إنضغاط الفقرات (الديسك) وتجعلهم يعودون سريعاً إلى أعمالهم.

ونرى في أعمال الحج أيضاً(6) رياضة بدنية عظيمة خلاف ما تحمله من رياضة روحية فأعمال الحج تتوافق مع ما يحتويه نظام الكشافة بحذافيرها،ففي رحلة الحج مشي وهرولة وطواف وسعي،وسكنى خيام وتحلل من اللباس الضاغط إلى لباس الإحرام،مما يجعل الحج رحلة رياضية بحق،فهي وإن كانت في اسِّ تشريعها رحلة تسمو بالحاج إلى الأفق الأعلى،فهي في برنامجها رحلة تدريب بدنية تقوي الجسم وتعزز الصحة.

ونحن نجد في حياة النبي  r وفي تربيته لأصحابه،بل في صميم التشريع الإسلامي سبق واضح على التربية البدنية الحديثة (3)،والتي أصبحت تمارس اليوم في جميع الدول الراقية كجزء من حياة البشر،كما دخلت فروع الطب،وغدت تمارس وقاية وعلاجاً تحت اسم "الطب الرياضي".

والطب الرياضي (2) أحد التخصصات الحديثة جداً وهو يبحث في الخصائص الغريزية لكل لاعب،وأثر التدريبات البدنية على أجهزته المختلفة للتقدم في فن التدريب وإختيار أفضل انواع الرياضات التي تناسب إمكانيات الفرد الجسمية،وفي أساليب الطب الطبيعي لعلاج الأمراض.ورغم ان الطب الرياضي لم يكن معروفاً قبل الإسلام،فإن إختصاصي العلاج الطبيعي،مختار سالم (2)، يعتبر أن النبي  r قد وضع اللبنة الأولى لبناء هذا العلم عندما شكا إليه قوم التعب من المشي،فأوصاهم النبي  r بمزاولة "النسلان" وهو الجري الخفيف،فتحسنت صحتهم وكفاءتهم الحركية وإستطاعوا المشي لمسافات طويلة دون تعب.

ويرى مختار سالم (2) أن الطبيب المسلم علي بن العباس الذي ظهر مؤلفه "الصناعة الطبية" في اواخر القرن الرابع الهجري،هو أول مؤلف في الطب الرياضي،فقد أوضح في كتابه ان للرياضة البدنية أهمية كبرى في حفظ الصحة،وأن أعظمها منفعة قبل الطعام لأنها تقوي أعضاء الجسم وتحلل الفضول التي تبقى في الأعضاء.

وكلما كانت الرياضة أقوى،كان الهضم أجود وأسرع.كما يوصي بعدم ممارسة الرياضة بعد الطعام مباشرة،أي عندما يكون الطعام في المعدة "لئلا ينحدر إلى الأمعاء قبل أن يهضم".

كما أكد علماء الطب الرياضي اليوم أهمية عنصر القوة التي دعا إليها نبي الرحمة سيدنا محمد  r والتي يعتبرونها من أهم العناصر الأساسية في اللياقة البدنية الشاملة والتخصصية من أجل إحراز المزيد من التقدم ومن الإنتصارات الرياضية المختلفة.وسنفصل في بحثنا هذا،كل ما ورد في الهدي النبوي من رياضات مسنونة مع أهميتها الصحية وفوائدها للبدن.


المبحث الثاني

رياضة المشي

وصف الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله  r بأنه كان قوي الإحتمال و الجلد،يسير مندفعاً إلى الأمام،سريع الخطو في مشيته(2).عن أبي هريرة tقال:"ما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله  r لكأنما تطوى له الأرض،وكنا إذا مشينا نجهد انفسنا وإنه لغير مكترث … وفي رواية … وإنا لنجهد انفسنا ولا يبدو عليه الجهد"·. ومن حديث طويل يصف فيه النبي  r يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"كان إذا تمشى تقلع كأنما يمشي في صبب"·· والتقلع:افرتفاع عن الأرض.

ويروى عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها رأت جماعة من الناس يسيرون الهوينى في تراخ وفتور فحسبت أن بهم مرضاً،فسألت عنهم فقيل لها:يا أم المؤمنين،ما بهم من مرض ولكنهم نُساك زهاد.فقالت:"والله ما أنتم بأكثر نسكاً ولا زهداً من عمر وكان إذا مشى أسرع وغذا تكلم أسمع وغذا ضرب أوجع".

لقد كان المشي وسيلة التنقل المعهودة لنبي البشر (3)،ولكن لما كثرت وسائط النقل وأصبح الناس لا يمارسون "المشي" إلا لحاجانهم الضرورية،كثرت الأمراض الناشئة عن قلة الحركة،وأصبحت رياضة المشي اليوم من أهم وأنفع الرياضات للوقاية والعلاج.

ويضيف د.أحمد شوكت الشطي (7) رياضة المشي بأنها إنتقال الجسم بخطوات متتابعة مع بقاء أحد القومين ملتصقة بالأرض.وتنفع الشخاص الذين تضطرهم ظروف أعمالهم إلى أعمال الفكر جالسين،دون اعمال الجسم والحركة.ورياضة المشي تعيد إليهم قواهم وشهيتهم للطعان.والمشي يحرك ثلثي عضلات البطن بلطف وإعتدال ويزيد تثبيت مولد الحموضة فيها.فبالصعود تتحرك عضلات البطن،وتنشط بالنزول العضلات الموسعة للصدر.ويحسن ان تتحرك الأذرع أثناء السير بحركة تعاكس حركة الأرجل،وإن تعاكس الإتجاه بين الأطراف يعدل تبدل مراكز ثقل الجسم.

وينقص بالمشي وزن الجسم بسبب تنشط المفرزات والمفرغات وتبخر الماء من سطوح الرئتين.وعلى الماشي فترة إستراحته ان يتحاشى الأماكن الرطبة والمعرضة لجريان الهواء وأن تقوم ببعض الحركات قبل ان يجلس.ويزيد السير في الجبال والمنحدرات نشاط الجهازين الدوراني والتنفسي أكثر مما يزيده المشي في السهول،كما أن الترويض بالمشي في الهواء الطلق يجعل الوجه مشرقاً ويعدل القامة ويحسن المظهر .

ويرى خبير العلاج الطبي مختار سالم أن رياضة المشي تهيئ الإنسان لتدرج عنف الجهد الذي يبذله في الرياضات لكبار السن والتي تزيد القدرة على إستهلاك الأوكسجين،والذي يقل مع تقدم السن،ويزيد المشي من درجة الكفاءة البدنية ويقلل نسبة كولسترول الدم،والإصابة بأمراض الدم،والكلية.

وتزداد مع سرعة المشي ضربات القلب فتقويها،وتنظم نشاط الدورة الدموية وترفع نسبة الخضاب وعدد الكريات الحمراء في الدم.وفي إحصائية في بريطانيا (2) أكدت ان عدد المصابين بأمراض القلب بين موزعي البريد الذين يمشون كثيراً بحكم مهنتهم،هي أقل بكثير من عدد المصابين بين موظفي البريد الجالسين خلف مكاتبهم.لذا فإن رياضة المشي تعتبر بمثابة برنامج تأهيل لمرضى القلب الذين يشعرون بالتعب لأدنى جهد،وأكدت أبحاث الطب الرياضي أن المشي"عنصر أساسي" في برنامج العلاج الطبي والتأهيل لمرضى القلب.


المبحث الثالث

رياضة الجري[الركض أو العدو]

روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:"قدم رسول الله r وأصحابه [أي إلى مكة] فقال المشركون:يقدم عليكم وقد وهنتهم حمّى يثرب.

فأمرهم النبي r أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين،ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" والرمل هو الهرولة مع تقارب الخطى،وكان هذا في عمرة القضاء حيث أخلى المشركون مكة وخرجوا إلى الجبال يراقبون المسلمين،ظانين أن حمّى يثرب وهنتهم،فأمرهم النبي r أن يرملوا ليعلم المشركون أن المسلمين في أوج قوتهم ولياقتهم البدنية.وكان رسول الله r يقول للمسلمين "رحم الله امرءاً يريهم اليوم من نفسه قوة" ومن ثم أصبح الرمل في الطواف سنة للرجال ثابتة.

وقد كان أصحاب رسول الله r يتسابقون على الأقدام ويتبارون في ذلك والنبي r يقرهم(3) كما سابق النبي r زوجته عائشة كما تروي لنا رضي الله عنها:"أنها كانت على سفر فقال لأصحابه تقدموا،\ثم قال تعالي أسابقك،فسابقته فسبقته على رجلي،فلما كان بعد خرجت معه في سفر،فقال لأصحابه تقدموا،ثم قال تعالي أسابقك،ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم،فقلت يارسول الله كيف أسابقك وأنا على هذه احال،فقال لنفعلن،فسابقته فسبقني،فقال:هذه بتلك السبقة"·،وفي رواية أخرى قالت:"سابقني رسول الله r فسبقته فلبث حتى أرهقني اللحم فسابقني فسبقني فقال:هذه بتلك"··.

وعن عبد الله بن الحارث قال:كان رسول الله r يصف عبد الله وعبيد الله وكثيراً ما يقول:من سبق فله كذا،فيستبقون على ظهره وصره فيقلبهم ويلزمهم".

والجري هو الرياضة الطبيعية بعد المشي.والفرق بين المشي السريع والجري،أن خطوة الجري فيها لحظة طيران يكون فيها القدمان في الهواء.وقد أثبتت الدراسات الطبية (2) أن رياضة الجري تزيد نسبة الكريات الحمراء والبيضاء والخضاب وخاصة


المبحث الرابع

المصارعة

المصارعة من الرياضات التي مارسها الإنسان منذ القدم (2). وقد أجاد النبي r هذه الرياضة،وقد ثبت ما روي عنه أنه صارع اعرابياً يدعى "ركانة" كان مشهوراً بقوته وكان قد تحدى النبي r،فصرعه النبي r ثلاث مرات.

وعن فوائد المصارعة الصحية يرى مختار سالم أنها رياضة تؤدي إلى زيادة تنمية عناصر القوة والسرعة والتحمل والرشاقة،كما أنّ الأداء الناجح لحركاتها يعمل على تنمية الكفاءة الوظيفية للمستقبلات الحسية،وتتكيف العضلات أثناء التدريب على العمل في ظروف إنتاج الطاقة لا هوائياً،إذ أنه لا يمكن سداد جميع إحتياجات البدن من الأوكسجين أثناء المصارعة والذي تزداد الحاجة إليه بالعمل العضلي الثابت الذي تتكرر فيه عملية كتم النفس فيتكون عند امتدرب ما يسمى بالدين الأوكسجين.

وتزداد سرعة القلب وقت الخطفات إلى حدّ كبير ويرتفع الضغط الدموي ومقدار كريات الدم الحمراء والخضاب اثناء التدريب والمباريات،ويرتفع أيضاً سكر الدم وحامض اللبن الذي يصل تركيزه في الدم إلى أكثر من 13 ملغ ٪ .


المبحث الخامس

السباحة

عن بكر بن عبد الله بن الربيع الأنصاري أن النبي r قال:"علموا أولادكم السباحة والرمي ونعم اللهو المؤمنة في بيتها المغزل"· ورواه ابن عمر بلفظ "علموا أباءكم السباحة والرمي"··.

وعن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير أن النبي r قال :"كل شيء ليس من ذكر الله لهو ولعب إلا أن يكون أربعة : ملاعبة الرجل امرأته،وتأديب الرجل فرسه،ومشي الرجل بين الفرضين،وتعلم الرجل السباحة"···.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي r قال :"خير لهو المؤمن السباحة وخير لهو المرأة الغزل"····.

السباحة رياضة طبيعية (7) تعتبر الأكثر نفعاً للجسم من غيرها من الرياضات.إنها تقوي جميع أعضاء الجسم،تنمي العضلات وتكسبها مرونة،إذ تشركها جميعاً في العمل دفعة واحدة وتزيد يذلك من قوة العمل العضلي.وهي رياضة خَلْقية تنمي الإرادة والشجاعة والصبر والثبات وتقوي ملكة الاعتماد على النفس.

وبسبب ضغط الماء على الصدر والجذع أثناء السباحة يزداد عمق التهوية الرئوية (2) ويحتل السباحون بذلك مكانة عالية في اختيار السعة الحيوية والتي تزداد عندهم لأكثر من 30٪ من السعة المفترضة،كما تزداد الجاذبية الأرضية ويسهل عمل القلب،فيزداد حجم الدم الذي يدفعه في الدقيقة فيقوي القلب وينشط الدوران.

وتؤكد أبحاث الطب الرياضي أن السباحة تساعد العضلات الضعيفة على الحركة عندما يطفوا البدن فوق الماء كما تعمل مقاومة الماء للحركة نوعاً معتدلاً من تمرينات المقاومة تؤدي لإستعادة البدن لحيويته عقب حالات الضعف العام وفي فترات النقاهة من المرض أو بعد العمليات الجراحية.

وإن قوة دفع الماء إلى الأعلى تساعد على عملية الطفو التي تسمح لأجزاء الجسم المصابة بأنواع معتدلة من الشلل والضمور العضلي من الأداء الحركي،ومما يحسن المدى الحركي للمفاصل التي قد أصابها التصلب نتيجة فترات طويلة من الراحة أو استعمال الجبائر،هذا علاوة على التأثير النفسي الحسن للسباحة وقدرتها على جعل المصاب متكيفاً مع العجز البدني.

ويرى د.الشطي (7) أن المتمرين على السباحة منذ صغرهم لا أثر فيهم للتشوهات والأوضاع المعينة،لذا اعتبرت أبحاث الطب الرياضي السباحة أحد الوسائل العلاجية العامة لتصحيح بعض العاهات الجسمانية لا سيما إنحناء الظهر وتقوس الأرجل.

والسباحة تدرب وتقوي الجملة العصبية،وتعمل على تنظيم حرارة البدن أكثر من أي رياضة أخرى،وتعود الإنسان على تحمل البرد.وبما أنها تمارس في الماء فإن الحرارة الناجمة عن العمل العضلي تتعدل بالماء فلا ينتج عن الإفراط عند مزاولة هذه الرياضة ما ينشأ عن الإفراط في مزاولة غيرها من الرياضات (7).

وللتشمس أهميته في هذه الرياضة (7).فمن الثابت أن لأشعة الشمس تأثيراً منبهاً للأعصاب الودية عن طريق الجلد،كما أن سطح الجلد يمتص الأشعة ويدخرها ويولد منها قدرة كبيرة ومواد تنفع الجسم كالفيتامين د. وتأثر الأعصاب الودية بأشعة الشمس يتبعه تأثر كامل العضوية نتيجة تنشط الجملة الودية التي تنبه الألياف العضلية وتزيد نشاط الغدد الصماء بما فيها الغدة النخامية.

إلا أن الإفراط في التشمس له محاذير هو آثاره السلبية يتجنبها الإنسان بالتزام الاعتدال والتدرج بالتعرض للشمس بحيث لا يزيد في اليوم الأول عن خمس دقائق،وأن يتجنب العرض للشمس في ساعات الظهيرة الشديدة الحر وإلا تعرض لحروق ومتاعب هو بغنى عنها وخاصة إمكانية ظهور سرطانات الجلد وغيرها من الأذيات المهلكة.

مراجع البحث

1-               د.نظال عيسى :"الطب الوقائي في الإسلام" دار المكتبي-دمشق 1997.

2-               مختار سالم :"الطب الإسلامي بين العقيدة والإبداع" مؤسسة المعارف بيروت 1998.

3-              د.غياث الأحمد :"الطب النبوي في ضوء العلم الحديث" دار المعاجم،دمشق.

4-              د.عبد الرزاق الكيلاني :"الحقائق الطبية في الإسلام" دار القلم،دمشق.

5-              د.محمد نزار الدقر :"روائع الطب الإسلامي(2):العبادات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع" دار المعاجم،دمشق.

6-              د.حامد الغوابي :"بين الطب والإسلام" دار الكاتب العربي،القاهرة 1967.

7-              د.أحمد شوكت الشطي :"نظرات في الولد وحبه وحقوقه" مجلة حضارة الإسلام الجلد 20 ع8/9 (1977) والمجلد 15 ع5 (1974)،دمشق.

8-              ابن الأثير الجزري :"جامع الأصول في أحاديث الرسول r.


الفصل الخامس

الهدي النبوي في ضبط تصرفات الإنسان

وأثر ذلك في صحته

ويضم الفصل بعد المقدمة المباحث التالية:

المبحث الأول:لا تغضب.

المبحث الثاني:ولا تكثر الضحك.

المبحث الثالث:العطاس والتثاؤب.

المبحث الرابع:الحسد.

المبحث الخامس:الإسلام والطب يحاربان الضوضاء.


 

الهدي النبوي في ضبط تصرفات الإنسان

الانفعالية وأثر ذلك في صحته

 

قد ينفعل المرء ويتصرف تبعاً لانفعالاته تصرفات قد تورده الردى أو تجلب له المرض أو الأذى.فكم من مريض قلبي أصيب بنوبة قلبية مؤلمة بعد تعرضه لنوبة من الضحك،وكم من رجل ولّد عنده الضحك المتواصل وهناً جنسياً كاملاً،وكم من إنسان أصيب بارتفاع ضغط دموي مفاجئ تبعه نزيف دماغي صاعق بعد نوبة من الغضب الشديد،والذي يمكن أن يصيب صاحبه بداء سكري أو قرحة هضمية،والحسد كثيراً ما يؤدي بصاحبه للإصابة بخناق الصدر أو بقرحة معدية أو بداء السوداء [المانيخوليا].والضوضاء التي يحدثها البشر بصراخهم تعتبر من أهم أسباب الإصابة بالصمم أو بالانزعاجات القلبية الوعائية.

والإسلام،لم يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة البشر إلا وقد تدخل فيها من أجل إسعادهم وإبعادهم عما يعرضهم للخطر،كيف وقد نزلت الشرائع كلها من أجل حفظ الإنسان في ضروراته الخمس ومنها حفظ النفس والعقل.من هنا تأتي التربية القرآنية الرشيدة ومن بعدها الهدي النبوي المعجز بتدابير تروض الإنسان المسلم كي يضبط انفعالاته،ويتحكم في تصرفاته ليصون نفسه ويحفظ جسده مما يمكن أن ينتج عن هذه الانفعالات من الضرر والأذى.

من هذه التدابير قوله تعالى:( واغضض من صوتك)ومنها قول النبي r :" ولا تكثر من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ".ومنها قوله r:" إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب ".ومنها وصيته r لرجل:" لا تغضب ".وقوله r:"إذا غضب أحدكم فليسكت ".وقوله r:" لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً ".

إن التزام الفرد المسلم بتوجيهات النبي الكريم r في ضبط تصرفاته والتحكم في انفعالاته،عدا عما يرافقها من لذة الطاعة وسمو الروح والارتقاء بالعلاقات الاجتماعية إلى ذروة القمة،فإن هذا الالتزام يصرف عنه ما يمكن أن ينتج عن هذه الانفعالات من انحراف الصحة والتهلكة في البدن أو النفس.

يقول النبي r:" مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها،وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي ".

وسنفصل في الأبحاث التالية الهدي النبوي في تدبير الغضب والضحك والحسد وغض الصوت وفي العطاس والتثاؤب وأثر هذا التدبير الحكيم في صحة الفرد والمجتمع.


المبحث الأول

لا تغضب

قال تعالى:(والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون)الشورى الآية 42.

وقال  t:(الذين ينفقون في السرّاء والضرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)آل عمران.

وقال تعالى:(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) سورة فصلت.

وقال تعالى:(وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) الفرقان الآية 63.

عن أبي هريرة رضي الله عنه"أن رجلاً قال للنبي r:أوصني فقال:لا تغضب فردد مراراً فقال:لا تغضب"رواه البخاري.

وعن أبي الدرداء tقال:قلت يا رسول الله دلّني على عمل يدخلني الجنة قال:" لا تغضب"رواه الطبراني بإسناد حسن.

وقد حث رسول الله r على كتمان الغضب فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه،أن النبي r قال:"ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" رواه البخاري ومسلم.

وعن أنس tأن النبي r مرَّ بقوم يصطرعون فقال:ما هذا ؟ قالوا فلان لا يصارع أحداً إلا صرعه فقال النبي r:" أفلا أدلكم على من هو أشدُّ منه ؟ رجلٌ كلمه رجل فكظم غيظهُ فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه"·.

وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال:قال رسول الله r:" يا معاوية إياك والغضب،فإن الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل"··.

وقد رفع الإسلام من أجل ذلك من مرتبة الحلم،وجعل من كظم الغيظ وسيلة إلى التقرب إلى الله عز وجل ورفع درجات صاحبه يوم القيامة.عن معاذ بن أنس الجهني tأن النبي r قال:" من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين فيزوجه منها ما شاء"·.

وقد مدح النبي r الأشجَّ tقائلاً له:"إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة" رواه مسلم.

وقد روي عن عكرمة في قوله تعالى :[وسيّداً وحصوراً] قال:السيّد الذي لا يغلبه الغضب.كما روى الإمام الغزالي (1) عن الحسن tقوله:" يا ابن آدم كلما غضبت وثبت وأوشك أن تثب وثبة فتقع في النار ".

قال الخطابي (2):معنى قوله [لا تغضب] اجتناب أسباب الغضب وألا تتعرض لما يجلبه،وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه لأنه أمر طبيعي لا يزول من الجبلة.وقال غيره:ما كان من قبيل الطبع الحيواني فلا يمكن دفعه،وما كان من قبيل ما يكتسب بالرياضة فهو المراد.وقيل:لا تفعل ما يأمرك به الغضب.

قال ابن بطال (2):يعني أنّ مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو لأنه r جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة.وقال ابن حيان:أراد لا تعمل عند الغضب شيئاً مما نهيت عنه.ويجمل الإمام الغزالي (1) رأيه في الغضب:" فأقل الناس غضباً أعقلهم،فإن كان للدنيا كان دهاء ومكراً وإن كان للآخرة كان حلماً وعلماً.وقد قيل لعبد الله بين المبارك:أجمل لنا حسن الخلق.فقال ترك الغضب.

 

الآثار الصحية السيئة للغضب على البدن :

إن الانفعالات الشديدة والضغوط التي يتعرض لها الإنسان كالخوف والغضب يحرض الغدة النخامية (3و4) على إفراز هرمونها المحرض لإفراز كل من الأدرينالين والنور أدرينالين من قبل الغدة الكظرية،كما تقوم الأعصاب الودية على إفراز النور أدرينالين.

إن ارتفاع النور أدرينالين في الدم يؤدي إلى تسارع دقات القلب،وهذا ما يشعر به الإنسان حين الانفعال،والذي يجهد القلب وينذر باختلاطات سيئة.فهو يعمل على رفع الضغط الدموي بتقبيضه للشرايين والأوردة الصغيرة،كما أن الارتفاع المفاجئ للضغط قد يسبب لصاحبه نزفاً دماغياً صاعقاً يؤدي إلى إصابة الغضبان بالفالج،وقد يصاب بالجلطة القلبية أو الموت المفاجئ،وقد يؤثر على أوعية العين الدموية فيسبب له العمى المفاجئ.وكلنا يسمع بتلك الحوادث المؤلمة التي تنتج عن لحظات غضب (4).

هذا وإن ارتفاع النور أدرينالين في الدم يحرر الغليكوجين من مخازنه في الكبد ويطلق سكر العنب مما يرفع السكر الدموي،إذ من المعلوم أن معظم حادثات الداء السكري تبدأ بعد انفعال شديد لحزن أو غضب.أما ارتفاع الأدرينالين فيزيد من عمليات الإستقلاب الأساسي ويعمل على صرف كثير من الطاقة المدخرة مما يؤدي إلى شعور المنفعل أو الغَضِبْ بارتفاع حرارته وسخونة جلده (4).كما ترتفع شحوم الدم مما يؤهب لحدوث التصلب الشرياني ومن ثم إلى حدوث الجلطة القلبية أو الدماغية كما يؤدي زيادة هذا الهرمون إلى تثبيط حركة الأمعاء ومن ثم إلى حدوث الإمساك الشديد.وهذا هو سبب إصابة ذوي المزاج العصبي بالإمساك المزمن.

ويزداد أثناء سورات الغضب (4) إفراز الكورتيزول من قشر الكظر مما يؤدي إلى زيادة الدهون في الدم على حساب البروتين،ويحل الكورتيزول النسيج اللمفاوي مؤدياً إلى نقص المناعة وإمكانية حدوث التهابات جرثومية متعددة،وهذا ما يعلل ظهور التهاب اللوزات الحاد عقب الانفعال الشديد،كما يزيد الكورتيزول من حموضة المعدة وكمية الببسين فيها مما يهيئ للإصابة بقرحة المعدة أو حدوث هجمة حادة عند المصابين بها بعد حدوث غضب عارم.

وقد أثبتت البحوث الطبية الحديثة (5) وجود علاقة وثيقة بين الانفعالات النفسية ومنها الغضب وبين الإصابة بالسرطان.وتمكن العلم أن يبين مدى خطورة الإصابات السرطانية على إنسان القرن العشرين،قرن القلق النفسي،وأكدت الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون من انفعالات نفسية مريرة بصورة مستمرة يموتون بالسرطان باحتمال نسبي أكبر.فالانفعالات النفسية تولد اضطراباً هرمونياً خطيراً في الغدد الصماوية يؤدي إلى تأرجح في التوازن الهرموني بصورة دائمة،هذا التأرجح يساعد على ظهور البؤرة السرطانية في أحد أجهزة البدن.

ويرى بعضهم (4) أن التأثيرات التي تحصل في البدن نتيجة الغضب الشديد والذي يسبب فيضاً هرمونياً تؤدي إلى ما يشبه التماس الكهربائي داخل المنزل بسبب اضطراب الدارة الكهربائية،وما ينتج عن ذلك من تعطل في كافة أجزاء الدارة الكهربائية.

ولا شك أن نبي الرحمة r قد عرف بنور الوحي خطورة هذه الانفعالات النفسية على مستقبل المجتمع الإنساني قبل أن يكتشف الطب آثارها،ودعا أتباعه بحكمة إلى ضبط انفعالاتهم – قدر المستطاع – [لا تغضب] محاولاً أن يأخذ بأيديهم إلى جادة الصواب – رحمة بهم – وحفاظاً على صحة أبدانهم من المرض والتلف،لكنه – عليه الصلاة والسلام – كان يعلم في نفس الوقت طبيعة النفس البشرية،ويعلم أن الإنسان لحظة غضبه قد لا يقوى على كتم غضبه،خاصة إن كان يغضب لله أو لعرضه أو ماله،فإذا به يصف العلاج قبل أن يستفحل الغضب،وقبل أن يقدم الغاضب على فعل لا تحمد عقباه.

الهدي النبوي في معالجة الغضب:سبق طبي معجز

لا شك أن سرعة الغضب من الأمراض المهلكة للبدن والمستنفذة لقواه (6).وقد جاءت التعاليم النبوية بطرق ناجعة لمكافحة الغضب والحدّ من تأثيره السيء على البدن وعلى المسلم أن روض نفسه على الحلم (7).فبالحلم تستأصل جذور العداوات من النفس وتستل الخصومات من القلوب.وقد أوتي رسول الله r - كما نعلم من سيرته – أوفى نصيب من الحلم وسعة الصدر وضبط النفس عند الغضب.

عن أبي هريرة tأن سيّد الخلق r يقول:"أربع من كنَّ فيه وجبت له الجنة وحفظ من الشيطان:من يملك نفسه حين يرغب وحين يرهب وحين يشتهي وحين يغضب"·.

وقد نقل العلامة ابن حجر عن الطوخي قوله:"أقوى الأشياء في دفع الغضب استحضار التوحيد الحقيقي وهو أن لا فاعل إلا الله وكل فاعل غيره فهو آلة له،فمن توجه إليه بمكروه من جهة غيره،فاستحضر أن الله لو شاء لم يُمَكن ذلك الغير منه،اندفع غضبه ".قال ابن حجر:" قلت وبهذا يظهر السرُّ في أمره r الذي غضب أن يستعيذ بالله من الشيطان لأنه إذا توجه إلى الله في تلك الحالة بالاستعاذة من الشيطان أمكنه استحضار ما ذكر".

عن سلمان بن سرد tقال:"استب رجلان عند النبي r وأحدهما يسبُّ صاحبه مغضباً قد احمَّر وجهه.فقال النبي r:إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد،لو قال:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"رواه البخاري ومسلم.

يقول د.إبراهيم الراوي (8):ينصح علماء الطب النفسي الأشخاص الذين يتعرضون إلى نوبات الغضب إلى تمارين خاصة تؤدي إلى نتائج مذهلة،هذه التمارين تسبب استرخاء في الذهن يؤدي إلى انطفاء نار الغضب وإخماد الثورة العصبية،منها أن يعدَّ الشخص من 1-2-3 … وحتى 30 قبل أن ينطق بأي حرف.هذه الحقيقة في مجال الطب النفسي اكتشفها نبي الإسلام r حين أمر الغاضب أن يتعوذ بالله عدة مرات وهذا واضح من مفهوم الآية الكريمة:( وإما ينـزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم)صدق الله العظيم.

ويبدو من هذا القبيل،دعوة النبي r الغاضب إلى السكوت وعدم النطق بأي جواب.عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي r قال:" إذا غضب أحدكم فليسكت"·.

وتغيير الوضعية،هديٌ نبوي كريم له فائدة عظيمة في تهدئة سورة الغضب عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه،أن النبي r قال:" إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس،فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع"··.

ويعلق د.الراوي (8) قائلاً:يوصي الطب الحديث كل من يتعرض للغضب الشديد والانفعالات النفسية بالاسترخاء قبل إطلاق العنان للجوارح واللسان.وهذه الحقيقة الطبية كان لها بالغ الأثر في الوقاية من أخطر الأزمات عندما يوفق المرء في تمالك نفسه عند الغضب والتي اكتشفها نبي الرحمة في أعماق النفس البشرية حين أمر الغاضب الواقف أن يجلس ".

وقد وفق د.حسان شمسي باشا (3) إلى كشف الإعجاز الطبي في هذه الوصفة النبوية إذا كتب يقول:" جاء في كتاب هاريسون الطبي أنه من الثابت علمياً أن هرمون النور أدرينالين يزداد بنسبة 2 – 3 أضعاف لدى الوقوف بهدوء لمدة خمس دقائق أما الأدرينالين فيرتفع ارتفاعاً بسيطاً في الوقوف لكن الضغوط النفسية تزيد من نسبته في الدم … ولا شك أن ارتفاع العاملين معاً،الغضب والوقوف يرفع نسبة هذين الهرمونين بشكل كبير.فمن علَّم النبي r أن هذه الهرمونات تزداد بالوقوف وتنخفض بالاستلقاء حتى يصف هذا العلاج ؟"… لا شك أنه وحي يوحى عليه الصلاة والسلام.

ومن هذا القبيل ما رواه أبو سعيد الخدري tأن النبي r قال:"إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم،ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه،فمن وجد من ذلك شيئاً فليلصق خده بالأرض" رواه الترمذي وقال حديث حسن.

وهذا إشارة (1) إلى الأمر بالسجود وتمكين أعز الأعضاء من أذل المواضع لتستشعر به النفس الذل وتزيل به العزة والزهو الذي هو سبب الغضب.

والاغتسال بالماء البارد (8) أو غسل الوجه واليدين به،أحدث توصية طبية لها أثرها البالغ في تهدئة الجهاز العصبي.فالغضب (9) يتولد من الحرارة العامة والتعرق والإحساس بالضيق،ويأتي الماء البارد ليخفف من هذه الأعراض.والوضوء الذي وصفه النبي r يضفي،فوق ذلك ،شعوراً بالعبودية لله عند قيام الغاضب بهذا الفعل التعبدي،يزيد من إحساسه بالأمن والرضى.وهذا مصداق ما رواه عطية السعدي أن النبي r قال:"إذا غضب أحدكم فليتوضأ فإنما الغضب من النار" وفي رواية "إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء،فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" رواه أبو داود.

وفي معرض تحذيره من سورات الغضب يقول الإمام الغزالي (1):" اعلم أنه ظنَّ الظانون أن يتصور محو الغضب بالكلية وزعموا أن الرياضة تتوجه إليه وإياه تقصد وظن آخرون أنه أصل لا يقبل العلاج،وكلا الرأيين ضعيف … وأن طريق الخلاص من نار الغضب محو الدنيا عن القلب وذلك بمعرفة آفات الدنيا وغوائلها ومن أخرج حب المزايا عن القلب تخلص من أكثر أسباب الغضب،ولا يمكن محوه،يمكن كسره وتضعيفه،فيضعف الغضب بسببه ويهون دفعه ".

ويتابع حجة الإسلام قائلاً:وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل … أما العلم فهو ستة أمور :

الأول:أن يتفكر في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم فيرغب في ثوابه،فتمنعه شدة الحرص على ثواب الكظم عن  التشفي والانتقام وينطفئ عنه غيظه.

الثاني:أن يخوف نفسه بعقاب الله ويتذكر أن قدرة الله أعظم من قدرته على هذا الإنسان.

الثالث:أن يخوف نفسه بعواقب الغضب ويحذرها عاقبة العداوة ونشر العدو لمقابلته.

الرابع أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب.

الخامس:أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم غيظه.

السادس:أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا على وفق مراده فكيف يقول:مرادي أولى من مراد الله ويوشك أن يكون غضب الله عليه أعظم من غضبه.

وأما العمل فأن تقول بلسانك [أعوذ بالله من الشيطان الرجيم] كما أمر رسول الله r،فإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائماً واضطجع إن كنت جالساً،وأقرب من الأرض التي خلقت منها لتعرف بذلك ذلّ نفسك.واطلب بالجلوس والاضطجاع السكون فإن سبب الغضب الحرارة،وسبب الحرارة الحركة.فقد قال r:"إن الغضب جمرة في القلب ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئاً فإن كان قائماً فليجلس وإن كان جالساً فلينم" رواه الترمذي "وفي رواية:فإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد أو ليغتسل فإن النار لا يطفئها إلا الماء".

 

مراجع البحث

1-              الإمام أبو جامد الغزالي:إحياء علوم الدين.

2-               الإمام ابن حجر العسقلاني:فتح الباري شرح صحيح البخاري.

3-               د.حسان شمسي باشا:قبسات من الطب النبوي – مكتبة السوادي 1992.

4-               د.محمود البرشة:الغضب وأثره السيئ على البدن.صدى الإيمان ع2 م1 – 1996.

5-               د.إبراهيم الراوي:موقف الإسلام من الإصابة السرطانية،حضارة الإسلام م1 ع8 –1966.

6-               د.عبد الرزاق كيلاني:الحقائق الطبية في الإسلام.

7-               د.حامد الغوابي:الحلم والغضب – لواء الإسلام م10 ع11 –1957.

8-               د.إبراهيم الراوي:الانفعالات النفسية – حضارة الإسلام م15 ع7 –1974.

9-               د.نضال عيسى:الطب الوقائي بين العلم والدين – دمشق 1997.

10-              الإمام المناوي:فيض القدير شرح الجامع الصغير.


المبحث الثاني

ولا تكثر الضحك

جاء في وصف النبي r فيما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها "أنه كان r قليل الضحك" وذلك لما في التبسم من انشراح الصدر وإدخال السرور على قلب الجليس (1)،وحيث دعا النبي r إلى بناء مجتمع تسوده الرحمة وانشراح النفس والطمأنينة والأمن.يؤكد هذا ما روي عن أبي ذر الغفاري tأن رسول الله r قال:"تبسمك في وجه أخيك صدقة" رواه الترمذي وحسنه.

وقد نهى رسول الله r عن الإكثار من الضحك لأنه يسقط الشعور بالمسؤولية ويذهب وقار الإنسان في مجتمعه فيقل شأنه ويمتنع الانتفاع بحديثه (1).فقد روي عن أبي ذر الغفاري tأن النبي r قال:"ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب وتذهب ماء الوجه" رواه ابن ماجه وأخرجه الحاكم وصححه وفيه "… نور الوجه".

ويرى د.إبراهيم الراوي (2) أن في الحديث النبوي سبق طبي معجز في أنه اكتشف أثر الضحك على العضلة القلبية والجملة العصبية وأنه يسبب القسوة وموت القلب.وننقل فيما يلي فقرات مما كتبه د.الراوي حول ما أكده الطب الحديث من آثار للضحك على أجهزة البدن ومنها القلب.

فالضحك هو اشتراك الحبال الصوتية في زفير متقطع نتيجة تقلص عضلات البطن والحجاب الحاجز ومن ثمَّ ارتفاع الحجاب الحاجز نتيجة ارتخاء أربطته وأليافه العضلية بعد انخفاض الضغط في القفص الصدري.وإذا استمر الضحك لفترة طويلة ارتفع الضغط الدموي نتيجة التقلص الشديد المتقطع،فيحتقن دم الوجه وتتهيج الغدد الدمعية وقد يؤدي إلى دوار و آلام قلبية،وينتهي الأمر بالاجهاد العضلي القلبي ويسقط صاحبه من الخور والتعب.

وكثرة الضحك يُحمل العضلة القلبية جهوداً كبيرة حيث يلاحظ ذلك جلياً عند المصابين بالأمراض القلبية إذ يصابون بنوبات قلبية مؤلمة جداً بعد التعرض لهذا الجهد الشديد لمدة طويلة.وقد حدثت واقعات من السكتة القلبية والموت المفاجئ خلال نوبات الضحك المتواصل حتى ساد القول المعروف [مات من الضحك].

وتؤكد الأبحاث الطبية أن الضحك المتواصل يولد توترات عصبية شديدة وتنبيهات في الجملة العصبية المركزية قد تكون خطيرة،حيث يلاحظ جيداً عند المصابين بأمراض نفسية أو عصبية،إذ تحصل لديهم نوبات جنونية شديدة بعد أن تتهيج أعصابهم نتيجة الضحك الشديد.

ويلاحظ بعد الضحك المديد حاجة صاحبه إلى الارتخاء وأخذ شهيق عميق وكأنه قام بجهد عضلي مضن.فالضحك المتواصل يسبب ضعفاً في العضلات والأعصاب حيث يلاحظ بوضوح عند العمال الذين يحملون أثقالاً أثناء ممارستهم لعملهم اليومي،إذ أنه عندما يتعرض أحدهم لنوبة ضحك شديدة،فقد يصاب بارتخاء عصبي مفاجئ فتنشَلُّ عضلاته ويسقط الحمل من يديه.

كما أن كثرة الضحك لها خطرها الشديد على القوة الجنسية (1و2).فقد لوحظ أن ترك العنان للنفس في حالات انطلاق نوبات الضحك والقهقهة وعدم السيطرة يولد الضعف الجنسي كنتيجة لضعف الجملة العصبية المركزية وارتخاء الأعصاب المحيطة.ويقول د.الراوي أنه صادف شخصياً رجلاً استسلم للوهن الجنسي وأصبح في مأزق أمام عروسه وأهله نتيجة لما تعرض له من نوبات الضحك الطويلة قبل استقباله لعروسه حيث أحس بعدها بالخوار وانهيار القوى إلى درجة لم يسبق لها مثيل من الضعف والوهن النفسي والجسمي والجنسي.

مراجع البحث

1-               د.عادل بربور وزملاؤه:الطب الوقائي في الإسلام – 1992.

2-               د.إبراهيم الراوي:"الضحك" مجلة حضارة الإسلام المجلد 16 ع2 لعام 1975.


المبحث الثالث

العطاس والتثاؤب

عن أبي سعيد الخدري tأن رسول الله r قال:"إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده وفي رواية على فيه،فإن الشيطان يدخل" رواه مسلم وأبو داود.

وعن أبي هريرة tأن النبي r قال:"إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته،وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فليرده ما استطاع فإذا قال هاء ضحك منه الشيطان" رواه البخاري.

وعنه أيضاً أن النبي r قال:"إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ولا يقل هاه هاه فإنما ذلكم الشيطان يضحك منه" أخرجه أبو داود.

يقول الخطابي (1):"ومعنى حب العطاس وكراهة التثاؤب أن العطاس إنما يكون مع انفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات،وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء والإقلال من الطعام،والتثاؤب إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه،وعند استرخائه للنوم وميله للكسل،فصار العطاس محموداً لأنه يعين على الطاعات والتثاؤب مذموماً لأنه يثبط عن الخيرات وقضاء الواجبات".

ويعرف د.عبد الرزاق كيلاني (2) التثاؤب بأنه شهيق عميق يجري عن طريق الفم فيدخل الهواء إلى الرئتين دون تصفية،كما لو دخل من مجراه الطبيعي وهو الأنف.

وهو دليل على حاجة الدماغ خاصة إلى الأوكسجين والغذاء،وعلى تقصير الجهاز التنفسي في تقديم ذلك إلى الدماغ خاصة وإلى الجسم عامة،وهذا ما يحدث عند النعاس وعند الإغماء.والتثاؤب قد يضر بالبدن لأن الهواء غير المصفى قد يحمل معه إلى البدن الجراثيم والهوام،لذا نجد أن الهدي النبوي الحق برد التثاؤب قدر المستطاع أو سدّ الفم براحة اليد اليمنى أو بظهر اليد اليسرى هو التدبير الصحي الأمثل،وصلى الله على معلم الناس الخير.

والتثاؤب عند اللغوين من تثاءب وتثأب،أي أصابه كسل وفترة كفترة النعاس.وينقل د.غياث الأحمد (3) تفسير علماء النفس للتثاؤب على أنه دليل على الصراع بين النفس وفعالياتها من جهة،وبين الجسد وحاجته إلى النوم من جهة أخرى.وهو من الناحية الطبية فعل منعكس من أفعال التنفس،ويرى أن علة كراهة النبي r له كونه دليل على الكسل والخمول.

ويرى د.أنور حمدي (4) أن الأمر النبوي الكريم برد التثاؤب قدر المستطاع إنما يحمل فوائد ثلاثاً:أولها أنه يدل بلا شك على ذوق جمالي رفيع،إذ أن المتثائب حين يفغر فاه كاملاً،مظهراً كل ما فيه من بقايا طعامية ولعاب وأسنان نخرة أو ضائعة مع ظهور رائحة الفم يثير الاشمئزاز في نفس الناظر.ثانيها فائدة وقائية إذ يفيد في منع الهوام والحشرات من الدخول إلى الفم أثناء فعله،وثالثها وقائي أيضاً،فهذه التعليمات الرائعة تقي من حدوث خلع في المفصل الفكي الصدغي،ذلك أن الحركة المفاجئة الواسعة للفك السفلي أثناء التثاؤب قد تؤدي لحدوث مثل هذا الخلع.

أما العطاس فهو عكس التثاؤب (2)،ويعرف بأنه زفير قوي يخرج معه الهواء بقوة من طريقي الأنف والفم معاً جارفاً معه كل ما يجده في طريقه من غبار و هباء وجراثيم وسواها ويطردها من الجسم مخلصاً له من أذاها.لذا – وكما يرى د.الكيلاني – كان طبيعياً أن يكون العطاس من الرحمن لما فيه من المنافع للبدن،وحق على المسلم أن يحمد الله سبحانه وتعالى على العطاس كما أن عليه أن يتعوذ من الشيطان حين التثاؤب.

وقد عرف الإنسان منذ القديم فائدة العطاس لجسمه وعرف أنه يجلب له الراحة والانشراح فاستخدم طريقة لتنبيه بطانة الأنف لإحداث العطاس وذلك بإدخال سنابل الأعشاب أو ريش الطير إلى الأنف أو باستنشاق مواد مهيجة(كالنشوق)حيث يؤدي ذلك إلى إحداث تهيج شديد في بطانة الأنف وأعصابها الحسية يؤدي إلى حدوث العطاس وما ينجم عنه من شعور بالراحة.

وقد أكدَّ د.إبراهيم الراوي (5) أن العطاس وسيلة دفاعية دماغية هامة لتخليص المسالك التنفسية من الشوائب ومن أي جسم غريب يدخل إليها عن طريق الأنف،فهو بذلك الحارس الأمين الذي يمنع ذلك الجسم الغريب من الاستمرار في الولوج داخل القصبة الهوائية.فإن مجرد ملامسة الجسم الغريب لبطانة النف (من حشرة ضارة أو ذرات مهيجة وغيرها) فإن بطانة الأنف تتنبه بسرعة عجيبة آمرة الحجاب الحاجز يصنع شهيق عميق لا إرادي يتبعه زفير عنيف [والذي هو العطاس] عن طريق الأنف لطرد الداخل الخطير ومنعه من متابعة سيره عبر المسالك التنفسية إلى الرئتين.

ويتابع د.الراوي قوله:أما إذا دخل الجسم الغريب عن طريق الفم ووصل إلى القصبة الهوائية فإنّ ذلك ينبه الجهاز التنفسي محدثاً السعال لصدّ الخطر وطرد الجسم الغريب الداخل إلى المجرى التنفسي،ولا يحدث العطاس إلا حين دخول المواد المؤذية عن طريق الأنف.

والفرق العجيب بين العطاس والسعال أن السعال لا يؤثر على الدماغ ولا يحدث شعوراً بالارتياح كما يحدث العطاس.ولا يزال العلماء حتى اليوم يقفون حائرين أمام هذا السرِّ المبهم،ولا يزالون عاجزين عن إيجاد أيِّ تعليل علمي عن آلية توليد العطاس لذلك الشعور بالارتياح في الدماغ وخفة الرأس وانشراح النفس.

وقد اعتبر الأطباء القدامى "العطاس" شعاع الحياة،وكان عندهم مقياساً لدرجة الصحة والعافية،ولاحظوا أن الإنسان عندما يصاب بمرض خطير فإنه يفقد القدرة على العطاس،وكانوا يعتبرون عُطاس مريضهم بشارة لحسن العاقبة عنده وأملاً بابتعاد ناقوس الخطر عنه.ويذكرنا بأهمية العطاس للبدن،التفاتة الرسول الأعظم r وأمر الناس بتشميت العاطس،هذه الالتفاتة توحي بأن هناك خطراً متوقعاً فجاء العطاس،فطرد –بقدرة الله Y– العدو المهاجم وانتصر عليه وأبقى صاحبه معافىً.وهكذا يعلمنا رسول الله r كيف نشمت العاطس،أي ندعو له بقولنا"يرحمكم الله".

فعلى المسلم إذا عطس أخاه المسلم أن يبارك له هذه الرحمة الإلهية والتي يكمن وراءها سِرٌّ خفي من أسرار هذا الجسم البشري فسبحان من خلق الإنسان وأبدعه في أحسن تقويم.وفي تشميت العاطس حكمة إلهية – كما يقول الدكتور الراوي – أن يوحي رب العالمين إلى نبيه r أن يوجه أتباعه إلى أهمية ما في العطاس من منفعة للبدن تستحق الحمد والشكر وهذه من معجزات النبوة ! إذ لماذا نحمد الله على العطاس ولا نفعل ذلك عند السعال ؟

لا شك أن هناك سرّاً خفياً ونعمة كبرى تستحق حمد الله الذي خلق فأبدع وصمَّم فأتقن التصوير،وفوق هذا فقد جعل من حق المسلم على المسلم أن يبارك له رحمة الله إذا أصابه العطاس واستشعر حلاوته فقال:"الحمد لله" جهراً يسمعه من حوله ليقدموا له دعواتهم "يرحمكم الله" وهذا مصداق قول النبي r:"حق المسلم على المسلم ست … وعَدَّ منها وإذا عطس وحمد الله فشمته".

والمقصود بالعطاس،العطاس الطبيعي،وأما العطاس المرضي الناجم عن الزكام مثلاً،فإن المصاب يعطس مرات ومرات،وعلى السامع أن يشمته في الأولى والثانية وبعد ذلك يدعو له بالعافية [عافاك الله].

والتدبير النبوي الرائع في العطاس،أن يضع العاطس يده على فمه ليمنع وصول الرذاذ إلى الجالسين،فقد ورد عن أبي هريرة tأنه قال:"كان رسول الله r إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض أو غض من صوته"·.

وهذا الأدب النبوي له حكمته الصحية الجلية،إذ يندفع مع العطاس رذاذه إلى مسافة بعيدة يمكن أن يصل معها إلى الجالسين مع العاطس،أو أن يصل إلى طعام أو إلى شراب قريب منه،وهذا يمكن أن ينقل العدوى بمرض ما(كالزكام)إن كان العاطس مصاباً به،وليس من خلق المسلم في أن يتسبب بشيء من ذلك،لذا علَّمنا رسول الله r الأدب في أن نضع يدنا أو منديلاً على فمنا عند العطاس لمنع وصول رذاذه إلى الغير وفي ذلك – كما نرى – غاية الأدب ومنتهى الحكمة.

 

مراجع البحث

1-               الحافظ ابن حجر العسقلاني:"فتح الباري شرح صحيح البخاري".

2-               د.عبد الرزاق الكيلاني:"الحقائق الطبية في الإسلام".

3-               د.غياث الأحمد:"الطب النبوي في ضوء العلم الحديث".

4-               د.أنور حمدي:"النوم:أسراره وخفاياه" بيروت 1986.

5-               د.إبراهيم الراوي:مقالته "أثر العطاس على الدماغ" مجلة حضارة الإسلام المجلد 20 العدد 5/6 لعام 1979.


المبحث الرابع

التدبير النبوي في الحسد

وأثره على صحة البدن

قال تعالى:(قل أعوذ برب الفلق،من شر ما خلق،ومن شر غاسق إذا وقب،ومن شر النفاثات في العقد،ومن شر حاسد إذا حسد) سورة الفلق.

وعن أبي هريرة tأن النبي r قال:"إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"·.

وعن مولى الزبير،عن الزبير بن العوام tأن النبي r قال:"دبَّ فيكم داء الأمم من قبلكم:الحسد والبغضاء،والبغضة هي الحالقة،لا أقول حالقة الشعر،ولكن حالقة الدين،والذي نفس محمد بيده،لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا" رواه الترمذي.

وروى الإمام حجة الإسلام الغزالي (1) عن بعض السلف:"أن أول خطيئة للبشر كانت الحسد،حسد إبليس آدم عليه السلام على مرتبته فأبى أن يسجد له فحمله الحسد على معصية الله،وإياك والحسد فإنّ ابن آدم قتل أخاه حين حسده".

والحسد هو كراهة النعمة وتمني زوالها عن صاحبها (1و2) وهو حرام بكل حال.

وأما الغبطة فهو أن ترى النعمة على أخيك فلا تكره وجودها ولا تحب زوالها عنه،بل تتمنى من الله أن يرزقك مثلها وليس في ذلك ما يأثم عليه.

ويرى أبو بكر الرازي (3) "أنَّ الحسد يتولد من اجتماع البخل والشره في النفس،وهو شرٌ من البخل،فالبخيل لا يحب أن يمنح أحداً شيئاً مما يملكه،أما الحسود فإنه يتمنى ألا ينال أحدٌ خيراً أصلاً،ولو كان الخير ليس مما يملكه هو، والحسد داء من أدواء النفس عظيم الأذى لها".

ولعظيم ضرر الحسد على الإنسان وعلى المجتمع،فقد نفر القرآن الكريم منه،وأمر بالاستعاذة من شر الحاسد كما أمر بالاستعاذة من نفث الشيطان،فالحسد مفسد للطاعات،باعث على الخطايا.وهو نار تضطرم (4) في صدر الحسود،فما تراه إلا كاسف الوجه،قلق الخواطر،غضبان على القدر قد عادى حكمة الله.قال تعالى:(أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) صدق الله العظيم.

ويرى الإمام أبو بكر الرازي (3) أن الحسد يضر بالنفس لأنه يشغلها عن التصرف المفيد لها وللبدن وذلك يسبب طول الحزن والتفكر ثم إنه يضر بالجسد لما يعرض للمحسود من طول السهر وسوء الاغتذاء،وينشأ عن ذلك رداءة في اللون وسوء السحنة وفساد المزاج.

وينبه د.نضال عيسى (2) جميع المربين والوالدين إلى أن مردّ الحسد قد يكون لسوء التربية،كقدوم طفل جديد تهتم به الأسرة وتنسى إخوته فيبدأ الحسد بالظهور لديهم أو أن يقارن المربي بشكل سيء بين الأولاد فيصف أحدهم بالذكاء والآخر بالغباء بطريقة جارحة،أو عندما يُربى طفل فقير في بيئة غنية مترفة.لذا وجب على المربين وعلى كل من الأبوين إشعار أطفالهم جميعاً بالرعاية والحب ودون تفريق بالأعطيات بينهم وغير ذلك.

ويلخص د.حامد الغوابي (4) الآثار السيئة للحسد على البدن وصحته ويبين أن الحسد يؤدي عند الحاسد إلى ظهور انفعالات نفسية – عصبية كما تضطرب عنده الغدد الصماء،فيعتل جسمه ويذوي.فالحاسد دوماً في ضيق وقلق،وهذا يصحبه الأرق،ومع استمرار الأرق يحس بالإعياء والتعب ويفقد شهيته للطعام ويتناقص وزنه ثم تظهر عنده أعراض عصبية مزعجة،كالصداع والطنين في الأذنين تمنع عنه الراحة والهدوء،وقد تظهر آلام خناقية في صدره،وكلما احتدمت نزوات حسده زاد الألم وتكررت نوبه مما يعرضه للإصابة بالذبحة الصدرية.

والحسد يهيئ للإصابة بقرحة العدة التي ثبت أنها تنشأ من الانفعالات أكثر مما تنشأ عن خطأ في التغذية،وقد يؤدي لارتفاع الضغط الدموي،والذي يتناسب ارتفاعه مع زيادة الانفعالات ويعظم خطره.ونحن نعلم أن أطباء القلب يوصون المرضى بالهدوء والراحة وترك الهواجس،ونبذ انشغال الفكر بالغير والبعد ما أمكن عن الانفعالات النفسية.

وقد يسبب الحسد مرض السوداء [ المانخوليا ] عند الحاسد وحبه للوحدة والعزلة غير ما يؤدي إليه من ارتباك العقل وعدم القدرة على التركيز،وكم سبب الحسد عند صاحبه من عقد نفسية وتركت عنده أمراضاً لا يمحى أثرها.وأخيراً فإنك لن ترى حاسداً حقوداً إلا وقد رسم في وجهه تجاعيد الشيخوخة ولفحة الشيب – المبكران – وإن كان في عنفوان شبابه.

والملاحظات التي أوردت حول الأثر السيئ والمهلك أحياناً للحسد على صاحبه تؤكد الإعجاز الطبي الرائع في التوجيهات النبوية للمسلمين باجتناب هذه الآفة الخبيثة ومن أجل نظافة المجتمع المسلم ورص صفوفه أيضاً.ولقد استنبط العلماء المسلمون طرقاً علاجية ناجعة لمن أراد التخلص من مرضه،من ذلك ما فصله حجة الإسلام الإمام الغزالي في إحيائه قائلاً:"واعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل:و العلم النافع لمرضى الحسد هو أن تعرف أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين،وأنه لا ضرر فيه على المحسود بل ينتفع به فيهما.ومهما عرفت عن بصيرة فارقت الحسد لا محالة.… أما كونه ضرر عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وعدله الذي أقامه في ملكه وهذه جناية على التوحيد … وأما كونه ضرر عليك في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك أو تتعذب به،ولا تزال في كمد وغم بكل نعمة تراها على غيرك … وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فلأن النعمة لا تزول بحسدك،بل ما قدّر الله تعالى من نعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل قدّره الله فلا حيلة في دفعه،ولكل أجل كتاب … وأما أن المحسود ينتفع به في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى الغيبة والقدح فيه،فهذه هدايا تهديها إليه من حسناتك حيث تأتي مفلساً يوم القيامة.

وأما العمل النافع فيه فهو أن يحكم الحسد،فكل ما يتقاضاه الحسد من قول وفعل،فينبغي أن يكلف نفسه نقيضه،فإن بعثه الحسد على القدح في محسوده كلّف لسانه المدح له،وإن حمله على التكبر ألزم نفسه التواضع له،وهكذا حتى تتولد الموافقة التي تقطع مادة الحسد".

والحقيقة أن قول الإمام الغزالي رحمه الله في أنه لا ضرر على المحسود من حاسده،ليس صحيحاً في كل الأحوال.وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة من سورة الفلق عندما طلب المولى سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يستعيذوا من شر الحاسد إذا حسد،وننقل هنا ما يقوله الإمام القرطبي (5) ما نصه: "قال العلماء أنّ الحسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول،وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود فيتبع مساوئه ويطلب عثراته وقد روي عن رسول الله r قوله:" إذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض"·.

وعلق د.محمد خالد سلطان (6) على الآية بقوله:"بين القرآن لعلماء النفس نقطة ضرورة وجود الإرادة في نية السوء كي تحدث الإساءة".

ويشرح ذلك فيقول:"إن الجسد المادي فيه نوعان من الحركة:إرادية وغير إرادية،ولا يعمل العضو إلا إذا كان فيه حركة،ولا ينتج الجسد إلا إذا تجلت فيه الحركة سواء منها الإرادية وغير الإرادية.فالغيرة في الإنسان هي حركة روحية نفسية غير إرادية،لكنها قد تؤدي إلى الحسد الذي هو حركة إرادية روحية،لذلك نرى أن الحاسد لا يؤثر في محسوده إلا إذا أراد حسده،وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:(ومن شر حاسد إذا حسد) فإذا لم يرد الحاسد أن يحسد فلن يصيب محسوده أي أذى".

 

مراجع البحث

1-              حجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين".

2-               د.نضال عيسى:"الطب الوقائي بين العلم والدين" دمشق 1997.

3-               الإمام أبو بكر الرازي:"الطب الروحاني".

4-               د.حامد الغوابي :"الحسد بين الطب والإسلام" لواء الإسلام – القاهرة ع6 المجلد 11 لعام 1957.

5-               الإمام القرطبي في تفسيره:"الجامع لأحكام القرآن".

6-               د.محمد خالد سلطان:"الطب والشريعة" رسالة تخرج جامعية جامعة دمشق 1983.


المبحث الخامس

الإسلام والطب يحاربان الضوضاء

ورفع الأصوات

قال تعالى:(إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) الإسراء الآية 36.

ينشأ الصوت عن حركة اهتزازية على درجات مختلفة (1).والأذن تسمع الأصوات التي يكون مقدار اهتزازاتها ما بين 16-20 ألف هزة/ثا،وما زاد عن ذلك لا يسمع،لكنه يحدث اضطراباً في الأذن وشعوراً مزعجاً غامضاً.ويعرف العالم "زيلر" الضوضاء بأنها الأصوات التي تحدث اضطراباً،ويمكن القول بأن الأصوات العالية تحدث اضطراباً أكثر من المنخفضة،والأصوات الحادة أكثر خطورة من الغليظة،وكذا الأصوات غير المنسقة أكثر من الأصوات جيدة التلحين.

ولا شك بأن الضوضاء هي إحدى أسباب التوتر النفسي والقلق في المجتمعات الحديثة (2) خاصة بعد انتشار الراديو والتلفزيون ومكبرات الصوت ووسائط النقل وغيرها من وسائل الضجة.لكن الضوضاء (1) لم تعد مشكلة نفسية فقط،بل أصبحت مشكلة جسمانية فهي تؤثر على أعضاء السمع وعلى أعضاء الجسم مجتمعة.

ففي بحث نشرته المجلة الطبية العربية (3) قسمت الأضرار الناجمة عن الضجيج إلى:أولاً أضرار لها علاقة بالسمع،منها ضعف سمع عصبي مؤقت تختلف درجته حسب نوع الضجيج وشدته ومدة التعرض له يرافقه طنين في الأذن،ومنها ضعف سمع عصبي دائم يحدث نتيجة التعرض المديد للأصوات العالية،وقد يحدث انثقاب غشاء الطبل وتحطيم عظيمات السمع نتيجة التعرض للانفجارات المفاجئة.

ثانياً:آثار ليس لها علاقة بالسمع،منها الانزعاج المفرط من الضجيج والقلق والإرهاق،واضطرابات نفسية وسلوكية،منها العصبية المفرطة وعدم الاستقرار والإحباط والاكتئاب وغيرها.وقد يصاب ببعض الاضطرابات القلبية الوعائية كخناق الصدر وارتفاع الضغط،ولعل أهم نتائجها تراجع الإنتاج والتهرب من العمل.

وبرهن د.هيلدنج (1) أن سبب الصمم يرجع إلى تأثير الأصوات العالية على عضو كورتي الموجود في الأذن الباطنية،وأن التعرض المديد لبضع ساعات كل يوم يؤدي إلى استحالة في بعض أعضاء الأذن الباطنية.وتؤثر الضوضاء على مختلف مراكز المخ ووظائفه وبالتالي يمتد تأثيرها إلى العضوية كلها.

يقول د.أحمد شوقي الفنجري (2):" ومن أخطر الأمور في حياة الإنسان ألا يأخذ حظه من الراحة والنوم بسبب الضجيج،فهو أحد عوامل الإجهاد الذهني والعصبي وأحد معوقات الإنتاج والعمل.والضوضاء من أهم أسباب انتشار الأمراض النفسية – العصبية،وأكثر الناس تأثراً هم أصحاب المهن الثقافية والفنية،وكلما ثقل رأس الإنسان بالعلم والمعرفة كان أكثر حاجة من غيره إلى الهدوء والراحة حتى ينتج لمجتمعه من علمه وفكره.

ويعلم الرياضيون أيضاً (1) أن تناسق حركات الجسم يستلزم قدراً كبيراً من التركيز ولا يتسنى لهم الحصول عليه ضمن أجواء الضجيج.وينقل د.سلطان أن الأبحاث الغريزية أثبتت أن التعرض المديد للضجيج يسبب ازدياداً في عمليات الاستقلاب والهدم وارتفاعاً في الضغط وازدياداً في التوتر العضلي،ولها تأثير سيئ على رجولة الرجل وأنوثة المرأة،ومجموع هذه الاضطرابات يدل على أضرار تلحق الجهاز العصبي اللاإرادي بشكل حاد نتيجة الضجيج.

ومن أجل درء الخطر الناجم عن الضجيج (2) خصصت هيئة الأمم أسبوعاً في العالم كله لمحاربة الضوضاء وجعلت شعارها في ذلك الأسبوع "الهدوء ذوق وأخلاق والضجة جهل وتخلف" يمتنع فيه عن استعمال الزمور العالي ورفع صوت المسجلات والمكبرات والراديو وسواها.

وتعاليم الإسلام الحنيف التي جاءت لسعادة البشر في دنياهم وآخرتهم جاءت لبناء حياة رغيدة ومجتمع هادئ لا يعرف الضوضاء،عكس ما يفعله المسلمون اليوم في كل مفاصل الحياة (4) وينهى عن الصخب واللغو.وقد وصف الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز "عباد الرحمن" بمشيتهم الهادئة بلا استكبار ولا جبروت،يتعاملون بالرحمة فيما بينهم ولا يؤذون الناس بضجيجهم ورفع أصواتهم.قال تعالى : (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً.وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)الفرقان.

والمجتمع الفاضل الذي يدعو إليه الإسلام لا ترتفع فيه الأصوات العالية دون مبرر والتي توتر الأعصاب.وقد جاء الأمر القرآني أن يلتزم المسلم بالسكينة والوقار في مشيته،ولا يصخب رافعاً صوته.وشبه النص القرآني مستنكراً رفع الصوت،من يرفع صوته دون حاجة بالحمار.قال تعالى: (واقصد في مشيتك واغضض من صوتك إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير) لقمان.

فلا مبرر لرفع الصوت أكثر مما يحتاج إليه السامع،هذه هي القاعدة الشرعية،وقد اعتبر القرآن الكريم خفض الصوت في المجالس من التقوى.قال تعالى:(إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) سورة الحجرات.

فما كان مطلوباً عند رسول الله r يكون مطلوباً أمام كبير القوم من أبٍ وعالم وأستاذ ومرب أو شيخ،ومن ثمَّ يتعودها المسلم في حياته فيكون خفض الصوت من سماته وكذا عدم إثارة الصخب والضجيج.وقد عاب القرآن على بعض الأعراب مناداتهم رسول الله r من وراء الجدار وقلة ذوقهم في رفع أصواتهم.

قال تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) الحجرات.

ولقد نهى الشارع الحكيم عن الضجة والصخب ورفع الصوت في كل أنواع العبادات في مجتمع الإسلام.وعندما أراد رسول الله r اختيار طريقة لتبليغ الناس دخول وقت الصلاة (2) استشار أصحابه في ذلك ورفض اقتراحات بعضهم باستعمال الناقوس أو الطبول أو الأجراس،واختار الأذان بصوت الإنسان لأنه أدعى إلى الهدوء والسكينة والبعد عن الصخب،وطلب تلقينه بلالاً لأدائه لأنه أندى صوتاً ! ألا ما أعظمك من نبي حكيم يا خاتم الأنبياء…

وعند أداء المسلم لصلاته أمره الشارع ألا يرفع صوته بأكثر من المطلوب وفي حد متوسط مقبول.قال تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً).

وكره النبي r إذ سمع جلبة خارج المسجد فقال "ما شأنكم قالوا استعجلنا إلى الصلاة.فقال:لا تفعلوا،إذا أتيم الصلاة فعليكم بالسكينة،فما أدركتم فصلوا وما سبقكم فأتموا" رواه البخاري.

والهدي النبوي في الدعاء واضح في النهي عن رفع الصوت أكثر من حاجة المستمعين لما روي عن أبي موسى الأشعري tعن النبي r:"فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً" رواه البخاري ومسلم.

كما نهى النبي r عن رفع الصوت أثناء تلاوة القرآن في المساجد لئلا يؤثر بعضهم على قراءة البعض الآخر،إذ لا يمكن أن ينعم المصلي بالطمأنينة والخشوع وسط أجواء صاخبة.فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما،أن النبي r قال:"إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنه يناجي ربه فليعلم أحدكم ما يناجي ربه ولا يجهر بعضكم على بعض في الصلاة" أخرجه الطبراني وأحمد في مسنده ورواه البغوي بلفظ"إذا كان أحدكم في صلاته فإنه يناجي ربه فلينظر أحدكم ما يقول في صلاته ولا ترفعوا أصواتكم فتؤذوا المؤمنين".

هذه وصايا ديننا الحنيف،دين الحياة الهادئة البعيدة عن الصخب و الضجيج.وأما ما يفعله جهلاء المسلمين من رفع مكبرات الصوت في المآذن والمساجد والحفلات والمآتم إلى أكبر مدىً،سواءً في قراءة القرآن أو غيره،فليس من البر أو التقوى في شيء،بل أنزل القرآن العظيم ليقرأ بهدوء وطمأنينة وتدبر ليفهم وليطبق.

وإذا كان الإسلام ينهى عن إحداث الضوضاء في عباداته ،فما بالك بهؤلاء الذين يحدثون الضجة بغير هدف سوى التلذذ والتمتع بإيذاء الناس بصراخهم أو إطلاق زمور سياراتهم،أو رفع مكبرات الصوت لمذياعهم أو آلات التسجيل وسواها وإزعاج جيرانهم وإجبارهم على سماع ما لا يريدون،كل هذا تعدٍّ على الحرية الشخصية التي احترمها الإسلام وأقرتها الشرائع الدولية،وخروج على تعاليم الإسلام ورسالة المآذن والمساجد في التبليغ والدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة.

ثم ألا يعلم هؤلاء الذين يحدثون الضجيج،كم من مريض في البيوت يحتاج إلى الراحة والنوم،أو شيخ مسن مضطرب في نومه،أو من طالب علم يحتاج إلى الدراسة والمذاكرة.إن مثل هذه الضوضاء ورفع أصوات المكبرات لا تتنافى فقط مع الذوق السليم والإحساس بالمسؤولية،بل هي ضد الدين والمبادئ والأخلاق (2) علاوة على إحداثها للعديد من الآفات والعاهات الصحية في المجتمع.

 

مراجع البحث

1-              د.محمد خالد سلطان:"الطب والشريعة" رسالة جامعية دمشق 1983.

2-               د.أحمد شوقي الفنجري:"الطب الوقائي في الإسلام" الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1985.

3-               د.محمد المصري وآخرون:مقالة "مخاطر التعرض للضجيج والأصوات العالية" المجلة الطبية العربية دمشق ع 137 كانون1-1997.

4-               الصيدلي عمر محمود عبد الله:الطب الوقائي في الإسلام – الدوحة 1990.


مراجع الكتاب

أولاً:كتب الفقه والحديث والتفسير

      1.        الجامع لأحكام القرآن [ تفسير القرطبي ]:الإمام القرطبي.

      2.        تحفة المودود في أحكام المولود:ابن قيم الجوزية.

      3.         المجموع ( شرح المهذب ):الإمام النووي.

      4.         الفقه الإسلامي وأدلته:د. وهبة الزحيلي.

      5.         شرح صحيح مسلم:الإمام النووي،دار الفكر،بيروت 1972.

      6.        فيض القدير:شرح الجامع الصغير للإمام المناوي.

      7.         الترغيب والترهيب:الإمام المنذري تحقيق مصطفى عمارة بيروت 1968.

      8.         قبس من القرآن الكريم:محمد علي الصابوني.

      9.         إحياء علوم الدين:حجة الإسلام الغزالي.

   10.       التفسير الكبير ( الطبري ):الإمام ابن جرير الطبري.

   11.       جامع الأصول في أحاديث الرسول r:ابن الأثير الجزري،تحقيق الأرناؤوط.

   12.       زاد المعاد من هدي خير العباد:ابن قيم الجوزية – تحقيق الأرناؤوط.

   13.       فتح الباري شرح صحيح البخاري:ابن حجر العسقلاني.

   14.       الجامع الصغير وزيادته:الإمام جلال الدين السيوطي.

   15.       مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:الإمام الهيثمي.

   16.       صحيح الجامع الصغير وزيادته:ناصر الدين الألباني.

 

ثانياً:كتب الطب النبوي والإسلامي :

   17.       الوجيز في الطب الإسلامي:د. هشام الخطيب،دار الأرقم،عمان 1985.

   18.       الطب الوقائي بين العلم والدين:د. نضال عيسى، دمشق 1997.

   19.       روائع الطب الإسلامي ج1 القسم العلاجي:د. محمد نزار الدقر،دار المعاجم دمشق 1994.

   20.       روائع الطب الإسلامي ج2 العبادات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع د. محمد نزار الدقر 1995.

   21.       روائع الطب الإسلامي ج3 ( المحرمات ) دار المعاجم دمشق 1997.

   22.       القرآن والطب:د. محمد وصفي – القاهرة – 1960.

   23.       في رحاب الطب النبوي:د. محمود طللوزي،دار الرواد - حلب 1994.

   24.       الطب النبوي والعلم الحديث:د.محمود ناظم النسيمي م.الرسالة -بيروت 1986.

   25.       الطب الإسلامي بين العقيدة والإبداع:مختار سالم - بيروت 1998.

   26.       الطب و الشريعة:رسالة تخرج جامعية د. خالد سلطان - جامعة دمشق 1983.

   27.       الحقائق الطبية في الإسلام:د. عبد الرزاق كيلاني دار القلم - دمشق 1996.

   28.       مع الطب في القرآن الكريم:د. عبد الحميد دياب وزملاؤه.

   29.       الطب الوقائي في الإسلام:د. عادل بربور وزملاؤه - دمشق 1992.

   30.       الطب الوقائي في الإسلام:عمر محمود عبد الله - الدوحة 1990.

   31.       الطب النبوي في ضوء العلم الحديث:غياث الأحمد - دمشق.

   32.       السواك في ميزان الصيدلة:د. علي الرغبان وزملاؤه - جدة 1987.

   33.       الطب الروحاني:الإمام أبو بكر الرازي.

   34.       الطب النبوي:ابن قيم الجوزية تحقيق عبد القادر أرناؤوط.

   35.       الطب الوقائي في الإسلام:أحمد شوقي الفنجري – الهيئة العامة المصرية للكتاب 1985.

   36.       النوم – الأرق والأحلام بين الطب والقرآن:د. حسان شمسي باشا ،دار المنارة،جدة 1991.

   37.       قبسات من الطب النبوي:د. حسان شمسي باشا مكتبة السوادي جدة 1992.

   38.       بين الطب والإسلام:د. حامد الغوابي دار الكاتب العربي القاهرة 1967.

   39.       الليل نومه وقيامه:د. سمير الحلو دار التراث - المدينة المنورة 1992.

   40.       ختان الذكر وخفاض الأنثى:عبد السلام سكري الدار المصرية 1989.

   41.       الختان بين الطب والشريعة:د. عبد الرحمن القادري،ابن النفيس دمشق 1996.

   42.       أسرار الختان تتجلى في الطب الحديث:د. حسان شمسي باشا مكتبة السوادي جدة 1991.

   43.       الختان:د. محمد علي البار،دار المنارة،جدة 1994.

 

ثالثاً:الكتب العلمية.

   44.       فن الصحة والطب الوقائي:د. أحمد حمدي الخياط،جامعة دمشق.

   45.       الطب الوقائي والاجتماعي:د. أحمد حمدي الخياط،دمشق 1380هـ.

   46.       أمراض جهاز الهضم:د. زياد درويش جامعة دمشق 1994.

   47.       كي تنام سعيداً:د. أنور حمدي،المكتب الإسلامي،بيروت 1987.

   48.       النوم أسراره وخفاياه:د. أنور حمدي،المكتب الإسلامي،بيروت 1986.

   49.       السواك:صلاح الحنفي،رسالة جامعة دمشق 1962.

   50.       السواك أهميته واستعمالاته:د. أبو حذيفة إبراهيم محمد،طنطا،1987.

   51.       السواك:د. عزت أبو شعر رسالة جامعية،دمشق 1974.

   52.       السواك والعناية بالأسنان:د. عبد الله عبد الرزاق السعيد،جدة،1982.

   53.       صحة الفم والأسنان:د. عبد الله عبد الرزاق السعيد،مكتبة المنارة،الأردن 1982.

   54.       النوم والأرق والأحلام:د. قتيبة سالم الحلبي،مطبعة سفير،الرياض 1988.

   55.       رسالة في تاريخ الطب:د. أحمد شوكت الشطي.

   56.       الأحلام تفسيرها ودلالتها:د. نيريس دي،القاهرة،عالم الكتب.

 

رابعاً:الدوريات والمجلات.

   57.       مجلة حضارة الإسلام:د. محمد نزار الدقر،دمشق،مقالة:الختان بين الطب والإسلام،م 14 رمضان 1393 هـ.

   58.       مجلة حضارة الإسلام:د. إبراهيم الراوي،دمشق ،

1-  مقالته"الضحك"م16/ع2/1975.

2-  مقالته "أثر العطاس على الدفاع" م20/ع5-6/1979.

3-  مقالته "موقف الإسلام من الإصابة بالسرطان" م6،ع8، 1966.

4-  مقالته "استشارات طبية في ضوء الإسلام" م6،ع4، 1966.

5-  مقالته "نظرة الإسلام إلى التغذية" م7،ع9، 1967.

6-  مقالته "النهي عن الشرب قائماً" م7،ع1/2، 1967.

7-  مقالته "استشارات طبية في ضوء الإسلام" م11،ع3، 1970.

8-  مقالته" المعجزات الطبية في القرآن" م14،ع6، 1973.

9-  مقالته "استشارات طبية في ضوء الإسلام" م14،ع10، 1974.

10-                     مقالته "النوم على الجهة اليمنى" م16،ع9/10، 1975.

11-                     مقالته "وضعية الجسم عند تناول الطعام" ع9/10، 1976.

12-                     مقالته "استشارات طبية في ضوء الإسلام" ع5/6، 1976.

   59.       مجلة حضارة الإسلام:د. أحمد شوكت الشطي،دمشق.

1-             مقالته "نظرات في الغذاء والطعام" 4-8-1962.

2-             مقالته "نظرات في الولد وحقوقه" م15،ع5،1974.

3-             مقالته" نظرات في الولد وحقوقه" م20،8/9، 1977.

   60.       مجلة لواء الإسلام:د. حامد الغوابي،القاهرة.

1-             مقالته "الحلم والغضب" م15،ع7،1957.

2-             مقالته "الحسد بين الطب والإسلام" م11، ع6، 1957.

3-             مقالته "ختان البنات" م11،ع7و10، 1957.

   61.       مجلة لواء الإسلام:د. محمود فؤاد معاذ،القاهرة ،

  مقالته "محمد والطب" م2، كانون ثاني 1949.

   62.       مجلة نهج الإسلام:د. محمد نزار الدقر،دمشق ،

1-              مقالته "الهدي النبوي في تدبر الطعام والشراب وأثره على صحة الإنسان" العام 18 ع70 تشرين1 - 1997.

2-               مقالته "القواعد الأساسية في تدبير الطعام والشراب" ع71 للعام 19 شباط 1998.

3-               مقالته "الآداب النبوية في النوم" ع72/73 للعام 19 حزيران 1998.

   63.       مجلة طبيبك:د. ظافر العطار،دمشق.

مقالته "اضطجع على شقك الأيمن" كانون أول 1968.

   64.      المجلة الطبية العربية:دمشق ،

1-                       مقالته "مخاطر التعرض للضجيج" محمد المصري وآخرون ع137 ك1 1997.

2-                        مقالته "أوضاع النوم الخاطئة" ع196 العام 1993.

   65.       مجلة صدى الإيمان:د. محمود البرشة ومقالة "الغضب وأثره السيئ على البدن" ع2،م1،1996.

   66.       مواد المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي – الكويت 1981، د.محمد رجائي المصطيهي وزملاؤه" استعمال السواك لنظافة الفم وصحته "

   67.       مواد المؤتمر العالمي الرابع للطب الإسلامي – الكويت 1986، د. يحي الخواجي وزملاؤه" تقليم الأظافر في ضوء التراث النبوي والعلوم الطبية ".

 

خامساً:المراجع الأجنبية.

68.                  Khoory T. "clinical Preventive Dentistry 1983-8.

69.                   Coby et al "Color Atlas of oral Pathology" Philadelphia, U.S.A.

70.                   Schoen: New England J. of Med. 1990, 322.

71.                   Cowdry E. V. "Cancer cells" London, 1988.

72.                   Helbery D. et al. "Penile Cancer" Brit. Med. J. 1987.

73.                   Hadley W. S. "Prevention of Cancer" Lancet, 1, 1936.

74.                   Fink A.J "Circumcision …….

75.                   Pikers W. "Med. Dijest J. "April, 1977.

76.                   Ravich. A. "Cancer of Prostate" Act. Len. Internet, cancer V3, 19

77.                   Walbrats A.L. "Circumcision and Penile Cancer", Lancet , 1936,

78.                   Mohammed A.R, Turner "Saudia Arabia Tooth Brach Tree" Odonto – Stomad of Trop. 1983, 4(3).

79.                   Wiswell T.E. "Routine Neonates Circumcision" A Reap. An Family Physion", 1990, 41.

80.                   Harrison S. "Principles of Laternal Med." New York, 1987.

81.                   Encyclopedia Pritanica", London, 1990.

 



· رواه السيوطي في الدر المنثور وأبو نعيم في الحلية.

· رواه الترمذي وقال حسن صحيح،وابن ماجة والحاكم وصححه الذهبي (الأرناؤوط).

·· رواه مسلم وروى البخاري نحوه عن أبي هريرة.

· رواه بن ماجة والبيهقي ورمز السيوطي لضعفه،وصحح الحاكم إسناده لمتن غير هذا المتن (المناوي).

·· رواه الترمذي وحسنه،والحاكم وصححه،والبزار بإسنادين رواة أحدهما ثقاة.

··· رواه الإمام مسلم وروى البخاري نحوه.

···· رواه البخاري في كتاب الضعفاء،وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع (المنذري).

· يعرف الوزن المثالي بقياس الإنسان لطوله الكامل بالسنتمترات ثم يطرح منه رقم 100 فيكون الباقي هو الوزن المثالي مع زيادة أو نقص 4_5 كغ،فمثلاً من طوله 170 سم يكون وزنه المثالي (170-100=70+_5)

· رواه أبو داود والترمذي،ضعَّفه الأرناؤوط،ورفعه الحافظ المنذري إلى مرتبة الحسن.

·· رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن،وصحَّحه ابن حبان.

··· رواه الترمذي والحاكم وقال صحيح الإسناد،ورواه البغوي بسند آخر وحسَّنه. وقال الأرناؤوط حديث حسن بشواهده.

···· رواه الطبراني بإسناد حسن (الحافظ المنذري).

· أخرجه القضاعي في مسند الشهاب من رواية موسى الرضا عن آبائه متصلاً،وأخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس بلفظ "الوضوء قبل الطعام وبعده مما ينفي الفقر" وكلها ضعيفة (الحافظ العراقي).

·· رواه أبو الشيخ في أخلاق النبي  r بسند حسن (الحافظ العراقي في تخريجه لأحاديث إحياء علوم الدين).

··· أخرجه أبو داود بإسناد حسن (الأرناؤوط).

· أخرجه الترمذي وهو حديث حسن صحيح (الأرناؤوط).

·· أخرجه أبو داود وابن ماجة والإمام أحمد وهو حديث ضعيف (الأرناؤوط).

··· أخرجه الترمذي وهو حديث حسن صحيح (الأرناؤوط).

· رواه أبو يعلى والبزار ورجاله ثقات (الهيثمي في مجمع الزوائد). والمجثمة كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل (نيشان).

·· رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات (الهيثمي).

· رواه البيهقي وعبد الرزاق في مصنفه ورجاله ثقات (محمد عوامة).

·· رواه البيهقي في شعب الإ