الجمعة، 12 يونيو، 2009

جمع القرآن في مراحله التاريخية من العصر النبوي إلى العصر الحديث

جمع القران
في مراحله التاريخية من العصر النبوي إلى العصر الحديث

بحث تكميلي للحصول على درجة الماجستير في التفسير وعلوم القرآن.

وكانت مناقشته في كلية الشريعة بجامعة الكويت

في شهر شوال من سنة 1419 هـ.

تأليف
محمد شرعي أبو زيد

 

 


m

 

الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وجعله سراجًا منيرًا للسالكين سبيله، ويسر لنقله إلينا من اختاره ووفقه من أئمة الهدى، فوصل إلينا غضًّا كما أنزل، لم تصل إليه يد التبديل والتحريف، ولم تطمح إلى النيل منه أطماع الجاحدين والمعاندين، فكان ذلك مصداقًا لقوله -جلَّ ذِكره- في كتابه الحكيم: } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ{.(1)

وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله في الأمة الأمية، فعلمها ونصحها، فقامت بحفظ كتاب ربِّها، ونقلته إلينا كما أنزل، على أدق أوجه التحري والإتقان.

أما بعد، فلا يخفى ما للقرآن العظيم من مكانة عند المسلمين، فهو كتاب ربهم وشرعه ودستوره الذي ارتضاه للناس إلى يوم الدين، وهو معجزة نبيهم التي تحدى بِها العرب والعجم.

وقد لقي القرآن من المسلمين على مر العصور أبلغ العناية، وحظي بأقصى درجات الحرص والحيطة، فكان أهل كل عصر يجتهدون في المحافظة عليه بشتى الوسائل التي تتاح لهم، فلم يخل عصر من العصور، ولم يخل مصر من الأمصار، من حامل للقرآن، يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، كما لم يخل من مصحف شريف، سطرت فيه آيات القرآن، وحفظت من التحريف.

ففي زمن النبي r ، اجتهد صلوات الله وسلامه عليه في حفظ القرآن الكريم، حتى كان يعجل بحفظ القرآن حال نزوله عليه، إلى أن طمأنه الله بأن تحفيظه مضمون عليه ، فقال: } إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ{ .(2) كما حفظ القرآن خلائق لا يحصون من أصحابه r.

وفي ذلك العصر دوِّن القرآن الكريم بين يدي النبي r، فكان ذلك التدوين درعًا لكتاب الله وحافظًا له من الضياع والتحريف.

ثم انتقل النبي r إلى الرفيق الأعلى، وخرج حفاظ القرآن إلى المواطن يجاهدون في سبيل الله، فاستحر فيهم القتل، ففزع أصحاب رسول الله r، فأشار الفاروق عمر على أبي بكر - رضي الله عنهما، بأن يجمع القرآن خوفًا عليه من الضياع، فكان ما أراد، وحفظ الله كتابه فصدَّق ما وعد به من التكفل بحفظه.

وفي زمن عثمان رضي الله عنه، كادت فتنةٌ عظيمةٌ تقع بين المسلمين في الأمصار بسبب الاختلاف في حروف القرآءات، فقام الإمام ومن معه من الأصحاب، فنسخوا المصاحف، وأرسلوها إلى الأمصار، وأرسلوا معها معلمين، يقرئون الناس بِها، فصارت هذه المصاحف مراجع لأهل تلك البلدان، واستقامت قراءاتِهم على قراءة من أرسل إليهم من القراء.

واستمرت محافظة المسلمين على القرآن، واجتهادهم في ضبط وكتابة الكتاب المبين، بِما حفظه -بإذن الله- من التبديل والتحريف، فلم يعدم أهل كل عصر أن يجدوا ما يبذلونه في سبيل حفظ كتاب الله، حتى صار المسلمون على مرِّ الزمان مشاركين جمعيًا في المحافظة على القرآن الكريم.

حتى في عصرنا الحاضر، مع ما منَّ الله به علينا من النعم العظيمة، وأظهر على أيدي بني آدم من الابتكارات النافعة المفيدة، وجه الله بصيرة بعض المعاصرين إلى ضرورة الاستفادة من الوسائل الحديثة في حفظ القرآن الكريم، فكان مشروع العصر، متمثلاً في الجمع الصوتي للقرآن الكريم، فكان غيثًا، في عصر أجدبت فيه الألسن، فما عادت تنطق بالفصيح، وكان ذلك العمل حفظًا لكتاب الله، بحفظ تلاوات الأئمة من القراء المجودين.

وقد كان يدور بفكري وأنا طفل صغير خاطرة كانت توقفني كثيرًا، فقد كنت أفكر في نفسي وأقول: هل يعقل أن القرآن نقل إلينا عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان، ولم يتبدل من ألفاظه شيء؟؟ وهل هذا النطق الذي ينطقه القراء هو نفس النطق الذي نطق به النبي r وأصحابه؟؟

ثم أنعم الله علي بحفظ كتابه، وكان هذا فضلاً منه تعالى وكرمًا، أن تحمل كلام العزيز الحكيم نفس هذا المقصر المفرِّط، ثم بالغ الله عز وجل في إنعامه وإكرامه، فمنَّ علي بالتخصص في المرحلة الجامعية الأولى في دراسة القرآن الكريم، وفيما يتعلق به من التفسير وعلوم القرآن، والقراءات، وما يتعلق بِها من رسم المصاحف وضبطها، فكان هذا اختيارًا منه تعالى لي، بعد أن كنت متوجهًا إلى المدينة النبوية لدراسة الحديث الشريف وعلومه، ولكن ساقني سبحانه سوقًا إلى هذا التخصص، فأحمده -جلت قدرته- على ما أنعم علي به من حسن الاختيار.

وفي تلك الفترة من دراستي اختلفت إلى دروس القراءات، فرأيت ما لا ينقضي منه العجب من عناية ناقلي القرآن بنقله، كتابة ونطقًا، تجويدًا وتحريرًا، حتى في أدق الهيئات، من إشارة بشفة، أو همسٍ بجزءٍ من حركة.

فرأيت عن كثبٍ جواب ما كان يدور بِخاطري من الوساوس، وأن القوم قد اعتنوا بالكتاب، وقاموا بِما أمروا به من حفظه ونقله إلى الأجيال من المسلمين بعدهم.

ورأيت في دراسة القراءات ورسم المصاحف عمق الرابطة بين نقل القرآن، وبين الرسم العثماني، فمن درس هذين العِلْمين رأى عيانًا أن القراءات المتواترة هي ترجمة دقيقة منطوقة لذلك الرسم، مما يوضح الجهد العظيم، والقدر الرفيع للمصاحف العثمانية، التي أجمع عليها أصحاب النبي r.

وقد خفي على كثير من المسلمين في العصور المتأخرة، كثيرٌ من أوجه عناية المسلمين الأوائل بنقل القرآن، حتى صار البعض يشكك في تواتر بعض أوجه القراءة، من الهيئات وينكر وجوب أخذ القرآن مجودًا كما نزل، فدعاني هذا وغيره من الأسباب التي سأوضحها بعد إلى اتخاذ جمع القرآن موضوعًا لأطروحة استكمال متطلبات درجة التخصص ـ الماجستير، فأرجو الله أن أكون موفقًا في عملي هذا، وأن أكون قد جلوت الغبار عن صفحات ناصعة من عناية السلف بنقل القرآن.

(1) الآية 9 من سورة الحجر.

(2) الآيات من 17-19 من سورة القيامة.

 


أسباب اختيار البحث

 

كان وراء اختياري موضوع (جمع القرآن) في بحث الماجستير أسباب كثيرة، منها: 

أن القرآن هو الأصل الأول عند المسلمين في تلقي أحكام الشرع، وقد توجهت عناية علماء المسلمين على مر التاريخ إلى الاهتمام بنقله على أدق الأوجه، ودفع الشبهات عنه.

خفاء الكثير من أوجه عناية النَّبِيّ r، والصحابة فمن بعدهم بنقل القرآن، وبذلهم غاية الجهد في نقله نقلاً صحيحًا دقيقًا متقنًا. 

ما أثاره أعداء الإسلام من الشبهات حول جمع القرآن في مراحله المختلفة، بدءًا من عصر النبوة، إلى وقتنا هذا.

تشكيك بعض المتأخرين في نقل هيئات القراءة (1) ووجوب التزام أحكام التجويد. 

الدعوات التي ظهرت قرنًا بعد قرن تدعو إلى كتابة القرآن الكريم على الرسم الإملائي، وتطعن في الرسم العثماني المجمع عليه. 

وهذا البحث يبرز عناية المسلمين بحفظ القرآن من عهد النبوة إلى الآن، ويؤكد أن نقل القرآن حظي بأقصى درجات العناية من المسلمين، ويرد على شبهات الطاعنين من أعداء الإسلام على نقل القرآن...

 

 -------------

 (1) المقصود بذلك أحكام التجويد من المد والقصر والإدغام والإظهار والإخفاء، وما إلى ذلك ...


خطة البحث

وقد قسمت البحث إلى مقدمة وتَمهيد وخمسة أبواب وخاتمة:

 مــقدمـــة

ذكرت فيها أسباب اختيار الموضوع، وخطة البحث، والمنهج المتبع فيه.

 تمهيـــد

في معنى الجمع في اللغة والمراد بجمع القرآن عند علماء المسلمين

 الباب الأول: جمع القرآن في عهد النبي r

وفيه أربعة فصول:

الفصل الأول: حفظ القرآن في الصدور

وتضمن أربعة مباحث:

المبحث الأول: فضل حفظ القرآن الكريم

المبحث الثاني: حفظ النَّبِيّ r للقرآن الكريم

المبحث الثالث: الرد على دعوى جواز نسيان النَّبِيّ r القرآن أو إسقاطه عمدًا

المبحث الرابع: الحفاظ من الصحابة

الفصل الثاني: تدوين القرآن الكريم

وتضمن ثلاثة مباحث: 

المبحث الأول: الأمر بكتابة القرآن

المبحث الثاني: أسباب عدم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد

المبحث الثالث: كُتَّاب الوحي

الفصل الثالث: ترتيب الآيات والسور

وتضمن ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: الآية والسورة لغةً واصطلاحًا

المبحث الثاني: ترتيب الآيات

المبحث الثالث: ترتيب السور

الفصل الرابع: العرضة الأخيرة

وتضمن ثلاثة مباحث: 

المبحث الأول: عرض القرآن في كل سنة على جبريل

المبحث الثاني: العرضة الأخيرة للقرآن الكريم

المبحث الثالث: أثر العرضة الأخيرة في جمع القرآن: 

 الباب الثاني: جمع القرآن في عهد أبي بكر t

وفيه خمسة فصول:

الفصل الأول: الأسباب الباعثة على جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر t

الفصل الثاني: أول من جمع القرآن من الصحابة y

الفصل الثالث: من قام بالجمع في عهد أبي بكر t

الفصل الرابع: منهج ومزايا جمع أبي بكر t للقرآن

وتضمن مبحثين:

المبحث الأول: منهج أبي بكر في جمع القرآن

المبحث الثاني: مزايا جمع القرآن في عهد أبي بكر t

الفصل الخامس: دفع الاعتراض على أبي بكر في جمع القرآن، ورد الشبهات المثارة حول هذا الجمع

وتضمن مبحثين:

المبحث الأول: دفع الاعتراض على أبي بكر في جمع القرآن

المبحث الثاني: رد الشبهات المثارة حول جمع أبي بكر للقرآن

 الباب الثالث: جمع القرآن في عهد عثمان t

وفيه خمسة فصول:

الفصل الأول: الأسباب الباعثة على جمع القرآن الكريم في عهد عثمان t

الفصل الثاني: من قام بالجمع في عهد عثمان t

الفصل الثالث: منهج جمع القرآن في عهد عثمان ومزاياه

وتضمن هذا الفصل ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: منهج عثمان في جمع القرآن

المبحث الثاني: مزايا جمع القرآن في عهد عثمان t

المبحث الثالث: الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث

الفصل الرابع: المصاحف العثمانية

وتضمن أربعة مباحث:

المبحث الأول: عدد المصاحف العثمانية

المبحث الثاني: الرسم العثماني

المبحث الثالث: حكم اتباع الرسم العثماني

المبحث الرابع: حرق المصاحف المخالفة

الفصل الخامس: دفع الاعتراض على عثمان t في جمع القرآن ورد الشبهات المثارة حول هذا الجمع

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: اعتراض ابن مسعود t على عدم توليه الجمع

المبحث الثاني: رد الشبهات التي أثيرت حول الجمع العثماني

 الباب الرابع: جمع القرآن والأحرف السبعة

وفيه فصلان:

الفصل الأول: الأحرف السبعة

وتضمن مبحثين:

المبحث الأول: نزول القرآن على سبعة أحرف

المبحث الثاني: المراد بالأحرف السبعة

الفصل الثاني: الأحرف السبعة في جمع القرآن

وتضمن مبحثين:

المبحث الأول: الأحرف السبعة في الجمع النَّبويّ وجمع أبي بكر للقرآن

المبحث الثاني: الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية

 الباب الخامس: الجمع الصوتي للقرآن الكريم

الفصل الأول: مشروع الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم

المبحث الأول: فكرة الجمع الصوتي للقرآن الكريم

المبحث الثاني: أهداف الجمع الصوتي للقرآن الكريم

المبحث الثالث: خطة المشروع وتنفيذه

المبحث الرابع: قيمة الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم

الفصل الثاني: مشروع كلية القرآن بالمدينة النبوية لجمع القرآن بالقراءات العشر

المبحث الأول: مشروع الجمع الصوتي للقراءات المتواترة

المبحث الثاني: خطة العمل في المشروع، وتنفيذه

المبحث الثالث: تقويم المشروع

 الخاتِمة

وتضمنت أهم نتائج البحث، والتوصيات والاقتراحات

 


منهج العمل في البحث

1- جمعت الآيات والأحاديث والآثار التي تتعلق بالمبحث أو المسألة.

2- توخيت في النظر في الأحاديث والآثار الصحة في المواضع التي يحتاج فيها إلى الصحة للاستدلال.

3- عزوت الآيات إلى مواضعها من القرآن الكريم.

4- قمت بتخريج الأحاديث من مصادرها التي رواها فيها أصحابُها بأسانيدهم ما أمكن ذلك.(1)

5- عرضت الآراء في حالة الاختلاف عرضًا واضحًا دون ميل إلى رأي دون الآخر، ثم قمت ببيان الرأي الراجح مع التدليل عليه.

6- ترجمت للأعلام الذين أنقل أقوالهم، وتركت الترجمة لمن اتسعت شهرتُهم من الصحابة والعلماء.

7- قمت بشرح وضبط الكلمات الغريبة التي ترد في أثناء الكلام.

8- قدمت قائمة المحتويات على البحث؛ لتكون أسهل تناولاً، ثم ذيلت البحث بفهارس علمية، وهي كالآتي:

1- فهرس الآيات القرآنية مرتبة حسب ترتيب السور في المصحف الشريف.

2- فهرس الأحاديث والآثار مرتبة ترتيبًا هجائيًّا.

3- فهرس الأعلام المترجمين مرتبين ترتيبًا هجائيًّا.

4- قائمة المراجع، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا.(2)

والله أسأل أن أكون قد وفقت فيما طرقته من مسائل ومباحث، فما كان فيه من صواب فمن الله، وبِمنِّهِ وفضله، وما كان فيه من خطأٍ فمني ومن الشيطان، فهو عمل بشري، يعتريه النقص الذي يعتري البشر.

قال العماد الأصفهاني: إني رأيت أنه لا يكتبُ أحدٌ كتابًا في يومه، إلا قال في غده: لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زِيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العِبَر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر.

أسأل الله أن يهدينا إلى سـواء السبيل. إنه على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 (1) حيث قد وجدت بعض الآثار، ولم أجد من أسندها، وذكرتُها استئناسًا لا استدلالاً.

(2) لم أذكر بيانات المراجع في أول موضع لَها في البحث، وتركت ذلك للقائمة التي في نِهاية البحث، لأن مأخذ ذلك أسهل على من يريد الوصول إلى بيانات المرجع.

 


تمهيد

الجمع في اللغة وجمع القرآن عند علماء المسلمين

 

 

الجمع في اللغة

جمع القرآن عند علماء المسلمين

الجمع في اللغة:

قال ابن فارس:(1) الجيم والميم والعين أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على تضامِّ الشيء.(2)

فالْجَمْعُ ضَّمُّ المتفرِّقِ بتقريبِ بعضِهِ من بعضٍ، وَهُوَ خِلاَفُ التَّفْرِيقِ وَهُوَ مَصْدَرُ جَمَعَ يَجْمَعُ مِنْ بَابِ مَنَعَ.(3)

يقال: جَمَعْتُ الشَّيْءَ عَنْ تَفْرِقَةٍ أَجْمَعُهُ جَمْعًا وَأَجْمَعْـتُهُ، وَجَمَّعْتُهُ بِالتَّثْقِيلِ مُبَالَغَةٌ فَاجْتَمَعَ وَاجْدَمَعَ.

ويقال للمجموع (وهو الذي جُمِعَ من هاهنا وهاهنا، وإن لم يُجْعَل كالشيء الواحد): جَمْعٌ وجميعٌ وجماعةٌ.(4)

وَيُقَالُ أَجْمَعَ الْمَسِيرَ وَعَلَى الْمَسِيرِ - يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِالْحَرْفِ: عَزَمَ عَلَيْهِ، وَحَقِيقَتُهُ جَمَعَ رَأْيَهُ عَلَيْهِ، وَمنهُ الْحَدِيثُ: مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ،(5) أَيْ: مَنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ فَيَنْوِيه.

وَأَجْمَعُوا عَلَى الأَمْرِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ وَاسْتَجْمَعُوا بِمَعْنَى تَجَمَّعُوا، وَاسْتَجْمَعَ السَّيْلُ اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ، وَاسْتَجْمَعَتْ لِلْمَرْءِ أُمُورُهُ اجْتَمَعَ لَهُ مَا يُحِبُّهُ.

ويُقَالُ رَجُلٌ مُجْتَمِعٌ إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ؛ لأَنَّهُ وَقْتُ اجْتِمَاعِ الْقُوَى، أَوْ لأَنَّ لِحْيَتَهُ اجْتَمَعَتْ.

وَالْجَمْعُ الدَّقَلُ؛ لأَنَّهُ يُجْمَعُ وَيُخْلَطُ مِنْ تَمْرِ خَمْسِينَ نَخْلَةً، وَقِيلَ: كُلُّ لَوْنٍ مِنْ النَّخْلِ لاَ يُعْرَفُ اسْمُهُ فَهُوَ جَمْعٌ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى التَّمْرِ الرَّدِيءِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: " بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا".(6)

وَالْجَمْعُ أَيْضًا الْجَمَاعَةُ، تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، وَيُجْمَعُ عَلَى جُمُوعٍ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ.

وَجَمْعٌ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، إمَّا لأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ بِهَا، وَإِمَّا لأَنَّ آدَمَ اجْتَمَعَ هُنَاكَ بِحَوَّاءَ وَازْدَلَفَ إلَيْهَا أَيْ دَنَا.

والجمع: مصدر قولك: جمعت الشيء، والجمع: المجتمعون، وجمعه: جموع، والجماعة والجميع والْمَجْمَع والْمَجْمَعَةُ: كالجمع.

وفي الحديث: له سَهْمُ جَمْعٍ،(7) أي له سهمٌ من الخير جُمِعَ فيه حظَّانِ، وقيل: أراد بالجمع الجيشَ، أي: كسهمِ الجيشِ من الغنيمة.(8)

وَالْمَجْمَعُ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مِثْلُ الْمَطْلَعِ وَالْمَطْلِعِ - يُطْلَقُ عَلَى الْجَمْعِ وَعَلَى مَوْضِعِ الاجْتِمَاعِ، وَالْجَمْعُ الْمَجَامِعُ.

وفي الحديث: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ(9) أَيْ كَانَ كَلاَمُهُ r قَلِيلَ الأَلْفَاظِ كَثِيرَ الْمَعَانِي.

وَحَمِدْتُ اللهَ تعالى بِمَجَامِعِ الْحَمْدِ. أَيْ: بِكَلِمَاتٍ جَمَعَتْ أَنْوَاعَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ تعالى.(10)

نستخلص مِمَّا سبق أن الجمع يطلق في اللغة على عدة معان،(11) هي:

1 - الْجَمْعُ هو ضم الأشياء المتفرقة بتقريب بعضها من بعض.

2 - الْجَمْعُ مصدر جَمَعَ الشَّيْءَ يجمعُه إذا كان متفرِّقًا فضَمَّ بعضَهُ إلى بعضٍ.

3 - الْجَمْعُ: المجتمعون، تسمية بالمصدر، كالجماعة والجميع والْمَجْمَع والْمَجْمَعَةُ.

4 - الْجَمْعُ: الجيش، كالجميع.

5 - جَمْعٌ: الْمُزْدَلِفَةُ، لأن الناس يجتمعون بِها، أو لأن آدم u اجتمع هناك بحواء.

6 - الْجَمْعُ: الدَّقَل؛ لأَنَّهُ يُجْمَعُ وَيُخْلَطُ، وَقِيلَ هُوَ كُلُّ لَوْنٍ مِنْ النَّخْلِ لاَ يُعْرَفُ اسْمُهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الرَّدِيءِ مِنَ التَّمْرِ.

جمع القرآن عند علماء المسلمين:

ثم إن علماء الشرع أطلقوا جمع القرآن(12) على أربعة معانٍ، وهي:

1 - حفظ القرآن في الصدور.

2 - تأليف سور القرآن الكريم.

3 - تأليف الآيات في السورة الواحدة من القرآن الكريم.

4 - كتابة القرآن الكريم في الصحف والمصاحف.

أما الإطلاق الأول فقد حصل في عصر النبي r، حيث حفظ القرآنَ الكريمَ عن ظهر قلبٍ النبيُّ r وجمعٌ من أصحابه y، ومنه قوله U: } إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ { :

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ U: } لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ! إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ {،(13) قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ.(14)

وعن قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ t: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ r؟ قَالَ أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ.(15)

وأما الإطلاقان الثاني والثالث، فقال الزركشي: قال أبو الحسين أحمد بن فارسٍ في كتاب المسائل الخمس: جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطُّوال ، وتعقيبها بالمئين، فهذا الضرب هو الذي تولاه الصحابة رضي اله عنهم(16) وأما الجمع الآخر، فضمُّ الآي بعضها إلى بعضٍ، وتعقيب القصة بالقصة، فذلك شيءٌ تولاَّه رسول الله r،ـ(17) كما أخبر به جبريل عن أمر ربه U .ـ(18)

وأما الإطلاق الرابع، فيتضمن مرحلتين: الأولى جمع متَفَرِّقِهِ في صحفٍ، وهو ما حدث في عصر الصِّدِّيق t، والثانية: جمع تلك الصحف في مصحفٍ واحدٍ، وهو ما حدث في عصر عثمان بن عفان t.ـ(19)

 

(1) هو الإمام العلامة اللغوي المحدث أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني، صاحب كتاب مجمل اللغة، كان رأسًا في الأدب، بصيرًا في فقه مالكٍ، مناظرًا متكلمًا، وكان من رءوس أهل السنة، المجردين على مذهب أهل الحديث، توفي في صفر سنة395 هـ. سير أعلام النبلاء (17/103)، شذرات الذهب لابن العماد (3/132).

(2) أبو الحسين أحمد بن فارس- مقاييس اللغة (1/479).

(3) جمهرة اللغة لابن دريد (2/103)، وتهذيب اللغة للأزهري (1/397).

(4) الراغب الأصفهاني - المفردات في غريب القرآن - تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني - دار المعرفة - بيروت -ص 96-97، وتهذيب اللغة للأزهري (1/397).

(5) رواه أبو داود في سننه عن حفصة - رضي الله عنها -: كتاب الصوم، باب النية في الصوم (2/329) ح: 2454، والنسائي في سننه عن حفصة - رضي الله عنها: كتاب الصيام، باب النية في الصيام - اختلاف الناقلين لخبر حفصة: سنن النسائي مع شرح السيوطي والسندي (2/196-198)، ورواه مالكٌ في الموطأ عن عبد الله بن عمر وعائشة وحفصة y: كتاب الصيام، باب من أجمع الصيام قبل الفجر ص 193.

(6) اَلْجَنِيبُ على وزن فَعِيلٍ مِنْ أَجْوَدِ أنواع التَّمْرِ - القاموس المحيط (جنب) ص 89، والحديث متفقٌ عليه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما، البخاري في صحيحه: كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (4/467) ح: 2202-2202، ومسلم في صحيحه: كتاب المساقاة والمزارعة، باب الربا: صحيح مسلم مع شرح النووي (11/20-21).

(7) رواه أبو داود في سننه عن أبي أيوب: كتاب الصلاة، باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم (1/158) ح: 578، ومالك في الموطأ عن أبي أيوب: كتاب صلاة الجماعة، باب إعادة الصلاة مع الإمام، والنسائي في سننه عن أبي سعيد الخدري: كتاب الغسل والتيمم، باب التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة: سنن النسائي مع شرح السيوطي والسندي (1/213).

(8) ابن الأثير الجزري - النهاية في غريب الحديث والأثر - تحقيق طاهر الزاوي ومحمود الطناحي - المكتبة العلمية - بيروت - (1/296)، وابن منظور الإفريقي - لسان العرب - دار المعارف - القاهرة - (1/678-683).

(9) رواه البخاري في صحيحه كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول النبي r بعثت بجوامع الكلم (13/261) ح 7273.

(10) انظر مادة ( جمع ) في: تهذيب اللغة (1/397-402)، ولسان العرب (1/678-683)، والصحاح (3/1198-1200)، والقاموس المحيط ص 917-918.

(11) مقاييس اللغة (1/479-480)، ولسان العرب (1/678-679،682)، والقاموس المحيط ص 917، والصحاح (3/1198)، وانظر المعجم الوسيط (1/135).

(12) انظر مناهل العرفان (1/239).

(13) الآيتان 16،17 من سورة القيامة.

(14) رواه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي، باب 4، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (1/39)ح 5.

(15) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي r ح 5004 (8/663)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي بن كعب. انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (16/19) ح 2465.

(16) بحث ترتيب السور، وهل هو توقيفي أو باجتهاد من الصحابة y .يأتي في الفصل الثالث من الباب الأول - إن شاء الله.

(17) كما في حديث عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، وفيه: كَانَ النَّبِيُّ r مِمَّا تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا. رواه وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بِها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086، وأحمد في مسنده - مسند العشرة المبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501.

(18) البرهان في علوم القرآن - الزركشي (1/258-259).

(19) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة (7/148)، وانظر مناهل العرفان (1/239). 


الباب الأول

 جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

 

  الفصل الأول: حفظ القرآن في الصدور

الفصل الأول: حفظ القرآن في الصدور

المبحث الأول: فضل حفظ القرآن الكريم

المبحث الثاني: حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم

المبحث الثالث: الرد على دعوى جواز نسيان النبي r القرآن أو إسقاطه عمدًا

مسألة وقوع النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم

المبحث الرابع: الحفاظ من الصحابة

أسانيد القراء العشرة إلى الصحابة

الرد على طعن الملاحدة في تواتر القرآن

  الفصل الثاني: تدوين القرآن الكريم

الفصل الثاني تدوين القرآن الكريم

المبحث الأول: الأمر بكتابة القرآن

سبب جمع القرآن كتابة في العصر النبوي

مواد الكتابة في العصر النبوي

المبحث الثاني: أسباب عدم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد

المبحث الثالث: كُتَّاب الوحي

  الفصل الثالث: ترتيب الآيات والسور

الفصل الثالث: ترتيب الآيات والسور

المبحث الأول: الآية والسورة لغةً واصطلاحًا

الآية في اللغة

الآية اصطلاحًا

السورة لغة

السورة اصطلاحًا

المبحث الثاني: ترتيب الآيات

مسألة: ترتيب الآيات في السورة توقيفي

المبحث الثالث: ترتيب السور

القول الراجح

  الفصل الرابع: العرضة الأخيرة

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع: العرضة الأخيرة

المبحث الأول: عرض القرآن في كل سنة على جبريل

ترتيب عرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل عليه السلام

المبحث الثاني: العرضة الأخيرة للقرآن الكريم

من حضر العرضة الأخيرة من الصحابة

المبحث الثالث: أثر العرضة الأخيرة في جمع القرآن

 


الفصل الأول

حفظ القرآن في الصدور

 

 

الْمبحث الأول: فضل حفظ القرآن الكريم

شرَّف الله أمة الإسلام بخصيصة لم تكن لأحد من أهل الْملل قبلهم، وهي أنَّهم يقرءون كتاب ربِهم عن ظهرقلبٍ، كما جاء في صفة هذه الأمة عن وهب بن منبه:(1) أمة أناجيلهم في صدورهم،(2) بخلاف أهل الكتاب، فقد كانوا يقرءون كتبِهم نظرًا، لا عن ظهر قلب.(3)

وقد تكفَّل الله بحفظ هذا الكتاب، كما قال: } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ { ،(4) وكان من حفظه U لكتابه أن وفَّقَ هذه الأمة إلى حفظه واستظهاره.

وقد تظاهرت الأدلة على فضل حفظ القرآن الكريم، وفضل حفظته على غيرهم من الْمسلمين، فمن ذلك:

1 - علوُّ منزلة حَافظ القرآن، الْماهر به، فعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ.(5)

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r : يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ، فَيَقْرَأُ، وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً، حَتَّى يَقْرَأَ آخِرَ شَيْءٍ مَعَهُ.(6)

2 - وما ورد من أن حافظ القرآن لا تحرقه النار، فعن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: لَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ جُعِلَ فِي إِهَابٍ(7) ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ.(8)

قال ابن الأثير:(9) … وقيل الْمعنى: مَن علَّمهُ اللهُ القرآنَ لم تحرقْهُ نارُ الآخرةِ، فجُعِلَ جسمُ حافظ القرآن كالإهاب له..(10)

3 - ومنه تشفيعه في أهله، فعَنْ عَلِيٍّ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَحَفِظَهُ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ.(11)

4 - ومن ذلك أيضًا أن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r : إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ.(12)

5 - وكذلك إكرام والدي حافظ القرآن، وإعلاء منزلتهما، فعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيامَةِ، ضَوْءهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا - لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟(13)

6 - ومن ذلك أيضًا أن حملة القرآن مقدمون على أهل الجنة، قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ:(14) حَمَلَةُ الْقُرْآنِ عُرَفَاءُ(15) أَهْلِ الْجَنَّةِ.(16)

وعن طاوس أنه سأل ابن عباس - رضي الله عنهما: ما معنى قول الناس: أهل القرآن عرفاء أهل الجنة ؟ فقال: رؤساء أهل الجنة.(17)

الْمبحث الثاني: حفظ النبيr للقرآن الكريم

كان العرب قبل الإسلام أمَّةً أمِّـيَّةً، لا تقرأ ولا تكتب، والأمي(18) إنما يعتمد في حفظ ما يحتاج إلى حفظه على ذاكرته، فليس ثَمَّ كتابٌ يحفظ عليه ما يريد حفظه، وقد كان العرب يحفظون في صدورهم ما يحتاجون إلى حفظه من الأنساب والحقوق والأشعار والخطب.

قال U : } هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّـيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ { .(19)

ولما بُعِثَ النبي r في هذه الأمة كانت إحدى آيات ودلائل نبوته أنه أميٌّ؛ حتى لا يتطرق إلى أوهام من يدعوهم أن دعوته مبنية على علمٍ حصَّله من مُعَلِّمٍ، كما قالU : } وَمَا كُنْتَ تَـتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِنِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمبْطِلُونَ { .(20)

فلما كان النبي r أُمِّـيًّا، فلا غروَ كان كذلك يعتمد على ذاكرته في الحفظ، فلما شرَّفه الله بالرسالة، وكان القرآن الكريم آيته التي تحدى بِها الناس كافة والعرب خاصةً - كان شديد الحرص على حفظ القرآن حال إنزاله - وهو من أشد الأحوال عليه، حتى لقد كان r يعاني مشقة عظيمة لتَعَجُّلِهِ حفظَ القرآن الكريم، مخافة أن ينساه، حتى أنزل الله عليه ما يثبت به فؤاده، ويُطَمْئِنُهُ أن القرآن لن يَتَفلَّتَ منهُ:

قال الله U : } لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ! إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ! فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ { .(21)

فطمأنه الله تعالى أن حفظ وبيان القرآن إليه U ، وأمره أن ينصت إلى الوحي، كما قال U : } وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا { .(22)

قال الحافظ ابن حجر: ولما كان من أصل الدين أن الْمبادرة إلى أفعال الخير مطلوبةٌ، فنُـبِّه على أنه قد يَعترضُ على هذا الْمطلوب ما هو أجَلُّ منهُ، وهو الإصغاء إلى الوحي، وتَفَهُّمُ ما يَرِدُ منه، والتشاغل بالحفظ قد يَصُدُّ عن ذلك، فأُمِرَ ألاَّ يُبَادر إلى التحفظ ؛ لأن تحفيظه مضمونٌ على ربه اهـ.(23)

عن سعيد بن جبيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - فِي قَوْلِهِ تعالى: } لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ { قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ r يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ،(24)

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ r يُحَرِّكُهُمَا،

وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: } لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ! إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ { قَالَ: جَمْعُـهُ لَكَ فِي صَـدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ، } فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ { قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، } ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ.

فَكَانَ رَسُولُ اللهِ r بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ r كَمَا قَرَأَهُ.(25)

وظاهر السياق يحتمل أن يكون إنما كان يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ للمشقة التي كان يجدها r عند نزول الوحي، فكان يتعجل بأخذه لتزول الْمشقة سريعًا.

وفي روايةٍ أخرى عند البخاري: كان يُحَرِّكُ به لسانه مخافة أن ينفلت منه.(26)

فهذه الرواية صريحةٌ في أن سبب الْمبادرة هو خشية النسيان، أي كان يحرك لسانه لئلا يفلت منه حرف أو تضيع منه لفظة.

وعن الشَّعْبِيِّ في هذه الآية: } لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ { قال: كان إذا نزل عليه الوحي عَجِلَ يتكلم به من حُبِّه إيَّاه.(27)

وهذه الرواية تدل على أن سبب الْمبادرة هو حب الرسول r للقرآن، وحب الشيء يستلزم الخوف عليه، والخوف من ذهابه عنه.

قال الحافظ ابن حجر: ولا بُعْدَ في تعَدُّدِ السببِ.(28)

بواعث حفظ النبي r للقرآن

يُمكن أن نستخلص مِمَّا سبق بواعث حفظ النبي r للقرآن الكريم، وهي:

1 - أنه الْمبلِّغ عن ربه تعالى، والحفظ ضروري للبلاغ على الوجه الأكمل الذي أمره الله به.

2 - حب النبي r للقرآن الكريم.

3 - خوف نسيان القرآن.

4 - التوثُّق للقرآن، والتحري في ضبط ألفاظه وحفظ كلماته.

(1) تابعي ثقة، ولد سنة 34 هـ، وأخذ عن ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد وغيرهم من الصحابة، كان إخباريًّا قصاصًا، غزير العلم بالإسرائليات وصحائف أهل الكتاب، ومن الْمشهورين بالعبادة والوعظ، تولي قضاء صنعاء. توفي سنة 110 هـ، وقيل سنة 113 هـ، وقيل سنة 114 هـ. سير أعلام النبلاء (4/544)، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (1/150).

(2) رواه البيهقي في دلائل النبوة باب صفة رسول الله r في التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب، وصفة أمته (1/379).

(3) انظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/400).

(4) الآية 9 من سورة الحجر.

(5) رواه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير، سورة عبس. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (8/560) ح: 4937.

(6) رواه ابن ماجه في سننه: كتاب الأدب، باب ثواب القرآن. (2/1242) ح: 3780.

(7) الإهاب، ككِتَابٍ: الجِلْد. القاموس الْمحيط ( أهب ) ص 77.

(8) رواه أحمد في الْمسند: مسند الشاميين (5/148) ح 16914، و (5/156) ح 16967، والدارمي في سننه: كتاب فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن (2/430) ح 3310

(9) هو القاضي الرئيس العلامة الأوحد، مجد الدين أبو السعادات بن الأثير الجزري، صاحب جامع الأصول وغريب الحديث، وغير ذلك، توفي سنة 606? . سير أعلام النبلاء (21/488).

(10) النهاية في غريب الحديث والأثر (1/83).

(11) رواه ابن ماجه في سننه: الْمقدمة، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه (1/78) ح: 216. ورواه الترمذي في سننه: كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل قارئ القرآن ح: 2905، وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ وَحَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. وأحمد في الْمسند: مسند العشرة الْمبشرين بالجنة عن علي بنحوه (1/239) ح 1271، و (1/241) ح 1281.

(12) رواه ابن ماجه في سننه: الْمقدمة، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه (1/78) ح: 215.

(13) رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن (2/70)ح: 1453 وأحمد في مسنده: مسند الْمكيين (4/466) ح 15218.

(14) عطاء بن يسار الْمدني الفقيه، مولى ميمونة أم الْمؤمنين، تابعي ثبت حجة، كبير القدر، كان إمامًا فقيهًا واعظًا، قاضيًا بالْمدينة، توفي سنة ? . شذرات الذهب (1/125)، وسير أعلام النبلاء (4/448).

(15) العرفاء جمع عَرِيف، وهو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس - لسان العرب ( عرف ) (4/2899).

(16) رواه الدارمي في سننه: كتاب فضائل القرآن، باب في ختم القرآن (2/470) ح: 3484، ورواه الطبراني عن الحسين بن علي مرفوعًا بلفظ: حَمَلَةُ الْقُرْآنِ عُرَفَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ. قال الهيثمي: وفيه إسحاق بن إبراهيم بن سعد الْمدني، وهو ضعيف. مجمع الزوائد (7/164)، وانظر الإتقان (4/104).

(17) النهاية في غريب الحديث والأثر (3/218).

(18) الأمي: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ، أو منسوب إلى الأم، كأنه باقٍ على حالته التي وُلد عليها، أو على أنه أشبه بأمه منه بأبيه، إذ إن نساء العرب ما كن يعرفن القراءة والكتابة، ووصف النبي r بالأمي إما على أحد الْمعاني السابقة، أو على أنه منسوب إلى أمة العرب، وهي الأمة الأمية، وكانوا في الجاهلية لا يعرفون القراءة والكتابة إلا النادر، ولذلك كان أهل الكتاب يصفونهم بالأميين، أو على أنه منسوب إلى أم القرى - شرفها الله. القاموس الْمحيط ص 1392، والجامع لأحكام القرآن (7/190)، وتفسير أبي السعود (3/279).

(19) من الآية 2 من سورة الجمعة.

(20) الآية 48 من سورة العنكبوت.

(21) سورة القيامة، الآيات 16-18.

(22) من الآية 114 من سورة طـه.

(23) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/548) بتصَرُّفٍ يسير.

(24) في كتاب التفسير من صحيح البخاري أن سفيان بن عيينة وصف تحريكه r لسانه بقوله: يريد أن يحفظه، قال الحافظ في الفتح: وفي رواية أبي كريب: تعَجَّل يريدُ حفظَه، فنـزلت. فتح الباري (8/548-549).

(25) رواه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (1/39) ح: 5.

(26) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، كتاب التفسير، باب } إن علينا جمعه وقرآنه { (8/549) ح: 4928.

(27) رواه الطبري في التفسير (29/187).

(28) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/550).

 

الفصل الأول

حفظ القرآن في الصدور

الْمبحث الثالث: الرد على دعوى جواز نسيان النبي r القرآن أو إسقاطه عمدًا

شكَّك بعض الْملاحدة في الأصل الذي قامت عليه كتابة القرآن الكريم وجمعه، وهو حفظ النبي r للقرآن بدعوى جواز النسيان على النبي r ، واستدلوا على ذلك بدليلين:

الأول: قوله تعالى: } سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى ! إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ { .(29)

فزعموا أن الآيات تدل - بطريق الاستثناء - على أن محمدًا r قد أسقط عمدًا أو أُنسي آيات لم يتفق له من يذكره إياها، وتدل أيضًا على جواز النسيان على النبي r.

والثاني: ما روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ r قَارِئًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فِي الْمسْجِدِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَة كَذَا وَكَذَا. وفي رواية: أُنْسِيتُها.(30)

فزعموا أن النبي r أسقط عمدًا بعض آيات القرآن، أو أُنسِيَها.

الجواب عما تعلق به أصحاب هذه الشبهةِ

فيجاب عن دعواهم أن الآيات الكريمات تدل على جواز نسيان النبي r بعض القرآن:

أولاً: بأن قوله U : } سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى { وعدٌ كريمٌ بعدم نسيان ما يقرؤه من القرآن، إذ إن (لا) في الآية نافية، وليست ناهية، بدليل إشباع السين، فأخبر الله فيها بأنه لا ينسى ما أقرأه إياه.

وقيل (لا) ناهيةٌ، وإنما وقع الإشباع في السين لتناسب رءوس الآي، والقول الأول أكثر.(31)

قال القرطبي بعد أن ذكر القولين: والأول هو الْمختار ؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتًا معلومًا، وأيضًا فإن الياء مثبتة في جميع الْمصاحف، وعليها القراء.(32)

ومعنى الآية على هذا: سنعلمك القرآن، فلا تنساه، فهي تدل على عكس ما أرادوا الاستدلال بِها عليه.

ثانيًا: إن الاستثناء في الآية معلق على مشيئة الله إياه، ولم تقع الْمشيئة، بدليل ما مر من قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ { ، ولأن عدم حصول الْمعلق عليه يستلزم عدم حصول الْمعلق، ويستحيل أن تتعلق مشيئة الله بعدم بلوغ رسالته.

ثالثًا: الاستثناء في الآية لا يدل على ما زعموا من أنه يدل على إمكان أن ينسى r شيئًا من القرآن، وفي الْمراد بِهذا الاستثناء قولان:

القول الأول: أن الاستثناء صوريٌّ لا حقيقيٌّ، فهو للتبرك، وليس هناك شيءٌ استُثني.

قال الفراء:(33)لم يشأ أن ينسى شيئًا، وهو كقوله: } خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك { ولا يشاء، وأنت قائل في الكلام: لأعطينَّك كل ما سألتَ إلا ما شئتُ، وإلا أن أشاءَ أن أمنعك، والنية ألا تمنعه، وعلى هذا مجاري الأيمان، يُستثنى فيها، ونية الحالف التمام.(34)

وقيل إن الحكمة في هذا الاستثناء الصوري أن يعلم العباد أن عدم نسيان النبي r القرآن هو محض فضل الله وإحسانه، ولو شاء تعالى أن ينسيه لأنساه، وفي ذلك إشعارٌ للنبي r أنه دائمًا مغمور بنعمة الله وعنايته، وإشعار للأمة بأن نبيهم مع ما خُصَّ به من العطايا والخصائص لم يخرج عن دائرة العبودية، فلا يُفْتَنُون به كما فُتِنَ النصارى بالْمسيح u(35)

القول الثاني: أن الاستثناء حقيقي، وأن الْمراد به منسوخ التلاوة فيكون الْمعنى أن الله تعالى وعد بأن لا ينسى نبيه r ما يقرؤه، إلا ما شاء - سبحانه - أن ينسيه إياه بأن نسخ تلاوته لحكمة، أو على أن الْمراد به الترك، أو ما يعرض للإنسان بحكم الجبلة البشرية، أو لأجل تعليم الناس وتبيين السنة لهم.

عن الحسن وقتادة } إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ { : أي قضى أن تُرفع تلاوته.

وعن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما: إلا ما أراد الله أن ينسيكه لتَسُنَّ.

وقال الطبري: وقال آخرون: النسيان في هذا الْموضع: الترك، قالوا: ومعنى الكلام: سنقرئك يا محمد، فلا تترك العمل بشيء منه، إلا ما شاء الله أن تترك العمل به مِمَّا ننسخه.(36)

وعلى هذين القولين فلا تعلق لأصحاب تلك الشبهة بِهذه الآيات، إذ لا يفهم منها أن النبي r قد نسي حرفًا واحدًا مِمَّا أمر بتبليغه.

والجواب عما زعموه في الحديث الشريف:

أولا: أن الحديث الذي أوردوه لا ينهض حجةً لهم فيما زعموا من الشكّ في الأصل الذي قامت عليه كتابة القرآن وجمعه، إذ إن الآيات التي أنسيها النبي r ثم ذكرها كانت مكتوبة بين يدي النبي r ، وكانت محفوظة في صدور أصحابه الذين تلقوها عنه، والذين بلغ عددهم مبلغ التواتر- والذين منهم هذا الذي ذكَّرَه، وإنما غاية ما فيه الدلالة على أن قراءة ذلك الرجل ذكرت النبيَّ r بالآيات، وكان قد أُنسيها، أو أسقطها نسيانًا، وليس في الخبر إشارة إلى أن هذه الآيات لم تكن مِمَّا كتبه كتَّاب الوحي، ولا ما يدل على أن أصحاب النبي r كانوا نسوها جميعًا، حتى يخاف عليها الضياع.(37)

ثانيًا: أن روايات الحديث لا تفيد أن هذه الآيات التي سمعها الرسول من أحد أصحابه كانت قد انمحت من ذهنه الشريف جملةً، بل غاية ما تفيده أنَّها كانت غائبة عنه ثم ذكرها وحضرت في ذهنه بقراءة صاحبه، وليس غيبة الشيء عن الذهن كمحوه منه، فالنسيان هنا بسبب اشتغال الذهن بغيره، أما النسيان التام فهو مستحيل على النبي r ؛ لإخلاله بوظيفة الرسالة والتبليغ.(38)

قال الباقلاني(39) وإن أردت أنه ينسى القدرَ الذي ينساه العالْم الحافظُ بالقرآن، الذي لا يُنسَب صاحبه إلى بلادةٍ، فإن ذلك جائز بعد أدائه وبلاغه، والذي يدل على جوازه أنه غير مفسدٍ له، ولا قادح في آياته، ولا مفسد لكمال صفاته، ولا مسقط لقدره، ولا منزل له عنه، ولا معرضٍ بتهمته.(40)

ثالثًا: أن قوله r : ( أسقطتها ) مفسرةٌ بقوله في الرواية الأخرى: ( أُنْسِيتُها )، فدل على أنه r أسقطها نسيانًا لا عمدًا، فلا محل لما أوردوه من أنه r قد يكون أسقط عمدًا بعض آيات القرآن.

قال النووي: قوله r : "كنت أُنْسِيتُها" دليل على جواز النسيان عليه r فيما قد بلَّغه إلى الأمة.(41)

وترد هنا مسألة وقوع النسيان من النبي r ، وهي الْمسألة الآتية.

مسألة وقوع النسيان من النبي r

وقوع النسيان من النبي r يكون على قسمين:

الأول: وقوع النسيان منه r فيما ليس طريقه البلاغ.

فهذا جائز مطلقًا لما جُبل عليه r من الطبيعة البشرية.

والثاني: وقوع النسيان منه r فيما طريقه البلاغ.

وهذا جائز بشرطين:

الشرط الأول: أن يقع منه النسيان بعد ما يقع منه تبليغه، وأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلاً.

قال النووي في شرح قوله r : "كنت أُنْسِيتُها": دليل على جواز النسيان عليه r فيما قد بلَّغه إلى الأمة.(42)

الشرط الثاني: أن لا يستمر على نسيانه، بل يحصل له تذكره: إما بنفسه، وإما بغيره.(43)

وقال القاضي عياضٌ(44) - رحمه الله: جمهور الْمحققين على جواز النسيان عليه r ابتداءً فيما ليس طريقه البلاغ، واختلفوا فيما طريقه البلاغ والتعليم، ولكن من جوز قال: لا يُقَرُّ عليه، بل لا بد أن يتذكره أو يُذَكَّره.(45)

ونسيان النبي r لشيء مِمَّا طريقه البلاغ يكون على قسمين أيضًا:

قال الإسماعيلي:(46) النسيان من النبي r لشيء من القرآن يكون على قسمين:

أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قربٍ، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله r في حديث ابن مسعود في السهو: إنَّما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون.(47)

وهذا القسم عارضٌ سريع الزوال، لظاهر قوله U : } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ { .(48)

والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو الْمشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: } سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى! إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ { ،(49) على بعض الأقوال.

وهذا القسم داخل في قوله U : } مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا { .(50)(51)

وزعم بعض الأصوليين وبعض الصوفية أنه لا يقع منه النسيان في شيء أصلاً، وإنما يقع منه صورته، ليَسُنَّ.(52)

قال القاضي عياضٌ: وهذا تناقض مردودٌ، ولم يقل بِهذا أحد مِمَّن يقتدى به، إلا الأستاذ أبو الْمظفر الإسفراييني(53) من شيوخنـا، فإنه مال إليه ورجحـه، وهو ضعيفٌ متناقض.(54)

 

 

(29) سورة الأعلى، الآية 6، وبعض الآية 7.

(30) رواه البخاري في صحيحه، انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (5/312) كتاب الشهادات ح: 2655، و(8/702-705) كتاب فضائل القرآن ح:5037،5038،5042، و(11/140) كتاب الدعوات ح: 6335، ورواه مسلم في صحيحه، صحيح مسلم بشرح النووي كتاب صلاة الْمسافرين، باب الأمر بتعهد القرآن (6/75)، وأبو داود في سننه: كتاب الصلاة - باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل (2/37) ح: 1331، وفي أول كتاب الحروف والقراءات (4/31) ح: 3970.

(31) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 312، وفتح القدير (5/420)، تفسير القرآن العظيم (4/500).

(32) الجامع لأحكام القرآن (20/14).

(33) هو أبو زكريا يحيى بن زياد الأسدي مولاهم، العلامة صاحب التصانيف، إمام النحاة، وصاحب الكسائي، توفي بطريق الحج سنة 207هـ.  سير أعلام النبلاء (1/118)، وتذكرة الحفاظ (1/372).

(34) معاني القرآن للفراء (3/256).

(35) مناهل العرفان (1/267-268).

(36) تفسير الطبري (30/154)، وفتح القدير (5/422)، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/702).

(37) مناهل العرفان (1/265).

(38) مناهل العرفان (1/266).

(39) هو القاضي محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، الإمام العلامة، سيف السنة ولسان الأمة، الْمتكلم على لسان أهل الحديث، صاحب التصانيف، وكان يُضرب الْمثل بفهمه وذكائه، وكان ثقة إمامًا بارعًا. صنف في الرد على الرافضة والْمعتزلة وغيرهم من الفرق، مات في ذي القعدة سنة 403هـ . سير أعلام النبلاء (17/190).

(40) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 312.

(41) شرح النووي على صحيح مسلم (6/76).

(42) شرح النووي على صحيح مسلم (6/76).

(43) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/703).

(44) أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض، الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام، استبحر في العلوم، وجمع وألف، وسارت بتصانيفه الركبان، وهو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بالنحو واللغة وكلام العرب، من مؤلفاته الشفا بتعريف حقوق الْمصطفى، ومشارق الأنوار. توفي سنة 544هـ . سير أعلام النبلاء (20/212).

(45) الشفا بتعريف حقوق الْمصطفى (2/161)، وشرح النووي على صحيح مسلم (6/76).

(46) هو الإمام الحافظ الفقيه الحجة شيخ الإسلام، أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي الشافعي، صنف تصانيف تشهد له بالإمامة في الفقه والحديث، وكان واحد عصره، وشيخ الْمحدثين والفقهاء. توفي سنة 371. سير أعلام النبلاء (16/292).

(47) رواه البخاري في صحيحه كتاب الصلاة بَاب التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ. (1/600) ح 401.

(48) الآية 9 من سورة الحجر.

(49) الآية 6 وبعض الآية 7 من سورة الأعلى.

(50) من الآية 106 من سورة البقرة.

(51) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/703).

(52) الشفا بتعريف حقوق الْمصطفى (2/147)، و(2/161).

(53) هو العلامة الْمفتي طاهر بن محمد الطوسي الشافعي، صاحب التفسير الكبير، كان أحد الأعلام، توفي سنة 471هـ . سير أعلام النبلاء (18/401).

(54) الشفا بتعريف حقوق الْمصطفى (2/163-164)، وشرح النووي على صحيح مسلم (6/76-77).


الفصل الأول

حفظ القرآن في الصدور

 

الْمبحث الرابع: الحفاظ من الصحابة

كان أصحاب النبي r يحفظون القرآن بسماعه منه، فهذه أم هشام بنت حارثة ابن النعمان(55) تحفظ سورة من القرآن من في رسول الله r:

عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ r وَاحِدًا سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ } ق وَالْقُرْآنِ الْمجِيدِ { ،(56) إِلاَّ عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ r ، يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.(57)

ومع حرص أصحاب النبي r الشديد على تلقي القرآن منه وحفظه - كان r يشجعهم ويحثهم على تعلُّم القرآن وتعليمه:

عَنْ عُثْمَانَ t عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ.(58)

وكان r يحرص أن يتعلم كل من التحق بدار الإسلام بالْمدينة القرآن، فكان يختار لهم من يعلِّمهم:

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ(59) قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ r يُشْغَلُ، فَإِذَا قَدِمَ رَجُلٌ مُهَاجِرٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ r دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَّا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ.(60)

ولقد حفظ القرآن الكريم من الصحابة جمع كبير يصعب حصره، فقد ثبت في الصحيحين أنه قتل في بئر معونة(61) سبعون من القراء:

عَنْ أَنَسِ t قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالُوا: أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْماءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمسْجِدِ، وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ r إِلَيْهِمْ فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ.(62)

وروي أنه قتل في وقعة اليمامة(63) كثير من القراء، ويدل على ذلك قول عُمَرَ t : إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْموَاطِنِ.(64)

قال الحافظ في الفتح: وهذا يدل على أن كثيرًا مِمَّن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن، لكن يمكن أن يكون الْمراد أن مجموعهم جَمَعَهُ، لا أن كل فرد جَمَعَهُ.(65)

وقد عرف من قراء الصحابة كثيرون، منهم الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ ابن جبل، وأبو زيد الأنصاري، وسالْم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر،(66) وأبو أيوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، ومُجَمِّع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وأُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارثِ الأَنْصَارِيِّ، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب بن أبي السائب الْمخزومي، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة y .ـ(67)

فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ عَمْرٍو أنه ذَكَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فقالَ: لاَ أَزَالُ أُحبُّهُ ؛ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ: خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالْم، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.(68)

وعن شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ خَطَبَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ r بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً.(69)

وعن قَتَادَة قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ r ؟ قَالَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ(70) يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ. وفي رواية أَبُو الدَّرْدَاءِ مكان أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.(71)

وعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ(72) وَكَانَتْ قَدْ جَمَعَتِ الْقُرْآنَ وَكَانَ النَّبِيُّ r قَدْ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، وَكَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ، وَكَانَتْ تَؤُمُّ أَهْلَ دَارِهَا.(73)

ثم دارت أسانيد القراء العشرة على ثمانية من الصحابة (74) هم:

1 - عثمان بن عفان.

2 - علي بن أبي طالب.

3 - أبي بن كعب.

4 - عبد الله بن مسعود.

5 -زيد بن ثابت.

6 - أبو موسى الأشعري.

7 - أبو الدرداء.(75)

8 - عمر بن الخطاب.

أسانيد القراء العشرة إلى الصحابة

أذكر هنا مَن تصل إليه أسانيد القراء العشرة من الصحابة:

1 - قراءة نافع بن عبد الرحمن الْمدني:(76)

عن ستة من الصحابة هم: عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عياش، وأبي هريرة.(77)

2 - قراءة عبد الله بن كثير الْمكي:(78)

عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن السائب.(79)

3 - قراءة أبي عمرو البصري:(80)

عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عياش، وعبد الله بن السائب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة.(81)

4 - قراءة عبد الله بن عامر الشامي:(82)

عن عثمان بن عفان، وأبي الدرداء.(83)

5 - قراءة عاصم بن أبي النجود:(84)

عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب.(85)

6 - قراءة حمزة بن حبيب الزيات:(86)

عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، والحسين بن على بن أبي طالب.(87)

7 - قراءة علي بن حمزة الكسائي:(88)

عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عياش، وأبي هريرة، والحسين بن علي بن أبي طالب.(89)

8 - قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع:(90)

عن زيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وابن عباس، وعبد الله بن عياش، وأبي هريرة.(91)

9 - قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي:(92)

عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عياش، وعبد الله بن السائب، وأبي هريرة.(93)

10 - قراءة خلف بن هشام البزار:(94)

عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، والحسين بن على بن أبي طالب.(95)

 

 (55) وقيل أم هاشم، صحابية أنصارية مشهورة، روت حديث قراءة سورة ق على الْمنبر يوم الجمعة، وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن الراوية عن عائشة لأمها. أسد الغابة في معرفة الصحابة (7/403)،و(7/406)، وتقريب التهذيب ص 759 ترجمة 8779.

(56) الآية 1 من سورة ق.

(57) رواه مسلم في صحيحه: كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة ح: 873، انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (6/162)، والنسائي في سننه: كتاب الجمعة، باب القراءة في الخطبة ح1411، انظر سنن النسائي مع شرح السيوطي وحاشية السندي (3/107)، وأبو داود في سننه كتاب الصلاة باب الرجل يخطب على قوس (1/288) ح 1100.

(58) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن بَاب خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ (8/691) 5027.

(59) هو أبو الوليد عبادة بن الصامت الأنصاري، أحد النقباء ليلة العقبة، ومن أعيان البدريين، شهد الْمشاهد كلها مع رَسُول اللهِ r ، وسكن بيت الْمقدس، مات بالرملة سنة 34 هـ . سير أعلام النبلاء (2/5)، وأسد الغابة (3/160)، وشذرات الذهب (1/40-62).

(60) رواه أحمد في مسنده باقي مسند الأنصار (6/443) ح 22260.

(61) محل شرقي الْمدينة، بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم قِبَل نجدٍ، وبِها أرسل النَّبِيّ r نفرًا من القراء إلى أهل نجد يدعونهم إلى الإسلام، فغدر بِهم عامرُ بن الطفيل فقتلهم، وكانوا سبعين رجلاً، وكان ذلك في صفر سنة أربع من الهجرة. السيرة النبوية لابن هشام (3/103-108)، والْمصباح الْمنير ص 170.

(62) البخاري في كتاب الجهاد والسير باب من يُنْكَب في سبيل الله. صحيح البخاري مع فتح الباري (6/23) ح2801، ومسلم في كتاب الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد ح 677. صحيح مسلم مع شرح النووي (13/46-47).

(63) اليمامة من حروب الردة، وهي الوقعة التي قاتل فيها الْمسلمون مسيلمة الكذاب ومن معه سنة 11 هـ ، استشهد فيها من الصحابة أكثر من ستمائة رجل، وكان جملة القتلى من الْمسلمين نحو 960 رجلاً، وقتل من الْمرتدين أكثر من عشرين ألف رجلٍ. تاريخ الأمم والْملوك - الطبري (2/283)، والبداية والنهاية (6/330)، وتاريخ الإسلام للذهبي في جزء حوادث سنة 11-40 هـ ص 73، وذكر الحافظ في الفتح أن القتلى من القراء كانوا سبعين، فتح الباري (8/668)، وانظر الإتقان في علوم القرآن (1/199-204).

(64) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن، انظر الصحيح مع شرحه فتح الباري (8/626) ح 4986.

(65) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/628).

(66) قال الذهبي بعد ذكر معاذ بن جبل، وأبي زيد، وسالْم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر: ولكن لم تتصل بنا قراءتهم. معرفة القراء الكبار (1/42).

(67) انظر: جمال القراء وكمال الإقراء (2/424)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 67-70، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/668)، والإتقان (1/199-204).

(68) رواه البخاري في فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي r ح 4999.انظر الصحيح مع فتح الباري (8/662).

(69) رواه البخاري في فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي r ح 5000.انظر الصحيح مع فتح الباري (8/662).

(70) قال النووي: هو سعد بن عبيد بن النعمان الأوسي، من بني عمرو بن عوف، بدري، يُعرف بسعد القارئ، استشهد بالقادسية سنة خمس عشرة في أول خلافة عمر بن الخطاب t ، قال ابن عبد البر: هذا هو قول أهل الكوفة، وخالفهم غيرهم فقالوا: هو قيس بن السكن الخزرجي، من بني عدي بن النجار، بدري، قال موسى بن عقبة: استشهد يوم جيش أبي عبيد بالعراق، سنة خمس عشرة أيضًا. شرح النووي على صحيح مسلم (16/20).

وقال ابن الأثير بعد أن ذكر ترجيح الواقدي أنه قيس بن السكن: هذا كله قول الواقدي. وغيره يصحح أنَّهما - يعني هذا (سعد بن عبيد ) وقيس بن السكن - جميعًا جمعا القرآن على عهد رسول الله r . أسد الغابة في معرفة الصحابة (6/128).

وذكر الحافظ ابن حجر عن علي بن الْمديني أن اسمه أوس، وعن يحيى بن معين: هو ثابت بن زيد. فتح الباري (7/159)، وذكر أيضًا قولاً أنه قيس بن أبي صعصعة، وقولاً أنه سعد بن الْمنذر. فتح الباري (8/669).

(71) رواه البخاري في كتاب الْمناقب باب مناقب زيد بن ثابت ح 3810. صحيح البخاري مع فتح الباري (7/159)، وفي فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي r ح 5004 (8/663)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي بن كعب. انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (16/19) ح 2465.

(72) وقيل أم ورقة بنت نوفل، وهي صحابية، كانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النَّبِيّ r أن تتخذ مؤذنًا، فأذن لها، فكانت تؤم أهل دارها، ماتت في خلافة عمر، قتلها خدمها، وكان النَّبِيّ r يسميها الشهيدة. أسد الغابة في معرفة الصحابة (7/408-409)التقريب ص 759، ترجمة 8780.

(73) رواه أحمد في مسنده: مسند القبائل (7/554) ح 26739، وانظر الإتقان (1/203).

(74) هؤلاء الثمانية هم الذين قرءوا على النبي r مباشرة، وإن كان في أسانيد القراء من لم يقرأ على النبي، بل قرأ على بعض الصحابة، كابن عباس والحسينبن علي، وأبي هريرة، وعبد الله بن السائب، وعبد الله بن عياش، كما سيأتي.

(75) قال الإمام الذهبي: فهؤلاء الذين بلغنا أنَّهم حفظوا القرآن في حياة النبي r ، وأُخذ عنهم عرضًا، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة. اهـ . معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار (1/42).، وقد وردت رواية القرآن عن عمر t كما سيأتي قريبًا في ذكر من روى عنهم القراء من الصحابة، وانظر النشر في القراءات العشر (1/112،120).

(76) هو الإمام حبر القرآن، نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم، أبو رويم الْمقرئ الْمدني، أحد الأعلام، ولد سنة بضع وسبعين للهجرة، قرأ وجوَّد كتاب الله على طائفة من التابعين من أهل الْمدينة، منهم: الأعرج، وأبو جعفر، قال عنه مالك: نافعٌ إمام الناس في القراءة، وكان طيب الخلق، يباسط أصحابه، إذا تكلم يشم من فيه رائحة الْمسك، توفي سنة 169 هـ . شذرات الذهب (1/270)، ومعرفة القراء الكبار (1/107)، وسير أعلام النبلاء (7/336).

(77) أبو هريرة أسلم متأخرًا، وابن عباس وابن عياش من صغار الصحابة، وقد قرؤوا جميعًا على أبي بن كعب t ، وقرأ أبو هريرة وابن عباس على زيد بن ثابت أيضًا. انظر النشر في القراءات العشر (1/112،178)، ومعرفة القراء الكبار (1/45،57).

(78) هو الإمام العلم، مقرئ مكة، ولد سنة 48 هـ، قرأ على عبد الله بن السائب الْمخزومي، ومجاهد ودرباس مولى ابن عباس، وكان مهيبًا فصيحًا مفوَّهًا واعظًا كبير الشأن، قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، وشبل بن عباد، وطائفة غيرهم. معرفة القراء الكبار (1/86)، وسير أعلام النبلاء (5/318).

(79) عبد الله بن السائب من صغار الصحابة، وقد قرأ على أبي بن كعب وعمر بن الخطاب، وقرأ عليه ابن كثير من غير واسطة. انظر النشر في القراءات العشر (1/120)، ومعرفة القراء الكبار (1/47).

(80) هو شيخ القراءة والعربية، الإمام مقرئ أهل البصرة، أخذ القراءة عن أهل الحجاز، كمجاهد وابن كثير من مكة، وأبي جعفر ويزيد بن رومان من الْمدينة، وكذلك عن أهل البصرة، كيحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، وكان أكثر القراء العشرة شيوخًا، ويلاحظ ذلك من كثرة من قرأ بقراءتهم من الصحابة. وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالبصرة، وكان أعلم الناس بالقراءات والعربية وأيام العرب والشعر. توفي 154 هـ . معرفة القراء الكبار (1/100)، وسير أعلام النبلاء (6/407).

(81) النشر في القراءات العشر (1/133).

(82) هو الإمام الكبير مقرئ الشام، وأحد الأعلام، أبو عمران اليحصبي الدمشقي، ولد سنة 21 هـ، وقرأ على أبي الدرداء، والْمغيرة بن أبي شهاب، صاحب عثمان، توفي سنة 118 هـ. معرفة القراء الكبار (1/82)، وسير أعلام النبلاء (5/292).

(83) قطع الحافظ أبو عمرو الداني، وصحح ابن الجزري أن عبد الله بن عامر قرأ على أبي الدرداء دون واسطة. النشر في القراءات العشر (1/144).

(84) هو عاصم بن بهدلة أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي، الإمام الكبير، انتهت إليه الإمامة في القراءة بالكوفة، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن، قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وزِرِّ بن حبيش، وقرأ عليه خلق كثير، كالأعمش، والْمفضل الضبي، وحفص بن سليمان، توفي آخر سنة 127 هـ، وقيل 128 هـ. معرفة القراء الكبار (1/88)، وسير أعلام النبلاء (5/256)، وشذرات الذهب (1/175).

(85) النشر في القراءات العشر (1/155).

(86) هو الإمام القدوة، شيخ القراءة، أبو عمارة التيمي مولاهم الكوفي، كان إمامًا قيمًا لكتاب الله، قانتًا لله، ثخين الورع، رفيع الذكر، عالْما بالفرائض والحديث، عديم النظير. توفي سنة 156 هـ. معرفة القراء الكبار (1/111)، وسير أعلام النبلاء (7/90)، وشذرات الذهب (1/240).

(87) قرأ الحسين على أبيه علي بن أبي طالب- رضي الله عنهما، النشر في القراءات العشر (1/155،165).

(88) هو الإمام شيخ القراءة والعربية، أحد الأعلام، ولد في حدود سنة عشرين ومائة، وقرأ القرآن على حمزة وعيسى الهمداني، وإليه انتهت الإمامة في القراءة والعربية، كان أعلم الناس بالنحو، وكان أوحد الناس في القرآن، أدَّب الرشيد وولده الأمين، فنال ما لم ينله أحدٌ من الجاه والْمال والإكرام، وحصل له رياسة العلم والدنيا. شذرات الذهب (1/321)، ومعرفة القراء الكبار (1/120)، وسير أعلام النبلاء (9/131).

(89) النشر في القراءات العشر (1/172).

(90) قارئ الْمدينة، الزاهد العابد، رفيع الذكر، قرأ على أبي هريرة، وابن عباس، وقرأ عليه نافع وغيره، وكان من أفضل أهل زمانه، رؤي بعد موته على ظهر الكعبة يخبر أنه من الشهداء الكرام، توفي 129 هـ. شذرات الذهب (1/176)، ومعرفة القراء الكبار (1/72).

(91) قرأ أبو جعفر على عبد الله بن عياش وابن عباس وأبي هريرة بغير واسطة، وقيل إنه قرأ أيضًا على زيد بن ثابت نفسه، قال ابن الجزري: وذلك محتمل، فإنه صح أنه أتي به إلى أم سلمة زوج النبي r فمسحت على رأسه، ودعت له، وأنه صلى بابن عمر بن الخطاب، وأنه أقرأ الناسَ قبل الحرة، وكانت الحرة سنة 63 هـ.. النشر في القراءات العشر (1/178).

(92) قارئ أهل البصرة في عصره، أحد الأئمة الأعلام، قرأ على أبي الْمنذر سلام بن سليم، كان من أعلم الناس بالحروف والاختلاف في القرآن العظيم، وتعليل مذاهبه، ومذاهب النحويين، توفي سنة 205 هـ. شذرات الذهب (2/14)، ومعرفة القراء الكبار (1/157).

(93) النشر في القراءات العشر (1/185-186).

(94) هو الإمام الحافظ الحجة، شيخ الإسلام، أبو محمد البغدادي البزار، ولد سنة 150 هـ، قرأ على سليم عن حمزة، وله اختيار خالف فيه حمزة، وقرأ عليه أحمد بن يزيد الحلواني، والكسائي الصغير، وغيرهم، وكان عابدًا فاضلاً من النبلاء، كثير العلم، صاحب سنة. توفي سنة 229 هـ. معرفة القراء الكبار (1/208)، وسير أعلام النبلاء (10/276).

(95) النشر في القراءات العشر (1/191).


الرد على طعن الْملاحدة في تواتر القرآن

تعلق بعض الْملاحدة بحديث أنس في حصر من جمع القرآن في عهد النبي r:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ r وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ قَالَ وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ.(96)

وفي رواية قتادة قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ r ؟ قَالَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ.(97)

فقالوا: كيف يكون القرآن متواترًا، مع ما يروى عن أنس مِن حَصْر مَن جمع القرآن في هؤلاء الأربعة.

وتعلقوا أيضًا بأن أسانيد القراء تدور على ثمانية فقط من أصحاب النبي r ، فقالوا: إن هذا العدد لا يبلغ مبلغ التواتر.

ويجاب عن حديث أنس t بوجوه:

أولاً: الجواب بأن الحصر في كلام أنس إضافي، لا حقيقي.

أي أن قول أنس (أَرْبَعَةٌ) لا مفهوم له؛ وليس الحصر في كلامه حقيقيًّا، بل هو حصر إضافي، أي: بالإضافة إلى غيرهم، وإلا فأين الخلفاء الأربعة، وأين سالْم مولى أبي حذيفة، وأين أبو موسى وغيرهم.ولذلك ثلاثة أدلة:

الأول: كثرة الحفاظ من الصحابة:

فقد روي حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي r ، وثبت في الصحيح أنه قُتِل يوم بئر معونة سبعون مِمَّن جمع القرآن،(98) وروي أنه قتل في وقعة اليمامة(99) مثلهم.

فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ، فكيف الظن بِمن لم يُقتل مِمَّن حضرها، ومن لم يحضرها وبقي بالْمدينة أو بمكة أو غيرهما.

الثاني: استحالة إحاطة أنس بحال كل الصحابة وأنَّهم لم يجمعوا القرآن كله.

أي بتقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه، وإلا فكيف له الإحاطة بكل من جمع القرآن مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلدان، وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي r ، وهذا في غاية البعد في العادة. وقد يكون مراده: الذين علمهم من الأنصار أربعة، وأما غيرهم من الْمهاجرين والأنصار الذين لا يعلمهم فلم ينفهم، ولو نفاهم كان الْمراد نفي علمه، وإذا كان الْمرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك.

كما أنه لم يذكر في هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من كبار الصحابة، الذين يبعد كل البعد أنَّهم لم يجمعوه،(100) مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما دون ذلك من الطاعات، وكيف نظن هذا بِهم، ونحن نرى أهل العصور اللاحقة يحفظ القرآن منهم في كل بلدة ألوف، مع بعد رغبتهم في الخير عن درجة الصحابة؟ مع أن الصحابة لم يكن لهم أحكام مقررة يعتمدونَها في سفرهم وحضرهم إلا القرآن، وما سمعوه من النبي r ، فكيف نظن بِهم إهماله ؟ فكل هذا وشبهه يدل على أنه لا يصح أن يكون معنى الحديث أنه لم يكن في نفس الأمر أحد جمع القرآن إلا الأربعة الْمذكورون.(101)

الثالث: اختلاف الرواية عن أنس في تحديد الأربعة

فمِمَّا يدل على إرادة الحصر الإضافي اختلاف الرواية عن أنس t في تحديد الأربعة، ففي رواية: أبي ومعاذ وزيد وأبو زيد،(102) وفي رواية أخرى أبو الدرداء مكان أبيٍّ،(103) وهذا دليل على عدم إرادة الحصر الحقيقي، فهو صادق في كلتا الروايتين ؛ لأنه ليس معقولاً أن يكذب نفسه، فتعين أن الْمراد بالحصر هنا حصر إضافي، بأن يقال: إن أنسًا t تعلق غرضه في وقت ما بأن يذكر الثلاثة، ويذكر معهم أبي بن كعب دون أبي الدرداء، ثم تعلق غرضه في وقت آخر بأن يذكر الثلاثة، ويذكر معهم أبا الدَّرْداء دون أُبَيِّ بن كعبٍ.(104)

كما اختلف العلماء في تحديد أبي زيدٍ الْمذكور في هذا الحديث، فبعضهم يَجعله سعد بن عبيد الأوسي، وبعضهم يجعله قيس بن السكن الخزرجي، وبعضهم يصحح أنَّهما جميعًا جمعا القرآن على عهد رسول الله r ،ـ(105) وبعضهم يجعله قيس بن أبي صعصعة.(106)

والاختلاف في تحديد الْمعدود الْمحصور يدل على عدم إرادة الحصر الحقيقي.

ثانيًا: الجواب بتقدير مراد أنس بالحصر الإضافي:

وذلك بوجوه:

الأول: أن الْمراد به: لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بِها إلا أولئك.

الثاني: أن الْمراد: لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته، وما لم ينسخ غيرهم.

الثالث: أن الْمراد بجمعه: تلَقِّيهِ من فِي رسول الله r بغير واسطة، بخلاف غيرهم، فيحتمل أن يكون تلقى بعضه بالواسطة.

الرابع: أنَّهم تصدوا لإلقائه وتعليمه، فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عمن عُرف حالهم، فحصر ذلك فيهم بحسب علمه.

الخامس: أن الْمراد بالجمع في هذا الحديث الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظًا عن ظهر قلب، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة، وحفظوه عن ظهر قلب.

السادس: أن الْمراد أن أحدًا لم يفصح بأنه جمعه بمعنى أكمل حفظه في عهد رسول الله r إلا هم، بخلاف غيرهم، فلم يفصح أحد منهم بأنه أكمل حفظه إلا عند رسول الله r حين نزلت آخر آية منه، فلعل هذه الآية الأخيرة وما أشبهها ما حضرها إلا أولئك الأربعة مِمَّن جمع جميع القرآن.(107)

ثالثًا: مع التسليم بثبوت كلام أنس على الحصر الحقيقي، فإن ذلك لا يقدح في تواتر القرآن.

فلو ثبت أنه لم يجمعه إلا الأربعة، لم يقدح ذلك في تواتر القرآن ؛ فإن أجزاءه حفظ كلَّ جزءٍ منها خلائق لا يحصون، يحصل التواتر ببعضهم، وليس من شرط التواتر أن ينقل جميعُهم جميعَه، بل إذا نقل كل جزء عدد التواتر صارت الجملة متواترة بلا شك، ولم يخالف في هذا مسلمٌ ولا ملحدٌ.(108)

وهناك احتمالات ضعيفة فيها تكلف،(109) منها:

1 - أن الْمراد بجمعه السمع والطاعة له، والعمل بموجبه.

2 - أن الْمراد إثبات ذلك للخزرج فقط دون الأوس، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين من الْمهاجرين ومن جاء بعدهم.

أما دوران أسانيد القراء على ثمانية من الصحابة فقط، فيجاب بأن هؤلاء الثمانية هم الذين نقل إلينا قراءتهم، ولا ينفي ذلك إقراء غيرهم، ومعرفتهم بقراءة هؤلاء، وإقرارهم عليها، كما أن تواتر القرآن يختلف عن تواتر الحديث، فعند علماء الحديث من أقسام الْمتواتر: تواتر الطبقة، ومثلوا له بتواتر القرآن، فقد تلقاه جيل عن جيلٍ، فهو لا يحتاج إلى إسناد.(110)

 

 

(96) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي r ح 5004 (8/663). وقد صرح أنس في هذه الرواية بصيغة الحصر، قال الحافظ: وقد استنكره جماعة من الأئمة.( يعني التصريح)، انظر فتح الباري (8/668).

(97) رواه البخاري في كتاب الْمناقب باب مناقب زيد بن ثابت. صحيح البخاري مع فتح الباري (7/159) ح 3810، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي بن كعب. انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (16/19) ح 2465.

(98) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب من يُنْكَب في سبيل الله. صحيح البخاري مع فتح الباري (6/23) ح2801، ومسلم في كتاب الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد ح 677. صحيح مسلم مع شرح النووي (13/46-47).

(99) اليمامة من حروب الردة، وقعت سنة 11 هـ، سبق الحديث عنها ص 15.

(100) والذين منهم من كان يقول: وَاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ وَلاَ أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ. كما روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود t صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبيr ـ (8/662) ح 5002.

(101) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 67، وفتح الباري (8/667-668)، وشرح النووي على صحيح مسلم (16/19)، والإتقان (1/200).

(102) رواه البخاري في كتاب الْمناقب باب مناقب زيد بن ثابت ح 3810. صحيح البخاري مع فتح الباري (7/159)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي بن كعب. انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (16/19) ح 2465.

(103) رواه البخاري في فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي r . انظر الصحيح مع فتح الباري (8/663) ح 5004.

(104) مناهل العرفان (1/243-245).

(105) أسد الغابة في معرفة الصحابة (6/128).

(106) ذكره ابن أبي داود فيمن جمع القرآن. انظر فتح الباري (8/669).

(107) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 68-69، وفتح الباري (8/667)، والإتقان (1/200-201).

(108) شرح النووي على صحيح مسلم (16/20)، وفتح الباري (8/668)، والإتقان (1/200).

(109) انظر فتح الباري (8/668-669).

(110) تعليقات اليماني على نزهة النظر ص 22.


الفصل الثاني

تدوين القرآن الكريم

 

 

 

الْمبحث الأول: الأمر بكتابة القرآن

كان تعويل النبي r وأصحابه أول الأمر على جمع القرآن في القلوب بِحفظه واستظهاره، ضرورةَ أنَّه نبي أمي، بُعِث إلى أمة أميَّةٍ.

قال ابن الجزري: (1) ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط الْمصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لِهَذِهِ الأمة.(2)

ففي الحديث الذي رواه مسلم عن النبي r فيما يَحكيه عن الله U أنَّه قَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ، وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لا يَغْسِلُهُ الْماءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ.(3)

فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالْماء.(4)

ثم كان من مزيد عناية النبي r وأصحابه y أن اعتنوا بكتابة القرآن الكريم، حتى يكون ذلك حصنًا ثانيًا لِحمايته من التغيِير والضياع.

فأمر النبي r بكتابة القرآن، حفظًا له في السطور بعد أن حفظه هو وأصحابه في الصدور، ونَهى في بداية الأمر(5) عن كتابة غير القرآن ؛ حتى لا يلتبس به:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا إِلاَّ الْقُرْآنَ فَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ.(6)

قال النووي : وكان النهي(7) حين خيف اختلاطه بالقرآن ، فلمَّا أُمن ذلك أذن في الكتابة ، وقيل: إنَّما نَهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة ؛ لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة.(8)

وزاد الحافظ ابن حجر وجهًا أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره.(9)

وقد بلغ من عناية النبي r بتدوين القرآن أنَّه كان إذا أنزل عليه شيءٌ يدعو أحد كُتَّابه ، ويأمره بكتابة ما نزل عليه - ولو كان كلمة واحدة ، أو سورة طويلة - بمجرد نزوله عليه :

فعن عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، قال: كَانَ النَّبِيُّ r مِمَّا تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا.(10)

وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ كُنْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللهِ r فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللهِ r عَلَى فَخِذِي فَمَا وَجَدْتُ ثِقْلَ شَيْءٍ أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللهِ r ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: اكْتُبْ فَكَتَبْتُ فِي كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ وَالْمجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ فَقَامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى لَمَّا سَمِعَ فَضِيلَةَ الْمجَاهِدِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ بِمَنْ لا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ فَلَمَّا قَضَى كَلامَهُ غَشِيَتْ رَسُولَ اللهِ r السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي وَوَجَدْتُ مِنْ ثِقَلِهَا فِي الْمرَّةِ الثَّانِيَةِ كَمَا وَجَدْتُ فِي الْمرَّةِ الأُولَى ثُمَّ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ r فَقَالَ اقْرَأْ يَا زَيْدُ فَقَرَأْتُ } لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ { فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r } غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ { ،(11) الآيَةَ كُلَّهَا. قَالَ زَيْدٌ: فَأَنْزَلَهَا اللهُ وَحْدَهَا، فَأَلْحَقْتُهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ فِي كَتِفٍ.(12)

وروى أبو صالح عن ابن عباس في سورة الأنعام، قال: هي مكية، نزلت جُملة واحدة، نزلت ليلاً، وكتبوها من ليلتهم.(13)

سبب جمع القرآن كتابة في العصر النبوي

وعد الله تعالى بحفظ الكتاب الكريم، قال تعالى: } إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون {،(14) ولما كانت الكتابة من أسباب الحفظ، فقد يسرها الله للمسلمين، وأمر بِها النبي r، وفعلها كُتَّابه بحضرته r، هذا، وقد كان لكتابة القرآن أسباب أخرى، منها:

1 - أن النبي r كان مطالبًا بتبليغ الوحي، قال تعالى: } يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك {،(15) والتبليغ في حاجة ماسَّة إلى الكتابة، فبها تقوم الحجة على من يرى الكتاب ممن لم يسمع البلاغ باللسان، إما لبعد داره أو بعد زمانه عن دار وزمان النبي r.

2 - أن الكتابة أدعى إلى حفظ التنزيل وضبطه، وأبعد عن ضياعه ونسيانه،فاقتضى ذلك تعضيد الْمحفوظ في الصدور بالْمكتوب في السطور، لأنَّه وإن كان النبي r حيًّا بين أظهرهم، إلا أنَّه بصدد أن يموت، ولا يُدرى متى يموت، كما أنَّه لا يُؤمَن أن يفنى حُفَّاظُه في أي ساعة، وقد مرَّ أن سبعين منهم قتلوا في بئر معونة، ومثلهم أو يزيد قتلوا في وقعة اليمامة،(16) فاقتضى ذلك أن يُكْتَب القرآن بِمجرد نزوله.(17)

مواد الكتابة في العصر النبوي

كان أصحاب النبي r يستعملون في كتابة القرآن كل ما توفَّر في بيئتهم وتيسَّر لَهم من أدوات الكتابة كالجلود والعظام والحجارة ونحوها، فكانوا يكتبون القرآن على الرِّقَاع،(18) وَالأَكْتَافِ،(19) وَالْعُسُبِ،(20) واللخاف،(21) والأضلاع،(22) والأقتاب،(23) والأَلواحِ،(24) وقطع الأديم،(25) والكرانيف.(26)

عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قال: فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ.(27)

وفي رواية: فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَالرِّقَاعِ وَاللِّخَافِ.(28)

وفي رواية :ومن الأضلاع، وفي رواية: والأقتاب.(29)

وعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ r فَقال: ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ أَوِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ.(30)

وعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا بِالْمرْبَدِ فَجَاءَ رَجُلٌ أَشْعَثُ الرَّأْسِ بِيَدِهِ قِطْعَةُ أَدِيمٍ أَحْمَرَ، فَقُلْنَا: كَأَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ؟ فَقَالَ: أَجَلْ. قُلْنَا: نَاوِلْنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ الأَدِيمَ الَّتِي فِي يَدِكَ، فَنَاوَلَنَاهَا فَقَرَأْنَاهَا فَإِذَا فِيهَا: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ (31)

قال ابن الأثير: وحديث الزهري: والقرآن في الكرانيف. يعني أنَّه كان مكتوبًا عليها قبل جمعه في الصحف.(32)

هذه الآثار وغيرها تدلنا على عظيم بلاء الصحابة في كتابة القرآن، وما تحملوه من الْمشقات، حيث إن مواد الكتابة في ذلك العهد لم تكن متوفرة، كما أن الْموجود منها لم يكن سهل الاستعمال، بل كان يحتاج إلى جهد كبير في التجهيز والإعداد.

وبقي القرآن مكتوبًا على هذه الأشياء محفوظًا عند النبي r وأصحابه، ولم يجمع في صحف أو مصاحف في ذلك العهد.(33)

قال القسطلاني:(34) وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده r ، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور.(35)

الْمبحث الثاني: أسباب عدم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد

توفي النبي r والقرآن مفرقٌ في الرقاع والعسب والعظام والأحجار، ولم يُجمع القرآن في زمنه r في صحف ولا مصاحف:

فعن زيد بن ثابت t قال: قُبِضَ النَّبِيُّ r ، وَلَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ جُمِعَ فِي شَيْءٍ.(36)

قال السيوطي: ولا ينافي ذلك؛(37) لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة.(38)

قال القسطلاني: وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده r ، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور.(39)

وإنَّما ترك النبي r جمع القرآن في مصحف واحد لاعتبارات كثيرة، منها:(40)

1 - أنَّه لم يوجد من دواعي كتابته مجموعًا في صحف أو مصاحف مثل ما وجد على عهد أبي بكر t حتى كتبه في صحف ، ولا مثل ما وجد في عهد عثمان t حتى نسخه في مصاحف، فالْمسلمون وقتئذ بخير، والقراء كثيرون، والإسلام لم تتسع دولته، والفتنة مأمونة، والتعويل لا يزال على الحفظ أكثر من الكتابة ، وأدوات الكتابة غير ميسورة ، والنبي r بين أظهرهم، وعنايته باستظهار القرآن تفوق الوصف، فلا خوف على ضياع شيء منه في تلك الْمدة .

2 - أن النبي r كان بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء الله نسخه من القرآن، ولو جمع القرآن في مصحف واحد وقتئذ لكان عرضة لتغيير الْمصاحف كلما وقع نسخ .

3 - أن القرآن لم يَنْزِل جملة واحدة ، بل نزل منجمًا في مدى عشرين سنة أو أكثر، ولم يكن ترتيب الآيات والسور على ترتيب النُّزُول، ولو جُمِع القرآن في مصحف واحد وقتئذ لكان عرضة لتغيير الْمصاحف كلما نزلت آية أو سورة.

 

 

(1) هو الإمام العلامة محمد بن محمد بن محمد بن علي بن الجزري، الْمقرئ الْمجود، صاحب التصانيف العظيمة في القراءات، كالنشر وتقريبها، والدرة والطيبة، وغيرها كثير، وألف أيضًا في التفسير والحديث والفقه والعربية، ونظم كثيرًا في العلوم وغير ذلك في فنون شتى. توفي سنة 833 هـ. مقدمة النشر في القراءات العشر (1/د).

(2) النشر في القراءات العشر (1/6)، وانظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/400).

(3) مسلم في الصحيح كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها بَاب الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ (17/198) ح 2865، وأحمد في مسند الشاميين (5/166) ح 17030.

(4) في شرح قوله: لا يَغْسِلُهُ الْماءُ قال ابن الأثير: أراد أنَّه لا يُمحى أبدًا، بل هو محفوظ في صدور الذين أوتوا العلم، } لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه { وكانت الكتب الْمنزلة لا تُجمع حفظًا ، وإنما يعتمد في حفظها على الصحف، بخلاف القرآن، فإن حفاظه أضعاف مضاعفة لصحفه . النهاية في غريب الحديث والأثر (3/367).

(5) ورد التصريح بكتابة الحديث بعد ذلك ، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ في فتح مَكَّةَ: فَقَامَ أَبُو شَاهٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ. قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ . رواه مسلم في كتاب الحج بَاب تَحْرِيمِ مَكَّةَ وَصَيْدِهَا وَخَلاهَا وَشَجَرِهَا وَلُقَطَتِهَا إِلا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ (9/129) ح 1355 ، والبخاري في كتاب العلم باب كتابة العلم (1/248) ح 112. قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر اختلاف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة العلم: استقر الأمر وانعقد الإجماع على جواز كتابة العلم ، بل على استحبابه ، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم . فتح الباري (1/246)، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم (18/129-130).

(6) رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم - صحيح مسلم مع شرح النووي (18/129) ح 3004، والدارمي في الْمقدمة.باب من لم ير كتابة الحديث (1/119) ح 450 .

(7) يعني عن كتابة الحديث.

(8) شرح النووي على صحيح مسلم (18/130)، والْمدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ص 410 وما بعدها.

(9) فتح الباري (1/251).

(10) رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بِها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086، وأحمد في مسنده - مسند العشرة الْمبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501.

(11) من الآية 95 من سورة النساء.

(12) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب قول الله } لا يستوي القاعدون … { (6/53) ح 2832 ، ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة بَاب سُقُوطِ فَرْضِ الْجِهَادِ عَنِ الْمعْذُورِينَ (13/42-43) ح 1898، وأبو داود في سننه كتاب الجهاد بَاب فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُعُودِ مِنَ الْعُذْرِ (3/11) ح 2507.

(13) ذكره ابن الجوزي في زاد الْمسير في علم التفسير (3/1) ، ومحاسن التأويل (تفسير القاسمي) (6/2230).

(14) الآية 9 من سورة الحجر.

(15) سورة الْمائدة ، الآية 67.

(16) راجع مبحث الحفاظ من الصحابة.

(17) مناهل العرفان (1/362).

(18) الرقاع جمع رُقْعة، وهي التي يكتب فيها، وتكون من جلد أو كاغد. لسان العرب مادة (رقع) (3/1705).

(19) الأكتاف جمع كَتِف، وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدوابِّ، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم. النهاية في غريب الحديث (4/150).

(20) العسب جمع عسيب ، وهو جريد النخل ، كانوا يكشطون الخوص، ويكتبون في الطرف العريض، وقيل العسيب طرف الجريدة العريض الذي لم ينبت عليه الخوص، والذي ينبت عليه الخوص هو السعف.النهاية في غريب الحديث (3/234)، ولسان العرب مادة (عسب) (4/2936).

(21) اللخاف جمع لَخْفة، وهي صفائح الحجارة البيض الرقاق، فيها عرض ودقة، وقيل هي الخزف يصنع من الطين الْمشوي.وقد فسرها بعض الرواه بالحجارة. انظر كتاب الْمصاحف لابن أبي داود ص 13،14، وبعضهم بالخزف. انظر فتح الباري (13/195) ح 7191.

(22) الأضلاع هي عظام الجنبين، جمع ضِلَعٍ، وهو محنيَّة الجنب. لسان العرب مادة (ضلع) (4/2598).

(23) الأقتاب جمع قَتَب بفتحتين، وهو الخشب الذي يوضع ظهر البعير ليركب عليه. فتح الباري (8/630).

(24) الألواح جمع لَوْح، وهو كل صفيحة عريضة من صفائح الخشب، والكتف إذا كتب عليها سميت لوحًا. لسان العرب مادة (لوح) (5/4095).

(25) الأديم هو الجلد ما كان، وقيل الأحمر منه، وقيل هو الْمدبوغ. لسان العرب مادة (أدم) (1/45).

(26) الكرانيف جمع كُرْنافة ، وهي أصل السَّعَفة الغليظة. النهاية في غريب الحديث (4/168).

(27) رواه البخاري في كتاب تفسير القرآن باب } لقد جاءكم رسول من أنفسكم… { (8/194-195) ح 4679.

(28) رواه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام باب يستحب للكاتب أن يكون أمينًا (13/195) ح 7191.

(29) رواهما ابن أبي داود في كتاب الْمصاحف ص 14،15.

(30) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ (8/637-638) ح 4990.

(31) رواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء بَاب مَا جَاءَ فِي سَهْمِ الصَّفِيِّ (3/153) ح 2999.

(32) النهاية في غريب الحديث (4/168).

(33) مناهل العرفان (1/247). (1/368).

(34) أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني القتيبي الْمصري، ولد سنة 851 هـ، له تصانيف عظيمة، منها إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ولطائف الإشارات في علم القراءات، وغيرها من الْمصنفات الْمفيدة. توفي سنة 923 هـ. الأعلام للزركلي (1/232).

(35) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (7/446)، وانظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن في رسم القرآن للمارغني ص 17.

(36) أخرجه الديرعاقولي في فوائده، انظر فتح الباري (8/627)، والإتقان في علوم القرآن (1/164)، ورواه الطبري عن الزهري مرسلاً مرفوعًا، تفسير الطبري، الْمقدمة (1/28).

(37) يعني أن القرآن كان مكتوبًا زمنه .

(38) يعني أن الذي نفاه زيدٌ من الجمع هو جمع متفرق القرآن في صحف، وجمع الصحف في الْمصاحف، كتابة جميع القرآن. انظر الإتقان في علوم القرآن (1/164).

(39) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (7/446)، ودليل الحيران شرح مورد الظمآن في رسم القرآن للمارغني ص 17.

(40) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (7/446)، والإتقان (1/164)، ومناهل العرفان (1/248-249)، ودليل الحيران شرح مورد الظمآن في رسم القرآن للمارغني ص 17، ودلائل النبوة (7/154).


الْمبحث الثالث: كُتَّاب الوحي

كان للنبي r كُتَّاب يكتبون الوحي، فكان إذا أنزلت عليه الآية أو الآيات دعا بعض كُتَّابه، فأملَّ عليه ما نزل، فكتب بين يديه، وكان يأمرهم بوضع الآيات في مواضعها الْمخصوصة من سورها.

فعَنْ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، قال: كَانَ النَّبِيُّ r مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا.(1)

وقد كتب الوحي لرسول الله r جماعة من أصحابه، ومن أشهر كُتَّابه r:

1 - زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري:

كاتب النبي r ، كما ترجم له البخاري:(2) بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ r ، وذكر فيه حديثين:

الأول: عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ t قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ r فَاتَّبِعِ الْقُرْآنَ، الحديث.(3)

والثاني: عَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ r فَقال: ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ، أَوِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ الحديث.(4)

وكان قد جمع القرآن في عهد النبي r ، كما صح في الحديث،(5) وقد كتب الوحي بين يدي النبي r في غير ما موطن، وهو الذي جمع القرآن بأمر أبي بكر الصديق، ونسخ الْمصاحف بأمر عثمان بن عفان t .ـ(6)

وهو أكثر من كان يكتب للنبي r بالْمدينة، ولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه (الكاتب) بلام العهد.(7)

2 - أبيُّ بن كعب الأنصاري:

سيد القراء، وأحد الذين أوصى النبي r بأخذ القرآن عنهم، وكان قد جمع القرآن على عهد الرسول r،ـ(8) وهو أول من كتب الوحي بين يدي النبي r في الْمدينة.(9)

قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله r أبيَّ بنَ كعب، فإن لم يحضر كتب زيد بن ثابت.(10)

3 - عبد الله بن سعد بن أبي سرح:

هو أول من كتب الوحي للنبي r بِمكة ، ثم ارتد عن الإسلام، ولَحق بالْمشركين بمكة، فلما فتحها رسول الله r أسلم وحسُن إسلامه.(11)

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ r ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، فَلَحِقَ بِالْكُفَّار، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ r أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللهِ r.ـ(12)

ومن كُتَّاب النبي r أيضًا: الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي:

أما أبو بكر t فقد ذكر ابن كثير رواية موسى بن عقبة في قصة سراقة بن مالك، وأنَّه سأل رسول الله r أن يكتب له كتابًا، فأمر أبا بكر فكتب له كتابًا، ثم ألقاه إليه.

وقد روى البخاري وأحمد أن عامر بن فهيرة هو الذي كتب الكتاب.(13)

قال ابن كثير: فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه، ثم أمر مولاه عامرًا فكتب باقيه.(14)

وأما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رضي الله عنهما: فكتابتهما بين يدي النبي r مشهورةٌ.(15)

وأما علي بن أبي طالب t ، فهو الذي كتب الصلح بين رسول الله r وبين قريش يوم الحديبية،(16) وكتب غير ذلك من الكتب بين يديه r.ـ(17)

ومن كتاب الوحي أيضًا: معاوية بن أبي سفيان: فقد أسلم عام الفتح، وحسُن إسلامه، وكتب للنبي r.ـ(18)

عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لِلنَّبِيِّ r: يَا نَبِيَّ اللهِ ثَلاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ. قَالَ: نَعَمْ قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمسْلِمِينَ.(19)

وعن ابْن عَبَّاسٍ أيضًا أنَّ النبيَّ r قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ -وَكَانَ كَاتِبَهُ- قَالَ: فَسَعَيْتُ، فَقُلْتُ: أَجِبْ نَبِيَّ اللهِ r؛ فَإِنَّهُ عَلَى حَاجَةٍ.(20)

ومنهم عبد الله بن أرقم بن أبي الأرقم: أسلم عام الفتح أيضًا، وكتب للنَّبِيّ r.

قال الأعمش: قلت لشقيق بن سلمة: من كان كاتب النبي r؟ قال: عبد الله ابن الأرقم.(21)

ومنهم الزبير بن العوام بن خويلد الأسَدي: أحد العشرة الْمبشرين بالجنة، حواريُّ رسول الله r.ـ(22)

ومن كتاب الوحي أيضًا حنظلة بن الربيع الأُسَيِّدِيُّ التميمي الكاتب:

روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ: وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ r، قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ الحديث.(23)

ومنهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق:

في حديث الهجرة عن سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ، قال: فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ.(24)

ومِمَّن كتب الوحي للنبي r أيضًا أرقم بن أبي الأرقم الْمخزومي:

كان من السابقين إلى الإسلام، ومن الْمهاجرين الأولين، وهو الذي كان النَّبِيّ r وأصحابه يستخفون في داره لَمَّا خافوا الْمشركين.(25)

ومنهم أيضًا ثابت بن قيس بن شماس: خطيب الأنصار، وخطيب النبي r.ـ(26)

ومِمَّن كتب له r أيضًا: خالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، ومعيقيب ابن أبي فاطمة، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد.(27)

ومِمَّن يُروى أنَّه كان يكتب للنبي r السِّجِلُّ: إن صحَّ الحديث فيه عَنِ ابن عباس.

فقد روى الطبري في تفسير قوله تعالى: } يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ { ،(28) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّه قَالَ: (السِّجِلُّ) كَاتِبٌ كَانَ لِلنَّبِيِّ r.ـ(29)

قال ابن كثير: وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ أبي الحجاج الْمزِّيِّ فأنكره جدًّا، وأخبرته أن شيخنا العلامةَ أبا العباس بن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع، وإن كان في سنن أبي داود، فقال شيخنا الْمزِّيّ: وأنا أقوله.(30)

وقال الطبري: ولا يُعرف لنبينا r كاتبٌ كان اسمه السِّجِلَّ، ولا في الْملائكة ملك ذلك اسمه.(31)

قال ابن كثير: وهذا الذي أنكره الطبري من كون السجل اسم صحابي أو ملك قوي جدًّا، والحديث في ذلك منكر جدًّا.(32)

 

 (1) رواه أحمد في مسنده - مسند العشرة الْمبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بِها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086.

(2) ترجم البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن: بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ r ، وذكر فيه حديثين في كتابة زيد للنبي r . الصحيح مع شرحه فتح الباري (8/637).

(3) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ r.ـ(8/637) ح 4989.

(4) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ r ـ(8/637-638) ح 4990.

(5) الذي رواه البخاري في كتاب الْمناقب باب مناقب زيد بن ثابت ح 3810 (7/159)، وفي فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي r ح 5004 (8/663)، راجع الفصل الأول مبحث الحفاظ من الصحابة.

(6) السيرة النبوية لابن كثير (4/682-683).

(7) فتح الباري (8/638).

(8) راجع الفصل الأول مبحث الحفاظ من الصحابة.

(9) فتح الباري (8/638)، والسيرة النبوية لابن كثير (4/671).

(10) السيرة النبوية لابن كثير (4/669)، وانظر فتح الباري (8/638).

(11) السيرة النبوية لابن كثير (4/689)، وفتح الباري (8/638).

(12) رواه أبو داود في سننه كتاب الحدود باب الحكم فيمن ارتد (4/128)ح 4358 ، والنسائي في سننه كتاب تحريم الدم باب توبة الْمرتد (7/107) ح 4069.

(13) رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار باب هجرة النبي r وأصحابه (7/281) ح 3906، وأحمد في مسنده مسند الشاميين (5/187-188) ح 17141، وانظر السيرة النبوية لابن كثير (4/685-686).

(14) السيرة النبوية لابن كثير (4/691)، وفتح الباري (8/638).

(15) السيرة النبوية لابن كثير (4/691)، وفتح الباري (8/638).

(16) رواه البخاري في صحيحه كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد والْمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (5/388-392) ح 2731-2732، ولم يصرح فيه باسم الكاتب ، لكن جاء التصريح به في رواية البيهقي وغيره، انظر دلائل النبوة (4/146).

(17) السيرة النبوية لابن كثير (4/691)، وفتح الباري (8/638).

(18) السيرة النبوية لابن كثير (4/695)، وأسد الغابة في معرفة الصحابة (5/209).

(19) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة بَاب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ t ـ(16/62) ح 2501.

(20) رواه مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والآداب باب من لعنه النبي r ـ(16/155-156) ح 2604، وأحمد في مسنده - مسند بني هاشم (1/480) ح 2646.

(21) السيرة النبوية لابن كثير (4/687-688).

(22) السيرة النبوية لابن كثير (4/677-678)، وفتح الباري (8/638).

(23) صحيح مسلم مع شرح النووي كتاب التوبة بَاب فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ … (17/65-66) ح 2750، وانظر السيرة النبوية لابن كثير (4/673).

(24) رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار باب هجرة النبي r وأصحابه (7/281) ح 3906، وأحمد في مسنده مسند الشاميين (5/187-188) ح 17141، وانظر السيرة النبوية لابن كثير (4/685-686).

(25) السيرة النبوية لابن كثير (4/671)

(26) السيرة النبوية لابن كثير (4/672)، وفتح الباري (8/638).

(27) فتح الباري (8/638)، ومناهل العرفان (1/367)، والسيرة النبوية لابن كثير (4/669-697).

(28) سورة الأنبياء، من الآية 104.

(29) تفسير الطبري (17/100)، ورواه أبو داود في سننه كتاب الخراج والإمارة والفيء باب اتخاذ الكاتب (3/132). ح 2935.

(30) السيرة النبوية لابن كثير (4/683-684).

(31) تفسير الطبري (17/100).

(32) السيرة النبوية لابن كثير (4/685).


الفصل الثالث

ترتيب الآيات والسور

 

 

 

المبحث الأول: الآية والسورة لغةً واصطلاحًا

الآية لغة

اشتقاق (الآية) إما من (أيٍّ)؛ فإنَّها التي تبين أيًّا من أيٍّ (أيْ شيئًا من شيء)، وإما أن يكون اشتقاقها من (التأيِّي)، الذي هو التثبت والإقامة، أو من (أوى إليه) الذي يدل على التجمع، فمن جعلها من (أيي) فموضع العين عنده ياء، ومن جعلها من (أوى) فموضع العين عنده واو.(1)

وحقيقة الآية أنَّها: كلُّ شيء ظاهرٍ هو ملازمٌ لشيء لا يظهر ظهورَه، فمتى أدرَك مُدركٌ الظاهر منهما، علِم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته، إذ كان حكمهما سواءً، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمَن علِم بملازمة العَلَم للطريق المنهج، ثم وجد العَلَم - علِم أنه وجد الطريق، وكذا إذا عليم شيئًا مصنوعًا علِم أنه لا بدَّ له من صانع.(2)

واختلف في وزنِها، فقال الخليل وسيبويه: (فَعَلَة)، بفتح العين، والعين ياء أو واوٌ،(3) فلما تحركت وانفتح ما قبلها أبدلت ألفًا.

وقال الفراء والكسائي: وزنُها (فَاعِلةٌ) والذاهبة اللام، ولو جاءت تامةً لجاءت آيِيَة، فخففت، وقيل الذاهبة العين تخفيفًا أيضًا.

وقيل هي على وزن (فَعْلَة) بسكون العين، فقلبت الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها، وهذا قلب شاذٌّ.(4)

وتطلق الآية في اللغة على ثلاثة معانٍ: العلامة، والجماعة، والأمر العجيب.

فالآية: العلامة، قال تعالى: } إن آية ملكه إن يأتيكم التابوت {.(5)

والآية الأمر العجيب، قال تعالى: } وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً {،(6) وهي الولادة دون الفحل.

وآية الرجل: شخصُه، وتقول: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم، ومنه آية القرآن؛ لأنَّها جماعةُ الحروف.(7)

قال ابن منظور:(8) والآية من التنزيل، ومن آيات القرآن العزيز، قال أبو بكر: سميت الآية من القرآن آية؛ لأنَّها علامة لانقطاع كلامٍ من كلامٍ.

ويقال: سميت الآية آية لأنَّها جماعة من حروف القرآن.

وقال ابن حمزة: الآية من القرآن، كأنَّها العلامة التي يُفضى منها إلى غيرها، كأعلام الطريق المنصوبة للهداية.(9)

وقيل: سميت آية لأنَّها علامة على صدق من أتى بِها، وعلى عجز المتحدى بِها.

وقيل: لأنَّها علامة على انقطاع ما قبلها من الكلام منها، وانقطاعها مِمَّا بعدها.(10)

الآية اصطلاحًا

قال التهانوي(11) نقلاً عن جامع الرموز: وشرعًا: ما تبيَّن أوله وآخره توقيفًا من طائفة من كلامه تعالى بلا اسم.

قال: وقوله: بلا اسم احتراز عن السورة وهذا التعريف أصح.(12)

قال الجعبري:(13) حدُّ الآية قرآن مركب من جمل، ولو تقديرًا، ذو مبدأ ومقطع، مندرج في سورة.

وقال غيره: الآية طائفة من القرآن، منقطعة عما قبلها وما بعدها.

وقيل: هي الواحدة من المعدودات في السور.

وقال بعضهم: الآية طائفة من حروف القرآن عُلم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن، وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن، وعما قبلها وما بعدها في غيرها،(14) غير مشتمل على مثل ذلك، وبِهذا القيد خرجت السورة؛ لأنَّها تشتمل على آيات، والآية لا تشتمل على آية أصلاً.(15)

والصحيح أن الآية إنَّما تُعلم بتوقيف من الشارع، كمعرفة السور.

قال الزمخشري: الآيات علم توقيفي، لا مجال للقياس فيه، ولذلك عدوا } الم { آية حيث وقعت، ولم يعدوا } المر { (16)

السورة لغةً

السورة واحدة سُوَر القرآن، وهي إما أن تكون من ( السؤر )، وهو ما بقي في الإناء من الشراب، بإبدال الهمزة واوًا، وتكون سميت سورة لأنها قطعة من القرآن.

أو من (السُّور)، وهو حائط المدينة الذي يحيط بالبيوت، قال جرير:(17)

سُورُ المدينةِ والْجبالُ الخشَّعُ

 

لَما أتى خبرُ الزُّبَيرِ تواضَعَتْ

وتكون سميت سورة لإحاطتها بآياتِها، واجتماعها كاجتماع البيوت بالسُّور.

أو من السورة بِمعنى المنزلة الرفيعة، قال النابغة:(18)

ترى كُلَّ مَلْكٍ دونَها يتذبْذبُ

 

ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أعْطاكَ سُـورةً

وتكون سُمِّيت بذلك لارتفاعها؛ لأنَّها كلام الله تعالى.

أو من السورة من البناء، وهي ما حسُن وطال منه، أو كلُّ منزلة من البناء، وتكون سميت سورة لارتفاع قدرها، أو لأنَّها منزلةٌ بعد منزلةٍ، مقطوعةٌ عن الأخرى.

أو من التسور، بمعنى: التصاعد، يقال: تسَوَّرت الحائط، إذا علوته، ومنه قوله تعالى: } إذ تَسَوَّروا المحرابَ {،(19)فتكون سميت سورة لتركيب بعضها على بعض.(20)

 

السورة اصطلاحًا

قال الجعبري: السورة بعض قرآن يشتمل على آيٍ، ذو فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات.(21)

وقيل: السورة الطائفة المترجمة توقيفًا، أي: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاصٍّ، بتوقيفٍ من النبي r(22)

وقيل: السورة بعض كلام منزل مبين أوله وآخره، إعلامًا من الشارع، قرآنًا كان أو غيره، بدليل ما يقال سورة الزبور وسورة الإنجيل.(23)(24)

المبحث الثاني: ترتيب الآيات

كان جبريل u ينزل بالآيات على رسول الله r ، ويرشده إلى السورة التي هي منها، ويرشده أيضًا إلى موضعها من تلك السورة.

وكان النبي r بعد ذلك يأمر كتبة الوحي بكتابتها، وإدراجها في الموضع الذي أرشده إليه جبريل u.

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ(25) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ r جَالِسًا إِذْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ، ثُمَّ صَوَّبَهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُلْزِقَهُ بِالأَرْضِ، قَالَ: ثُمَّ شَخَصَ بِبَصَرِهِ، فَقَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ u ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ:} إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {.(26)

وعَنِ عُثْمَانَ بن عفَّان t قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ r مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ قَالَ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَالَ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا.(27)

وقد جُمِع القرآن كلُّه من هذا الوجه (وجه ترتيب الآيات) في زمن النبي r:

فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ r نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ.(28)

قال البيهقي: وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب: الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي r(29)

وقال ابن فارسٍ: وأما الجمع الآخر، فضمُّ الآي بعضها إلى بعضٍ، وتعقيب القصة بالقصة، فذلك شيءٌ تولاَّه رسول الله r ، كما أخبر به جبريل عن أمر ربه U(30)

مسألة: ترتيب الآيات في السورة توقيفي

انعقد الإجماع على أن ترتيب الآيات في السورة كان بتوقيف من النبي r عن الله تعالى، وأنه لا مَجال للرأي والاجتهاد فيه، ولم يُعْلَم في ذلك مُخالفٌ.(31)

قال السيوطي: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك، أما الإجماع، فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير(32) في مناسباته، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه r وأمره، من غير خلاف في هذا بين المسلمين. اهـ.(33)

قال مكي(34) وغيره: ترتيب الآيات في السور هو من النَّبِيّ r، ولما لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة.

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: ترتيب الآيات أمر واجبٌ، وحكم لازمٌ، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا.(35)

وقال في الانتصار: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذين أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان t ، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه شيء، وأن ترتيبه ونظمه ثابتٌ على ما نظمه الله تعالى، ورتب عليه رسوله من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر، ولا أخر منه مقدم (36)

وقال أيضًا: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة -على ما هي عليه الآن في المصحف- توقيف من الله تعالى، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها r(37)

والنصوص التي تدل على ذلك كثيرة، منها: حديث عثمان بن أبي العاص، وحديث عثمان بن عفان، وحديث زيد بن ثابت السابقة قريبًا.

ومنها الأحاديث في خواتيم سورة البقرة، فمنها:

عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ الأَوَاخِرُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ r فَتَلاهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.(38)

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: أُعْطِيتُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ بَيْتِ كَنْزٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي.(39)

وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ(40) أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: إِنَّ اللهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أُعْطِيتُهُمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءكُمْ فَإِنَّهُمَا صَلاةٌ وَقُرْآنٌ وَدُعَاءٌ.(41)

ومنها ما رواه مسلم عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ.(42)

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ r فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي فَقَالَ: يَا عُمَرُ أَلا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ.(43)

عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ } وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا { إِلَى قَوْلِهِ: } غَيْرَ إِخْرَاجٍ { قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟ قَالَ: تَدَعُهَا، يَا ابْنَ أَخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ.(44)

فهذا حديثٌ صريحٌ في أن إثبات هذه الآية في مكانِها مع نسخها توقيفي، لا يستطيع أحدٌ أن يتصرَّف فيه، لأنه لا مجال للرأي في مثله.(45)

قال السيوطي: ومن النصوص الدالة على ذلك إجمالاً: ما ثبت من قراءته r لسور عديدة كالبقرة وآل عمران والنساء في حديث حذيفة،(46) والأعراف في المغرب،(47) وقد أفلح في الصبح(48) ثم قال: تدل قراءته r لها بِمشهد من الصحابة أن ترتيب آيها توقيفيٌّ، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبًا سمعوا النبي r يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك مبلغ التواتر.(49)

ولا يَرِد على هذا الإجماع ما رواه أحمد وابن أبي داود عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ أَتَى الْحَارِثُ بْنُ خَزَمَةَ(50) بِهَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ بَرَاءةَ } لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ { إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا قَالَ لا أَدْرِي وَاللهِ إِلاَّ أَنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ r وَوَعَيْتُهَا وَحَفِظْتُهَا. فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ r، ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَتْ ثَلاَثَ آيَاتٍ لَجَعَلْتُهَا سُورَةً عَلَى حِدَةٍ فَانْظُرُوا سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَضَعُوهَا فِيهَا فَوَضَعْتُهَا فِي آخِرِ بَرَاءةَ.(51)

قال الحافظ ابن حجر: ظاهر هذا أنَّهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم، وسائر الأخبار تدل على أنَّهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلا بتوقيف.(52)

فالجواب عن هذا الخبر بوجهين:

الأول: أنه معارض للقاطع، وهو ما أجمعت عليه الأمة، ومعارض القاطع ساقطٌ عن درجة الاعتبار، فهذا خبر ساقطٌ مردودٌ على قائله.

الثاني: أنه معارض لِمَا لا يُحصى من الأخبار الدالة على خلافه.(53)

قال السيوطي:(54) يعارضه ما أخرجه ابن أبي داود أيضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُمْ جَمَعُوا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى هَذِهِ الآيَةِ مِنْ سُورَةِ بَرَاءةٌ: } ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ {،(55) فَظَنُّوا أَنَّ هَذَا آخِرُ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ r أَقْرَأَني بَعْدَهَا آيَتَيْن:ِ } لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَحِيمٌ { آخر السورة.(56)

ومثله أيضًا في الإيراد والرد حديث عبد الله بن عباس عن عثمان في سورة الأنفال وسورة براءة، وفيه قول عثمان: "فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ r وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا"، وسيأتي -إن شاء الله- الكلامُ على متنه وسنده في المبحث الآتي.

 

 (1) المفردات في غريب القرآن ص 33، وبصائر ذوي التمييز (2/63)، ولسان العرب ( أيا ) (1/185-187).

(2) بصائر ذوي التمييز (2/63).

(3) على الخلاف الذي مرَّ هل هي من ( أوى ) أو من (أيي).

(4) مجمل اللغة لابن فارس (1/106)، ولسان العرب ( أيا ) (1/185)، والبرهان في علوم القرآن (1/266).

(5) من الآية 248 من سورة البقرة.

(6) من الآية 50 من سورة المؤمنون.

(7) مجمل اللغة لابن فارس (1/106).

(8) هو محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الإفريقي المصري، جمال الدين، الإمام اللغوي الأديب، كان مولعًا باختصار كتب الأدب المطولة، فاختصر الأغاني، والذخيرة والعقد، وترك بخطه خمسمائة مجلد، وجمع في اللغة كتاب لسان العرب، ضمنه جل فوائد من سبقوه، وجوده ورتبه ترتيب الصحاح. ولد سنة 630هـ، وتوفي سنة 711هـ. مقدمة لسان العرب (1/7)، والأعلام للزركلي (7/108).

(9) لسان العرب (1/185).

(10) البرهان (1/267)، والإتقان (1/188)، وكشاف اصطلاحات الفنون (1/105).

(11) هو محمد بن علي بن القاضي محمد حامد الفاروقي الحنفي التهانوي، عالم وباحث هندي، له كشاف اصطلاحات الفنون، وسبق الغايات في نسق الآيات، توفي بعد 1158هـ. الأعلام للزركلي (6/295).

(12) كشاف اصطلاحات الفنون (1/105).

(13) الشيخ الإمام العالم المقرئ إبراهيم بن عمر بن إبراهيم أبو إسحاق، له شرح على الشاطبية كامل في معناه، وغيره من المؤلفات النافعة، توفي سنة 732هـ في رمضان ببلد الخليل u . معرفة القراء الكبار (2/743).

(14) أي: إذا كانت في غير أول القرآن أو آخره.

(15) البرهان في علوم القرآن (1/266-267)، والإتقان في علوم القرآن (1/187-188)، وكشاف اصطلاحات الفنون (1/105).

(16) البرهان في علوم القرآن (1/267)، والإتقان في علوم القرآن (1/188)، وكشاف اصطلاحات الفنون (1/105).

(17) لسان العرب (3/2147).

(18) انظر ديوان النابغة الذبياني ص 73، والبحر المحيط (1/242)، والإتقان (1/150).

(19) من الآية 21 من سورة ص.

(20) لسان العرب (سور) (3/2147)، وكشاف اصطلاحات الفنون (2/658)، والبرهان (1/263-264)، والإتقان (1/150).

(21) كشاف اصطلاحات الفنون (2/658)، والإتقان (1/150)، والبرهان (1/264).

(22) كشاف اصطلاحات الفنون (2/658)، وقال السيوطي: وقد ثبت أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار، ولولا خشية الإطالة لبينت ذلك. الإتقان (1/150).

(23) بين العلماء خلاف: هل كانت الكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن مسورة أو لا؟ انظر في ذلك: البرهان في علوم القرآن (1/265)، والإتقان في علوم القرآن (1/186-187).

(24) كشاف اصطلاحات الفنون (2/658) نقلاً عن التلويح.

(25) الأمير الفاضل المؤتَمن أبو عبد الله الثقفي الطائفي، أسلم سنة 9 مع وفد ثقيف، وأمَّره النَّبِيّ r عليهم لما رأى من عقله وحرصه على الخير والدين. أسد الغابة في معرفة الصحابة (3/579)، وسير أعلام النبلاء (2/374)، وشذرات الذهب (1/36).

(26) الآية 90 من سورة النحل، والحديث رواه أحمد في مسنده: مسند الشاميين (5/254) ح 17459.

(27) رواه أحمد في مسنده - مسند العشرة المبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086.

(28) رواه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب في فضل الشام واليمن (5/734) ح 3954 وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، والبيهقي في دلائل النبوة (7/147).

(29) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة (7/147).

(30) البرهان في علوم القرآن (1/258-259).

(31) مناهل العرفان (1/346).

(32) هو الإمام الحافظ العلامة، شيخ القراء والمحدثين بالأندلس: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي، ولد سنة 627هـ، أفاد الناس في القراءات وعللها ومعرفة طرقها، وأحكم العربية، أخذ عنه الإمام أبو حيان النحوي، توفي سنة 708هـ. تذكرة الحفاظ (4/1484).

(33) الإتقان في علوم القرآن (1/172)، وانظر البرهان في علوم القرآن (1/258).

(34) هو الإمام العلامة المقرئ، مكي بن أبي طالب القيسي، ولد سنة 355هـ، كان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، كان خيِّرًا متدينًا، مشهورًا بالصلاح، توفي سنة 437هـ. معرفة القراء الكبار (1/394)، وشذرات الذهب (3/260).

(35) البرهان في علوم القرآن (1/256)، وانظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 83.

(36) الإتقان في علوم القرآن (1/175)، وانظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 59.

(37) نقل هذا الكلام الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري (8/656).

(38) رواه البخاري في كتاب تفسير القرآن بَاب } يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا { يُذْهِبُهُ (8/51) ح 4541، ومسلم في كتاب المساقاة بَاب تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ (11/5)ح 1580.

(39) رواه أحمد في مسنده مسند الأنصار (6/188) ح 20837، 20838، و(6/229) ح 21054.

(40) هو جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، أسلم في حياة النَّبِيّ r ، وكان باليمن، فلم يره، وروى عن أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، وكان من علماء أهل الشام، من أئمة التابعين بحمص ودمشق، توفي سنة 80هـ، وقيل سنة 75هـ. أسد الغابة (1/324)، وسير أعلام النبلاء (4/76)، وشذرات الذهب (1/88).

(41) رواه الدارمي في سننه كتاب فضائل القرآن بَاب فَضْلِ أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ (2/450)ح 3390.

(42) رواه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها بَاب فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ (6/92-93) ح 809.

(43) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب نهي من أكل ثومًا … (5/51-54)567.

(44) رواه البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن بَاب } وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا { (8/48) ح 4536.

(45) مناهل العرفان (1/348).ٍ

(46) هو حديث حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ r ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً… الحديث رواه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها بَاب اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ (6/61) ح 772، وأبو داود في كتاب الصلاة باب (1/230) ح871.

(47) رواه النسائي في سننه كتاب الافتتاح الْقِرَاءة فِي الْمَغْرِبِ بِـ } المص { عن زيد بن ثابت وعائشة (2/169-170) ح 989-990-991.

(48) رواه ابن ماجه في سننه كتاب الصلاة وإقامة السنة فيها بَاب الْقِرَاءةِ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ عن عبد الله بن السائب (1/269) ح 820.

(49) الإتقان في علوم القرآن (1/173-174)، وانظر دلائل النبوة للبيهقي (7/151-152).

(50) الحارث بن خزمة الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا وأحدًا، والخندق والمشاهد كلها، وتوفي سنة 40 في خلافة علي t . أسد الغابة (1/389).

(51) رواه أحمد في مسنده مسند الصحابة بعد العشرة (1/327) ح 1717، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب قول الله U : } لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ { ص 38، وفيه محمد بن إسحاق، قال الحافظ ابن حجر: صدوق يدلس، ورمي بالقدر والتشيع. تقريب التهذيب (2/144).

(52) فتح الباري (8/654).

(53) انظر مناهل العرفان (1/349-350).

(54) الإتقان (1/174).

(55) سورة التوبة - آية 127.

(56) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب قول الله U : } لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ { ص 38، والإمام أحمد في مسند الأنصار (6/161) ح 20720.

 

 


 

المبحث الثالث: ترتيب السور

وأما ترتيب السور على ما هي عليه الآن، فاختلف: هل هو توقيف من النبي r، أو من فعل الصحابة، أو يُفَصَّل؟ على ثلاثة أقوال:

القول الأول: وهو مذهب الجمهور: أن النبي r فوَّضَ ذلك إلى أمته من بعده، يعني أن هذا الترتيب من فعل الصحابة y. ومِمَّن ذهب هذا الْمذهب الإمام مالكٌ، والقاضي أبو بكر الباقلاني فيما استقر عليه رأيه من قوليه.(1)

قال الزركشي: قال أبو الحسين أحمد بن فارسٍ في كتاب المسائل الخمس: جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطُّوال، وتعقيبها بالْمئين، فهذا الضرب هو الذي تولاه الصحابة y .ـ(2)

وقد استدلوا على مذهبهم بأدلة، منها:

أولاً: أنه لو كان ترتيب السور بتوقيف من النبي r لظهر وفشا ونقل مثله، وفي العلم بعدم ذلك النقل دليلٌ على أنه لم يكن منه r توقيف فيه.(3)

ثانيًا: أن مصاحف الصحابة y كانت مختلفة في ترتيب السور قبل جمع القرآن في عهد عثمان t، ولو كان الترتيب توقيفيًّا منقولاً عن النبي r ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجاوزوه.(4)

فمن ذلك أن مصحف أُبَيِّ بن كعب قدمت فيه النساء على آل عمران، ثم تلت آل عمران سورة الأنعام، ثم الأعراف ثم المائدة ، ومصحف ابن مسعود كان مبدوءا بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأعراف، ثم الأنعام الخ ما فيهما من خلاف مصاحفنا اليوم، وروي أن مصحف علي كان مرتبًا على النزول، فأوله سورة العلق، ثم المدثر، ثم ق، ثم المزمل ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني.(5)

ثالثًا: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى سُورَةِ الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ، فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ r مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ قَالَ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَالَ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتْ سُورَةُ الأَنْفَالِ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ سُورَةُ بَرَاءةٌ مِنْ أَوَاخِرِ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهًا بِقِصَّتِهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ r وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ.(6)

فقول عثمان t : "فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ r وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا" صريحٌ في عدم التوقيف.(7)

فهذا الحديث يدل عندهم على أن ترتيب السور لم يكن بتوقيف من النبي r ، بل كان باجتهاد من الصحابة y.

رابعًا: عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي الله عَنْهَا، إِذْ جَاءهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ وَيْحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ؟! قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ.(8)

ووجه الدلالة فيه أن السائل كان يسأل عن ترتيب السور، بدليل قول عائشة له: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ لأن السلف متفقون على المنع من قراءة القرآن منكوسًا، بأن يقرأ من آخر السورة إلى أولِها، ولو كان السائل يسأل عن ترتيب الآي لأنكرت عليه عائشة قراءة القرآن غير مؤلف.(9)

ففي هذه الأحاديث، وغيرها حجة لِمن قال إن ترتيب السور كان اجتهاديًّا، وليس بتوقيف من النبي r.

القول الثاني: أن هذا الترتيب توقيف من النبي r، وبه قالت طائفة من أهل العلم.

قال أبو جعفر النحاس:(10) المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله r ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالبٍ.(11)

وقال الكِرْماني:(12) ترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ.(13)

وقال أبو بكر بن الأنباري:(14) أنزل القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرِّق في بضعٍ وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابًا لمستخبر، ويقف جبريلُ النبيَّ r على موضع السورة والآية، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف، كله عن النبي r، فمن قَدَّم سورة أو أخَّرَها، فقد أفسد نظم الآيات.(15)

واستدلوا على ذلك بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان، ولم يُخالف منهم أحد، وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف؛ لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بِمخالفتهم، ولكنهم عدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها، ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعًا.(16)

واستدلوا بأحاديث، منها: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كان يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطه وَالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلاَدِي.(17)

فذكرها نسقًا كما استقر ترتيبها.

وعن واثلة بن الأسقع أن النبي r قال: أُعْطِيتُ مكانَ التَّوْراة السبعَ الطِّوالَ، وأُعْطِيتُ مكان الزبور الْمِئِينَ، وأُعْطِيتُ مكان الإنجيل المثانيَ، وفُضِّلْت بالمفصَّلِ.(18)

قال أبو جعفر بن النحاس: وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي r، وأنه مؤلف من ذلك الوقت.(19)

وقال مالك: إنَّما أُلِّف القرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رَسُول اللهِ r .ـ(20)

قال ابن حجر:(21) ومِمَّا يدل على أن ترتيب المصحف كان توقيفيًّا:

عَنْ أَوْسِ الثَّقَفِيِّ(22) قَالَ: كُنْتُ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ أَتَوُا النَّبِيَّ r أَسْلَمُوا مِنْ ثَقِيفٍ الحديث، وفيه: قُلْنَا مَا أَمْكَثَكَ عَنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَرَدْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ حَتَّى أَقْضِيَه.ُ قَالَ: فَسَأَلْنَا أَصْحَابَ رسول الله r حِينَ أَصْبَحْنَا، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: نُحَزِّبُهُ ثَلاَثَ سُوَرٍ وَخَمْسَ سُوَرٍ وَسَبْعَ سُوَرٍ وَتِسْعَ سُوَرٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً وَثَلاَثَ عَشْرَةَ سُورَةً وَحِزْبَ الْمُفَصَّلِ مِنْ قَافْ حَتَّى يُخْتَمَ.(23)

قال ابن حجر: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي r ...ـ (24)

قال السيوطي:(25) ومِمَّا يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت ولاءً، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاءً، بل فصل بين سورها، وفصل بين (طسم) الشعراء و(طسم) القصص بـ (طس) مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهاديًّا لذكرت المسبحات ولاءً، وأُخِّرت (طس) عن القصص.

وقد سئل ربيعة:(26) لم قُدِّمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضعٌ وثمانون سورة بمكة، وإنَّما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قُدِّمتا، وأُلِّف القرآن على علم ممن ألَّفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا مِمَّا يُنْتَهى إليه، ولا يُسْأل عنه.(27)

قال الكِرْماني: وعلى هذا الترتيب كان يعرضه r على جبريل u كل سنة، أي: ما كان يجتمع عنده منه، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين.(28)

وقال أبو بكر الباقلاني: فالذي يظهر أنه عارضه به هكذا على هذا الترتيب، وبه جزم ابن الأنباري.(29)

قال ابن حجر: وفيه نظرٌ، بل الذي يظهر أنه كان يعارضه به على ترتيب النزول.(30)

والذي يظهر -والله أعلم- قول الكرماني والباقلاني وابن الأنباري، فإنه لا يُعلم دليلٌ يدلُّ على كيفية عرض النبي r القرآن على جبريل u، وقد عُلم أن عامة(31) قراءة النبي r كانت على ما عليه ترتيب المصحف الآن.(32)

القول الثالث: أن ترتيب كثير من السور كان بتوقيف من النبي r وعلم ذلك في حياته، وأن ترتيب بعض السور كان باجتهاد من الصحابة y.

واستدلوا على ذلك بورود أحاديث تفيد ترتيب بعض السور، كالأدلة التي احتج بِها الفريق القائل بالقول الثاني، وورود آثار تصرح باجتهاد الصحابة في ترتيب بعض السور كحديث ابن عباس عن عثمان y السابق.

واختلف القائلون بِهذا القول في السور التي جاء ترتيبها عن توقيف والسور التي جاء ترتيبها عن اجتهاد:

فقال القاضي أبو محمد بن عطية: إن كثيرًا من السور قد علم ترتيبها في حياة النبي r كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل.

وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مِمَّا نصَّ عليه ابن عطية، ويبقى منها قليلٌ يُمكن أن يجري فيها الخلاف، واحتج بأحاديث منها حديث عبد الله بن مسعود، وحديث عبد الله بن عباس السابقة في أدلة القول الأول.(33)

قال ابن حجر: ترتيب بعض السور على بعض، أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيًّا، وإن كان بعضه من اجتهاد بعض الصحابة، واحتج بحديث ابن عباس السابق.(34)

قال السيوطي: والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي، إلا براءة والأنفال، ولا ينبغي أن يستدل بقراءته r سورًا ولاءً على أن ترتيبها كذلك، وحينئذ لا يَرِدُ حديث قراءته النساء قبل آل عمران؛ لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجبٍ، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز.(35)

القول الراجح

هوَّن الزركشي من أمر هذا الخلاف، فقال: والخلاف يرجع إلى اللفظ؛ لأن القائل بأن الترتيب كان عن اجتهاد منهم يقول: إنه r رمز إليهم بذلك، لعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع كلماته؛ ولِهذا قال الإمام مالك: إنَّما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي r، مع قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه: هل ذلك بتوقيف قولي، أم بِمجرد استناد فعلي، وبحيث بقي لَهم فيه مجال للنظر.(36)

قال السيوطي: وسبقه إلى ذلك أبو جعفر بن الزبير.(37)

والذي أميل إلى ترجيحه هو القول الثاني القائل بأن ترتيب سور الكتاب العزيز كلها توقيفيٌّ، بما سبق من الأدلة عند حكاية هذا القول.

أما أدلة الفريق القائل بأن ترتيب السور اجتهادي فمردودة بما يأتي:

1 - أما دعواهم أنه لو كان ترتيب السور بتوقيف من النبي r لظهر وفشا ونقل مثله، وأن في العلم بعدم ذلك النقل دليلاً على عدم التوقيف، فيجاب بأن عدم النقل ليس دليلاً على عدم وجود النص، بل إن إجماع الصحابة على هذا الترتيب دليلٌ على وجود النص بالتوقيف؛ لأنهم لا يُجمعون على خلاف السنة.(38)

2 - فإن قيل كيف يكون الصحابة y مجمعين على هذا الترتيب مع أن مصاحفهم كانت مختلفة في ترتيب السور قبل جمع القرآن في عهد عثمان t، ولو كان الترتيب توقيفيًّا منقولاً عن النبي r ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجاوزوه، وهو دليلهم الثاني، فيجاب بأنهم y إنَّما اختلفوا في هذا الترتيب بادئ الأمر، قبل أن يعلموا بالتوقيف، فلما علموا بالتوقيف تركوا ترتيب مصاحفهم، وقد يرجع الاختلاف أيضًا إلى أن مصاحفهم كانت شخصية فردية، ولم يكونوا يكتبونَها للناس، فالواحد منهم لا يُثبت في مصحفه إلا ما وصل إليه مجهوده، وقد يفوته ما لم يفت الجماعة من تحقيق أدق وعلم أوسع.(39)

3 - أما حديث ابن عباس عن عثمان،(40) وهو أقوى حججهم، فهو أوهاها إذا نظر إليه بعين التمحيص، ففيه ضعف لا يُنكر سندًا، وفيه الرد على شبهتهم متنًا:

أما من ناحية السند فإن مدار الحديث على يزيد الفارسي.(41)

قال الشيخ أحمد شاكر: وفي إسناده نظر كثير، بل هو عندي ضعيف جدًّا، بل هو حديث لا أصل له.(42)

وقد اختلف الْمُحدِّثُون في يزيد هذا، اختلافًا كثيرًا:

قال البخاري في ترجمة يزيد بن هرمز: قال عبد الرحمن بن مهدي: يزيد الفارسي هو ابن هرمز، قال: فذكرته ليحيى فلم يعرفه، قال: وكان يكون مع الأمراء.(43)

وقال ابن أبي حاتم: يزيد بن هرمز، اختلفوا فيه، هل هو يزيد الفارسي أم لا؟ فقال عبد الرحمن بن مهدي، فيما سمعت أبي يَحكي عن علي بن الْمديني عنه أنه قال: يزيد الفارسي، هو يزيد بن هرمز، وكذا قاله أحمد بن حنبل، وأنكر يحيى بن سعيد القطان أن يكونا واحدًا، فعن علي بن المديني قال: ذكرت ليحيى قول عبد الرحمن بن مهدي: إن يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز، فلم يعرفه.

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: يزيد بن هرمز هذا، ليس بيزيد الفارسي، هو سواه، وكان يزيد بن هرمز من أبناء الفرس الذين كانوا بالمدينة وجالسوا أبا هريرة، وليس هو بيزيد الفارسي البصري الذي يروي عن ابن عباس، روى عنه عوف الأعرابي.(44)

وقال ابن حبان: يزيد بن هرمز المدني، هو الذي يروي عنه عوف الأعرابي، ويقول: حدثنا يزيد الفارسي عن ابن عباس.(45)

وأثبته البخاري في الضعفاء بالاسمين: ابن هرمز والفارسي،(46) فهما ضعيفان عنده.

فعلى هذا فالحديث ضعيف، إما لضعف يزيد بن هرمز إن كان هو نفسه يزيد الفارسي، أو لجهالة أو ضعف يزيد الفارسي إن كان غير ابن هرمز.

قال العلامة أحمد شاكر: فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد برواية هذا الحديث، يكاد يكون مجهولاً، حتى شُبِّه على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك.

ثم قال: فلا علينا إذا قلنا إنه حديث لا أصل له فلا عبرة في هذا الموضع بتحسين الترمذي، ولا بتصحيح الحاكم، ولا بموافقة الذهبي، وإنَّما العبرة للحجة والدليل.(47)

وأما متنًا، فإنه يَحمل تناقضَا ظاهرًا، ويحمل طعنًا في التوقيف في ترتيب الآي.

أما التناقض، فلأنه أثبت للأنفال وبراءة اسمين مختلفين، وفيه مع ذلك أن عثمان ظن أن براءة من الأنفال فقرنَها بِها، وكان الأولى أن يقول: إنهما سورة واحدة.

قال الباقلاني: وقد تضمن ذلك أنَّهما سورتان؛ لأنه سمى كل واحدة باسمها.(48)

وأما الطعن في التوقيف في ترتيب الآي، فلأن قول عثمان: "فظننا أنَّها منها" يدل على أن النبي r لم يفصح بأمر براءة، فأضافها عثمان إلى الأنفال اجتهادًا منه t.

وهذا مخالف لِما لا يُحصى من الأخبار الصحيحة الدالة على التوقيف في ترتيب آي السور، ومخالف للإجماع المنقول عن أهل العلم على أن ترتيب آي السور ليس محلاًّ للاجتهاد، وإنَّما كان بتوقيف من النبي r.ـ(49)

كما أن قول ابن عباس: "عَمَدْتُمْ إِلَى سُورَةِ الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ" يحمل ما يرد احتجاج هؤلاء بِهذا الحديث، فهو ذا يذكر أن الأنفال من المثاني، وأن براءة من المئين، ويقول: فوضعتموهما في السبع الطوال، وهذا يدل على أن السبع الطوال كانت معلومة توقيفًا قبل الجمع، وكذلك المثاني، وكذلك المئون، وإلا فما وجه استنكار ابن عباس هذا الترتيب؟!

4 - أما حديث يوسف بن ماهك عن عَائِشَةَ -رَضِي الله عَنْهَا- فيرد عليه بأن هذا العراقي إنَّما سأل عن ترتيب السور، وكان مِمَّن يأخذ بقراءة ابن مسعود، وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة، لم يوافق أول الأمر على الرجوع عن قراءته، ولا على إعدام مصحفه، وكان تأليف مصحفه مغايرًا لتأليف مصحف عثمان، فلذا أطلق العراقي أنه غير مؤلف.(50)

وأما الفريق الثالث القائل بالتفصيل، فيجاب بنفس الأجوبة، إذ لم يأت بدليل جديد، كما يرد عليهم أيضًا بأن العلم بتوقيف البعض يدل على التوقيف في الكل، إذ لو علم الصحابة التوقيف لَما فاتَهم أن يسألوا عن كل سورة بعينها، والنبي r حَيٌّ بين أظهرهم، وإلا لكانوا -وحاشاهم- مقصرين في حفظ القرآن.

فإن قيل: إن الروايات الْمحتج بِها وأمثالها خاصة بِمحالِّها، ثم هي ظنية في الدلالة على كون الترتيب عن توقيف.

فالجواب أن إجْماع الصحابة على هذا الترتيب يدل على انسحاب ما دلت عَلَيْهِ هذه الروايات من الترتيب على كل القرآن، ويقطع الظن في دلالتها.

وإن قيل: إن الإجماع الذي استندتم إليه لا يدل على التوقيف في ترتيب جميع السور، لأنه لا يشترط أن يستند الإجماع إلى نص.

فالجواب أن أمر ترتيب السور لم يكن أمرًا حادثًا حتى يُقال إن الإجماع عليه لا يدل على نص بالتوقيف، بل إن أمرَ ترتيبِ سور القرآن معروفٌ من عهد النبي r، فلا يرد أن إجماعهم كان عن اجتهاد غير مستند إلى نص سابق.

(1) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 82، والبرهان (1/257)، وفتح الباري (8/655).

(2) البرهان في علوم القرآن - الزركشي (1/258-259).

(3) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 82.

(4) مناهل العرفان (1/353).

(5) الإتقان في علوم القرآن (1/181-183)، والبرهان في علوم القرآن (1/259)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 81، ومناهل العرفان (1/353).

(6) رواه أحمد في المسند مسند العشرة المبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086، وقال: حديث حسن.

(7) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 82.

(8) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن باب تأليف القرآن (8/654) ح 4993.

(9) انظر فتح الباري (8/655).

(10) هو العلامة إمام العربية أحمد بن محمد بن إسماعيل المصري النحوي، صاحب التصانيف، أخذ عن الزجاج، وكان من أذكياء العالم. توفي سنة 338هـ. سير أعلام النبلاء (15/401)، وشذرات الذهب (2/346).

(11) البرهان (1/258).

(12) هو تاج القراء، برهان الدين أبو القاسم محمود بن حمزة الكرماني، عالم بالقراءات، كان عجبًا في دقة الفهم وحسن الاستنباط، توفي في حدود سنة 505هـ. الأعلام للزركلي (7/168).

(13) البرهان في توجيه متشابه القرآن ص 16، والبرهان في علوم القرآن (1/259).

(14) هو الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون، محمد بن القاسم بن بشار المقرئ النحوي، ولد سنة 272هـ، ألف الدواوين الكبار في علوم القرآن والغريب والمشكل، والوقف والابتداء، وكان من أعلم الناس بنحو الكوفيين وأكثرهم حفظًا للغة. توفي سنة 328هـ. سير أعلام النبلاء (15/274)، وشذرات الذهب (2/310).

(15) البرهان (1/260).

(16) مناهل العرفان (1/354).

(17) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن باب تأليف القرآن (8/654) ح 4994.

(18) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده كتاب باب (1/136)، والبيهقي في دلائل النبوة (5/475)، وأشار إليه السيوطي بالحسن: فيض القدير شرح الجامع الصغير (1/565).

(19) البرهان (1/258).

(20) رواه أبو عمرو الداني في كتاب المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 18.

(21) فتح الباري (8/658).

(22) هو أوس بن أبي أوس الصحابي، وفد على النَّبِيّ r مع وفد الطائف، وروى حديث تحزيب القرآن. أسد الغابة (1/167).

(23) رواه أبو داود في سننه كتاب باب (2/55-56) ح 1393، وابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة باب في كم يستحب يختم القرآن (1/427) ح 1345 وأحمد في مسند المدنيين ح 15733

(24) فتح الباري (8/658).

(25) الإتقان (1/179).

(26) هو الإمام، مفتي المدينة أبو عبد الرحمن القرشي التيمي مولاهم، المشهور بربيعة الرأي، كان فقيهًا عالمًا بالحديث من أئمة الاجتهاد. توفي سنة 136هـ. سير أعلام النبلاء (6/89)، وشذرات الذهب (1/194).

(27) الإتقان (1/179).

(28) البرهان في توجيه متشابه القرآن ص 16، والبرهان في علوم القرآن (1/259).

(29) فتح الباري (8/658).

(30) فتح الباري (8/658).

(31) البرهان في علوم القرآن (1/257).

(32) من قراءته r بخلاف ترتيب المصحف: ما رواه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها بَاب اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءةِ فِي صَلاةِ اللَّيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ r ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا الحديث. صحيح مسلم مع شرح النووي (6/61) ح 772.

(33) البرهان في علوم القرآن (1/257-258)، والإتقان في علوم القرآن (1/177)، ومناهل العرفان (1/356-358).

(34) فتح الباري (8/658).

(35) الإتقان (1/179)، وانظر دلائل النبوة للبيهقي (7/152).

(36) البرهان في علوم القرآن (1/257).

(37) الإتقان في علوم القرآن (1/177).

(38) انظر الرسالة للإمام الشافعي ص 322.

(39) مناهل العرفان (1/360).

(40) وقد سبق قريبًا، وفيه قوله: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى سُورَةِ الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ.

(41) رواه أحمد في المسند مسند العشرة المبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بِها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086، وفي رواياتهم يزيد الفارسي. قال الترمذي: يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ هُوَ يَزِيدُ ابْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ وَلَمْ يُدْرِكِ ابْنَ عَبَّاسٍ. جامع الترمذي (5/272). وورد في رواية البيهقي من طريق هوذة بن خليفة عن عوف بن أبي جميلة عن يزيد الرقاشي. دلائل النبوة (7/152)، وأخرجه الحاكم من طريق هوذة بن خليفة أيضًا،ومن طريق روح بن عبادة، عن عوف عن يزيد الفارسي، وزعم أنه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي! المستدرك على الصحيحين (1/221)، و(1/330).

(42) مسند الإمام أحمد بتحقيق الشيخ أحمد شاكر (1/399).

(43) التاريخ الكبير (4/2/367)

(44) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (4/2/293).

(45) الثقات لابن حبان 5/531).

(46) الضعفاء الصغير ترجمة 407 ص 122.

(47) مسند الإمام أحمد بتحقيق الشيخ أحمد شاكر (1/399-401).

(48) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 82.

(49) راجع مسألة ترتيب الآيات في السورة توقيفي ص 26، والرد على ما يورد من الشبهة بِهذا الحديث ص 28.

(50) انظر فتح الباري (8/655).


الفصل الرابع

العرضة الأخيرة

 

 

المبحث الأول: عرض القرآن في كل سنة على جبريل

كان من عناية النبي r بالقرآن الكريم -كما سبق- حفظُه واستظهارُه، وكان لذلك يعرض القرآن على جبريل u، ليؤكد حفظه، وليعلم ما طرأ عليه نسخ منه، وليعلم ما يؤمر به من القراءة على الأحرف السبعة، وليتعلم منه معانيه.

فكان جبريل ينزل على النبي r في شهر القرآن من كل سنة فيدارسه فيما نزل عليه حتى وقت المدارسة، يقرأ على النبي r، ويقرأ عليه النبي r:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ r أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللهِ r أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.(1)

فلفظ المدارسة يحتمل أن كلاًّ منهما كان يعرض على الآخر، وفي رواية: يعرض عليه رسول الله r القرآن، وفي رواية: يَعرض على النبي r القرآن. أي: جبريل u . فهاتان الروايتان صريحتان في أن كلاًّ منهما كان يعرض على الآخر.(2)

قال الكوثري:(3) والمعارضة تكون بقراءة هذا مرة واستماع ذاك، ثم قراءة ذاك واستماع هذا، تحقيقًا لِمعنى المشاركة، فتكون القراءة بينهما في كل سنة مرتين.(4)

ويظهر أن عرض القرآن في كل سنة مرة كان لفوائد كثيرة، منها:

1 - تأكيد الحفظ والاستظهار.

2 - معرف ما طرأ عليه النسخ من القرآن.

3 - معرفة الأحرف السبعة التي أُمر بقراءة القرآن عليها.

4 - معرفة معاني ما يحتاج إلى معرفة معانيه من القرآن، أو مدارسة ما عُرِف من هذه المعاني.

ترتيب عرض النبي r القرآن على جبريل u:

لم ترد رواية تصرح بالترتيب الذي عرض به النبي r القرآن على جبريل u ، ومن ثَمَّ فقد اختلف العلماء في هذا الترتيب:

فذهب بعضهم إلى أن العرض كان على ترتيب القرآن الذي بين أيدينا:

قال أبو بكر الباقلاني: فالذي يظهر أنه عارضه به هكذا على هذا الترتيب (يعني ترتيب المصحف الآن) ، وبه جزم ابن الأنباري. (5)

قال الكِرْماني: وعلى هذا الترتيب كان يعرضه r على جبريل u كل سنة، أي: ما كان يجتمع عنده منه، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين.(6)

وذهب بعض العلماء إلى أن العرض كان على ترتيب النزول:

قال ابن حجر: وفيه نظرٌ (يعني قول الباقلاني)، بل الذي يظهر أنه كان يعارضه به على ترتيب النزول.(7)

والذي يظهر -والله أعلم- قول الكرماني والباقلاني وابن الأنباري، فإنه لا يُعلم دليلٌ يدل على كيفية عرض النبي r القرآن على جبريل u، وقد عُلم أن عامة قراءته (8) r كانت على ما عليه ترتيب المصحف الآن.(9)

المبحث الثاني: العرضة الأخيرة للقرآن الكريم

لما كانت معارضة النبي r لِجبريل بالقرآن بغرض تأكيد الحفظ والاستظهار وغير ذلك من الفوائد كما سبق، وكانت الحاجة إلى هذا التأكيد بعد وفاة النبي r آكد، فلما اقترب زمن وفاة النبي r عارضه جبريل u بالقرآن مرتين، وذلك في رمضان من السنة التي تُوُفِّي فيها r ، وكان ذلك إرهاصًا بقرب انتقاله r إلى الرفيق الأعلى:

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ r يَعْرِضُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَلَى جِبْرِيلَ، فَيُصْبِحُ رَسُولُ اللهِ r مِنْ لَيْلَتِهِ الَّتِي يَعْرِضُ فِيهَا مَا يَعْرِضُ وَهُوَ أَجْوَدُ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، لا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَعْطَاهُ، حَتَّى كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي هَلَكَ بَعْدَهُ عَرَضَ فِيهِ عَرْضَتَيْنِ.(10)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ r الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ.(11)

وعَنْ عائشةَ في حديث وفاة النبي r أنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ: إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيَّ فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ u كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ قَدْ حَضَرَ أَجَلِي.(12)

قال الكوثري: فتكون القراءة بينهما في كل سنة مرتين، وفي سنة وفاته أربع مرات، فتفرَّس النبي r من تكرير المعارضة في السنة الأخيرة قربَ زمن لحوقه بالرفيق الأعلى.(13)

فكانت هذه العرضة الأخيرة بِمنْزلة الْمراجعة النهائية للكتاب الحكيم، عرض فيها القرآن الكريم مرتين، فأُثبِت فيه جميع الأوجه الثابتة غير المنسوخة، وترك ما نُسِخ منه، فما ثبت في هذه العرضة هو القرآن المحكم المعجز المُتَعَبَّد بتلاوته إلى يوم القيامة، وما لم يثبت فإما أن يكون قرآنًا منسوخًا، وإما أنه ليس بقرآن، وكلاهما ليس له حكم القرآن من التعبد والإعجاز.

وأما ما نزل بعد رمضان الأخير من زمن النبي r -وهو رمضان سنة عشر من الهجرة، وتوفي النبي r في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وقد نزل قرآن فيما بعد ذلك الرمضان، فكأن الذي نزل بعد تلك العرضة لَمَّا كان قليلاً اغتفر أمر معارضته.(14)

ومما نزل بين هذه العرضة الأخيرة وبين وفاة النَّبِيّ r

1 - قوله تعالى: } الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا {،(15) فقد نزلت في يوم عرفة والنبي r بِها باتفاق.(16)

2 - آية الربا، وهي قوله U : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا{،(17) فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا، قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ r آيَةُ الرِّبَا.(18)

3 - قوله U: } وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلىَ اللهِ {،(19) وقد ورد أنَّها آخر ما نزل من القرآن الكريم.(20)

4 - آية الدَّيْن، وهي قوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ {،(21) الآية. فقد ورد عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.(22)

قال السيوطي: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات، في آيـة الربا، } وَاتَّقُوا يَوْمًا { ، وآية الدين؛ لأن الظاهر أنَّها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، ولأنَّها في قصة واحدة، فأخبر كلٌّ عن بعض ما نزل بأنه آخِرٌ، وذلك صحيح.(23)

من حضر العرضة الأخيرة من الصحابة

كان تعويل الصحابة y في قراءة القرآن، ثم في جمعه بعد زمن النبي r على تلك العرضة الأخيرة؛ لأن ما لم يثبت فيها من أوجه القراءة فقد نسخ، وما ثبت فيها فهو القرآن المُتَعَبَّد بتلاوته إلى يوم القيامة.

ولا شك أن النبي r كان يخبر أصحابه بِما يطرأ على آيات الكتاب من النسخ، وبِما يُحتاج إلى معرفته من معاني الكتاب التي تعلمها من جبريل u.

وقد ورد من الروايات ما يدل على أن من الصحابة y من حضر تلك العرضة كزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود وغيرهم y.

قال أبو عبد الرحمن السلمي:(24) قرأ زيد بن ثابتً على رَسُول اللهِ r في العام الذي توفَّاه الله فيه مرتين، وإنَّما سمِّيَت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرَسُول اللهِ r ، وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بِها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف.(25)

وَعَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيُّ الْقِرَاءتَيْنِ تَعُدُّونَ أَوَّلَ؟ قَالُوا: قِرَاءةَ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: لا بَلْ هِيَ الآخِرَةُ، كَانَ يُعْرَضُ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ r فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، فَشَهِدَهُ عَبْدُ اللهِ فَعَلِمَ مَا نُسِخَ مِنْهُ و&